2011 11 18 إصلاح مناهج الفكر - كلمة حق

2011 11 18 إصلاح مناهج الفكر

51 دقيقة
  • مناهج الفكر الإسلامي هي طرق التفكير المرتبطة بأصول الإسلام، والفكر هو ثمرة بشرية للتفكر، بينما الوحي ليس فكراً.
  • توجد حاجة ماسة إلى إصلاح مناهج الفكر الإسلامي بسبب تراكم مقولات وآراء تحتاج إلى إعادة نظر، مثل مسألة نسخ آية السيف لمئات الآيات رغم عدم ورود كلمة "السيف" في القرآن.
  • دعا علماء مجددون كالعطار والطهطاوي والأفغاني ومحمد عبده وشلتوت إلى إصلاح مناهج الفكر منذ بداية العصر الحديث.
  • من أسباب الخلل: الخلط بين ما هو ثابت وما هو اجتهاد بشري، وتقديس أقوال الأئمة بدلاً من النصوص المؤسسة.
  • إصلاح مناهج الفكر يتطلب التمييز بين وصف الواقع والتشريع، وفهم ملابسات النصوص، والتفريق بين السنة التشريعية وغير التشريعية.
  • هذا الإصلاح ضروري لتصحيح العلاقة مع الواقع، وإدراك المصالح والمقاصد، وتقديم إسلام يواكب العصر.
  • ينبغي إعادة الاتصال بين الفكر والعلم، فالفكر رافد للعلم يجدده ويطوره.
محتويات الفيديو(56 أقسام)

مقدمة الحلقة والترحيب بالضيوف وطرح موضوع مناهج الفكر الإسلامي

[المذيع]: شكرًا، ما شاء الله، وأبدأ بضيوفي الكرام. فضيلة علّامة الدين الإسلامي ومفتي الديار المصرية، الأستاذ الدكتور علي جمعة، أرحب بفضيلتك، أهلًا وسهلًا بك.

ومعنا أيضًا الأستاذ وعالمنا الجليل، عضو هيئة كبار العلماء، الأستاذ الدكتور محمد عمارة، المفكر الإسلامي الكبير، أرحب بفضيلتك دكتور محمد، أهلًا بكم.

وكالمعتاد، بناءً على طلب فضيلة المفتي، سنبدأ مع فضيلتكم الحديث عن مناهج الفكر الإسلامي. إذا أردنا أن نبسط للسادة المشاهدين ونعطي ما يشبه الإطلالة على واقع مناهج الفكر الإسلامي وسمات هذا الفكر، فما هي أبرز ملامحه؟

تعريف مناهج الفكر الإسلامي والفرق بين الوحي والفكر البشري

[الشيخ محمد عمارة]: بسم الله الرحمن الرحيم، الصلاة والسلام على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه أجمعين.

إن مناهج الفكر الإسلامي، المناهج هي طرق التفكير، وهي إسلامية لأنها تدور حول أصول الإسلام؛ أي أن لدينا قرآنًا وحيًا إلهيًا ليس فكرًا. نعم، إن الفكر هو ثمرة للتفكر، وهذه عملية بشرية إنسانية، والوحي لا يُسمى فكرًا ولا يُطلق عليه لفظ الفكر.

الفكر هو فكر بشري، ثمرة للتفكر والتدبر والتأمل والتعقل، وهو إسلامي لأنه يدور حول مصادر الإسلام؛ حول الكتاب والسنة. فالكتاب هو وحي إلهي، والسنة هي البيان النبوي للبلاغ القرآني. هذا من حيث مصطلح الفكر الإسلامي.

والمناهج فهي الطرق التي توصل إلى هذا الفكر الذي يدور حول أصول الإسلام في الكتاب والسنة.

الحاجة إلى إصلاح مناهج الفكر الإسلامي ودعوة العلماء منذ الشيخ حسن العطار

[الشيخ محمد عمارة]: أما بخصوص قضية موضوعنا وهو إصلاح مناهج الفكر الإسلامي، فهذا يطرح: هل هناك حاجة فعلًا إلى إصلاح مناهج الفكر الإسلامي، أم أن كل شيء على ما يرام وليس في الإمكان أفضل مما هو كائن؟

نحن في حاجة شديدة إلى إصلاح مناهج الفكر الإسلامي، وهذه الدعوة ليست حديثة. منذ أن بدأت بلادنا في مصر وفي الشرق تستيقظ على الغزو الغربي — غزوة بونابارت — الشيخ حسن العطار عليه رحمة الله، وهو إمام الدعوة إلى التجديد في العصر الحديث، كانت له عبارة لما احتك بعلماء الحملة الفرنسية وقال: إن بلادنا لا بد أن تتغير ويتجدد بها من العلوم والمعارف ما ليس فيها.

لأن العصر المملوكي والعصر العثماني أدى إلى نوع من العزلة الفكرية ومن سيادة سمات كثيرة من الجمود والتقليد.

سلسلة العلماء المجددين من العطار إلى الغزالي ودعوتهم لإصلاح الفكر

[الشيخ محمد عمارة]: ومن هنا بدأ منذ الشيخ العطار وتلميذه رفاعة الطهطاوي وسلسلة علمائنا؛ جاء الأفغاني ومحمد عبده ورشيد رضا ومصطفى عبد الرازق والمراغي، وكل هؤلاء العلماء، والخضر حسين، وإلى هذه السلسلة حتى — يعني — شيخنا الغزالي وغيره، يتحدثون عن ضرورة إصلاح مناهج الفكر.

لأنه إذا كان الفكر هو طريقتنا في التفكر والتدبر حول القرآن والسنة، سنجد هناك في تراثنا كثيرًا من المقولات وكثيرًا من الآراء التي تحتاج إلى إعادة النظر فيها. وسأضرب مثالًا أو بعض الأمثلة، لأنه سيتوالى الحديث في هذا اللقاء إن شاء الله.

مثال آية السيف ونسخها لأكثر من مائتي آية وخطورة هذا الادعاء

[الشيخ محمد عمارة]: وإنني أتأمل عندما أقرأ في كتب التفسير فأجد أغلب كتب التفسير تتحدث عن أن آية السيف نسخت أكثر من مائتي آية في القرآن الكريم. والناس تنقل هذا الكلام، وأعداء الإسلام يستغلون مثل هذه الصيغة، وتأتي جماعات العنف فتتحدث عن أن آية السيف نسخت الرحمة والعفو والصفح.

حتى إن بعض المفسرين يقولون إنها نسخت:

﴿لَآ إِكْرَاهَ فِى ٱلدِّينِ﴾ [البقرة: 256]

ألم يتأمل واحد من الذين قالوا هذا الكلام أن القرآن ليست فيه كلمة السيف؟ يقول "آية السيف" وكلمة السيف لم ترد في القرآن الكريم، بينما وردت في العهد القديم وفي غيره أكثر من مائة مرة. هذا دليل على أننا أمام غفلة فكرية تحتاج إلى إعادة النظر في هذا الموضوع.

إعادة النظر في مفهوم النسخ ومعنى كلمة آية في القرآن الكريم

[الشيخ محمد عمارة]: حتى الكلام عن أن هناك نسخًا، هذا موضوع يجب أن يُعاد النظر فيه؛ لأن كلمة "آية" في قوله تعالى:

﴿مَا نَنسَخْ مِنْ ءَايَةٍ﴾ [البقرة: 106]

كلمة "آية" وردت في القرآن الكريم أربعًا وثمانين مرة، جميعها بمعنى المعجزة والعلامة وليس بمعنى الآية القرآنية.

﴿وَإِذَا بَدَّلْنَآ ءَايَةً مَّكَانَ ءَايَةٍ﴾ [النحل: 101]

أي معجزة مكان معجزة، والقرآن يقول:

﴿لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِهِ

⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [الأنعام: 115]

إذن، ألا يحتاج هذا الأمر الشائع في كل بلاد الإسلام وفي كثير — أو في أغلب — كتب التفسير، والناس يتحدثون على المنابر، أليس هذا لونًا من الفكر في حاجة إلى إصلاح وفي حاجة إلى إعادة صحيح النظر؟

الحاجة إلى تنقية التراث من الإسرائيليات ومشروع الشيخ شلتوت

[الشيخ محمد عمارة]: خذ على سبيل المثال مثالًا آخر في الحديث النبوي. الحديث النبوي خُدم خدمة عظمى في الرواية، ونحن لدينا علم الجرح والتعديل نفاخر به الأمم.

الإسرائيليات التي تسربت، والقصص التي تسربت — والإسرائيليات جزء أساسي في هذا — تسربت في كثير من كتب التفسير. ألا يحتاج منهاج النظر في تفسير القرآن الكريم إلى تنقية وإعادة نظر في هذا الموضوع؟

أعني أنني قرأت للشيخ شلتوت رحمه الله، عندما دخل هيئة كبار العلماء سنة ألف وتسعمائة وواحد وأربعين وكان أصغر الأعضاء سنًا، فقدم مشروعًا فكريًا منه تنقية التراث من الإسرائيليات. مضى على هذا الاقتراح الآن سبعون سنة لم يُنفذ.

ألا نحتاج إلى إعادة نظر في مناهج فكرنا حول القرآن والسنة والنظر إلى التراث؟

التمييز بين المقدس والفكر البشري والدعوة لإصلاح المناهج في المؤسسات

[الشيخ محمد عمارة]: لدينا تراث، عندنا موروث. المقدس هو القرآن والسنة، لكن الفكر البشري يُؤخذ منه ويُرد عليه. ألا نحتاج إلى إصلاح مناهج الفكر المتعلقة بالنظر في القرآن الكريم وفي السنة النبوية؟

أرى أن هذا الموضوع يحتاج إلى أن يُوضع في جدول أعمال الكليات الشرعية ومؤسسات العلم الديني وهيئات الإفتاء والمجامع الفقهية. وسوف نتحدث بالتفصيل عن هذا — الرؤية الإسلامية — إلى آخره.

سؤال المذيع عن رؤية المفتي لمفهوم إصلاح مناهج الفكر والحاجة إليه

[المذيع]: يعني ما طرحه فضيلة الأستاذ الدكتور محمد عمارة، فضيلة مفتي الديار المصرية، يدفعنا للسؤال مرة أخرى عن رؤية فضيلتكم لمفهوم إصلاح مناهج الفكر الإسلامي. لأن البعض قد يقول: ما الحاجة الآن إلى إصلاح هذا الفكر في ظل أن ربما الأمور ليست مؤاتية أو الظروف ليست مواتية؟ فالناس منشغلون بشؤونهم اليومية وأمورهم الحياتية وأحوالهم الاقتصادية. فكيف ترى فضيلتكم هذا الأمر والحاجة إليه؟

[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. لا تصح الفروع ما لم تصح الأصول. نعم، وهذا الموضوع — وهو إصلاح مناهج الفكر — هو من الأصول والمفاتيح التي لا نستطيع أن ندخل العصر الحديث وأن نصحح صورة الإسلام عند العالمين، أن ننطلق بفقهنا غضًا طريًا يواكب المصالح والمقاصد ويحقق للناس حياة يسيرة في ظل الكتاب والسنة ولا يخرج عنهما، إلا بإصلاح مناهج الفكر.

معنى الإصلاح ونوعا الخلل في مناهج الفكر الإسلامي

[الشيخ]: وكلمة إصلاح معناها أن خللًا ما قد أصاب هذه المناهج. إما أن يكون خللًا أصيلًا ينبغي أن نتخلص منه، وإما أن يكون قد تقادم عليه الزمان فلم يعد هذا المنهج الذي كان جائزًا في زمن ما ليس جائزًا في هذا الزمن.

حتى نصل إلى تحقيق مراد الشرع ومراد الله سبحانه وتعالى من شرعه، فلا نُكِرّ على الشريعة بالبطلان بالتمسك بمناهج قد تكون حققت فوائد في زمانها لكنها لا تحقق فوائد الآن.

إذن نحن أمام إصلاح نوعين من الخطأ: خطأ أصيل، وخطأ تنفيذي لأنه قد تجاوزه الزمان.

الفرق بين الخطأ الأصيل في المنهج والتمسك بمسائل تجاوزها الزمن

[الشيخ]: الخطأ الأصيل يتعلق إذن بمنهج النظر، والخطأ الذي تجاوزه الزمان هو التمسك بالمسائل؛ أي نتمسك بمسائل السلف الصالح التي أدّوها عندما صدرت منهم لوجه الله، لإصلاح الأرض ولتزكية النفس، لتنفيذ أوامر الله ورسوله.

لكن الآن لم يعد تطبيق هذا نوعًا من أنواع الطاعة، بل أصبح نوعًا من أنواع هدم الشريعة نفسها. ولذلك يجب علينا أن نتخلص من المسائل التي تجاوزها الزمن، حتى لو تمسكنا بالمناهج نفسها التي أفرزتها، ولكنها ستفرز أيضًا مسائل أخرى سوف نعيش فيها هذا التأصيل وهذا الفكر وهذا العمل.

دور الشيخ حسن العطار ورفاعة الطهطاوي في إصلاح مناهج الفكر

[الشيخ]: الحقيقة أنه منذ الشيخ حسن العطار عندما لاحظ أن شيئًا ما لدى الحملة الفرنسية نفتقر إليه، وأنهم قد عرفوا مفتاحًا غائبًا عنا، ولذلك هو الذي رشّح رفاعة الطهطاوي للبعثة — ما شاء الله — وأمره ألا تغيب عنه غائبة ولا شيء إلا أحصاها وكتبها.

وأخذ رفاعة من هناك يرسل رسائله إلى أستاذه حسن العطار، حتى صار بعد ذلك إمامًا للأزهر. نعم، وكان كما هو معتاد في الأزهر من أصول مغربية، لكنه تمصّر وبقي واستمر في الأزهر، وأنشأ الحلقة الأزهرية بالطلاب النجباء يحاول بها جمع ما فعلته الحملة الفرنسية في مصر من قتل العلماء.

جرائم الحملة الفرنسية في قتل العلماء وتصفية بذور النهضة

[الشيخ]: الحملة الفرنسية عندما جاءت قتلت خمسة كل يوم كما يُقر نابليون في مذكراته، وكما يشير إلى ذلك الجبرتي في [عجائب الآثار]. الجبرتي ذكرها في نصف سطر أنهم كانوا يقتلون خمسة من العلماء كل يوم ولا يعرف الناس.

وهذا نابليون في مذكراته ذكر أنه لا يصلح معهم إلا هذا الذي هو التصفية الجسدية. ألف وخمسمائة عالم ماتوا، كانوا هم بذور النهضة كما يقول محمود شاكر رحمه الله تعالى في [الطريق إلى ثقافتنا].

كانوا هم أبناء المرتضى الزبيدي، وكانوا هم أبناء عبد القادر البغدادي.

مشروع عبد القادر البغدادي في إصلاح اللغة لإصلاح الفكر

[الشيخ]: عبد القادر البغدادي كان لديه مشروع يريد أن يعيد الفكر المستقيم — إصلاح مناهج الفكر — كيف يستقيم الفكر؟ قال إنه لا يستقيم إلا باللغة، فلا بد أن تصبح اللغة عندنا ملكة. فألّف كتبه من أجل إرجاع ملكة اللغة العربية التي كادت أن تُفقد، في [خزانة الأدب] و[لب لباب لسان العرب].

وبدأ يتعمق في شرح الشواهد، ولا يكتفي بالبيت فقط: هذا البيت من أي قصيدة؟ كيف رُويت إلينا؟ من القائل؟ ما حياته؟ هذا القائل كيف كان يشعر وكيف كان يذهب وكيف كان يجيء؟

الحقيقة أنه كتب كتبًا ممتعة، شرح بانت سعاد في ثلاثة مجلدات ممتعة، حتى أن الناس تمنوا لو أنه شرح البخاري بهذه الطريقة العجيبة التي توصلك إلى أعماق الأعماق. كل ذلك لأنه كان يرى أن إصلاح اللغة فيه إصلاح للفكر. هذا برنامج عملي.

مشروع المرتضى الزبيدي في إصلاح الفكر بالأخلاق واللغة والتوثيق

[الشيخ]: ثم جاء المرتضى الزبيدي وكأنه قال — هذا يعني نستنبط من كتبه، من عمله، من فعله، من طريقته — كأنه قال: إن اللغة وحدها وهي مهمة لا تكفي لإصلاح الفكر، بل يجب علينا أن نضم إليها قضية أخرى وهي الأخلاق. نعم، القيم؛ لأننا نبني اللسان ونبني النفوس والجنان. يا سلام!

فذهب فوجد الذي يحقق له هذا كتاب ماتع للإمام الغزالي أيضًا، في عنوانه ما يشير إلى إصلاح مناهج الفكر: [إحياء علوم الدين]. كتاب مشهور، فشرحه في عشرة مجلدات كبيرة — لكن لو طُبع الآن بالطريقة الحديثة لخرج أربعين كتابًا.

وشرح كتاب [القاموس المحيط] — والقاموس الوسيط فيما ذهب من لغة العرب شماطيط — في [تاج العروس شرح القاموس].

الأركان الثلاثة لإصلاح الفكر: اللغة والأخلاق والتوثيق

[الشيخ]: وأسس لبرنامج، قال: يا جماعة، نحن نريد ثلاثة أركان: اللغة، والأخلاق، وقضية التوثيق. ولذلك اهتم جدًا بعلم الحديث وبالعلوم التي وثّقت النقل.

فمن هم الذين قُتلوا؟ هؤلاء تلامذة الشيخ — صحيح — وتلامذة أمثالهم من العلماء الذين لم يذكر التاريخ أسماءهم، وبذلوا الجهد الكبير في إحداث نهضة.

هذه النهضة هي التي أخافت نابليون، هذه النهضة هي التي أخافت قبل ذلك لويس. ولذلك لما جاء نابليون وجد في خزائن لويس هذه الحملة اللعينة التي يريد بعض الناس أن يحتفلوا بها وبذكراها محتلين لمصر.

برنامج إصلاح مناهج الفكر الثلاثي والتطور البطيء منذ حسن العطار

[الشيخ]: إصلاح مناهج الفكر كان له برنامج ثلاثي قبل حسن العطار: اللغة حتى يستقيم الفكر، والتوثيق حتى يستقيم الاستدلال، ثم الأخلاق حتى تستقيم الحياة.

نحن لدينا برنامج كامل. أريد أن أقول أنه منذ حسن العطار إلى الآن نحن تطورنا، ليس على سبيل أن كل شيء تمام يا سيدي، ولكن فعلًا مناهج التفكير التي نعالجها الآن قد تغيرت. ولكن ليس التغيير المرجو، وليس بالوضوح، وليس بالاتفاق عليها.

أي عندما أقول محمد عبده — نعم — لكن محمد عبده كان عبد الرحمن الشربيني ضده في معارضات. لا يوجد توافق بعد مائة سنة.

الاعتراف المتأخر بمحمد عبده والمقاومة التي واجهها في حياته

[الشيخ]: محمد عبده أصبح عندما جاء عام ألفين وخمسة يكون ميتًا له مائة سنة، عقدنا سبعة مؤتمرات للاحتفال بمحمد عبده. محمد عبده أُطلق اسمه على الأزهر — الله — يعني اعتُرف به.

بعد ما كان هنا في المزينين وُلد بائع جرائد يبيع شيئًا اسمه "حمارة منيتي"، فلما يخرج يقول: "المفتي والحمارة، المفتي والحمارة"؛ لأنها كانت تشتم محمد عبده وتستهزئ به.

وهكذا صحافة هذا الزمن لم تتقبل محمد عبده القبول المناسب لفكره. وهكذا إلى آخره، لم يُتفق عليه.

علة بطء إصلاح مناهج الفكر وقلة الموافقين وكثرة الرافضين

[الشيخ]: هذا هو، هذه هي العلة: أننا إذا ما دعونا الناس بإخلاص إلى مناهج وإلى تصحيح المناهج، رأينا القليل هو الذي يوافق والكثير هو الذي يرفض. ثم نجلس مائة سنة حتى نعترف بأن هذا هو الصحيح وهذا هو الذي سيُنشئ وهذا هو الذي سننطلق به.

هذه هي العلة، لكن في الحقيقة إننا خطونا خطى السلحفاة؛ أي خطونا خطوتين ثلاثًا أربعًا خمسًا.

محمد عبده والتحرر من التقيد بالمذهب الحنفي في الإفتاء

[الشيخ]: لا تتصور أن محمد عبده كان مالكيًا، وكان الإفتاء في ذلك الحين يتقيد بالمذهب الحنفي. رأى الأمرين حتى أنه أشار إلى أن نأخذ من المذاهب الأربعة ونترك التقيد بالمذهب الحنفي.

وله محاولات على استحياء؛ لأن ذلك يهيج عليه الدنيا، لأن المذاهب حينئذ عُوملت معاملة الديانات. لأنه في الحرم كان يُصلّى أربع جماعات! فتخيل أنه صُلّي في الحرم أربع جماعات: جماعة للشافعية والمالكية والحنفية والحنابلة.

حتى سنة ألف وتسعمائة وستة وخمسين، وحاول الملك عبد العزيز أن يجمعهم على رجل واحد.

توحيد جماعات الحرم على يد عبد الظاهر أبو السمح

[الشيخ]: فقالوا له [للملك عبد العزيز]: لو جئت بشافعي فسيتخاصم معك الباقون، لو جئت بحنفي فسيتخاصم الباقون معك. فذهب فجاء بواحد اسمه عبد الظاهر أبو السمح، وكان حسن الصوت جميل الأداء، وكان يسمي نفسه أنه من أهل الحديث؛ أي غير منتمٍ لمذهب. وجعله إمامًا للحرم.

وعبد الظاهر أبو السمح هو أول من وحّد جماعات الحرم. قل مثل هذا قبل هذا في الأزهر الشريف؛ في الأزهر الشريف وجدنا أن الشافعية يصلون العشاء قبل الحنفية.

أي أننا تطورنا وسرنا، لكن الخطوات بطيئة وليست مُجمعًا عليها.

التباطؤ في إصلاح مناهج الفكر بين الخوف والرجاء

[الشيخ]: لا توجد:

﴿وَسَارِعُوٓا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ [آل عمران: 133]

لا توجد هذه المسارعة. في تباطؤ شديد، خوف شديد. في بعض الأحيان يكون خوفًا من الله، وفي بعض الأحيان يكون خوفًا من الحياة، وفي بعض الأحيان يكون خوفًا من الداعي إلى هذا.

ولكنه في النهاية هو خوف، وطريق الله لا يُبنى على الخوف وحده. يُبنى على الخوف والرجاء، يُبنى على الثقة والألفة، ولا يُبنى على التشرذم والتفرق.

خطونا خطوات لكنها غير كافية، لكنها لم يُتفق عليها. أمامنا الطريق طويل فيما ذكره الدكتور عمارة وفي غير ما ذكره. الطريق طويل في إصلاح مناهج الفكر.

الحاجة إلى تصحيح الأصول قبل الفروع والثقافة السائدة تعيق الإصلاح

[الشيخ]: فإذن نحن نحتاج إلى إصلاح مناهج الفكر، نحتاج إلى تصحيح الأصول قبل الفروع حتى تصح الفروع، في منتهى البساطة. بعد ذلك، ولكن الثقافة السائدة تميل إلى تحقيق العمل، وأمامنا طريق طويل.

[المذيع]: إذن فضيلة الأستاذ الدكتور عمارة، يبقى ثبت الحاجة إلى إصلاح مناهج الفكر كما تفضلت فضيلتكم وفضيلة مفتي الديار. كيف نسارع كما تفضل فضيلة المفتي، وما هو المطلوب؟ ما هي الأمور المطلوبة لإصلاح مناهج الفكر انطلاقًا مما تفضل به فضيلة المفتي؟

احتفال العلمانيين بالحملة الفرنسية وتزييف التاريخ حول بونابرت

[الشيخ محمد عمارة]: يعني أحاول أن أشير عرضًا قبل الدخول في قلب الموضوع إلى موضوع نابليون، لأن هذا أيضًا متعلق بإصلاح مناهج الفكر.

لدينا في سنة ألف وتسعمائة وثمانية وتسعين، المثقفون العلمانيون الذين يسمون أنفسهم الليبراليين وعلمانيين، احتفلوا عامين كاملين مع فرنسا بذكرى حملة بونابرت. وأنا أيامها كتبت دراسة: "الاحتفال بالاستقلال أم بالاحتلال".

احتفلوا عامين كاملين بغزوة بونابرت على أساس أن غزوة بونابرت هذه هي التي جلبت لنا الحضارة والتي مدّنتنا.

جرائم نابليون في مصر وقتل العلماء وإبادة سُبع الشعب المصري

[الشيخ محمد عمارة]: ونحن رأينا الآن كلام فضيلة المفتي كيف يقتلون كل يوم خمسة من العلماء؛ لأنه يريد قتل التقدم والنهضة عند هذه الأمة. هذا بعمد وإصرار، كان يقتل كل يوم خمسة من العلماء.

قتل ثلاثمائة ألف مصري من شعب كان تعداده أقل من ثلاثة ملايين — يعني سُبع الشعب المصري — أعلى نسبة إبادة في أي حملة من الحملات الاستعمارية خلال سنتين.

فكيف نصلح مناهج الفكر في النظر إلى التاريخ؟ في النظر إلى الحملة الفرنسية التي اعتبروها هي التي أنقذتنا والتي حضّرتنا.

تفنيد أكاذيب نسبة المجمع العلمي والمطبعة إلى نابليون

[الشيخ محمد عمارة]: وكذبوا وقالوا إن نابليون هو الذي أنشأ المجمع العلمي، مع أن المجمع العلمي أُنشئ في أيام الخديوي سعيد في خمسينيات القرن التاسع عشر؛ أي بعد أكثر من نصف قرن من حملة بونابرت.

قالوا إنه هو الذي جلب المطبعة. جلب مطبعة ليطبع بها منشوراته وأخذها معه! والمطبعة الأميرية أُنشئت عام ألف وثمانمائة وعشرين في أيام محمد علي بأموال الشعب المصري.

كذبوا في كل هذه الميادين. إذن نحن في حاجة إلى إصلاح مناهج الفكر في النظر إلى التاريخ.

إشكالية رؤية الهلال بين الرؤية البصرية والعلم الفلكي

[الشيخ محمد عمارة]: ندخل في الفكر الشرعي — وفضيلة المفتي موجود معنا — عندنا إلى الآن مشكلة في رؤية الهلال. كيف ننظر إلى:

قال رسول الله ﷺ: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته»

أنا عندما أقرأ القرآن الكريم أجد أغلب مصطلحات الرؤية بمعنى العلم:

﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَـٰبِ ٱلْفِيلِ﴾ [الفيل: 1]

فالعلم إذن هو الوسيلة العلمية لرؤية الهلال، وهي رؤية بالنص وبالمعنى القرآني؛ أي أن العلم يحقق الرؤية. أما أن نتمسك فقط بالرؤية البصرية فهذا ليس صحيحًا.

التفريق بين وصف الواقع والتشريع في حديث نحن أمة أمية

[الشيخ محمد عمارة]: عندما يكون الناس إلى الآن يواجهون هذه المشكلة — مشكلة رؤية الهلال — يقول لك:

قال رسول الله ﷺ: «نحن أمة أمية لا نكتب ولا نحسب»

هل كان يشرّع للأمية والجهل بالحساب أم يصف واقعًا؟ فرق بين أن تصف واقع أمية العرب وجهلهم بالحساب، وجاء الإسلام ليمحو أميتهم الأبجدية وليعلمهم الحساب. والقرآن يقول:

﴿لِتَعْلَمُوا عَدَدَ ٱلسِّنِينَ وَٱلْحِسَابَ﴾ [يونس: 5]

القرآن جاء يتكلم عن الكواكب ونحوه: ﴿لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾. إذن الناس الذين لا يميزون الفكر في مناهج الفكر بين وصف الواقع وبين التشريع — هل نحن الآن عندما نقول نحن من الدول المتخلفة، هل نشرّع للتخلف أم نصف واقعًا؟ إذن هذا منهج يحتاج إلى إصلاح في هذه الأمور.

أهمية الدراية في النظر إلى الحديث النبوي والتمييز بين الوصف والتشريع

[الشيخ محمد عمارة]: أنا قد أشرت إلى موضوع الدراية والرواية فيما يتعلق بالنظر في أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم. حسنًا، عندما يكون الوصف الواقع أو النبوءة السياسية شيئًا والتشريع شيء آخر.

عندما حديث:

قال رسول الله ﷺ: «لن يفلح قوم ولّوا أمرهم امرأة»

هذا الحديث يُحدث إشكالات عديدة وكثيرة في موضوع المرأة وولاية المرأة، سواء في القضاء أو غير القضاء أو في الوظائف وإلى آخره.

حديث لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة نبوءة سياسية لا تشريع عام

[الشيخ محمد عمارة]: قال الرسول صلى الله عليه وسلم هذا الحديث في الوقت الذي كانت فيه المرأة تولت أعلى مستويات الولاية السياسية في بيعة العقبة، في تأسيس الدولة الإسلامية. أعلى مستوى في الولاية السياسية في تأسيس الدولة الإسلامية — الجمعية العمومية لتأسيس الدولة الإسلامية — في بيعة أربعة وسبعين: ثلاثة وسبعين رجلًا وامرأتين من الأنصار. المرأة اشتركت في تأسيس الدولة الإسلامية.

وفي ذلك التاريخ أيضًا كانت امرأة — سمراء بنت نهيك — صحابية، ولّاها رسول الله صلى الله عليه وسلم الحسبة في السوق.

سياق حديث لن يفلح قوم كنبوءة بزوال ملك كسرى

[الشيخ محمد عمارة]: إذ كان الحديث نبوءة سياسية بزوال ملك كسرى. فمات كسرى وجاء رجل من فارس إلى المدينة، فسأل في المسجد في محضر مجلس رسول الله صلى الله عليه: من الذي تولى بعد كسرى؟ قال: ابنته.

قال رسول الله ﷺ: «لن يفلح قوم ولّوا أمرهم امرأة»

نبوءة سياسية بزوال ملك كسرى ووراثة الإسلام القيصرية والكسروية.

إذن لا بد من إصلاح مناهج النظر في ملابسات الحديث النبوي.

غياب دراسات ملابسات ورود الحديث والتمييز بين السنة التشريعية وغيرها

[الشيخ محمد عمارة]: نحن لدينا كتاب واحد الذي هو ملابسات ورود الحديث الشريف، طُبع مرة واحدة في الأزهر على نفقة الشيخ زايد. أين دراسات علماء الحديث؟ أقسام الحديث في ملابسات هذه الملابسات — مثل المذكرة التفسيرية بالنسبة للقانون.

أين ملابسات الحديث الشريف حتى يميز الناس بين الأحاديث التي تصف واقعًا والأحاديث التي تشرّع؟

موضوع السنة التشريعية وغير التشريعية؛ أي الفارق بين سنة هي جزء من الدين والرسالة تبقى دينًا وتشريعًا إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وتُؤخذ من الكتب فتُطبق، وبين سنة متعلقة بأقضية رسول الله صلى الله عليه وسلم، سنة متعلقة بإدارته للدولة، بإصلاح الأرض الموات إلى آخره.

وهذا فن فيه كتابات موجودة لا يلتفت إليها المشتغلون بعلوم الحديث وبالنظر في علوم الحديث.

خلاصة الحاجة إلى إصلاح مناهج الفكر وأثره على نهضة الأمة

[الشيخ محمد عمارة]: يعني أنا أقول لدينا مشكلات كثيرة في مناهج الفكر والنظر تحتاج إلى أن نعيد فيها النظر.

[المذيع]: بالتأكيد سيتواصل الحديث عن الحاجة إلى إصلاح مناهج الفكر الإسلامي وأثر ذلك على توافق آراء علماء الأمة ونهضة الأمة الإسلامية. الحديث يتواصل بعد هذا الفاصل مشاهدونا الكرام.

سؤال عن أثر إصلاح مناهج الفكر على التوافق الداخلي والعلاقة مع الحضارات الأخرى

[المذيع]: نعود مرة أخرى والحديث عن إصلاح مناهج الفكر. وسؤالنا لفضيلة مفتي الديار المصرية: يعني إذا أردنا أن نقول تعالوا إلى كلمة سواء، هل إصلاح مناهج الفكر يؤثر فقط في إحداث حالة من التوافق وتنقية هذا التراث المهم — التراث الإسلامي — فضيلة المفتي، أم أن يكون له أثر في العلاقة مع الحضارات والديانات الأخرى إن صح التعبير؟

[الشيخ]: إذا أصلحنا مناهج الفكر فإننا سنصلح التعامل مع إدراك الواقع، سواء مع المسلمين أو مع مستقبل البلاد والعباد أو مع ما يُطلق عليه في الأدبيات بالآخر. كل هذا سيصلح بإصلاح مناهج الفكر.

فكّر تفكيرًا مستقيمًا تصل إلى الرأي الصحيح.

علاقة إصلاح الفكر بإصلاح اللغة وأهمية التعمق في المعاني

[الشيخ]: الفكر المستقيم — أريد أن أنبه مرة أخرى أن له علاقة بإصلاح اللغة — الفكر المستقيم، ولا يستطيع الإنسان أن يتعمق في المعاني لإدراكها ثم للقيام بعملية الإبداع إلا إذا فهم فهمًا عميقًا.

وهذا لا يتأتى إلا بالتواصل مع الواقع، وهذا لا يتأتى إلا باللغة. ولذلك رأينا إصرار ألمانيا مثلًا على أنها تتمسك بالألمانية، وإصرار اليابان على أنها تتمسك باليابانية.

تجربة اليابان في دراسات المنطقة وتعلم اللغة في سياقها الحضاري

[الشيخ]: وتبدع [اليابان] شيئًا يسمى دراسات المنطقة، وتلغي في دراستها اللغات. فهي لا تدرس العربية ولا الإنجليزية ولا الصينية، هي تدرس هذه المنطقة التي فيها العربية.

فتأتي إلى مصر وتقول: حسنًا، نحن نريد أن ندرس مصر — تاريخها، ديانتها، ثقافتها، عاداتها، تقاليدها، لغتها — فتأتي اللغة في وسط دراسة المنطقة.

وهذا الآن منذ ربما ثلاثين سنة أو أربعين سنة، اليابان توقفت عن دراسة اللغة [منفصلة]، تدرس العربي في وسط دراسة المنطقة العربية. يدرسون العربية في وسط دراسة مصر وتاريخ مصر في المحيط الإقليمي.

هذا مكّنهم من استيعاب اللغة والتعمق فيها بطريقة عجيبة. اللغة كائن حي ومتصل.

إصلاح مناهج الفكر مطلب أساسي للمصريين والمسلمين وغيرهم

[الشيخ]: إذن أنا أريد أن أقول إن إصلاح مناهج الفكر هو في الواقع ليس مقصورًا على المسلمين. هذا مطلب أساسي للمصريين الآن. نصلح مناهج الفكر لأن هناك قواعد عليا للعقل نرى أنها مختلة.

حتى في هذا الحوار، فإن أبسط آداب الحوار أن تستمع إلى من أمامك، ثم أن تتفهمه، ثم بعد ذلك ترد عليه فيما قال. لكن ما يحدث الآن يُسمى — ونسميه في الأدبيات أيضًا — حوار الطرشان: لا أحد سمع أحدًا. نعم، قلت زيدًا فسمع عمرًا، وحفظ خالدًا فكتب بكرًا.

فإذن إصلاح مناهج الفكر سيفيد المسلمين وغير المسلمين، سيفيد المصريين في الأيام القادمة.

إصلاح مناهج الفكر مسألة أصلية تصح بصحتها كل التصرفات

[الشيخ]: هو مسألة أصلية يُبنى عليها وأساسية، ولذلك حان وقتها ولا بد منها، وبصحتها تصح كل التصرفات بعد ذلك بسهولة وبيسر.

الذي نجح فيه الغرب هو ما يسمونه في لغتهم "سوسايتي". وكلمة سوسايتي هذه تُترجم — يعني كأن لها كلمة صعبة نوعًا ما — هي سوسايتي تعني مجتمع. لا، هم لا يقصدون المجتمع، بل يقصدون الانتماء للمجتمع، التوافق على مشروع؛ أي أننا جميعًا انصهرنا في بوتقة السعي نحو هدف معين.

هذا هو السوسايتي. يقول لك: إن لديكم مؤسسات ولديكم نظام ولديكم قانون كذا وكذا، لكنكم تفتقدون المجتمع. نعم صحيح.

الفرق بين الإبداع الحقيقي والادعاء الكاذب وأهمية إصلاح مفهوم الإبداع

[الشيخ]: ولكن ليس الكل في واحد. الأطفال الذين يذهبون ويسعون للانتحار في البحر من أجل هذه الهجرة غير الشرعية لم يفكروا في شيء آخر إبداعي هكذا. والإبداع لا يكون إلا عن معاناة.

لأن الذي يحدث الآن أن شخصًا يسب ربه ويظن أن هذا إبداع، أن واحدًا يخربش في لوحة ويظن أن ذلك إبداع، أن واحدًا يقل أدبه على المجتمع وعلى الناس ويظن أن ذلك إبداع.

الإبداع هذه مسألة أيضًا في إصلاح مناهج الفكر عميقة جدًا وصعبة جدًا وتحتاج إلى فتح من عند الله. ولذلك هناك فرق بين المبدع وبين الحرفي.

الفرق بين المبدع والحرفي والتحذير من ادعاء ما ليس للإنسان

[الشيخ]: نحن في الخلفية خاصتنا هذه أم في الكرسي هذا، حرفي الذي صنعه. ولكن من الذي أبدع التركيبة هذه؟ آه، هذا فنان مبدع. هو ربما واحد فقط، وبعد ذلك أخذها الحرفي وعرف أنه يستطيع أن يخرج منها مائة نسخة.

صحيح، ولكن هذا حرفي. أما نحن فنريد المبدع، لا نريد البطّال العطّال الذي يدّعي شيئًا ليس له.

قال النبي ﷺ: «المتشبع بما لم يُعطَ كلابس ثوبي زور»

مسؤولية إصلاح مناهج الفكر بين العلماء والمؤسسات

[المذيع]: والحقيقة عند ذكر المؤسسات فضيلة الدكتور عمارة — الذي تفضل بذكرها فضيلة مفتي الديار المصرية — هل إصلاح مناهج الفكر هي مسؤولية المؤسسات أم مسؤولية العلماء والأفراد؟

[الشيخ محمد عمارة]: إن المسؤولية الأولى تبدأ بالعلماء، وعندما تتجمع وتتبلور جهود العلماء في مؤسسات تكون أكثر فعالية. يعني بالضبط الفرق بين صنبور ينزل قطرة وبين خرطوم يجمع هذا الماء فيصبح له قوة دفع أكبر.

تاريخ الدعوة إلى إصلاح مناهج الفكر وجهود المسلمين في صياغة فلسفة خاصة

[الشيخ محمد عمارة]: أريد أن نشير — يعني انطلاقًا مما تفضل به فضيلة المفتي — لأن الدعوة إلى إصلاح مناهج الفكر والحديث عن أنها ضرورة من الضرورات، إنها ضرورة من الضرورات، هذا له تاريخ في تراثنا.

يعني أنا قرأت لأحد المستشرقين الإيطاليين — فان بيكر — دراسة بعنوان: "جهود المسلمين لإحداث فلسفة خاصة بهم". يعني كيف اجتهد المسلمون كي لا تكون الفلسفة اليونانية هي فلسفة الإسلام والمسلمين.

وكتب هذا الرجل أن المأمون عندما ترجم الفلسفة اليونانية — فلسفة أرسطو — لم يترجمها لتكون فلسفة الإسلام والمسلمين، وإنما لتكون رد اليوناني على الغنوصية والباطنية اليونانية. يعني سلاح يوناني ضد اختراق يوناني.

علم التوحيد كفلسفة إسلامية أصيلة ومحاولات صياغة منطق إسلامي

[الشيخ محمد عمارة]: وأن فلسفة المسلمين منذ القرن الأول الهجري هي علم التوحيد، علم الكلام.

عندما يأتي الإمام الشافعي ويأتي ابن تيمية ويتحدثان عن ارتباط المنطق باللغة والعقيدة — بما أن منطق أرسطو ليس منطق عقيدتنا ولا لغتنا — فهذا المنطق الصوري لا يصلح أن يكون منطقنا.

وفيه محاولات لصياغة منطق إسلامي وميزان للعمل وقسطاس مستقيم.

الشيخ مصطفى عبد الرازق في عصرنا الحديث، في القرن العشرين، عندما تحدث عن أن علم أصول الدين وأصول الفقه يمثلان إبداع العقلية الإسلامية في الميدان الفلسفي.

إذن هناك محاولات سابقة لإصلاح مناهج الفكر فيما يتعلق بموضوع المنطق وبموضوع الفلسفة.

غياب تراث مدرسة الإحياء والتجديد من المؤسسات العلمية

[الشيخ محمد عمارة]: والجهود التي أحدثها رفاعة الطهطاوي وبخاصة محمد عبده وسلسلة العلماء الذهبيين — السلسلة الذهبية من العلماء.

أنا أتساءل: أين موقع تراث هذه المدرسة — مدرسة الإحياء والتجديد وإصلاح مناهج الفكر — في مؤسساتنا العلمية؟ لماذا لا يُدرّس محمد عبده وشلتوت ومصطفى عبد الرازق وغيرهم من العلماء في مؤسساتنا العلمية بدلًا من المذكرات؟ التي يعني نحن نعرف قيمتها ونعرف المقاصد من ورائها.

إذن أنا أقول: جهود العلماء هي نقطة البداية في إصلاح مناهج الفكر، ولا بد أن تكون هذه الجهود موجودة في المؤسسات لتكون مدرسة لتربية العقل وصناعة العقل على هذه المناهج الإصلاحية التي نتحدث عنها.

خلل الفصام بين الفكر النظري والواقع وأهمية الجمع بينهما

[الشيخ محمد عمارة]: نحن لدينا خلل في رؤية الواقع؛ بمعنى لدينا مفكرون نظريون تجريديون يعيشون في الكتب. كان في بعض التيارات الفكرية يسمونهم فئران الكتب؛ أي فئران تأكل في الكتب. فهو يعيش في النظريات ولا علاقة له بالواقع.

حسنًا، الناس الذين عاشوا في النظريات لم يصل فكرهم إلى الواقع ولا علاقة له بالواقع. جمهورية أفلاطون لم يطبقها أحد، المدينة الفاضلة للفارابي لم يطبقها أحد. لماذا؟ لأن هذا فكر نظري مجرد تجريدي لا علاقة له بالواقع.

هناك أناس يعيشون في الواقع بعيدًا عن الفكر، فيكون هذا الفصام النكد بين الأحكام والنظريات وبين الواقع. هذا منهج خاطئ في التفكير.

منهج ابن القيم وابن خلدون في الجمع بين فقه الأحكام وفقه الواقع

[الشيخ محمد عمارة]: ثم ترى واحدًا مثل ابن القيم يقول لك: سنبدأ بالفقه ثم نبحث للواقع ومشكلاته وعلامات استفهامه عن إجابات في الأحكام.

ابن خلدون له فصل في مقدمته عنوانه صادم، يقول: "فصل في أن العلماء من دون الناس لا يحسنون السياسة". لماذا؟ يعيش في الفكر النظري لا علاقة له [بالواقع].

بينما لو كان يجمع بين فقه الواقع وفقه الأحكام ويعقد القرار بين الأحكام وبين الواقع، هذا هو السياسي، هذا هو الإنسان الذي يستطيع أن يتقدم ويقدم للمجتمع إجابات على علامات الاستفهام.

نظرتنا للتراث بين الوحي المعصوم والفكر البشري القابل للنقد

[الشيخ محمد عمارة]: نظرتنا للتراث: نحن نقول إن عندنا وحيًا معصومًا وبيانًا نبويًا لهذا الوحي المعصوم. لكن كما قال مالك: كل إنسان يُؤخذ منه ويُرد عليه إلا صاحب هذا المقام — رسول الله صلى الله عليه وسلم.

طيب، ولكن هناك جاء علينا حين من الدهر، أهل الجمود والتقليد جعلوا الفكر الوسيط عازلًا بيننا وبين الكتاب والسنة. والدكتور علي أشار إلى الناس الذين كانوا يؤدون أربع صلوات لأربع جماعات في الحرم، ويقدسون أئمتهم أكثر من تقديس النصوص المؤسِّسة بالقرآن والسنة.

عزلوا وجعلوا هذا الفكر الوسيط عازلًا بيننا وبين الفكر المؤسِّسي.

ضرورة إصلاح مناهج التفكير لمواصلة الإبداع والاجتهاد مع السلف الصالح

[الشيخ محمد عمارة]: إذا كانت كل هذه الألوان من الخلل في النظر في مناهج التفكير، لكي نواصل فكرنا مع سلفنا الصالح — عصر الإبداع والتجديد والاجتهاد — لا بد أن يكون هناك إصلاح لمناهج الفكر.

ولذلك حتى نحن اليوم داخلون في أن نتكلم جميعنا عن موضوع السلفية. فما معنى السلف؟ وما السلفية الصحيحة؟ أنك تعود إلى المنبع ثم تستلهم المنبع في حل مشكلات الواقع، بدلًا من أن تهاجر من الواقع إلى الماضي، تهاجر من العصر إلى التاريخ.

ثم أسلافك: هل هم عصر الإبداع والتجديد والإحياء والتأسيس، أم أسلافك عصر التراجع الحضاري؟ إذن هذه قضية تحتاج إلى إعادة نظر، ومناهجنا في النظر إليها تحتاج إلى نوع من التجدد والتجديد.

خطورة الخلط بين الاجتهاد البشري والثابت الإلهي وأثره على إصلاح الفكر

[المذيع]: في الحقيقة ما طرحه فضيلة الدكتور عمارة بشأن تقديس البعض لأئمتهم بعيدًا عن النصوص، فضيلة مفتي الديار المصرية، يدعوني للاستفسار أو للاستيضاح من فضيلتكم حول ما طرحتموه في بداية الحلقة عن الفرق أو خطورة الخلط بين ما هو اجتهاد بشري أو ما نطلق عليه الفكر وبين ما هو ثابت إلهي. هل هذا الخلط من الممكن أن يعوق عملية إصلاح مناهج الفكر؟ وكيف نفصل، كيف يتم الفصل بين ما هو ثابت وبين ما هو إلهي؟

[الشيخ]: هو هذا ليس فقط يعوق، بل هذا هو عين الخلل: أن نخلط بين النص المطلق الذي تجاوز الزمان والمكان والأشخاص والأحوال، وبين الاجتهاد الزمني الذي عاش بإدراك واقعه من عالم الأشياء والأشخاص والأحداث والأفكار.

المجتهد ينزل المطلق على الواقع فيصير نسبيًا واختلاف المجتهدين رحمة

[الشيخ]: الواقع مكون من هذه العوالم والعلاقات البينية بينها. والمجتهد ينظر إلى هذا الواقع وينزل عليه ذلك المطلق فيصير نسبيًا. وما دام صار نسبيًا يبقى هو من إنتاج البشر.

تحدث أمور: أولًا يختلف المجتهدون في العصر الواحد حتى في تقويم ذلك الواقع — صحيح — فتختلف الآراء وكلهم مأجور عند الله؛ لأنه ليس لدينا دولة دينية بمعنى النبي المقيم. ما يوجد نبي بعد النبي، انتهى.

وإنما هي اجتهادات نقبلها من المجتهدين ونظل نقبلها من المجتهدين، ثم بعد ذلك نطبق ما نرى أو ما يراه الجمهور أنه أجدر بتحصيل المصلحة، ونغيره ونعود إليه مرة ثانية عندما تتغير الظروف.

لكن الرأي — رأي الاجتهاد — زمني؛ يعني متصل بزمنه، وهو ظني؛ يعني ليس متفقًا عليه.

مسألة قبرص ونموذج اختلاف المجتهدين في تقويم الواقع

[الشيخ]: أذكر أن هناك مسألة تسمى مسألة قبرص، أشار إليها في كتابه [الأموال] أبو عبيد القاسم بن سلام.

ومسألة قبرص هذه أن أهل قبرص كأنهم — يعني — أعلنوا العصيان والخروج عن الدولة. وأفتى فيها سبعة من الكبار وأفتوا بطرق مختلفة؛ أي على أربعة أو خمسة أقوال. منهم الليث بن سعد مثلًا — يعني رجل مجتهد كبير — كان الشافعي يقول فيه: كان أعلم من مالك إلا أن أصحابه أضاعوه.

لماذا اختلف السبعة؟ لأنهم اختلفوا في تقويم ما الذي حدث في قبرص: هل هو عصيان بمعنى الردة؟ هل هو عصيان لأن أحدهم قد تزعم الأمر والباقون خضعوا له؟ هل هو من قبيل اختيار شيء آخر غير هذه الدولة أو محاولة للاستقلال الذاتي؟ ماذا يكون؟

لأن هذه لها حكم وهذه لها حكم وهذه لها حكم.

نسبية إدراك الواقع وتجدد الفكر ومحله الواقع والنص معًا

[الشيخ]: وأورد هذا بكلام كثير يدل على أن إدراك الواقع نسبي، ولذلك سيظل الفكر متجددًا. والفكر محله الواقع؛ أي أنه يعمل في الواقع في إدراك هذا الواقع وفي إنزال الحكم عليه.

هذه فكر. الفقه محله النص: كيف نفهم هذا النص؟ وهناك جسر بين الفقه والفكر، وهناك جسر آخر بين الفكر والعلم.

نعم، العلم — الفكر طليق حر ليس له قالب نضعه فيه — ولكن العلم لا بد له من قالب نضعه فيه حتى نعلمه للأبناء في صورة تعاريف وفي صورة قواعد وفي صورة أحكام وهكذا.

الفكر رافد للعلم وانقطاعه يؤدي إلى جمود العلم وتكراره

[الشيخ]: العادة أن نهر العلم له رافد من الفكر، فدائمًا يجدده، دائمًا يطوره. إذا انقطع الفكر تجمد العلم؛ لأنه لا يوجد شيء يغذيه — صحيح — رافد.

نعم، فهنا يعيد الإنسان نفسه، وحينئذ عندما يعيد نفسه لا يكون هناك لا إصلاح ولا تجديد أو ما شابه ذلك إلى آخره، ويبقى الحال على ما هو عليه.

أما لو أن هذا العلم بحاله غُذّي بالفكر فإنه يحركه ويحدث فيه أمواجًا ويحدث فيه نقلة نوعية.

ولذلك فانقطاع الفكر عن العلم أحد المصائب التي تهدد الفكرة والعلم معًا.

أزمة انفصال المفكرين عن الواقع ونشأة مراكز التفكير في الغرب

[الشيخ]: نعم، أحد المصائب التي تجعلنا نشكو من هذه الظاهرة وهي أن بعض المفكرين أصبحوا في أبراجهم العاجية بعيدًا عن الواقع وبعيدًا عن التطبيق وبعيدًا عن التطوير.

لما نشأت الجامعات بمفاهيمها الحديثة كانت تريد أن تحول الفكر دائمًا وتغذيه بالعلم، حتى حدثت أزمة في الستينيات في العالم كله أن الفكر لم يعد يغذي العلم.

فأخذوا يعملون على الدوام مراكز التفكير — مراكز الأبحاث — نعم، مراكز لكي نفكر. لأن هؤلاء الناس أدركوا أن هناك خللًا، هنا مشكلة. فأدركوا عيبهم وطبقوا بسرعة.

وأصبحت مراكز الفكر هذه هي المراكز التي تمد صاحب القرار بالمعلومات المناسبة والفورية، وهو يصدقها في غالب الأمر، وهي متعددة حقًا وهي تجعل الفكر منطلقًا.

ضرورة إعادة الفكر رافدًا للعلم وبناء الجسر بين الفقه والفكر

[الشيخ]: إذن يجب علينا حتى نستفيد من خبرات الناس ومن خبراتنا نحن أيضًا ومن تراثنا، أن نصلح مناهج الفكر بهذه الطريقة، وأن يعود الفكر رافدًا للعلم، وأن يعود الجسر بين الفقه وبين الفكر.

وهذا أيضًا جزء لا يتجزأ من إصلاح الفكر. الفكر هو الرافد الرئيسي للعلم، ونحن بحاجة ماسة إلى إصلاح مناهج الفكر لما لها من أهمية قصوى في إعادة تقويم هذا التراث العظيم وتنقيته أيضًا من بعض الشوائب إن صح التعبير.

ختام الحلقة وشكر الضيوف على الحديث عن إصلاح مناهج الفكر الإسلامي

[المذيع]: اسمحوا لي مشاهدينا الكرام أن أشكر في ختام هذا اللقاء فضيلة مفتي الديار المصرية الأستاذ الدكتور علي جمعة، شكرًا جزيلًا لفضيلتك.

[الشيخ]: شكرًا لك.

[المذيع]: وعالمنا الجليل الأستاذ الدكتور محمد عمارة عضو هيئة كبار العلماء، شكرًا جزيلًا أستاذ محمد، شكرًا لك.