2011 12 16 القدس   مدينة السلام - كلمة حق

2011 12 16 القدس مدينة السلام

51 دقيقة
  • القدس مدينة مقدسة عند المسلمين واليهود والمسيحيين، وتمثل القبلة الأولى وثالث الحرمين الشريفين للمسلمين.
  • بناها العرب اليبوسيون قبل الميلاد بأربعة آلاف سنة، وعمر عروبتها ستون قرناً، وكان أول اسم لها "يبوس" ثم "قير سالم" (مدينة السلام).
  • دخلها المسلمون سنة 636م، وبنى عمر بن الخطاب مسجداً صغيراً، ثم بنى عبد الملك بن مروان قبة الصخرة سنة 692م.
  • تعرضت القدس للاحتلال الصليبي لمدة مائتي سنة قبل أن يحررها صلاح الدين الأيوبي.
  • يتعرض المسجد الأقصى حالياً لمحاولات تهويد ممنهجة من الصهاينة عبر الحفريات والأنفاق وتغيير المعالم الديموغرافية والطبوغرافية.
  • تتطلب مواجهة هذا الخطر إحياء ذاكرة الأمة بحقائق التاريخ، ونشر ثقافة مقدسية عبر المناهج والإعلام والخطاب الديني.
  • جميع القرارات الأممية والشرعية الدولية تؤكد أن الصهاينة محتلون للقدس ويجب عليهم المغادرة.
محتويات الفيديو(51 أقسام)

مقدمة البرنامج والترحيب بالضيوف وسؤال عن خصوصية القدس في العقيدة الإسلامية

[المذيع]: مفتي الديار المصرية، العلّامة الجليل الأستاذ الدكتور علي جمعة، نرحّب بفضيلتك، أهلًا بك. أهلًا وسهلًا، ونشكر لكم تلبية الدعوة. وضيفنا العالم الجليل الأستاذ الدكتور محمد عمارة، عضو مجمع البحوث الإسلامية، أهلًا بك دكتور عمارة، أهلًا بك، ثراءٌ دائمًا لحلقاتنا وجود فضيلتك.

مع فضيلة مفتي الديار، إنّ للقدس خصوصية يا فضيلة مفتي الديار المصرية، وعندما نتحدث عنها، ففي البداية أستأذن فضيلتكم في أن نتناول القدس في مسيرة الزمان وما تمثّله في العقيدة الإسلامية بالنسبة للمسلمين، هذه المدينة المقدسة؟

[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. بيت المقدس أو القدس هي من المدن المقدسة، وفي الحقيقة هي مقدسة أيضًا عند اليهود وعند المسيحيين وعند المسلمين على حدٍّ سواء؛ فهي من مدن الله سبحانه وتعالى التي أجمع عليها أهل الديانات.

القدس القبلة الأولى والحرم الثالث في الإسلام وحديث الإحرام من بيت المقدس

[الشيخ]: والنبي صلى الله عليه وسلم يقول:

قال رسول الله ﷺ: «من أحرم بحجة من بيت المقدس إلى مكة فقد غُفر له»

وهذا المكان المقدس عند المسلمين يمثّل القبلة الأولى، ويمثّل الحرم الثالث من مثلث الحرم الذي تركه لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم. فكما حرّم إبراهيم عليه السلام مكة، حرّم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة.

وصارت مكة والمدينة مكانًا للشعائر بالحج، أو مكانًا للزيارة؛ زيارة مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولكن المتفق عليه هو القدس بين المسلمين وبين غير المسلمين، وأنها هي المدينة التي أسرى الله بنبيه محمد إليها من مكة.

﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى

⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [الإسراء: 1]

كثرة أسماء القدس دليل على تعظيمها وتقديسها عبر التاريخ

[الشيخ]: وهذه الكلمة «المسجد الأقصى» هي وصف المسلمين لهذا المكان المقدس. هذا المكان المقدس كثرت أسماؤه؛ لأن الناس كانوا عندما يحبون شيئًا أو يعظّمونه ويجلّونه يكثرون من أسمائه.

ولذلك رأينا أن الله سبحانه وتعالى قد سمّى نفسه أسماءً كثيرة وقال:

﴿وَلِلَّهِ ٱلْأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ فَٱدْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: 180]

وسمّى نبيه صلى الله عليه وسلم بأسماء كثيرة؛ لأن العرب هكذا كانوا، إذا أحبوا شيئًا أكثروا من أسمائه. ولذلك يقولون: «إذا أحبّت أو خافت»، ولذلك يكثرون من أسماء الأسد ومن أسماء البحر، ويكثرون أيضًا من أسماء الخمر مرةً؛ لأنهم كانوا يحبون الخمرة حبًّا شديدًا. فالعرب إذا أحبّت شيئًا أو خافته أكثرت من أسمائه.

أسماء القدس المتعددة من مدينة داود إلى أورشليم والمسجد الأقصى

[الشيخ]: القدس لها أسماء كثيرة جدًّا حتى أنها قد تكون قد خرجت عن الحدّ. ومن أسمائها مدينة داود، ومن أسمائها أورسليم أو أورشليم أي مدينة السلام، والقدس وبيت المقدس والمسجد الأقصى.

لها أسماء كثيرة جدًّا، عدّها بعضهم فبلغت نحو ألف وستمائة اسم.

تعلق المسلمين بالقدس كقبلة أولى وتحول القبلة إلى الكعبة المشرفة

[الشيخ]: تعلّق المسلمون بهذه المدينة وجعلوها القبلة الأولى، وكان النبي صلى الله عليه وسلم من حبّه للكعبة يقف فيجعل الكعبة أمامه واتجاه القدس خلفه؛ لأن بيت المقدس هو الأساس.

فلما ذهب إلى المدينة أصبح هناك مفارقة في الاتجاهات: إما القدس وإما مكة. فكان يتوجّه قطعًا إلى القدس لأنها القبلة التي فرضها الله سبحانه وتعالى عليه. ثم بعد ذلك توجّه المسلمون بإذن الله سبحانه وتعالى:

﴿قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِى ٱلسَّمَآءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَىٰهَا﴾ [البقرة: 144]

إلى البيت الحرام:

﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ﴾ [البقرة: 144]

فلنولِّ وجوهنا شطره، الكعبة.

القدس جزء لا يتجزأ من عقيدة المسلمين وراية الأمة عبر التاريخ

[الشيخ]: فالقدس إذن هي مدينة السلام، وهي مدينة الأنبياء، وهي جزء لا يتجزأ من عقيدة المسلمين، جزء لا يتجزأ من قلب المسلمين. ولذلك عبر التاريخ كانت هي راية المسلمين أيضًا.

ولا نفرّق أبدًا، وقد جعل النبي الصلاة في مكة بمائة ألف صلاة، وفي المدينة بألف صلاة، وفي القدس بخمسمائة صلاة. وقال:

قال رسول الله ﷺ: «لا تُشدّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد»

وجعل هذه المساجد الثلاثة [المسجد الحرام والمسجد النبوي والمسجد الأقصى]. الأزهر هو راية العلم لكنه ليس حرمًا مثلًا، الزيتونة كانت موئلًا للعلم لكنها ليست حرمًا. أي أن هناك أماكن كثيرة طيبة ولها تقدير ولها مكانة في التاريخ وعند الناس وفي قلوبهم، بل وعند العقلاء ممن يعملون الأرض، ولكن القدس هي حرم الله سبحانه وتعالى.

القدس راية المسلمين التي لا يمكن التفريط فيها وسقوطها يعني ضياع الأمة

[الشيخ]: ولذلك لن يتركها المسلمون، ولو سقطت القدس بقدر الله من أيديهم أو من تصوّرهم فقد تاهوا وفقدوا أنفسهم، كما لو أننا في الحرب فقدنا الراية، فقدنا القائد، وانهزمنا من أول طريق.

إذن فالقدس هي التي لخّصت القضية فأصبحت راية؛ فلا يمكن أن تكون القدس في حدّ ذاتها [مجرد أرض عادية].

محاولات الصهاينة تمييع قضية القدس ببناء القدس الغربية وقيمتها الحقيقية

[الشيخ]: حاول بعضهم، حاول الصهاينة أن يميّعوا القضية، فبدأوا من أواسط القرن التاسع عشر في بناء ما يسمّى بـالقدس الغربية. القدس هي ذلك الكيلومتر في كيلومتر ونصف، يعني أن مساحتها لا تتعدّى كيلومترًا ونصف الكيلومتر في واحد ونصف بواحد ونصف.

إذن فهي من الناحية الكمّية قد لا تساوي، يعني قد يريد بعضهم أن يشتريها بالأمتار، لكنها أبدًا هي كل شيء. هي في القيمة، في القيمة هي خارج التقويم الكمّي والتقويم الحسابي؛ لأننا نعرف أنها كيلو ونصف، ولكن هي كل شيء.

تخيّل أن الناس قد اعتادوا على مكة، تخيّل أن الناس قد اعتادوا على المدينة. لن نرضى، وإذا رضينا والعياذ بالله تعالى فلن يرضى أبناؤنا، وإذا رضي أبناؤنا والعياذ بالله تعالى فلن يرضى أحفادنا.

رسالة للمجتمع الدولي بأن سرقة القدس لا تفيد السلام العالمي وضرورة العدل

[الشيخ]: ونحن نتكلم مع المجتمع الدولي في هذا الشأن نفهّمهم أنكم حتى إذا ما سرقتم منا شيئًا أو تصريحًا أو وضعًا أو موقفًا، فإن هذا لا يفيد السلام العالمي الذي نرجوه، وهذا لا يفيد سلام الدنيا كما نرجوه.

وسوف تعود المسائل مرة أخرى يدافع فيها الإنسان عن عقيدته وعن مقدساته. ولذلك فلا بدّ أن يكون السلام مبنيًّا على العدل، والعدل أن ترجع كل شيء إلى أصحابه.

دخول عمر بن الخطاب القدس وقصته مع البطريرك وخادمه والناقة

[الشيخ]: دخل المسلمون القدس في ستمائة وستة وثلاثين تقريبًا من الميلاد. ودخل عمر بن الخطاب رضي الله عنه ومعه خادمه، وكان عمر يسير وخادمه يركب الناقة.

فلما خرج بطريرك القدس قال: ما هذا ومن هذا؟ قالوا: هذا عمر مع خادمه. قال: أيّهم عمر وأيّهم الخادم؟ فقالوا: الواقف عمر والراكب الخادم. إنه واقف يمسك [بزمام الناقة]!

انظر إلى التصوّر: عمر واقف ويمسك الناقة وعليها خادمه. فقال: من هذا؟ من أين جاء عمر؟ قالوا: الواقف عمر والراكب خادمه. فبكى [البطريرك]. فقالوا له: لماذا تبكي؟ أي أن عمر قد دخل قلبك؟ قال: لا، هكذا مكتوب عندنا، أي أنهم يعرفون هذا في كتبهم الموروثة أن خليفة المسلمين سوف يدخل وأنه سيكون قائدًا لناقة عليها خادمه.

أثر دخول عمر بن الخطاب القدس على البطريرك ومعرفته بقدر الله في ذلك

[الشيخ]: هذه الأشياء قد لا يتصوّر الناس أثرها. تخيّل الرجل هذا [البطريرك] عندما ينظر إلى هذا المنظر، هو قد أحبّ عمر وهو عرف أن هذا من قدر الله، وأن هذا من أمر الله، وأن هذا بإذن الله؛ لأن الوصف الذي عندهم أننا نصلح ولا نفسد، وأننا ندخل فنعبد ولا ندمّر.

ولذلك كانت القدس دائمًا وأبدًا ومنذ ذلك الحين هي في قلب المسلمين.

بناء قبة الصخرة وتحديد عمر بن الخطاب لموقع المسجد الأقصى بوصف النبي

[الشيخ]: إلى أن جاء عام ستمائة واثنين وتسعين من الميلاد فبنى عبد الملك بن مروان قبة الصخرة. عمر لما دخل بحث عن المسجد على ما وصفه له رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكلما دُلّ على مكان لعلّه أن يكون منه الإسراء يقول: ليس هكذا وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم.

حتى أتى بمكان على مكان، قال: هكذا وصف رسول الله. فبنى مسجدًا صغيرًا وأزال التراب عن الصخرة. والصخرة طولها ثمانية عشر مترًا في أربعة عشر مترًا، الصخرة التي وقف عليها البراق لسيدنا [رسول الله ﷺ] صاعدًا إلى السماء.

ولما جاء عبد الملك بن مروان فبنى في هذه السنة مسجد قبة الصخرة التي عليها الذهب، هذه التي هي مثمّنة الأضلاع. والمسجد بعد ذلك هو أيضًا بنى حوالي مائتين وثمانين مترًا في ثلاثمائة في أربعمائة متر، المسجد الأقصى ويتسع لحوالي خمسة آلاف مصلٍّ.

تاريخ القدس عبر الخلافات الإسلامية والاحتلال الصليبي وتدميرها مرتين

[الشيخ]: ومرّت السنون والقدس تتقلّب مع ما تقلّبت معه المدن الإسلامية تحت الخلافة الأموية والعباسية ثم العثمانية وهكذا. ولكن في الوسط حدث مائتا سنة احتُلّت القدس من قِبَل الصليبيين إلى أن حرّرها صلاح الدين في موقعة حطّين.

وهاجمها أيضًا التتار. والقدس مدينة مبتلاة؛ لأنها هوجمت ودُمّرت مرتين: فدُمّرت قبل السيد المسيح مع بختنصّر في خمسمائة وستة وثمانين، ودُمّرت في سنة سبعين من الميلاد على يد تيطس، فقد دمّرها تدميرًا تامًّا، أي لم يترك فيها حجرًا فوق حجر كما يُقال.

تقديس الأديان الثلاثة للقدس وسؤال عن أطماع الصهاينة فيها

[الشيخ]: إذن فهذا تاريخ القدس مختصرًا. يقدّسها المسيحيون من أجل كنيسة القيامة، ومن أجل قبر وضريح السيدة مريم عليها السلام. يقدّسونها من أجل ما يقولون إنه قد دُفن فيه السيد المسيح، وإن كان المسلمون يقولون إنه لم يمت أصلًا ولم يُصلب أصلًا، وأن القيامة تمّت من هنا. يعني على كل حال فإن كل دين يرى فيها قداسة تامة.

[المذيع]: نعم، وهذا يدفعنا في الحقيقة لسؤال فضيلة الأستاذ الدكتور محمد عمارة عن أطماع الصهاينة وغيرهم في القدس ومقدّراتها. فضيلة الدكتور محمد، نبذة عن هذا الأمر، يعني وكيف نواجهه؟

[الشيخ محمد عمارة]: بسم الله الرحمن الرحيم، وصلاة وسلام على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحابته أجمعين. طبعًا اليهود والصهاينة يقولون إن القدس يهودية، وحتى إنهم كتب بعضهم أنه على المسلمين أن يأخذوا الأحجار التي بُنيت بها قبة الصخرة ويأخذونها إلى مكة؛ لأنه ليس لهم حق في القدس. ويزعمون أنه ليس لتاريخ الإسلام علاقة بالقدس.

العمق التاريخي لعروبة القدس وبناؤها على يد اليبوسيين العرب قبل ستين قرنًا

[الشيخ محمد عمارة]: أريد أن نناقش حجج الخصوم، وخاصة أن هذه الحجج توضع الآن موضع الممارسة والتطبيق. أريد من السادة المشاهدين أن يعودوا بالذاكرة إلى نقطة البداية بالنسبة للقدس.

القدس بناها العرب اليبوسيون في الألفية الرابعة قبل الميلاد، أي أربعة آلاف سنة قبل الميلاد، وألفا سنة انتهينا منهم بعد الميلاد، فيكون عمر عروبة القدس ستين قرنًا. ستين قرنًا عمر عروبة القدس!

وأول اسم لها كان يبوس، وبعد ذلك أور سالم أي مدينة السلام، وبعد ذلك أصبحت إيلياء [في عهد الرومان]. الفتح الإسلامي والمسلمون هم الذين أطلقوا عليها اسم القدس والقدس الشريف والحرم القدسي الشريف؛ جعلوا عنوانها دالًّا على مضمونها وهو القداسة.

الوجود العبراني في القدس كان عارضًا ومؤقتًا مقارنة بعروبتها الممتدة

[الشيخ محمد عمارة]: القدس بناها اليبوسيون كما ذكرنا في الألفية الرابعة قبل الميلاد. لم يكن هناك وجود عبراني في القدس ولا في أرض كنعان. في القدس فقط أربعمائة وخمسة عشر عامًا في [عهد] داود وسليمان عليهما السلام.

يعني أن الوجود العبراني في مدينة القدس كان وجودًا عارضًا وطارئًا ومؤقتًا في القرن العاشر. أي إن القدس عربية قبل سيدنا داود وسليمان بثلاثين قرنًا، ثلاثين قرنًا، بثلاثين قرنًا! عشرة من ستين، إذن بخمسين قرنًا.

مناقشة حجة وعد الله لإبراهيم وعروبة القدس قبل أبي الأنبياء بواحد وعشرين قرنًا

[الشيخ محمد عمارة]: القدس التي بناها اليبوسيون في الألفية الرابعة قبل الميلاد، أي من ستة آلاف [سنة]، من ستين قرنًا. اليهود يقولون إن الله وعد سيدنا إبراهيم هو وذريته بملك ما بين النيل والفرات.

نناقش نحن، نناقش حجج الخصوم. طيّب، هي بُنيت في الألف الرابعة قبل الميلاد، سيدنا إبراهيم في القرن التاسع عشر قبل الميلاد. يعني إذن القدس عربية قبل عصر أبي الأنبياء بواحد وعشرين قرنًا.

القدس عربية قبل ظهور اليهودية بسبعة قرون والتوراة نزلت بالهيروغليفية في مصر

[الشيخ محمد عمارة]: طيّب، يقول إن القدس يهودية. طيّب، ما هي اليهودية؟ هي شريعة سيدنا موسى عليه السلام. طيّب، سيدنا موسى وُلد ونشأ وبُعث ونزلت عليه التوراة باللغة الهيروغليفية في مصر في القرن الثالث عشر قبل الميلاد.

يعني إذن القدس عربية قبل سيدنا موسى وقبل ظهور اليهودية بسبعة قرون. سيدنا موسى حتى بنصّ العهد القديم المقدّس عند اليهود أنه بُعث في مصر.

طبعًا الناس قد يستغربون كيف نحن نقول إن التوراة نزلت باللغة الهيروغليفية؛ لأنه بُعث بلغة قومه وهو تربّى في قصر فرعون. واللغة العبرية في الأصل لهجة كنعانية تبلورت كلغة بعد مائة سنة من وفاة سيدنا موسى ودخول العبرانيين بقيادة يوشع بن نون إلى أرض كنعان.

كتاب التوراة الهيروغليفية وإبراهيم لم يكن يهوديًا ولا نصرانيًا

[الشيخ محمد عمارة]: يبقى إذن، وفي كتاب اسمه «التوراة الهيروغليفية» كتبه أستاذ من عظماء أساتذة الدراسات العبرية واللغة العبرية والتوراة، وهو الدكتور فؤاد حسنين علي، وهذا كان أستاذًا في كلية الآداب في جامعة القاهرة.

إذن قبل أبي الأنبياء [إبراهيم عليه السلام] الذي لم يكن يهوديًّا ولا نصرانيًّا. لماذا لم يكن يهوديًّا ولا نصرانيًّا؟ لأنه قبل اليهودية وقبل النصرانية. اليهودية في القرن الثالث عشر وهو كان في القرن التاسع عشر قبل الميلاد، النصرانية في القرن الأول للميلاد.

القدس العربية قبل سيدنا إبراهيم، بل إن القرآن الكريم يتحدث عنّا:

﴿وَنَجَّيْنَـٰهُ وَلُوطًا إِلَى ٱلْأَرْضِ ٱلَّتِى بَـٰرَكْنَا فِيهَا لِلْعَـٰلَمِينَ﴾ [الأنبياء: 71]

هي أرض مباركة قبل سيدنا إبراهيم، ومباركة للعالمين، ليست لشعب ولا لقبيلة من القبائل.

العمق التاريخي لعروبة القدس ونفي علاقة اليهودية بها بحكم التاريخ

[الشيخ محمد عمارة]: إذن هذا هو العمق التاريخي لعروبة مدينة القدس التي اليوم يزعمون أنها مدينة يهودية. وإذا كانت اليهودية نشأت في مصر ونزلت التوراة في مصر، وموسى وُلد ونشأ وتربّى وبُعث ومات ودُفن في مصر، ترى عينه أرض كنعان وفلسطين ولم تَرَ عينه القدس.

أين هي العلاقة بين اليهودية وبين القدس؟ زكاة اليهودية شريعة موسى، وشريعة موسى نزلت في مصر ولم يدخل سيدنا موسى إلى أرض كنعان. الذي دخل يوشع بن نون ببني إسرائيل دخولًا يتحدث عنه العهد القديم، أي أن الناس تقرأ الفكر الدموي الذي موجود في العهد القديم.

القدس عبر التاريخ احتكرها كل الغزاة إلا الإسلام الذي فتحها لجميع الأديان

[الشيخ محمد عمارة]: هذا العمق التاريخي قبل الإسلام. القدس احتُلّت من غزوات متعددة عبر التاريخ في عبرة تاريخية تبيّن الواقع الذي نحن نعيش فيه. أي أن البابليين غزوها واحتكروها لأنفسهم، الإغريق والرومان غزوها واحتكروها لأنفسهم، سواء في عصر وثنيتهم أو بعد تنصّرهم.

الصليبيون لما جاؤوا دخلوا القدس سنة ألف وتسعين، تسعين عامًا حتى حرّرها صلاح الدين الأيوبي. اليهود الآن يسيرون على سُنّة الغزاة فيحتكرونها لأنفسهم.

إذ إن جميع الغزاة كانوا يحتكرون القدس لأنفسهم إلا الإسلام والتاريخ الإسلامي والسلطة الإسلامية. لماذا؟ لأن الإسلام وحده هو الذي يعترف بالآخرين، ويقدّس مقدسات الآخرين.

سيدنا عمر سمح لليهود بالعودة للقدس والإسلام يحمي مقدسات جميع الأديان

[الشيخ محمد عمارة]: وذلك عندما دخل سيدنا عمر إلى مدينة القدس سنة خمسة عشر هجرية. النصارى، صفرونيوس بطريرك النصارى طلب من سيدنا عمر ألّا يسكن القدس أحد من اللصوص أو اليهود.

لكن لأن الإسلام يعترف بكل الشرائع والديانات والكتب والرسالات، ولأنه يحترم مقدسات الآخرين بل ويدافع عن مقدسات الآخرين، دخل اليهود. سمح الإسلام لليهود الذين كانوا مطرودين أيام الرومان من القدس، سمح لهم بالعودة إلى مدينة القدس ليعيشوا فيها مثل جميع أصحاب الديانات.

إذن عندما نقول إن السلطة الإسلامية، إسلامية القدس وعروبة القدس ليست مصلحة عربية إسلامية فحسب، وإنما هي مصلحة عالمية؛ لأن الإسلام هو الذي فتح أبوابها لجميع أصحاب المقدسات وجميع أصحاب الديانات.

حجج أوقاف الكنائس ومفاتيحها بيد أسر مسلمة دليل على أمانة المسلمين

[الشيخ محمد عمارة]: بل هناك حقائق تُذكر وتُحيي الناس. في كنائس القدس حجج كثيرة من أوقاف هذه الكنائس مكتوب فيها أن النظارة الخاصة بالوقف لأسر مسلمة تتوارثها الأسر المسلمة. لماذا؟ لأن المسلمين مؤتمنون على مقدسات الآخرين، ومحايدون بالنسبة للفرق المسيحية التي تتصارع حول هذا المجال.

بل إن مفاتيح كثير من الكنائس موجودة بحكم الحجج في يد أسر مسلمة لهم، ويخشون أن يصلوا إلى الدين [أي يتنازعوا بسبب الخلافات المذهبية]، والمفتاح يبقى عند المسلمين.

المسلمون أشاعوا قدسية القدس بين الجميع بينما احتكرها كل الغزاة عبر التاريخ

[الشيخ محمد عمارة]: إذا كان المسلمون والعرب هم الذين دأبوا على إشاعة قدسية القدس بين كل أصحاب المقدسات، بينما احتكرها البابليون، واحتكرها الإغريق والرومان، واحتكرها الصليبيون، وحوّلوا المسجد الأقصى...

أنا هذا الكلام عندما يسمعه الناس لا أحد ييأس؛ لأنه نحو تسعين سنة اغتُصب [المسجد الأقصى]. حوّلوا المسجد الأقصى إلى كنيسة لاتينية ومخزن أسلحة وإسطبل خيول.

أي أنني أريد أن أقول: إذا كان الصليبيون قد مكثوا مائتي سنة فإنهم احتلوا أوسع مما احتلّت إسرائيل، وأثّروا واغتصبوا القدس أكثر من ضعف الزمن الذي وقعت فيه القدس تحت أسر الإسرائيليين. ولكن أين الصليبيون؟ للتاريخ سنن، لا بدّ من إزالة العدوان، ولا بدّ من عودة الحقوق إلى أصحابها.

إحياء ذاكرة الأمة بحقائق التاريخ يؤكد الحق الإسلامي في القدس وينفي افتراءات اليهود

[الشيخ محمد عمارة]: أنا أقول إنه إن إحياء ذاكرة الأمة بحقائق التاريخ، بالعمق التاريخي لهذه المدينة المقدسة، هو الذي يؤكد الحق الإسلامي فيها. وننفي بحكم التاريخ، بحكم ما هو موجود في العهد القديم.

إذا كانت اليهودية نشأت وظهرت في مصر دون أن تكون هناك علاقة بين نبي اليهودية موسى وهارون بمدينة القدس، أين هي علاقة اليهود بالقدس وحق اليهود في القدس؟

طبعًا نحن لا ننكر أنهم يقولون إنه في عهد سليمان بُني الهيكل. حسنًا، والحفريات الآن مستمرة تحت المسجد الأقصى منذ عام سبعة وستين حتى الآن، قلبوا باطن الأرض كي يجدوا حجرًا [يثبت وجود الهيكل ولم يجدوا].

بناء المعابد القديمة لا يبرر إعادة رسم الخرائط في العصر الحديث

[الشيخ محمد عمارة]: لكن أنا سأفترض جدلًا أنه قد كان هناك هيكل بناه سيدنا سليمان. فالفراعنة عندما ذهبوا إلى هذه البلاد وغيرها بنوا أهرامًا وبنوا معابد وبنوا مقابر. والنفوذ الإيراني الفارسي عندما جاء إلى مصر بنى بيوتًا للنار. والإسكندر عندما جاء بنى معابد.

فهل يمكن أن نعيد رسم الخرائط في العصر الحديث بناءً على معابد أُقيمت في الزمن القديم؟ نعم، تريد أن تبني معبدًا وتريد أن تتعبّد فافعل ما تريده.

أي أنني أريد أن أقول إن هذه الحجج التي تُقال والتي يُقنعون بها الغرب الصليبي والغرب المسيحي الصهيوني والصهاينة اليهود، أقول إنه لا بدّ أن ننظر إلى حقائق التاريخ الصلبة العنيدة، لكي [نعرف] أين هي عروبة القدس وعمق التاريخ في عروبة القدس، وأين هي الافتراءات التي تُقال حول حق اليهود في هذه المدينة.

خطورة تهويد القدس وكيفية مواجهة المسلمين لتغيير ملامحها المقدسة

[المذيع]: ملمح تاريخي مهم فضيلة الدكتور محمد عمارة. فضيلتكم قدّمتموه وفضيلة مفتي الديار المصرية. نتحدث عن خطورة ما تتعرض له القدس الآن من تهويد. بعد هذا الفاصل مشاهدينا الكرام.

وسؤالي فضيلة [مفتي] الديار المصرية، يعني محاولات عدة الآن تجري لتغيير ملامح القدس، فضيلة المفتي، كيف يواجه المسلمون ذلك من وجهة نظركم؟

[الشيخ]: نحن لدينا الآن، منذ سنة، يعني عندما حدث التقسيم في سنة ثمانية وأربعين كانت القدس الشرقية وهي هي القدس الحقيقية، هي القدس التي نتحدث عنها، هي الراية والرمز والعاصمة والمدينة المقدسة، كانت مع العرب.

نعم، وكما قلت إن بعض الصهاينة بنوا مستشفيات ومدارس وما إلى ذلك في أطراف القدس الخارجية خارج الحدود وأسموها بالقدس الغربية، وأخذت القدس الغربية في الاتساع كثيرًا.

القدس الشرقية محل النزاع ونكسة سبعة وستين واحتلال الصهاينة لها

[الشيخ]: القدس الشرقية التي هي محل النزاع هي كيلومتر في كيلومتر ونصف، لكن القدس الأخرى [الغربية] أي هي تعادل عشرين مرة في المساحة أكبر من القدس الشرقية.

حتى عام ألف وتسعمائة وسبعة وستين وحدثت هذه النكسة المروّعة، فاحتلّ الصهاينة القدس واحتلّوا الضفة الغربية كلها واحتلّوا سيناء والجولان.

nعم، والله سبحانه وتعالى مكّن المصريين من استرداد سيناء والحمد لله رب العالمين. والفلسطينيون في نزاع مع الصهاينة حول بناء الدولة، ولكن القدس ما زالت تحت السيطرة [الصهيونية].

حريق منبر صلاح الدين في المسجد الأقصى وبالونات اختبار الصهاينة

[الشيخ]: وفجأة في سنة تسع وستين، في أوائل سنة تسع وستين، بشخص يحرق منبر صلاح الدين وهو في المسجد الأقصى. ولما تمّ هذا، تمّ طبعًا والجيوش العربية ما زالت في الإعداد، قالوا: نحن أحرقنا لكم المسجد.

وادّعى حينئذ أنه كان مجنونًا، وهذا كلام لا يُقبل علينا ولا نصدّقه. بل هي بالونات اختبار من ناحية، وهي إغاظة للمسلمين من ناحية أخرى، وهي عدوان وطغيان على المقدسات وعلى مفاهيم الإنسانية من ناحية ثالثة.

جهود وزارة شؤون القدس ومؤسسة آل البيت وإعادة بناء منبر صلاح الدين

[الشيخ]: هناك وزارة لشؤون القدس والمقدسات الإسلامية موجودة في المملكة الأردنية الهاشمية، وتقوم هي ومؤسسة آل البيت بدراسات عميقة ومتعمّقة ومتخصصة في كل جزئية.

حتى أن المهندس الذي يدير الآن مؤسسة مآب هو المهندس المسؤول عن إعادة بناء منبر صلاح الدين. وقد قام بإعادة بنائه على حالته القديمة. فالمنبر القديم قد دُمّر واحترق تمامًا بحيث أنه لم يعد هناك أي نوع من أنواع الترميم أو الإصلاح ممكنًا.

لكنه درس آلاف القطع؛ لأن كله مصنوع بالتعشيق وليس [بالمسامير]، وهو من الفنون النادرة التي تبيّن إلى أي مدى وصل المسلمون في فن الأثاث وفي الفنون جميعها، ليس في العمارة فحسب بل في سائر الفنون؛ لأن هذا شيء مبدع.

واستطاع هذا الرجل أن يصل أولًا إلى رسم كل هذه الأجزاء والقطع، ثم استطاع أن ينفّذ هذا. أُعيد المنبر مرة أخرى إلى المسجد الأقصى.

لجنة القدس برئاسة ملك المغرب وحديث النبي عن إرسال الزيت للمسجد الأقصى

[الشيخ]: وهناك طبعًا لجنة تحت رئاسة ملك المغرب، وكان الملك الحسن رحمه الله، ثم أصبح الملك محمد السادس هو الذي يرأسها لرعاية شؤون القدس.

ويذكّرنا هذا بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم أننا إذا لم نستطع أن نذهب إلى القدس فنرسل إليها زيتًا. [أي] نرسل لها زيتًا، نساهم بشيء. يعني إذا حُرمنا بموجب الاحتلال الغاشم الصهيوني الآن من القدس، فإننا لا بدّ ألّا ننسى القدس.

ولذلك ترى المصريين كثيرًا ما يسمّون حتى محلّتهم بـالقدس الشريف. هذا أمر يعني يجب تأييده؛ لأننا يجب ألّا ننسى هذا المكان.

مؤسسة مآب وقرارات الأمم المتحدة التي تصف الصهاينة بالمحتلين وتوجب مغادرتهم

[الشيخ]: فمؤسسة مآب أصدرت مجلّدان ضخمان للقرارات الأممية والشرعية الدولية المختصة بمدينة القدس. وكل هذه القرارات من أولها إلى آخرها، وهي قد صدرت بالعربية وبالإنجليزية، تبيّن أن الشرعية الدولية والأمم المتحدة تصف ما عليه الحال الآن بأن الصهاينة محتلّون، وأنه يجب على هذا المحتل أن يغادر.

في اتفاقيات جنيف، المحتل هذا لا حرمة له إذا قاومه [الشعب] في الكفاح المسلّح المشروع دوليًّا، فله الحق في ذلك.

تصرفات الصهاينة الحمقاء ضد الحضارة وحفر الأنفاق تحت المسجد الأقصى

[الشيخ]: فالصهاينة في الحقيقة يدخلوننا ويدخلون العالم ويدخلون أعوانهم من الأمريكيين وغيرهم في مآزق سخيفة؛ لأن هذه التصرفات تصرفات حمقاء ضد الحضارة وضد الإنسانية.

في سنة سبعة وستين بادروا بالحريق والتدمير، وهكذا كهيئة المغول والتتار من قبل. لذلك حفروا أنفاقًا بطريقة فنية من أجل أن ينهار جبل موريا الذي عليه المسجد.

حسنًا، إذا انهار هذا الجبل فماذا تريدون من هذا الانهيار؟ أنتم تزعمون أن الهيكل كان فوق هذا الجبل، فلماذا تريدون أن ينهار الجبل؟ فأين ستبنون الهيكل بعد ذلك؟

إذن هم يعلمون وهم متيقّنون أن الهيكل لم يكن هناك، وإن كثيرًا من المؤرخين يقولون إن الهيكل كان خارج القدس وكان في مدينة على بعد أربعين ميلًا من القدس في الحقيقة.

تغيير الملامح الديموغرافية للقدس وتدمير باب المغاربة والجريمة المرتكبة

[الشيخ]: لكن على كل حال هم مستمرون في تغيير الملامح الديموغرافية والطبوغرافية، وفي النحت تحت [المسجد الأقصى] بدعوى التنقيب تحت هذا الجبل.

وأيضًا حطّموا باب المغاربة. في القدس لها عشرة أبواب وهذه الأبواب أثرية. السلطان محمود هو الذي بنى هذا السور بهذه الكيفية وجعل هذه المغارب وهذه المشارق وهذه المقادس وكذلك إلى آخره.

ولكن تغيير الطابع الإسلامي والعربي للقدس هذه هي الجريمة التي تُرتكب الآن.

الجهود المبذولة لفضح الإجرام الصهيوني والصراع حول حائط البراق

[الشيخ]: الجهود المبذولة ضد هذا هي فضح هذا العمل الإجرامي في المحافل الدولية، وهو محاولة لرصد كل شيء في القدس العربية الإسلامية. وقد تمّ هذا، ونحن دائمًا في صراع مع الصهاينة حول حائط البراق.

حائط البراق الذي يعتبرونه السور القديم الوحيد الباقي للمدينة ويقدّسونه تقديسًا بليغًا، ويزعمون أن الدعاء مستجاب عنده. والمسلمون يقولون إن هذا الحائط هو الذي وُضع البراق عليه [حين ربطه] سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم.

وحدث نزاع، وكوّن الإنجليز في سنة ألف وتسعمائة وأربعة وعشرين لجنة، وهذه اللجنة بيّنت بعد أن كانت لجنة محايدة بيّنت أن هذا من حق المسلمين. وهذا طبعًا قبل النكبة التي حدثت في ثمانية وأربعين بأربعة وعشرين سنة.

ضرورة التذكير الدائم بالقدس ومواجهة العدوان والطغيان الصهيوني

[الشيخ]: فكل هذه الأمور يعلمها [العالم] كله، وهي أمام العالم كله. ونحتاج دائمًا إلى التذكير بالقدس.

والحقيقة أن المسلمين لم يتركوها أبدًا ولم يسكتوا عن البيان، ولكننا أمام عدوان وأمام طغيان وأمام بحر جارف من قلة التديّن وقلة العقل وقلة الأدب. وهذا مخالف لسُنّة الله في كونه، فهو يسير في الطريق المظلم المسدود.

﴿وَسَيَعْلَمُ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓا أَىَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: 227]

سؤال عن كيفية مواجهة الخطر المحدق بالقدس من خلال المؤسسات الإسلامية والعالم الإسلامي

[المذيع]: يعني استكمالًا لهذه الجهود فضيلة الأستاذ الدكتور عمارة التي تفضّل مفتي الديار المصرية بذكرها، يعني هذا الخطر المحدق بالقدس، فيما يتعلق بمؤسسات الدعوة الإسلامية بنظم حكم معينة بعالم إسلامي، كيف ترى إضافة إلى ما ذكره فضيلة المفتي يمكن مواجهة هذا الخطر؟

[الشيخ محمد عمارة]: يعني انظر، مواجهة الخطر القائم على أرض القدس وعلى أرض فلسطين بشكل عام: أولًا هم يبتلعون القدس بالتهويد ويبتلعون الضفة الغربية.

نعم، يعني أنت تعرف ثمانين في المائة من مياه الضفة الغربية استولوا عليها. المستوطنات امتدادات سرطانية تبتلع الأرض في الضفة الغربية. حتى اليهود المستوطنون المتعصبون يعني يقتلعون أشجار الزيتون الخاصة بالفلسطينيين. أقاموا جدارًا عازلًا يفصل بين السكان وبين المدارس وبين المستشفيات وبين الأراضي، يعني شيئًا لا يتصوّره عقل ولا عاقل.

سنن التاريخ تؤكد أن البكاء لا يسترد حقوقًا والقدس قضية إسلامية عالمية

[الشيخ محمد عمارة]: أنا أقول إن مواجهة هذا، يعني في سنن التاريخ أنه ليس من الممكن أن يسترد البكاء حقوقًا مغتصبة ومسلوبة.

نحن أمام قضية ليست مجرد قضية وطنية للشعب الفلسطيني، وإنما وليست مجرد قضية قومية للأمة العربية. وهي فضلًا عن كونها قضية وطنية للفلسطينيين وقضية قومية للعرب الذين يبلغ عددهم ثلاثمائة مليون عربي وأكثر، فهي قضية إسلامية؛ لأن القرآن الكريم عندما ربط بين المسجد الحرام والمسجد الأقصى، والمسجد هنا هو الحرم.

الرباط العقدي بين المسجد الحرام والمسجد الأقصى والقدس ليست مجرد أرض محتلة

[الشيخ محمد عمارة]: نعم، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن نائمًا في الكعبة:

﴿سُبْحَـٰنَ ٱلَّذِىٓ أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ﴾ [الإسراء: 1]

من الحرم المكي، مكة كلها حرم مسجد.

﴿إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى

⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [الإسراء: 1]

القدس كلها حرم.

﴿ٱلَّذِى بَـٰرَكْنَا حَوْلَهُ﴾ [الإسراء: 1]

إذن هذا الرباط العقدي عقيدة من عقائد المسلمين. وبالتالي القضية ليست مجرد [أرض]، القدس ليست مجرد أرضًا محتلة. ما هي إلا أرض مجرّدة، حتى المسجد الأقصى لو كان مجرد أرض لأصبح فندقًا خمس نجوم يكسب منه.

ولكنك أمام قداسة، أمام قدسية، أمام حرم له قيمة وتاريخ.

نعم، وكما تفضّل فضيلة المفتي بأنه أولى القبلتين وثالث الحرمين إلى آخره، كل هذه المأثورات والوقائع التاريخية.

ضرورة إشاعة الثقافة المقدسية بين الأمة حتى لا تلحق القدس بالأندلس

[الشيخ محمد عمارة]: فإذن نحن على مستوى الأمة وعلى مستوى الجماهير، على مستوى الشعب، مطلوب إشاعة ثقافة مقدسية؛ لأن هذه القضية إذا نُسيت فستلحق فلسطين والقدس بالأندلس وتنتهي.

ولكن المطلوب أن يكون في المكتبات كتب ومحاضرات وخطب أئمة ودعاء أحزاب وجماعات دعوة في الداخل وفي الخارج في كل البلدان، إنعاش ذاكرة الأمة بقضية القدس وبالحقائق الدقيقة لهذه القضية.

الثقافة تمهد لصناعة القوة وتجربة صلاح الدين في إحياء الفكر السني قبل تحرير القدس

[الشيخ محمد عمارة]: هذا الأمر، هذه الثقافة تُعدّ وتمهّد لصناعة القوة التي تستعيد هذا الحق المشروع؛ لأنه يعني أن ما أُخذ بالقوة لا يُسترد إلا بالقوة كما قيل.

وأنا أقول إنها سُنّة التاريخ في عهد صلاح الدين الأيوبي. فصلاح الدين الأيوبي عندما أزال الدولة الفاطمية، والدولة الفاطمية كانت دولة شيعية متطرفة، والفجوة بين الحاكم الشيعي المتطرف وبين الأمة السنية هي التي أوجدت الضعف الذي مكّن الصليبيين من احتلال فلسطين والمشرق والقدس.

ولذلك صلاح الدين لما جاء إلى مصر أعاد المدارس السنية. لماذا؟ لأنه يعيد الثقافة التي تحيي عقيدة الأمة وتجعل الأمة تسير نحو الجهاد.

الفكر والثقافة معركة وصلاح الدين أغلق الأزهر خمس سنوات لتعديل المناهج

[الشيخ محمد عمارة]: إذن الفكر والثقافة [معركة]. هذا حتى الأزهر، ما هو الأزهر في ذلك التاريخ؟ كان تدريس المذهب الشيعي. أُغلق خمس سنوات، صلاح الدين أغلق الأزهر خمس سنوات إلى أن تعدّلت المناهج وأصبح قلعة للفكر السني وقبلة للعلم الإسلامي.

إذن الثقافة معركة، الفكر، الإعلام، الآداب، الفنون، كل هذه [أدوات في المعركة].

أعني أنني أريد أن أقول إن كثيرًا من جمهور المسلمين لا يميّزون بين مسجد قبة الصخرة [وبين] المسجد الأقصى، بينما الحرم القدسي يعني آلاف الأمتار وفيه أماكن مختلفة وتحت الأرض وفوق الأرض والمصلّى المرواني وغيره.

هذه مطلوب إشاعة ثقافة القدس والثقافة المقدسية بين الأمة.

قضية القدس جوهرية في الصراع بين الغرب والشرق الإسلامي وأساطير البروتستانت

[الشيخ محمد عمارة]: مطلوب الإعداد. أنا أريد أن أقول إن قضية القدس هي قضية جوهرية للصراع بين الغرب وبين الشرق الإسلامي.

الغرب وبالذات البروتستانتية، يعني مجموعة من الأساطير أنه لكي يعود المسيح مرة أخرى ليحكم العالم ألف سنة سعيدة، لا بدّ من حشر اليهود في فلسطين، ولا بدّ من هدم الأقصى وإقامة الهيكل مكان المسجد الأقصى. وهذه عقيدة تحرّك البروتستانت في الغرب، بل حتى الكاثوليك خضعوا للابتزاز الصهيوني.

لذا أقول: لا بدّ من ثقافة تُبرز الحقائق في مواجهة هذه الأساطير.

استراتيجية صلاح الدين في إحياء الفكر ثم الجهاد سبع سنوات لتحرير القدس

[الشيخ محمد عمارة]: وصلاح الدين الأيوبي بدأ بهذه الثقافة وبإحياء الفكر السني، ثم حارب سبع سنوات ليوجد وحدة الطوق حول الكيان الصليبي المزروع قسرًا في قلب الأمة العربية.

أقول إن هذه هي الاستراتيجية: فكر وثقافة وعلم وعلوم وإعلام وآداب وفنون. نحن نريد معاهد تدرّس هذه القضية؛ لأنه ننعش ذاكرة الأمة فلا تنسى حقها المسلوب.

ثم يأذن الله سبحانه وتعالى بإعداد ما استطعنا من القوة لإعادة الحق إلى نصابه. وأنا كما أشرت أنه لقد احتلّ الصليبيون أوسع مما احتلّت إسرائيل، واغتُصبت القدس في عهد الصليبيين سنوات أكثر من ضعف اغتصابها على يد الصهاينة. لكن السنن والأخذ بالأسباب هي، هذا هو الطريق.

رسالة صلاح الدين لريتشارد قلب الأسد عن القدس وثقافة الجهاد والاستشهاد

[الشيخ محمد عمارة]: وذلك أن صلاح الدين الأيوبي له رسالة كتبها إلى الملك الصليبي ريتشارد قلب الأسد. انظر إن سماحة المسلمين، يقول له: القدس ميراثنا كما هي ميراثكم. يعني نحن لا ننكر حق الآخرين فيها؛ لأن القدس فيها أماكن مقدسة مسيحية.

وبعد ذلك يقول له: ولن يمكّنكم الله أن تقيموا حجرًا واحدًا في هذه الأرض طالما استمر الجهاد.

لكي نُعلي من شأن عقيدة الجهاد، عقيدة ثقافة الشهادة والاستشهاد، لكي نسترد [حقوقنا]. ما لا يوجد بلد في العالم تحرّر وعاد إلى أهله إلا بمعركة وإلا بقوة وبجهاد. وثقافة الشهادة والاستشهاد [هي السبيل].

سؤال عن تحويل حماس المؤتمرات والقصائد إلى مواجهة حقيقية لمؤامرات تهويد القدس

[المذيع]: يعني هذه رسالة طمأنينة من الدكتور عمارة. فضيلة مفتي الديار المصرية، وهو يتحدث عن أنها القدس، لكن البعض يرى الآن أن العالم الإسلامي ربما في حالة من الضعف يعتمد على القصائد والمؤتمرات في مواجهة الممارسات التي تتم في القدس. يعني هل من وسيلة نحوّل بها حماس هذه المؤتمرات والقصائد والتذكير التاريخي إلى طريقة يمكن بها مرة أخرى مواجهة هذه المؤامرات؟

[الشيخ]: والتدخّل الذي يُبذل من جهود علمية رصينة ومجهودات معمارية ومجهودات تتعلق بالكتب وبالفنون وبالتأليف وبمستقبل القدس وبعمارتها وبكل جزء فيها وبالتسجيل.

سُجّلت أوقاف القدس وقفًا، سُجّل كل بيت في القدس، مسجّل ومصوّر ومؤرشف. الحقيقة شيء كبير جدًّا.

الجهود المبذولة في ستين سنة خطوة في الطريق والحاجة إلى تفعيل قرارات الأمم المتحدة

[الشيخ]: ولكن نحن لا نقف عند خطوة من الخطوات. كل هذا الذي بذلناه في الستين سنة الماضية كان شيئًا محترمًا وقويًّا، ولكنه خطوة في الطريق.

هذه المجلّدات لقرارات الأمم المتحدة تحتاج إلى حراك سياسي من أجل تفعيلها واستغلالها؛ لأن فيها كلامًا قويًّا جدًّا.

هذا الأرشيف الضخم المكوّن عن القدس وعن القضية الفلسطينية وعن الكتب التي أُلّفت فيها، أنا حاولت أن أجمع مثل هذا التراث وجمعت أكثر من ثلاثمائة مجلّد، ما شاء الله. ولكن بصعوبة، لم أجدها في الأسواق فأشتريها، بل سافرت إلى البلدان، سافرت إلى الشام وسافرت إلى الأردن وسافرت، وفي مصر بحثت وفي المغرب بحثت، حتى استطعت الحصول على كتب في غاية الأهمية أصبحت نادرة. وهي صحيح مؤلفات ومرصودات وما إلى ذلك، لكن لم تكن كما في متناول الشباب.

خطورة نسيان الشباب للقدس وضرورة تغيير طريقة التعامل مع ملف القدس

[الشيخ]: يكاد يُنسى الآن القدس وقد غاب عنها [الشباب]. يعني الشاب عندما يذهب إلى الكعبة ويراها بعينيه تتولّد لديه أشياء من الانتماء. الآن هو لم يذهب إلى القدس، هو يسمع عنها، ثم أنه أصبح أيضًا لا يسمع عنها. وهذه هي الخطورة والأزمة.

فيجب علينا أن نغيّر طريقة تعاملنا مع ملف القدس وإلّا ننساه، وأن نعيده مرة أخرى إلى دائرة الحياة والأحياء.

إدخال القدس في مناهج التعليم والإعلام والخطاب الديني والثقافة العامة

[الشيخ]: ولذلك حينئذ وبسرعة وفي منتهى السهولة سيدخل في مناهج التعليم، سيكون له وضع في الإعلام، سيكون له وضع في الخطاب الديني، سيكون له أولوية في المكوّن العقلي في الثقافة العامة.

وهكذا فنحن أمامنا عمل كثير جدًّا. ولعلّ برنامجك هذا يعني في اهتمامه بقضية القدس رسالة للناس أن يهتموا بالقدس وألّا ينسوها في خضمّ الأحداث وخضمّ التقلّبات والتطوّرات والمشكلات التي نعيش فيها.

القدس هي الراية، هي البؤرة المضيئة التي من دونها نضلّ الطريق.

وثائق القضية الفلسطينية ووثيقة الأزهر للقدس ودور المؤسسات في إحياء الثقافة المقدسية

[المذيع]: شكرًا جزيلًا فضيلة المفتي. في عجالة رسالة فضيلة الدكتور [محمد عمارة].

[الشيخ محمد عمارة]: آه، يعني هو فضيلة المفتي أشار إلى موضوع الكتب والوثائق وهذه الأشياء. أنا أتذكّر أنه عقب هزيمة سبعة وستين أصدرت مصلحة الاستعلامات في مصر ثلاثة مجلّدات عن وثائق القضية الفلسطينية، وكان المجلّد الكبير يُباع بخمسة عشر قرشًا.

فأنا لديّ نسخة من المجلّدات الثلاثة، لعلّي آتي بها إلى فضيلة المفتي. أنا لديّ التي هي خاصة بوثائق [القضية] الفلسطينية، ضخمة وكبيرة ومكتوب عليها فعلًا خمسة عشر قرشًا.

nعم، السعر، إعادة [الطبع] طبعًا مهمة.

[الشيخ]: نحن اليوم نناقش في مشيخة الأزهر مع فضيلة الإمام الأكبر وثيقة للقدس والقضية وقضية بيت المقدس، وستصدر عن الأزهر وتُجمع عليها توقيعات كل القوى السياسية وكل الفعاليات في بلادنا وفي خارج مصر، لتكون مثل وثيقة الأزهر.

ويدور حولها الحديث وما إلى ذلك، لتكون كل هذه القوى تستظلّ بمظلة الأزهر في إحياء الثقافة المقدسية، وفي حديث حول أن نبقى في الأزهر مركزًا لدراسة قضية القدس وقضية فلسطين، لتكون هذه الثقافة ثقافة حيّة وتظلّ ذاكرة الأمة منتعشة بحقها المسلوب، إلى أن تأتي القوة التي تعيد هذا الحق إلى أهله إن شاء الله.

خاتمة البرنامج والتأكيد على أن محاولات المساس بهوية القدس لن تفلح

[المذيع]: ولن تفلح محاولة المساس بالهوية التي يقوم بها الصهاينة في القدس طالما بقي المسلمون على عهدهم عاملين مؤكّدين على الهوية الإسلامية والعربية للقدس.

أشكر ضيوفنا الكرام ومشاهدينا الكرام في برنامج «كلمة الحق» لهذه الليلة وهذه الحلقة الخاصة عن القدس الشريف. فضيلة مفتي الديار المصرية العالم الجليل الأستاذ الدكتور علي جمعة، شكرًا جزيلًا. شكرًا للعالم الجليل الأستاذ الدكتور محمد عمارة عضو مجمع البحوث الإسلامية، أشكرك.

ونشكركم دائمًا على حسن المتابعة، ونلقاكم دائمًا على خير. دمتم في أمان الله ورعايته.