2012 01 20 الصوفية والمتصوفة
- •التصوف منهج إسلامي أصيل يقوم على الدخول في كل خلق حسن والابتعاد عن كل خلق دنيء، مستمد من القرآن والسنة النبوية.
- •يمثل التصوف جوهر الإحسان المذكور في حديث جبريل "أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك".
- •مصادر التصوف هي القرآن الكريم والسنة النبوية والتجارب الروحية للصالحين من الصحابة والتابعين.
- •التصوف ليس مستوردًا من الحضارات الأخرى بل هو نابع من الإسلام ذاته.
- •يشكل التصوف نحو 95% من الدين حيث يهتم بالأخلاق والتزكية والسلوك والجانب الروحي.
- •الزهد جزء من التصوف ويعني جعل الدنيا في اليد لا في القلب.
- •طريق الله واحد لكن اختلفت تعبيرات العلماء عن التصوف لجماله وتنوع جوانبه.
- •سادت وحدة بين كل علماء الإسلام بعد الإمام الغزالي، فأصبحوا جميعاً صوفيين.
- •التصوف يمثل التوازن بين الشريعة والحقيقة، فالشريعة بلا حقيقة عاطلة، والحقيقة بلا شريعة باطلة.
مقدمة حلقة كلمة حق عن التصوف الإسلامي والترحيب بالضيوف
[المذيع]: انتشر التصوف منذ قرون عديدة في الكثير من الأقطار الإسلامية، وكما كان له الكثير من الأتباع، كان له أيضًا الكثير من الخصوم؛ فمال إليه البعض وأعرض عنه الآخرون. في هذه الحلقة من كلمة حق نتحدث ونلقي الضوء على الصوفية: المنهج، والفكر، والمبادئ، وما هي مظاهر هذا التصوف في ظل بعض اللغط الذي يدور حول هذا المنهج في المجتمع.
في رحاب الأزهر الشريف، والحديث عن الصوفية والمتصوفة، أرحب بضيوفي الكرام كبار علماء الأمة الإسلامية: فضيلة مفتي الديار المصرية العلامة الأستاذ الدكتور علي جمعة، أرحب بفضيلتك أهلًا وسهلًا بكم. وفضيلة العالم الجليل الأستاذ الدكتور أحمد عمر هاشم الرئيس الأسبق لجامعة الأزهر وعضو مجمع البحوث الإسلامية، أهلًا بك فضيلة الدكتور أحمد، أهلًا وسهلًا.
المقصود بالتصوف الإسلامي وأهميته كاتجاه ديني لم يخرج منه متطرف
[المذيع]: إذا بدأنا مع فضيلتكم دكتور أحمد وأعطيتمونا فكرة عن المقصود بالتصوف الإسلامي، وهل كان هناك ما يُعرف بالتصوف في عهد المصطفى صلى الله عليه وسلم رسولنا الكريم؟
[الشيخ أحمد عمر هاشم]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. بداية ذي بدء، أحب أن أنوه بأنه إذا كانت البلاغة مطابقة الكلام لمقتضى الحال، فإن هذا الموضوع في هذه الأيام هو عين البلاغة.
لأن التصوف هو الاتجاه الديني الوحيد من بين اتجاهات كثيرة، لم يخرج من عباءته متطرف، ولا منحرف، ولم يُسمع عن أهله ما يُسمع عن غيره؛ فمن أجل ذلك كانت معالجة هذا الموضوع، والبحث عن جوانبه من الأهمية بمكان.
تعريف التصوف بأنه الدخول في كل خلق حسن وتقوى الله
[الشيخ أحمد عمر هاشم]: وبالتعرف كما أشرتم إلى التصوف، فالتصوف هو الدخول في كل خلق حسن، والابتعاد عن كل خلق دنيء. كما قيل: هو تقوى الله؛ يقول كل إنسان مسلم ينشد تقوى الله.
إن التصوف زيادة على الفرائض، وزيادة على النوافل، كما جاء في الحديث القدسي:
«من عادى لي وليًّا فقد آذنته بالحرب، وما تقرَّب إليَّ عبدي بشيء أحبَّ إليَّ مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرَّب إليَّ بالنوافل حتى أحبَّه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينَّه، ولئن استعاذ بي لأعيذنَّه»
أي أنه يزيد في النوافل وفي الطاعة.
أهل التصوف في القرآن والسنة ومقام الإحسان في حديث جبريل
[الشيخ أحمد عمر هاشم]: فأهل التصوف:
﴿تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ ٱلْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ يُنفِقُونَ * فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّآ أُخْفِىَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَآءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: 16-17]
فالقرآن الكريم يوضح حقيقة الذين زادوا في العبادات وتقربوا وتهجدوا وتعبدوا. وبيَّن أيضًا الأمر الإلهي:
﴿فَفِرُّوٓا إِلَى ٱللَّهِ﴾ [الذاريات: 50]
وفي حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم حين جاءه جبريل في صورة رجل وسأله عن الإسلام: الشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، أن تقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت. ثم سأله عن الإيمان: أن تؤمن بالله وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره. ثم سأله عن الإحسان فقال:
«أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك»
هنا نصل إلى هذا المعنى الذي ينشده التصوف من أتباعه في التقرب إلى الله سبحانه وتعالى.
وجود التصوف في العهد النبوي بالمعنى والسلوك دون الاصطلاح
[الشيخ أحمد عمر هاشم]: أما ما أشرت إليه، فهل كان [التصوف] موجودًا في العهد الأول؟ نعم، كان موجودًا في العهد الأول، وفي العهد النبوي، لكن الاصطلاح واللفظ وإن لم يكن موجودًا، لكن المعنى والسلوك كان موجودًا.
وكان من أهل الصفوة، ومن المتقربين إلى الله، وممن لهم كرامات حتى في العهد النبوي. لم تظهر الكرامات في العهد النبوي لأن المعجزة ووجود الرسول عليه الصلاة والسلام ملأ حياتهم.
ولكن كان يوجد إلى جانب ذلك؛ عندما خرج أُسيد وعبَّاد من عند النبي عليه الصلاة والسلام في ليلة مظلمة، وكان مع كل منهما سوط يضيء كأنه مصباح كهربائي الآن، وكان هذا كرامة لهم.
والشاهد أن ذلك كان موجودًا، هذا السلوك الذي أُطلق عليه اسم التصوف بعد ذلك، وإن لم يكن المسمى واللفظ والاصطلاح موجودًا صراحة، لكن السلوك والمضمون والمعنى كان موجودًا.
أسباب تعدد تعريفات التصوف وعلاقة ذلك بعادة العرب في تكثير الأسماء
[المذيع]: الحقيقة ما طرحه فضيلة الدكتور أحمد عمر هاشم يدفعني لسؤال فضيلتكم مفتي الديار المصرية الأستاذ الدكتور علي جمعة: لماذا الاختلاف في تعريف التصوف وما الذي يميز الفكر الصوفي؟ نلمح بعض الاختلافات في تعريف التصوف لدى العلماء، هل من أسباب فضيلتكم رصدتها؟
[الشيخ علي جمعة]: يعني بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. كانت العرب إذا أحبت شيئًا أكثرت من أسمائه؛ ولذلك نراهم قد أكثروا من أسماء الخمر لأنهم كانوا يحبونها حبًّا شديدًا.
وكانوا أيضًا كما يقول السهيلي في شرح السيرة الروض الأنف في شرح سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم، أنهم كانوا إذا خافوا شيئًا أيضًا أكثروا من أسمائه، كما أكثروا من أسماء الأسد، وأكثروا من أسماء البحر، وهكذا.
الأسماء قد تتكاثر، ولكن يتحد المعنى. والمعاني قد تتكاثر في التعريف، ولكن يتحد المعنى أيضًا؛ ولذلك يقولون عنها في العلم: اتحد بالذات، واختلف بالاعتبار. يعني هو شيء واحد لكن من جماله وجلاله عُبِّر عنه بعبارات كثيرة.
كتاب حلية الأولياء وثمانمائة تعريف للتصوف تتحد في المعنى
[الشيخ علي جمعة]: فلما جاء رجل من كبار أهل الحديث، أبو نعيم الأصبهاني، وألَّف كتابه الماتع حلية الأولياء، أورد فيه نحو ثمانمائة تعريف للتصوف. وإذا تأملت في هذه التعريفات وجدتها شيئًا واحدًا؛ فكأننا عبَّرنا عن مسمى واحد بأسماء كثيرة، أو بألفاظ كثيرة، أو بعبارات كثيرة، من جوانب مختلفة.
لأن التصوف بحر ذاخر كبير، تتعدد أسماؤه وهو واحد في النهاية. فمن هذه التعريفات: التخلي، فالتحلي، فالتجلي.
يقول لك: ما هو التصوف؟ يقول لك عبارة عن التخلي: يعني التخلي عن كل قبيح. ثم التحلي: يعني التحلي بكل صحيح. ثم التجلي: فيحدث هناك نوع من أنواع التجلي، الذي هو أن تعبد الله كأنك تراه، وهو الذي ورد في حديث جبريل الذي أشار إليه أستاذنا الدكتور أحمد عمر هاشم.
تعريفات التصوف المتعددة تتحد في جعل الدنيا في اليد لا في القلب
[الشيخ علي جمعة]: إذن هذا تعريف، لكنه يعرِّفه مرة أخرى يقول: أن تجعل الدنيا في يدك وألا تجعلها في قلبك، هو هذا التصوف أن تكون الدنيا في يدك.
فواحد آخر يقول: لا تفرح بالموجود، ولا تحزن على المفقود. يعني الدنيا كلها لما تكون في يدك وفقدتها، لا تحزن عليها؛ لم تدخل القلب. فإذا دخلت القلب ولو كانت قليلة فإنك تحزن عند فقدانها، وتفرح لوجودها.
فإذا بهذا الذي يقول إنها في اليد لا في القلب، وهو عين من يقول لا تفرح بالموجود ولا تحزن على المفقود، وهو عين الذي قال: اتركوا القلب من القبيح وزيِّنوه بالصحيح، وهو عين ما قال إن الصوفية صفاء؛ لأن هذا يلزم هذا، وهذا جزء من هذا، وهذا هو هذا.
وهكذا ثمانمائة تعريف في حلية الأولياء للتصوف ولأحوال الزاهدين، أورد فيه قصص أولئك الذين عاشوا تجربة مع الله سبحانه وتعالى.
التصوف مقيد بالكتاب والسنة وخصوصية العلاقة بين العبد وربه
[الشيخ علي جمعة]: ولكن كما يقول سيد الطائفة: طريقنا هذا مقيد بالكتاب والسنة. أي ليس طريقًا مبتدعًا، وليس طريقًا بالأهواء، وليست التجربة الروحية مستقلة عن الكتاب والسنة، بل هي تطبيق حرفي للكتاب والسنة.
ولكن أيضًا ولأنها تجربة روحية، ولأنها علاقة تكاد تكون علاقة شخصية بين الإنسان وبين ربه، ففيها شيء من الخصوصية، فيها شيء من السرية.
قال [الله تعالى في الحديث القدسي]: «إلا الصوم فإنه لي، وأنا أجزي به»
فهناك خصوصية بيني وبين الله في الطريق إليه سبحانه وتعالى.
عدد الطرائق على أنفاس الخلائق وتعدد طرق الوصول إلى الله
[الشيخ علي جمعة]: لأنها [التجربة الروحية] على هذا الشأن، فقالوا: عدد الطرائق على أنفاس الخلائق. بمعنى: كم طريقًا يوصل إلى الله؟ قلنا: حسنًا، والله انظروا هكذا، كم واحد موجود في الأرض؟ ستة مليارات. إذن يوجد ستة مليارات طريقة للوصول إلى الله، ستة مليارات طريقة.
يعني كل إنسان له علاقة بينه وبين ربه. حسنًا، انظر إلى الجمال، حسنًا انظر إلى قبول التعددية التي يتحدث عنها السياسيون وكذا إلى آخره.
ولذلك لما قال الدكتور أحمد عمر هاشم أن التصوف، ودراسة التصوف، وعرض التصوف على ما هو عليه من صحيح الدين، هو واجب الوقت الذي نعيش فيه. نعم، هو واجب الوقت؛ نحن ندعو دعوات قد نكون متأثرين بالشرق والغرب فيها، لكن التصوف يدعونا إلى هويتنا وديننا، وإذ به يحقق نفس الفوائد التي يتحدث بها الشرق والغرب عند الاطلاع على الحقائق، ونحن لا نريد إلا الحقيقة، ونريد أن نسعى إلى الحقيقة.
احترام التعددية في العلاقة مع الله وتشبيه الطرق بمحيط الدائرة
[الشيخ علي جمعة]: تخيل أنه احترم الستة مليارات في علاقتهم مع الله، إذا أراد الإنسان أن تكون له علاقة مع الله؛
﴿فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: 29]
فإذا أراد أن يسلك طريق الله سبحانه وتعالى، فلطريق الله معالم -يمكن أن نتحدث عنها- ولكن تصور أن عدد الطرائق -جمع طريقة- على أنفاس الخلائق. كم واحد يأخذ نفسًا ويخرج نفسًا؟ ستة أو سبعة مليارات. إذن هناك ستة أو سبعة مليارات طريق توصل إلى الله.
وذهبوا قائلين قاعدة أخرى، قالوا: طريق الله واحد، والخلاف من جهلة المريدين. عندما نذهب إلى مشيخة الطرق الصوفية التي نشأت في مصر منذ أكثر ربما من سبعين أو ثمانين سنة ولها قانون ولائحة وكذا إلى آخره، تنظم حالة التصوف في البلاد والعباد، نجدها أكثر من سبعين طريقة.
فيتساءل الناس ظانين أنها طرق مختلفة يقاتل بعضها بعضًا، لم يحدث هذا أبدًا. والقضية أن طريق الله واحد، وله شروطه ومقوماته، وله أركان، وله مراحل.
تشبيه وحدة الطريق إلى الله بالدائرة ونصف القطر الواحد
[الشيخ علي جمعة]: طريق الله واحد. عندما تخاصم أهل طريقة مع أهل طريقة أخرى، قالوا إن هذا من جهلة المريدين، إن هذا خصام من الجهلة؛ لأنهم فقدوا وحدة الطريق إلى الله سبحانه وتعالى.
وشبَّهوا ذلك -حتى نقرب الأمر للناس- بالدائرة. قال: لك هات الدائرة ستفهمك، ستفهمني كيف؟ قال: تعالَ قف على محيط الدائرة، وبعد ذلك أوصل إلى ما بين محيط الدائرة وما بين المركز، هذا ما أخذناه في المدرسة يقول لك نصف قطر.
قال: حسنًا، هات قطعة أخرى، هات نقطة أخرى واذهب إلى المركز. قال: يكون نصف قطر أيضًا. قال: قِس الاثنين. قال: واحد [أي نفس المقياس]: هذا خمسة سنتيمترات وهذا خمسة سنتيمترات، وهذا ستة سنتيمترات إذن هذا ستة سنتيمترات. حسنًا أفعل هكذا عند كل نقطة. قال: والله عندما ترسم مائة نقطة كلها ستكون خمسة سنتيمترات.
إذن طريق الله واحد، ولكن يوجد واحد [شخص] واقف هنا، وواحد واقف هنا، وواحد واقف هنا، وواحد واقف هنا. محيط الدائرة الأتباع أو المريدون هم الذين يختلفون طرقهم.
اختلافات التصوف اختلاف تنوع لا تضاد كأسماء سورة الفاتحة المتعددة
[الشيخ علي جمعة]: هم [المريدون] يظنون أنهم لو نظروا إلى الخط فهموا الحكاية، وأنه طريق الله واحد. ولو نظروا إلى اختلاف الجهات وجعلوها هي القضية، يكون ذلك من جهل المريدين؛ لأن طريق الله سبحانه وتعالى واحد.
إذن الدائرة هذه تفهمك الإجابة على السؤال الذي معنا: هو لماذا توجد اختلافات كثيرة في التصوف؟ وفي الحقيقة لا توجد اختلافات، هذه اختلافات تنوع وليست اختلافات تضاد. فالاختلاف على نوعين: تنوع وتضاد. فهل هذا من قبيل التضاد أم من قبيل التنوع؟ قال: لا، هذا من قبيل التنوع، والتنوع لا يوجد أحسن منه.
لأنه مثلًا عندما تأتي إليك الفاتحة، ولكن اسمها الكافية، فما المانع في أن يكون اسمها الفاتحة واسمها الكافية، واسمها المثاني، جميل أليس اسمها المثاني أيضًا؟ واسمها الشافية، الصحيح أنها الشافية. قال: وما أدراك أنها رقية؟ واسمها الجامعة، أما طبعًا لأنها جمعت فأوعت، واسمها عشرون اسمًا ذكرها القرطبي.
هل هذا يدل على أن هذه الفاتحة تعني أشياء مختلفة؟ لا، هي أوصاف لا تتناهى.
أسماء الله الحسنى والذكر كركن من أركان الطريق إلى الله
[الشيخ علي جمعة]: ولذلك علَّمنا ربنا هذا، فجعل لنفسه سبحانه وتعالى على قاعدة العرب هذه أسماءه الحسنى:
﴿وَلِلَّهِ ٱلْأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ فَٱدْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: 180]
تتبَّع الأسماء الحسنى تجدها أكثر من مائة وخمسين اسمًا في القرآن، تتبَّعها في السنة تجدها أكثر من مائة وستين اسمًا في السنة. تجمع بين الاثنين وتحذف المكرر فيخرج مائتان وعشرون اسمًا في القرآن والسنة.
ربنا أمرنا أن نذكر بها، فقال:
﴿فَٱذْكُرُونِىٓ أَذْكُرْكُمْ وَٱشْكُرُوا لِى وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: 152]
وهذا أحد أركان الطريق إلى الله: الذكر والفكر، سنتكلم عنه بعد ذلك.
مصادر التصوف الإسلامي من القرآن والسنة والتجارب الروحية للصالحين
[المذيع]: بالتأكيد سأعود إلى فضيلتكم مرة أخرى فضيلة مفتي الديار المصرية، ولكن أود أن أطرح على الأستاذ الدكتور محمد عمر هاشم أيضًا: مصادر التصوف فضيلة العالم الجليل، هل هناك مصادر محددة للتصوف؟ وهل يوجد أيضًا عليها بعض الخلاف؟ تناول؟
[الشيخ أحمد عمر هاشم]: بلا شك، مصادر التصوف أولًا القرآن الكريم؛ لأن أهل التصوف أخذوا طرقهم من كتاب الله سبحانه، الذي قال: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾ وقال: ﴿تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ﴾ إلى آخره. الدعوات التي في القرآن تدعو إلى مصاف الصالحين الذين ارتقوا درجات عليا عند الله.
ومن مصادر التصوف السنة النبوية المشرفة، بما فيها من هدى، وبما فيها من قيم، وبما فيها من رقي في الأخلاق.
ومن مصادر التصوف أيضًا كما تفضل فضيلة المفتي، التجارب الروحية التي قام بها الصالحون من أوائل المسلمين، منذ العهد النبوي والصحابة والتابعين ومن بعدهم. كانت حياتهم وتجاربهم أيضًا من مصادر التصوف الإسلامي.
وحدة مصدر التصوف عن رسول الله وموقف ابن تيمية من أهل التصوف
[الشيخ أحمد عمر هاشم]: ومن هنا كانوا جميعًا كما تفضل فضيلة المفتي اتجاهًا واحدًا وإن تعددت الطرق، حتى قيل في هذا:
كلهم من رسول الله ملتمسٌ ... غرفًا من البحر أو رشفًا من الديم
كلهم آخذون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. ومن أجل ذلك نحب أن نوضح بهذا الصدد حقيقة مهمة؛ لأن الكثير من الناس خاصموا الفكر الصوفي، وكثيرون ادَّعوا أنهم من الأصوليين أو السلفيين أو نحو ذلك، وزعموا أو حاولوا أن يدَّعوا أن بعض شوامخ أهل العلم والفقه والدين الذين كانوا يتهمون أولئك الذين يؤيدون التصوف بأنهم ضد التصوف.
على سبيل المثال: ادَّعوا ذلك في شيخ الإسلام ابن تيمية، غير أن الإمام ابن تيمية في كتابه الفتاوى خصَّص جزءًا كبيرًا من هذه الفتاوى بيَّن فيه أهل التصوف، وقسَّمهم ثلاثة أقسام. وملخص الكتاب كله يقول لك:
- القسم الأول: درجة الصدِّيقية.
- القسم الثاني: المتوسطون.
- القسم الثالث: الدخلاء على المحراب الصوفي، الذين لا يُؤخذ من كلامهم، ولا يُحاسب التصوف بسلوكهم.
الإسلام فيه الصالح وفيه الطالح.
أهمية التصوف الكبرى وحقيقته كسلوك يرتقي بالنفس في العبادة
[الشيخ أحمد عمر هاشم]: فإذا كان الذي يظنون فيه أنه ضد التصوف كتب في أهم كتبه -وهو الإمام ابن تيمية- هذا الكلام، معترفًا وموضحًا أن من أهل التصوف من وصل إلى درجة الصدِّيقية، فمعنى هذا أن للتصوف أهمية كبرى، لا يصح بحال من الأحوال أن يكون له خصوم على هذا النحو المزعج الذي نسمع به ونحس به في هذا العصر.
بل عليهم أن يدركوا أن التصوف ما هو إلا سلوك الإنسان، فيه يرتقي بنفسه، يضاعف العبادة، يضاعف النوافل، وهكذا يصل إلى درجة راقية في عبادته وفي اتصاله بالله سبحانه وتعالى.
اشتقاق كلمة التصوف من الصفاء وأهل الصفة والصوف ونقاء أهله من التطرف
[الشيخ أحمد عمر هاشم]: وكما نعلم جميعًا، أن البعض قال إن التصوف من الصفاء، والبعض قال إن التصوف نسبة إلى أهل الصفة، والبعض قال إنه نسبة إلى الصوف لأنهم كانوا يلبسون الصوف في زهدهم.
حتى قال بعضهم:
تنازع الناس في الصوفي واختلفوا فيه ... وظنوه مشتقًّا من الصوف ولست أمنح هذا الوصف غير فتنة صافية ... فصوفيٌّ حتى سُمِّي صوفيًّا
أي أنه الذي صفت نفسه. ولذلك كما قلت في بداية حديثي، لا ترى أحدًا خرج من عباءة التصوف سبَّابًا، أو شتَّامًا، أو منحرفًا، أو متطرفًا. ولا تقس كلامنا على بعض الدخلاء الذين ظنوا أنفسهم صوفية وهم ليسوا بالصوفية.
دعوة الأمة إلى التصوف لصفائه ودور الإمام عبد الحليم محمود في تدريسه
[الشيخ أحمد عمر هاشم]: من أجل ذلك يجب علينا أن نتوخى، ونحن ندعو أمتنا إلى هذا الاتجاه الديني الذي هي مدعوة إليه لصفائه ونقائه، وبعده عن التطرف والانحراف والانحلال.
هذا السلوك المستقيم، أنا أعجبني عندما دخلت كلية أصول الدين طالبًا، وكان عميد الكلية آنذاك العارف بالله الإمام عبد الحليم محمود الذي تولى مشيخة الأزهر بعد ذلك، أول من حدَّث وقرَّر مادة التصوف الإسلامي في كلية أصول الدين.
وعندما قرَّر هذه المادة قرَّر علينا كتاب الإمام أبي حامد الغزالي حجة الإسلام اسمه المنقذ من الضلال، كتب له مقدمة ضافية جميلة تُوزن بميزان الذهب، عن التشرذم والتفرق وبعده عن التصوف، وعن حاجة الإنسان إلى شيخ ومريد؛ مريد يحتاج إلى شيخ يأخذ بيده ويبصِّره الطريق وهكذا.
ومن يومها كان لكلية أصول الدين دورها في هذه المادة، والحمد لله.
الرد على دعوى أن التصوف مأخوذ من الحضارة اليونانية أو الفلاسفة
[المذيع]: رد فضيلتكم على من يقولون إن التصوف ربما يعني أخذناه تأثرًا بالحضارة اليونانية أو باليونان؟
[الشيخ أحمد عمر هاشم]: إطلاقًا، هذه دعوى قيلت ورُدَّ عليها، وأنه لم يُؤخذ لا من اليونان، ولا من الفلاسفة، ولا من غيرهم، بل إنه استقاه أهله من رسول الله صلى الله عليه وسلم مباشرة.
وكلهم من رسول الله ملتمس، اقتدوا برسولهم صلى الله عليه وسلم الذي كان يقوم الليل حتى تتورم قدماه، ويُسمع لقلبه أزيز، وتقول له زوجته [السيدة عائشة رضي الله عنها]: أتفعل ذلك وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فيجيبها قائلًا عليه الصلاة والسلام:
«أفلا أكون عبدًا شكورًا؟»
يقتدون به في مضاعفة التقرب إلى الله سبحانه وتعالى.
أخذ الصوفية مبادئهم من الكتاب والسنة وحياة الصحابة والتابعين
[الشيخ أحمد عمر هاشم]: على هذا النحو أخذ الصوفية مبادئهم وأخلاقهم وقيمهم من كتاب الله، ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن حياة الرسول صلى الله عليه وسلم، وحياة الصحابة والتابعين وأتباعهم.
ولذلك كما تفضل فضيلة المفتي، كتاب مثل كتاب أبي نعيم وهو حلية الأولياء، تجول فيه ولا يمكن أن ترى فيه شيئًا من اليونان أو من غيرها، كله من كتاب الله وسنة رسوله وصحابة الرسول صلى الله عليه وسلم.
هل الإسلام في حاجة إلى تصوف وعلاقة التصوف بمقام الإحسان في حديث جبريل
[المذيع]: لا فُضَّ فوك فضيلتكم دكتور أحمد. إذا كان الأمر كذلك يا فضيلة مفتي الديار المصرية، فإن البعض قد يتساءل: أي هل الإسلام في حاجة إلى تصوف؟ وما الذي يمكن أن يضيفه التصوف في الإسلام فضيلة العلامة الدكتور علي جمعة؟
[الشيخ علي جمعة]: أساس ذلك هو حديث جبريل الذي قال فيه سيدنا صلى الله عليه وسلم في نهايته عندما سُئل قال:
«أتدرون من هذا؟ قالوا: لا يا رسول الله. قال: هذا جبريل جاءكم يعلمكم أمر دينكم»
المسلمون أمة علم؛ ولذلك أنشأوا علمًا للمحافظة على درجة الإيمان ومفهومه، هذا العلم سُمِّي بـعلم التوحيد وما زال يُدرَّس إلى الآن في كليات الأزهر وعبر التاريخ له تراث كبير.
وأنشأوا الفقه وأخذوا منه منهج فهمه وأسموه بالأصول، فكان في ذلك كفلسفة الإسلام حماية لمرتبة الإسلام. وأنشأوا التصوف من أجل درجة الإحسان.
التصوف جزء لا يتجزأ من الإسلام ومن أنكره فقد أنكر الدين
[الشيخ علي جمعة]: ولذلك فالإجابة على السؤال [هل الإسلام في حاجة إلى تصوف؟] هي أن التصوف جزء لا يتجزأ من دين الإسلام، وأن من أنكره فقد أنكر الإسلام، وأن من حاربه فقد أراق الماء الذي في الكوب.
تعلم أننا سنأتي بكوب هكذا، هل يُشبع؟ هل يروي؟ هل يحدث الري عندي؟ أبدًا، لا بد أن أملأه بالماء. التصوف هو ذلك الماء.
تخيل أنني أصلي من أجل الخشوع، وأن الفقه ليس فيه كيفية الوصول إلى الخشوع. تصور أنني أريد في التوحيد -على سبيل الأساس- حسن التوكل والظن بالله، وفي التوحيد ليس فيه كيف أصل إلى حسن التوكل والظن بالله.
تصور أنني أريد أن أُخلي قلبي من المهلكات، وأن أُحلِّي قلبي بعد ذلك بالمنجيات، فإذا بي أقلب كتب الفقه وكتب العقيدة وهي لا بد منها -لأن لا بد من وجود الكوب- إلا أنه فارغ من هذه الأخلاق السنية.
نسبة آيات الأحكام الفقهية في القرآن والسنة مقارنة بآيات الأخلاق والعقيدة
[الشيخ علي جمعة]: أضرب لك مثالًا واقعيًّا إحصائيًّا، والإحصاء كما يقولون لا يكذب. لدينا القرآن ستة آلاف ومائتان وستة وثلاثون آية، منها ثلاثمائة آية في الفقه كله.
ولدينا السنة لن تزيد عن ستين ألف حديث، عندما نجمع كنز العمال على كل ما عمله العراقي والفاسي وكله لن يبلغ ستين ألف حديث، منها الألفان فقط اللذان هما من بلوغ المرام في أدلة الأحكام.
حسنًا، اثنان على ستين كم فيها؟ فيها واحد على ثلاثين، أي ثلاثة بالمائة. ثلاثة على ستين كم فيها؟ فيها واحد على عشرين، يعني خمسة بالمائة.
يعني خمسة في المائة من القرآن على كل الدنيا، على كل الشريعة. فماذا عن الخمسة والتسعين؟ أخلاقًا مرتبطة بالعقيدة. فماذا عن الثمانية والتسعين أو السبعة والتسعين من السنة؟ أخلاقًا مرتبطة بالعقيدة.
خطورة ترك خمسة وتسعين بالمائة من الدين المتعلقة بالأخلاق والتصوف
[الشيخ علي جمعة]: تخيل أن هناك أحدًا يقول لي: هيا نتمسك بالخمسة بالمائة ونترك [الخمسة و] تسعين، فهل هذا عاقل؟ إننا نقول إن الذي يترك الخمسة بالمائة يصبح فاسقًا وسيكفر وسيفعل كذا، أي الذي ينكر الصلاة أو الصوم أو غير ذلك إلى آخره نكفِّره. فنأتي والذي يترك خمسة وتسعين بالمائة نتركه يهدم في الدين وفي الدنيا؟
هؤلاء هدموا الدين والدنيا. خمسة وتسعون بالمائة تقول لك: كن صالحًا.
قال النبي ﷺ: «إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق»
يقول [النبي عليه الصلاة والسلام]: عرفت فالزم. يقول [ما معناه] عليه الصلاة والسلام: صحِّح علاقتك مع الله. يقول [ما معناه] صلى الله عليه وسلم لك: خلِّه [القلب] من كل قبيح.
قال النبي ﷺ: «إنه لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من كِبر»
وبعد ذلك تقول لي إن الذي يريد أن يسكب المياه ويجعلنا نعيش عطشى أمام إناء فارغ! أنا أحترم الإناء ولا بد منه -الذي هو الشريعة كلها- لكن لا بد أن يُملأ بالعقيدة وبالأخلاق وبالوصل بينهما، وهو بقية القرآن والسنة كلها.
قال النبي ﷺ: «إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق»
﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: 4]
التصوف هو الدين وإنكاره سبب تشويه صورة الإسلام في العالم
[الشيخ علي جمعة]: فإذا غفلنا عن أصل الدين حتى يصل بنا الحال -لا تؤاخذني- إلى أن نسأل: هل التصوف من الدين وما حاجتنا إليه؟ بل التصوف هو الدين.
ولذلك نحن في أشد الحاجة إلى هذا الدين وإلى هذا التصوف. تشويه صورة الإسلام والمسلمين بأيدي بعض أبنائه هو هذا الذي ينكر التصوف. تشويه صورة الإسلام في العالمين، لم يبقَ إلا مفهوم القتل والدم والفتنة والعنف.
قال النبي ﷺ: «يا عائشة، إن الرفق ما دخل في شيء إلا زانه، وما نُزع من شيء إلا شانه، وإن الله ليؤتي على الرفق ما لا يؤتي على العنف»
افتقدنا لأجيال طويلة لتمكُّن التصوف من القلوب من هذه الهجمات الشرسة، ضيَّع صورة الإسلام والمسلمين في العالم.
كتب جلال الدين الرومي الأكثر مبيعًا وإنكار التصوف وجه آخر للمادية والعلمانية
[الشيخ علي جمعة]: أكبر كتب مبيعًا في الولايات المتحدة الأمريكية ندعو فيها إلى الله هي كتب سيدنا جلال الدين الرومي بالتركية؛ لأنه يتحدث عن الحب الذي افتقدناه، لأنه يتحدث عن القلب الذي نسيناه.
انظروا: كل من أنكر التصوف فهو مادي، أراد قتل روح الإسلام. مادي لا يعرف إلا المادية. ولذلك قلت في مرة: إنكم تلومون على العلمانية وما العلمانية وكذلك إلى أنها الوجه الآخر لإنكار التصوف.
لأن المقياس هو أننا لا نرجع إلى القلب. لا بد لنا أن يكون القلب فوق العقل، والعقل فوق السلوك. هم عكسوها، فجعلوا السلوك فوق العقل، والعقل فوق القلب.
قلب الحقائق والحكم بالمظاهر عكس منهج النبي صلى الله عليه وسلم
[الشيخ علي جمعة]: يعني أن هذا النبي عليه الصلاة والسلام قال:
«الإثم ما حاك في القلب، وخفت أن يطلع عليه الناس»
فترك القلب فوق [أي جعله المرجع الأعلى]. وهذا الحكم قد عكسوه؛ فأول ما يبحث معك هكذا يقول لك [مستهزئًا]: الله! أنت ترتدي بدلة وربطة عنق وحليق، إذن سأضعك، سأصنفك هكذا في خانة. أي لقد عكس التقويم.
عكس الانفتاح الذي علَّمنا إياه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأرادوا غيره. سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يضعنا في قوالب؛ فسيدنا رسول الله عليه الصلاة والسلام كان يجعل الصحابة يلبسون من أقمشة مصر ومن اليمن ومن الهند وما إلى ذلك.
فإذا هي قضية مهمة للغاية، أننا بعد قلب الحقائق والتدليس والتلبيس، نريد أن نعود مرة أخرى إلى الحقائق على ما تركها لنا سيدنا صلى الله عليه وسلم.
نعم، فهذا هو الحال. لا بد لنا أن نفهم أن التصوف هو الدين، وأنه خمسة وتسعون بالمائة من الدين، رغم أنف جميع المنكرين.
العلاقة بين التصوف والزهد وموقف الصوفية من زينة الحياة الدنيا
[المذيع]: أكيد كنا في حاجة إلى هذه الإيضاحات فضيلة المفتي. الحديث عن التصوف بعيدًا عن شوائب المنتسبين يتواصل بعد هذا التوقف مشاهدينا الكرام نعود إليكم. العلاقة بين التصوف والزهد هذا هو محور حديثنا في هذه الجزئية من كلمة حق.
وسؤالي لفضيلة العالم الجليل الأستاذ الدكتور أحمد عمر هاشم: ما العلاقة بين التصوف والزهد فضيلة العالم الجليل؟
[الشيخ أحمد عمر هاشم]: بلا شك أن للتصوف علاقة وثيقة بالزهد؛ لأن أهل التصوف لا يتكالبون على الحياة الدنيا، ولا يتزاحمون عليها، ولا يتنافسون فيها. لكنهم في الوقت نفسه لا يحرِّمون أنفسهم من زينة الحياة كما قرَّر القرآن الكريم:
﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِىٓ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ﴾ [الأعراف: 32]
المهم ألا يجعلوا الدنيا في قلوبهم، بل أن يجعلوها في أيديهم.
معنى الزهد عند الصوفية والتضامن بين الغني والفقير واقتداؤهم بالنبي
[الشيخ أحمد عمر هاشم]: ومن أجل ذلك نرى في مشاهد أهل التصوف أنهم كانوا ينظرون إلى بعضهم البعض على أنهم سواسية، وأن الغني والفقير يتضامن كل منهما مع الآخر.
هذا هو معنى الزهد الذي استقى الصوفية معانيه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وراودته الجبال أن تصير ذهبًا فأبى ذلك. ومن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
نعم، لا مانع أن يملك الإنسان وأن يكون له ما له، ولكن لا يتكالب على الدنيا، ولا يجعل الدنيا في قلبه، بل يجعلها في يده.
وهذا المعنى يعني أننا نكون دائمًا وأبدًا متعاونين متضامنين، يكفل بعضنا بعضًا، ننشد الحقيقة من وراء التصوف، وهي التي تثمر الثمرة الرائعة الجميلة التي يتضامن فيها الناس.
العبادات في الإسلام تثمر الحقيقة وشريعة بلا حقيقة عاطلة وحقيقة بلا شريعة باطلة
[الشيخ أحمد عمر هاشم]: فالعبادات مثلًا في الإسلام والشريعة تدعو إلى الصلاة نهيًا عن الفحشاء والمنكر، ومن لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر فلا صلاة له. تدعون الزكاة:
﴿خُذْ مِنْ أَمْوَٰلِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم﴾ [التوبة: 103]
تدعون الصيام: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 183]. الحج: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ﴾ [البقرة: 197]. هذه العبادات وهذه الشريعة تثمر الحقيقة التي نكون فيها متضامنين وعلى الخلق العظيم الذي أشرنا إليه.
يعني الذي يقول أتمسك بالشريعة ولا نرى في سلوكه النبل ولا الزهد ولا الخلق المستقيم، لا يكون هذا الإنسان قد وصل إلى حقيقة هذا الشرع.
شريعة بلا حقيقة: عاطلة، أي تعطلت عن ثمرتها التي من المفروض أن تؤتيها من خلق وزهد وصدق ومحبة للناس. وحقيقة بلا شريعة: باطلة، أي من يزعم حقيقة ولا يؤدي الفروض ولا يؤدي الطاعات فهذا أمر باطل.
ولذلك إذا رأيت الرجل يمشي على الماء ويطير في الهواء ويخالف شرع الله، فاحكم بأنه عمل شيطاني.
زهد الصوفية تمسك بالإسلام وجعل الدنيا في اليد لا في القلب
[الشيخ أحمد عمر هاشم]: كل ذلك يجعلنا ننظر إلى أن زهد الصوفية فيه تمسك بالإسلام، وفيه جعل للدنيا في أيديهم وليس في قلوبهم، وليس في هذا الزهد تكالب ولا تناحر على الحياة الدنيا.
الفرق بين الزهد والتصوف وشرط الزهد الحقيقي أن تملك الدنيا ثم تزهد فيها
[المذيع]: هل يعني ذلك ما طرحه فضيلة العالم الجليل، فضيلة المفتي، إن الزهد يختلف عند الصوفية عن غيرهم، أي له معنى مختلف لدى الصوفية عن معنى الزهد المتعارف عليه لدى العامة؟
[الشيخ علي جمعة]: الزهد أعم من التصوف، بمعنى أن من الزهاد من كان متصوفًا، ومنهم من لم يكن متصوفًا. ولذلك رأينا هذا المصطلح -الزهد- قد شاع في أواسط الصحابة الكرام والتابعين وتابعي التابعين، إلى أن تم ما يسمى بنضج العلوم.
فأصبح التصوف علمًا كعلم التوحيد وعلم الفقه وعلم الأصول وما إلى ذلك، وله جانب عملي. والجانب العملي هو الذي سُمِّي بعد ذلك بالطرق.
أما هذا العلم فهو علم التصوف، وهذا الطريق طريق النخبة الذي سُمِّي بالطرق. هذه كانت هي طريقة النخبة، ولكن عامة الناس يمكن ألا يكونوا من النخبة، ولكن يمكن أن يكونوا زاهدين.
شرط الزهد الحقيقي ونضج علم التصوف كنضج سائر العلوم الإسلامية
[الشيخ علي جمعة]: ولكن شرط الزهد الأساسي هو: أن تكون الدنيا في يدك حتى تعرف كيف تزهد فيها. أما إذا لم تكن الدنيا في يدك وادَّعى أحدهم الزهد فهو كاذب، زهد كاذب. إذا كانت الدنيا ليست في يدك فتدَّعي ماذا؟
المهم أن تكون الدنيا في يدك أولًا وأنت قوي، ثم تزهد فيها، فلا تحزن عليها ولا تفرح بها، وتكون في يدك تتحكم فيها إعطاءً وبذلًا وتصرفًا وتعاملًا. هذا هو الزهد في حقيقته.
ووُصف العباد الأوائل بالزهد قبل أن ينضج علم التصوف، مثلما نضج علم أصول الفقه مع الشافعي، ومثلما نضج الحديث مع البخاري ومن قبله وهكذا إلى آخره، ومثلما نضج الفقه مع الإمام أبي حنيفة وهكذا.
أي أن العلوم نضجت، ولكن كلها موجودة في الدين، وكلها موجودة في عصر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما هذا إلا في الصياغة والأداء والنقل لمن بعدنا.
الزهد والتصوف والفرق بينهما في العمق والتصوف طريق الله المضبوط بقواعد
[الشيخ علي جمعة]: الزهد هو هذا المعنى: أن نكون غير متأثرين تأثرًا بليغًا يخرجنا عن حد الأدب مع الله سبحانه وتعالى في التعامل مع الدنيا.
لكن التصوف أعمق من هذا وأخص من هذا. التصوف هو طريق الله سبحانه وتعالى الذي ضُبط بقواعد، لعلنا في حلقة أخرى نبيِّن قواعد التصوف التي ضُبط بها.
قواعد التصوف التي تقول إنه منوط به الذكر والفكر. فالذكر والفكر هو طريق الله، لا بد من الذكر ولا بد من الفكر. كيف نذكر بالتفصيل؟ تفصيل التفصيل موجود في القرآن والسنة. كيف نفكر وفيما نفكر وما لا نفكر فيه؟ بالتفصيل موجود في الكتاب والسنة.
كيف نسير في هذا؟ ما مراحل هذا الطريق وما ملامحه؟ والإنسان فيه ماذا يفعل؟ وكل هذا له إجابة وله أدلة من الكتاب والسنة.
التصوف تجربة بشرية عميقة في ظلال الكتاب والسنة وجميع العلماء بعد الغزالي صوفيون
[الشيخ علي جمعة]: ولذلك هي تجربة بشرية عميقة في السير إلى الله عز وجل، تراكمت عبر العصور، ولكن في ظلال الكتاب والسنة لا تخرج عنها قيد أنملة.
ومن أجل هذا رأينا جميع العلماء بعد الإمام الغزالي صوفيون. كل العلماء صوفية بعد الإمام أبي حامد الغزالي.
أتذكر سلطان العلماء العز بن عبد السلام، درس وعلَّم وتعلَّم وحفظ وما إلى ذلك، حسن كان شيخًا للأزهر -وهو كان في وقت لم تنشأ فيه مرتبة مشيخة الأزهر بعد- لكن كان سلطانًا للعلماء، وبايع الحكام والمماليك.
هذا الرجل عاش حياته وكان واثقًا في نفسه وفي علمه وله الحق في ذلك.
قصة العز بن عبد السلام مع الإمام أبي الحسن الشاذلي ودخوله التصوف
[الشيخ علي جمعة]: فلما قابل سيدي أبا الحسن الشاذلي رضي الله تعالى عنه، وكان يسمع عن التصوف لكن لم يدرسه -هو درس الحديث والفقه وما إلى ذلك- فلما رأى الرجل [الإمام أبا الحسن الشاذلي] قال له: أنت غيَّرت مفاهيمي عن الحياة، أنت فتحت لي بوابة أخرى.
فألَّف كتابًا صغيرًا ممتعًا اسمه زبدة التصوف. هذا العز [بن عبد السلام] زبدة التصوف، الذي لم يكن بالأمس صوفيًّا، صار على يد الشيخ أبي الحسن الشاذلي لما عرف جمال الصوفية، لما عرف أن هذا هو الجزء الذي كان يبحث عنه في الدين.
هل أحد يعني كتب فيه؟ هل هذه التربية لها كيفية للفعل؟ أجابه عنها بمثال صادق فاتبعه، وأصبح العز بن عبد السلام من أتباع أبي الحسن الشاذلي.
قصة ابن عطاء الله السكندري وتربيته على يد أبي العباس المرسي
[الشيخ علي جمعة]: وقد تكرر هذا الموقف كثيرًا، ومن ضمنهم ابن عطاء الله السكندري. فابن عطاء الله السكندري في الإسكندرية بدأ بدراسة العلوم، ثم تربَّى على يد الشيخ أبي المرسي أبو العباس.
فلما تربَّى عليه انفتح له معنى جديد، فأتى مصر على أساس أن يستكمل علومه التي تعلمها في الإسكندرية من علوم الخمسة بالمائة التي تكلمنا عنها، فإذا به يتصدر وينقل للناس رؤية أبي المرسي أبو العباس. فبدلًا من أن يكون طالبًا صار شيخًا عليه السلام.
وظل ابن عطاء الله السكندري هناك، وكان من أصفى خلق الله.
شهادة ابن عطاء الله السكندري على ابن تيمية وصفاء قلبه
[الشيخ علي جمعة]: حتى أنه [ابن عطاء الله السكندري] شهد على الشيخ ابن تيمية شهادة لوجه الله. فلما خرج ابن تيمية من السجن قال له: يا فقيه، ما أردت إيذاءك. فقال له: أما أنت فأنا أعلم أنك لا تؤذي أحدًا.
الشيخ ابن تيمية يقول لابن عطاء الله السكندري: أما أنت فأعلم أنك لا تؤذي أحدًا، أنا مصدِّقك أنك أنت صافي القلب. قال: ما شهدت إلا لوجه الله. قال: أعلم ذلك.
حتى أن ابن طاهر المقدسي ألَّف كتابًا سمَّاه يعني كأنه خلاصة التصوف أو كذلك، أسند فيه كل عمل وقول للصوفية إلى الحديث. يعني خرَّج الحديث هكذا، هو لكن للأسف لما طُبع كان بتحقيق شيخنا الشيخ أحمد الشرباصي، نُزعت منه الأسانيد للأسف، فطُبع من غير أسانيد.
ولكن هذا خلاصة التصوف، وفيه رد لكل حركة وسكنة من كلام الصوفية إلى سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.
سبب خصومة البعض للتصوف هو الجهل ودعوة للتعرف على حقيقته
[المذيع]: بارك الله فيك فضيلة المفتي. إذن سؤالنا الأخير نختتم به هذا اللقاء ونفرد حلقة أخرى للتصوف وقواعده. فضيلة الدكتور أحمد عمر هاشم: إذا كان التصوف بهذه الصورة التي قدمتها فضيلتكم وعبَّرتم عنها وفضيلة مفتي الديار المصرية، فلماذا يُتَّهم كل هذا الاتهام من البعض؟ تفسيركم يا فضيلة الشيخ؟
[الشيخ أحمد عمر هاشم]: الإنسان عدو ما جهل. لو أنهم اقتربوا وذاقوا لعرفوا. يعني كما تفضل فضيلة المفتي، كل شوامخ أهل العلم من الصوفية: أبو حامد الغزالي وكتبه المعروفة، الإمام ابن حجر شارح صحيح البخاري صوفي، الإمام النووي، الإمام السبكي.
جميع الجامعات الإسلامية التي على ظهر الأرض الآن تحيا بكتب الفقه والحديث والتفسير من أقلام أهل التصوف.
فالذين افتعلوا هذه الخصومة الكاذبة بينهم وبين التصوف لم يعرفوا وإنما جهلوا، لم يقتربوا من أهله، ما تعرفوا ولا تذوقوا. ومن ذاق عرف.
دعوة للحرص على التصوف وأخلاقه وختام الحلقة بالتعريف بقواعد التصوف
[الشيخ أحمد عمر هاشم]: ومن أجل ذلك فأنا أدعو الجميع أن نكون جميعًا على قلب رجل واحد، وألا ننبذ اتجاهًا دينيًّا صافيًا كاتجاه التصوف، بل علينا أن نحرص عليه وعلى أهله وعلى السلوك وعلى هذه الأخلاق التي أرساها في المجتمع الإسلامي.
[المذيع]: شكرًا لفضيلتكم دكتور أحمد. والحقيقة أنها كانت حلقة ممتعة مشاهدينا الكرام. نشكر في ختامها ضيفينا الكريمين: فضيلة العالم الجليل الأستاذ الدكتور أحمد عمر هاشم شكرًا جزيلًا، وفضيلة العلامة الأستاذ الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية شكرًا جزيلًا.
شكرًا لكما. تحدثنا عن التصوف والمتصوفة وتعرفنا أو ألقينا الضوء على معناها في صفاء دون شوائب، بعيدًا عن المدعين والمسيئين إلى الصوفية. وعرفنا أيضًا أنها جهاد وتعمير وذكر وفكر وخلق حسن.
سنتحدث في الحلقة المقبلة بإذن الله عن قواعد التصوف. أشكركم ودمتم في أمان الله ورعايته، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
