2012 02 10 حق الجار
- •اهتم الإسلام بحق الجار وأوصى به في القرآن والسنة، فقد قال تعالى: "واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً وبالوالدين إحساناً... والجار ذي القربى والجار الجنب".
- •ورد عن النبي ﷺ أنه قال: "ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه"، وقال: "والله لا يؤمن من لا يأمن جاره بوائقه".
- •يشمل مفهوم الجار الملاصق وغيره، حيث وسعه النبي ﷺ إلى أربعين داراً من كل جهة.
- •لا فرق بين جار مسلم وغير مسلم في حقوق الجوار، فالنبي ﷺ كان يسأل: "هل أرسلتم إلى جارنا اليهودي؟".
- •من حقوق الجار: إعانته إذا استعان، وإقراضه إذا استقرض، وزيارته إذا مرض، وتهنئته عند الفرح، وتعزيته عند المصيبة.
- •مسؤولية إحياء هذه القيم تقع على الأفراد والمؤسسات والإعلام والمساجد عبر القدوة والتوعية.
- •يحتاج المجتمع لإحياء هذه القيم الإنسانية لتحقيق التماسك والأمن والاستقرار.
مقدمة برنامج كلمة حق حول حق الجار في الإسلام
[المذيع]: اهتم الإسلام كثيرًا بالسلوك والقواعد المنظمة لحياة البشر في المجتمعات المختلفة، ووضع قواعد مهمة يسير عليها الإنسان، سواء كانت تتعلق بحياته أو سلوكه.
ومن أهم هذه القواعد حق الجار في مجتمع يعاني الآن من إهدار هذا الحق الذي أوصى به رسولنا المصطفى صلى الله عليه وسلم في غير حديث، وأيضًا تحدثت عنه الآيات القرآنية في أكثر من موضع. عن حق الجار نتحدث في كلمة حق.
الترحيب بالضيوف وسؤال المفتي عن مفهوم الحق والجار في اللغة والشرع
[المذيع]: أسعد الله أوقاتكم مرة أخرى مشاهدينا الكرام، واسمحوا لي أن أرحب بضيوفنا الكرام. فضيلة مفتي الديار المصرية العلامة الجليل الأستاذ الدكتور علي جمعة، أرحب بفضيلتك دكتور علي، أهلًا وسهلًا وكل عام وأنتم بخير. نشكر لكم دائمًا هذه الاستجابة وهذا الجهد المشكور، شكرًا لفضيلتك.
ومعنا أيضًا فضيلة الأستاذ الدكتور طه أبو كريشة، النائب السابق لرئيس جامعة الأزهر وعضو مجمع البحوث الإسلامية، أرحب بفضيلتكم دكتور طه، أهلًا وسهلًا ومرحبًا. الأستاذ الدكتور حسن عبد السلام الأستاذ بجامعة الأزهر، أهلًا بكم دكتور حسن.
إذا بدأنا يا فضيلة مفتي الديار المصرية ونحن نتحدث عن الجار وحقه على جاره أيًّا كانت ديانته، هل تأذنون؟ ينبغي لنا في البداية أن نتوقف أمام مفهوم الحق ومعنى الجار في اللغة والشرع، وما هو المفهوم المتعلق بحق الجار؟
[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. كلمة حق في اللغة تدل على الشيء الثابت، وهذا يعطينا أن الحقوق دائمة وليست إثبات حالة، وليست مرة واحدة ونكون قد وفينا بتلك الحقوق.
فالحق ملازم للإنسان ما دام حيًّا، يا سلام! ولذلك فحق الجار وحق الطريق وحق الشريك وحق المجتمع علينا، وحق الله سبحانه وتعالى قبل ذلك كله، كل ذلك معناه الثبات؛ أنه معنا دائمًا، فلا بد لنا من مراعاته، ولا بد لنا تكراره، ولا بد لنا من المحافظة على الحقوق.
العلاقة بين الحقوق والواجبات ومعنى الجار في اللغة حقيقة ومجازًا
[الشيخ]: في الإسلام الحقوق والواجبات وجهان لعملة واحدة، فليس هناك واجبات بدون حقوق، وليس هناك حقوق بدون واجبات.
أما الجار فقد يُطلق حقيقةً على اللصيق الذي بيني وبينه حائط فيكون لصيقًا لي، هذا هو الجار على الحقيقة. ولذلك فقد أحاط بجيران ثلاثة: عن يميني وعن يساري وخلفي، والرابع يكون هو الشارع. وبعضهم أطلق الجار ووسّعه إلى أن شمل من هو أمامي أيضًا.
هذا هو المفهوم اللغوي الضيق، لكن في المجاز يمكن أن نستعمل الجار بصورة أوسع من هذا، حتى أن النبي صلى الله عليه وسلم وسّعه إلى أربعين من كل جهة، أربعين جارًا من كل جهة وليس أربعين في كل جهة، لا، من كل جهة؛ لأنه قال: كان يوصي بالجار إلى الأربعين هكذا وهكذا، وعدّ ثلاثة. نعم، يعني قال هكذا ثلاث مرات في رواية اتجاهات مختلفة.
تأسيس الإسلام لمفهوم جديد للجوار يشمل المقتضيات المجتمعية
[الشيخ]: وهنا معناها أن الجار ليس الملاصق فقط، ليس هو الملاصق فقط، وإنما المسألة اتسعت. وهنا أسّس الإسلام مفهومًا جديدًا للجوار اشتمل على المقتضيات المجتمعية ولم يقف عند اللصيق.
الشُّرّاح عندما شرحوا كتاب الله وعندما شرحوا سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، في نحو قوله تعالى:
﴿وَٱعْبُدُوا ٱللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْـًٔا وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَـٰنًا وَبِذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَـٰمَىٰ وَٱلْمَسَـٰكِينِ وَٱلْجَارِ ذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْجَارِ ٱلْجُنُبِ﴾ [النساء: 36]
الذي هو اللصيق، هذا، والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ملكت أيمانكم إلى آخره. شرحوا أن هذا الجار لا نفرّق فيه بين أبيض وأسود، ولا بين مسلم وغير مسلم، ولا بين رجل وامرأة.
إطلاق حق الجار في الشريعة واستنباط القواعد الباقية لكل زمان ومكان
[الشيخ]: وتحدّث الشُّرّاح سواء في التفسير للقرآن أو في شرح الأحاديث النبوية الشريفة في كل ما وردت فيه هذه [الأحكام المتعلقة بحق الجار] إنها مطلقة. نعم، وإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعامل الجيران معاملة واحدة.
وبنى الفقهاء يعني كثيرًا من الأحكام وأخذوا هذه الأحكام من الكتاب والسنة، لكن نحن عندما نتأمل هذه الأحكام وهي كثيرة جدًّا، ينبغي أن نستخرج منها القواعد التي تبقى معنا في كل زمان ومكان.
حتى إذا زاد الناس في الأعداد، حتى إذا اختلفت طرق الاتصال، حتى إذا تغيرت مفاهيم معينة للعلاقات الاجتماعية، فإن الأمر يبقى كما هو مع هذه القواعد المستنبطة من كتاب الله ومن سنة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.
أحاديث نبوية ممتعة في حق الجار والتفريق بين جار المقام وجار البادية
[الشيخ]: إذن فهذا معنى الحق وهذا معنى الجار، وفيه أحاديث كثيرة ممتعة يتأملها الإنسان ويقول: اللهم صلِّ وسلم عليه؛ لأنه قد أُوتي جوامع الكلم وقد أُوتي الفصاحة، وأعطى هذا الأمر المعقد بصورة فهمها العالِم والجاهل والبدوي والحضري وكذلك إلى آخره.
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفرّق ما بين الجار بالمقام أي الجار الذي بجانب [الإنسان] في العمارة أو في السكن أو كذلك إلى آخره، وبين الجار في البادية. وكان يستعيذ من سوء جار المقام؛ فإن جار البادية يرحل، يا سلام! أما المقام فباقٍ.
لكن المقام يبقى، أي لا بد أن تُقام العلاقة بيني وبين جاري على أحسن وأمتن وأقوى ما يكون.
حكمة اشتر الجار قبل الدار وشاهدها من القرآن في دعاء زوجة فرعون
[الشيخ]: وهذا ما دعانا ربما في العصر الحديث إلى أن نعني ببعض [الأمثال] مثل "اشترِ الجار قبل الدار" وما إلى ذلك، يعني استنباط من القديم. الجار قبل الدار، يعني الرفيق قبل الطريق، والجار قبل الدار.
واحد من السلف الصالح قالوا له: يعني كيف تجد ذلك في كتاب الله؟ قال: أجده في زوجة فرعون التي قالت:
﴿رَبِّ ٱبْنِ لِى عِندَكَ بَيْتًا فِى ٱلْجَنَّةِ﴾ [التحريم: 11]
ولم تقل: ربِّ ابنِ لي بيتًا عندك، يا سلام! وإنما قالت "عندك بيتًا"، آه! فقدّمت الجار قبل الدار.
قصة جار الأحنف بن قيس الذي باع داره بضعف ثمنها لقيمة الجوار
[الشيخ]: والأحنف بن قيس عندما كان يريد أن يبيع داره، فجارٌ للأحنف بن قيس - ليس الأحنف نفسه، الأحنف كان رجلًا كريمًا وسهلًا وهكذا - فجاره يبيع داره، يبيع دار نفسه.
فلما جاء المشتري قال: تريد كم؟ قال له: عشرين ألفًا. قال له: لكن هذه الدار في السوق تساوي عشرة. قال له: نعم، عشرة لها وعشرة لجوار الأحنف! يا سلام!
فكانوا يبيعون شيئًا مثل الآن حق استغلال، يعني كثيرًا نبيع اسم الشهرة للمحل الذي كذا، يعطون اسم الشهرة قيمة. فكذلك هذا، أنت جار الأحنف بن قيس، يجب أن تدعو [ثمنًا لذلك]، ماذا؟ من جَوْر السعيد يَسعَد. صحيح!
وصية النبي لأبي ذر بتعاهد الجيران وعدم التفريق بين مسلم وغيره
[الشيخ]: فكان النبي صلى الله عليه وسلم من جملة وصاياه:
قال النبي ﷺ: «يا أبا ذر، إذا طبخت مرقة فأكثر ماءها وتعاهد جيرانك»
لما يأتي في شرح الحديث يقول لك: ولا فرق بين المسلم وغير المسلم. وبعد ذلك يقول له: ماذا؟ أكثِر المرق قليلًا.
طبعًا نحن الآن أصناف الطعام والحمد لله كثيرة، ولكن كان هذا المرق شيئًا جيدًا وشيئًا له قيمة عظيمة جدًّا. فيأمر أبا ذر بأن لا ينسى جاره إلى هذا الحد. نعم، إلى هذا الحد الذي قال فيه:
قال النبي ﷺ: «لا يزال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورّثه»
سيعدّه من الورثة!
انفتاح قلب المسلم على العالمين والفرق بين أمة الدعوة وأمة الإجابة
[الشيخ]: إذن هذا التكاتف، هذا التلاحم، هذا مبني على قلب مفتوح. هو هذا الذي أريد أن أصل إليه: أن المسلم قلبه مفتوح للعالمين.
لماذا؟ لأن كل من على وجه الأرض هو من أمة النبي صلى الله عليه وسلم، لكن بعضهم يُسمَّون أمة الدعوة وبعضهم يُسمَّون أمة الإجابة. أمة الإجابة الذين أسلموا، وأمة الدعوة كل البشر. فلا بد أن يكون المسلم منفتحًا على هذا، هو الإسلام. نعم.
أما الذي نسمعه من النابتة الآن ممن يريدون تغيير وجه الإسلام الذي نزل على النبي، من غير فهم وبغباوة وبتصيّد ألفاظ لا يفهمونها، فهذا ليس من الإسلام في شيء.
شواهد القرآن الكريم على حق الجار وقائمة الإحسان في سورة النساء
[المذيع]: شكرًا جزيلًا فضيلة المفتي، ولا شك أننا سنعود بالتأكيد لنستمتع بالمزيد. فقط أنقل الحوار إلى فضيلة الأستاذ الدكتور طه أبو كريشة لنتعرف منه أيضًا على الشواهد التي وردت في القرآن الكريم وأيضًا في السنة النبوية المشرفة عن حق الجار بشيء من التفصيل. دكتور طه:
[الشيخ طه أبو كريشة]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. وبعد، فإن الشاهد من القرآن الكريم جاء في هذه الآية الكريمة التي قدّمت لنا القائمة التي يجب أن نحسن إليها في معاملاتنا كلها.
هذه الآية الكريمة هي قول الله عز وجل:
﴿وَٱعْبُدُوا ٱللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْـًٔا وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَـٰنًا وَبِذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَـٰمَىٰ وَٱلْمَسَـٰكِينِ وَٱلْجَارِ ذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْجَارِ ٱلْجُنُبِ وَٱلصَّاحِبِ بِٱلْجَنبِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾ [النساء: 36]
دلالة ختام آية الإحسان بذم المختال الفخور على وجوب الإحسان للجار
[الشيخ طه أبو كريشة]: نلاحظ في هذه الآية الكريمة أنه كان من المتوقع أن يأتي ختامها ببيان ثواب من يحسن إلى كل هؤلاء، ولكن جاء الختام:
﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾ [النساء: 36]
بمعنى أن الذي لا يحسن إلى هذه القائمة التي بدأت بالوالدين وانتهت بالخدم، إنما هو الإنسان المتكبر المختال الذي لا يحبه الله عز وجل. فمن يريد أن يحبه الله عز وجل عليه أن يلتزم بالإحسان إلى كل هؤلاء.
حسنًا، هناك ملاحظة: "وبالوالدين إحسانًا"، نحن نعلم أو نعرف في اللغة العربية أن الفعل "أحسن" يتعدى بـ"إلى"، ولكن هنا "وبالوالدين إحسانًا" جاءت الباء، والباء تعني الإلصاق. ومعنى ذلك أن هذا الإحسان يجب أن يكون دائمًا ثابتًا، أي لا يختلف أو لا يفارق الإنسان في أي وقت من الأوقات.
ارتباط إكرام الجار بكمال الإيمان والإساءة إليه بنقص الإيمان في السنة النبوية
[الشيخ طه أبو كريشة]: إذا انتقلنا من القرآن الكريم إلى السنة النبوية المطهرة، فإننا نجد فيها أمرين متقابلين: الأمر الأول هو أن الإحسان أو إكرام الجار مرتبط بكمال الإيمان، وأن الإساءة إلى الجار مرتبطة بنقص الإيمان أو بعدم الإيمان أصلًا. يا للعجب!
فمن شواهد الإثبات قوله صلى الله عليه وسلم:
قال النبي ﷺ: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليحسن إلى جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت»
هنا رأينا "فليحسن إلى جاره". هناك حديث آخر:
قال النبي ﷺ: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذي جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت»
هذا بالنسبة لهذا الوجه من الآيات القرآنية والسنة النبوية التي تبين لنا العلاقة بين الإحسان إلى الجار وبين كمال الإيمان.
الصورة السلبية لإيذاء الجار وقسم النبي على نفي الإيمان عمن لا يأمن جاره بوائقه
[الشيخ طه أبو كريشة]: أما الصورة المقابلة وهي الصورة السلبية، عندما ينعدم الإحسان ويوجد الإيذاء، فإن ذلك يكون علامة على عدم وجود الإيمان. والشواهد النبوية هنا كثيرة، نذكر منها قوله عليه [الصلاة والسلام]:
أقسم بالله تعالى وقال:
قال النبي ﷺ: «والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن»
فالصحابة رضوان الله عليهم اندهشوا وقالوا: لقد خاب وخسر يا رسول الله، من هذا؟ فقال:
«من لا يأمن جاره بوائقه»
قالوا: وما بوائقه يا رسول الله؟ قال: شره وأذاه. والشر كلمة مطلقة هي عنوان لكل المصائب.
قصة المرأة التي تؤذي جيرانها بلسانها وهي في النار رغم كثرة عبادتها
[الشيخ طه أبو كريشة]: الإيذاء وعدم الإحسان إلى الجار أيضًا [له شواهد]، امرأة تُذكر بكثرة صيامها وصلاتها وقيامها بالليل، ومع ذلك تؤذي جيرانها بلسانها، قال عليه الصلاة والسلام:
قال النبي ﷺ: «هي في النار»
في مقابلها امرأة أخرى لا تكثر من الصلاة، بمعنى لا تقوم الليل وإنما تكتفي بالفرائض والنوافل قليلة، وتتصدق بالقليل من قطع الجبن الصغيرة الأقدم كما جاءت في الرواية، فقال عليه الصلاة والسلام:
قال النبي ﷺ: «هي في الجنة»
فالعبرة ليست بكثرة العبادة فحسب، بل بحسن معاملة الجار وكفّ الأذى عنه.
تفصيل حقوق الجار في الحديث النبوي من الإعانة والعيادة إلى التهنئة والتعزية
[الشيخ طه أبو كريشة]: أيضًا رأينا من الأحاديث النبوية الشريفة ما يبين لنا تفصيل حق الجار. ما المطلوب في حق الجار؟ قال عليه الصلاة والسلام:
قال النبي ﷺ: «أتدرون ما حق الجار؟ إذا استعانك أعنته، وإذا استقرضك أقرضته، وإذا مرض عُدته، وإذا افتقر عُدت عليه»
طبعًا "عُدته" الأولى [في حالة المرض] معناه زرته، و"عُدت عليه" إذا افتقر وكان غنيًّا وأصبح فقيرًا تعود عليه بالمعاونة والمساعدة، هذا معنى "وإذا افتقر عُدته".
ثم يقول عليه الصلاة والسلام:
«وإن أصابه خير هنّأته، وإن أصابته مصيبة عزّيته، وإن مات اتّبعت جنازته»
النهي عن الاستطالة بالبنيان على الجار وإيذائه برائحة الطعام
[الشيخ طه أبو كريشة]: ثم يقول عليه الصلاة والسلام - وانظر إلى هذا المعنى -:
«ولا تستطل عليه بالبنيان فتحجب عنه الريح إلا بإذنه»
لا بد أن يستأذن من جاره؛ لأنه إذا ارتفع [البناء] حجب الهواء وحجب الشمس إلى آخره.
ثم يقول عليه الصلاة والسلام - هذا الحد من يعني مراعاة الشعور والمشاعر الإنسانية -:
«ولا تؤذه برائحة قِدرك إلا أن تغرف له منها»
ومجرد رائحة الطعام إذا وصلت إلى الجار وهو لم يكن عنده هذا، فعلاج ذلك أن ترسل إليه مقدارًا من الطعام الذي قمت بإعداده، حتى لا يشعر بشعور الحسد أو الحقد أو الحرمان إلى آخره.
الأمر بإهداء الفاكهة للجار أو إدخالها سرًّا حتى لا يتأذى أطفاله
[الشيخ طه أبو كريشة]: ثم يقول عليه الصلاة والسلام:
«وإذا اشتريت فاكهة فأهدِ له»
نعم، فإن لم تستطع - أي ليس كل إنسان قادرًا على أن يعطي جارًا من اليمين وجارًا من اليسار وجارًا من الخلف، يا ترى هل سيشتري فاكهة لكل هؤلاء؟ - فإن لم تستطع وإن لم تفعل فأدخلها سرًّا حتى لا يراها أحد من أطفاله.
وبعد ذلك ولا يخرج بها ولدك ليغيظ بها ولده. آخر!
فكأن الإحسان إلى الجار متى تعدّد وتوالى في كل الجيران، أصبح المجتمع كله على هذا المستوى من الإحسان الذي يعنيه، هو الذي يدعو إليه الإسلام.
﴿إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: 10]
هذه الأخوة إنما تأتي من خلال هذا التواصل الإنساني الحميم الذي لا نظير له في أي دستور أو في أي تعاليم هنا أو هناك.
دعوة الإسلام إلى تأكيد الأخوة من خلال التواصل بين الجيران في كل مناحي الحياة
[الشيخ طه أبو كريشة]: يعني انظر إلى هذا التواصل بهذه النقاط اليسيرة، كل هذا يعطينا كيف دعا الإسلام إلى تأكيد وتأصيل هذه الأخوة التي تتواصل في كل ما يمكن أن يتوقعه الإنسان في هذه الحياة.
[المذيع]: سنتواصل بتأكيد فضيلة الدكتور طه أيضًا بشيء من التفصيل عن كل ذلك. وهنا أستطلع رأي الأستاذ الدكتور حسن عبد السلام أيضًا عن معنى حق الجار وما نحتاجه في هذه الأيام، وأسباب الفجوة بين ما يراه الشرع أو الدين الإسلامي وما ساقه فضيلة مفتي الديار المصرية والأستاذ الدكتور طه أبو كريشة من آيات قرآنية وأحاديث، وبين ما نراه الآن في حياتنا بين الجيران وبين الإخوة؟ فضيلة الدكتور حسن:
[الشيخ حسن عبد السلام]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهديه وعمل بسنته إلى يوم الدين.
سبب الفجوة بين حقوق الجار الشرعية والواقع هو الجهل والابتعاد عن الدين والأخلاق
[الشيخ حسن عبد السلام]: أما بعد، فالإجابة على سؤالكم تتمثل في عدم الوعي والجهل بديننا الحنيف. الذي نراه من المشكلات والخصومات وعدم المودة بين الجيران سببه ابتعاد الناس عن الدين، بل بُعدهم عن الأخلاق الموروثة أو التي يجب أن نتوارثها من أجدادنا القدماء حتى قبل الإسلام.
الجوار في لغة العرب معناه الحماية والمنع. ولذلك من معاني كلمة الجار في لغة العرب: الشريك في التجارة يُقال له جار، والمرأة الزوجة يُقال لها جارة، والزوج يُقال له جار [الزوجة جارة]؛ لأن زوجها يحميها ويمنعها.
فالجوار في لغتنا معناه الحماية والمنع.
تفاخر العرب بحماية الجار في الجاهلية ومجيء الإسلام لإتمام مكارم الأخلاق
[الشيخ حسن عبد السلام]: وكان العرب يتفاخرون بهذه المكرمة، حماية الجار؛ لأن العرب في الجاهلية لم يكونوا شرًّا محضًا، وإنما كانت عندهم بعض مكارم الأخلاق التي جاء الإسلام ليؤكد عليها ويزيدها ويرشدها.
سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
قال النبي ﷺ: «إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق»
كانت موجودة عند العرب مكارم أخلاق. حاتم الطائي المشهور بالكرم وهو من قبيلة طيء، وقع بعض من قبيلة طيء سبايا وأسرى في أيدي المسلمين في بداية الدعوة أيام الرسول صلى الله عليه وسلم.
قصة ابنة حاتم الطائي وإكرام النبي لها بسبب مكارم أخلاق أبيها وإسلام أخيها عدي
[الشيخ حسن عبد السلام]: وكان من ضمن السبايا والأسرى ابنة حاتم الطائي الذي كان قد توفي قبل دخول [الإسلام]، مات حاتم الطائي قبل الإسلام. وعرّفت ابنة حاتم الطائي رسولَ الله صلى الله عليه وسلم بأنها ابنة حاتم الطائي، فقال عليه الصلاة والسلام:
قال النبي ﷺ: «كان أبوها يحب مكارم الأخلاق»
وأمر بتحريرها وزوّدها بكسوة ونفقة، وأمرها أن تنتظر أحدًا من قبيلتها تأتمنه على نفسها ليحملها إلى دارها.
فلما ذهبت بعد هذا الإكرام النبيل من سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أخيها عدي بن حاتم وأخبرته بما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم معها، وأمرته أن يذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليسلم، كان ذلك سببًا في إسلام عدي بن حاتم الطائي.
قصة سويد بن أبي كاهل مجير الجراد وضرب المثل بحماية الجار عند العرب
[الشيخ حسن عبد السلام]: في مجال حق الجوار وحماية الجار يُضرب المثل برجل من الجاهليين اسمه سويد بن أبي كاهل. يقول العرب في المثل: "أحمى من مُجير الجراد".
قالوا: سويد بن أبي كاهل هذا كان جالسًا في خيمته وطار جراد ووقع بجواره، وبعض الناس يطاردون هذا الجراد لصيده ليأكلوه. فلما وصلوا إليه قال: لا يقربه أحد منكم، إنه في جواري! وهدّدهم إن اقتربوا من الجراد سيقاتلهم.
وقال لهم: اتركوه حتى يخرج من جواري. فتركوه حتى طار الجراد من جواره فتبعوه وفعلوا به ما أرادوا.
المعنى هنا أنه كان هناك عند العرب قبل الإسلام مكارم أخلاق، لكن في هذه المكارم غلو وإسراف، جاء الإسلام ليرشدها، وفيها نقص جاء الإسلام ليتممها.
قال النبي ﷺ: «إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق»
شاهد الحماية في القرآن والحديث وأن جوار المسلم يلزم جميع المسلمين
[الشيخ حسن عبد السلام]: هذا المعنى، معنى الحماية، نجد شاهدًا عليه في القرآن الكريم بقول الله سبحانه وتعالى:
﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ٱسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَـٰمَ ٱللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ [التوبة: 6]
وفي الحديث الشريف أن المسلم - أي مسلم سواء كان عبدًا أو حرًّا، رجلًا أو امرأة - أجار أحدًا من الكفار واحدًا أو جماعة، فإن ذلك يلزم جميع المسلمين ويُجير عليهم أدناهم.
أيضًا من شواهد هذا المعنى قول الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم آمرًا للرسول صلى الله عليه وسلم:
﴿قُلْ لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [الجن: 22]
"لن يجيرني من الله أحد" يعني لن يحميني ولن يمنعني من الله أحد.
الله هو القادر على الحماية وحق الجوار يجعل الجار في ذمة جاره
[الشيخ حسن عبد السلام]: والله سبحانه وتعالى إذا أراد أن ينزل عقابًا بأحد فلا مانع لهذا العقاب. والله سبحانه وتعالى هو القادر على حماية العبد، وكما قال الله سبحانه وتعالى:
﴿وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ﴾ [المؤمنون: 88]
فمعنى الحماية المرتبطة بمعنى الجوار والحماية هو المنع الذي يجعل الجار في ذمة جاره، يمنعه ويحميه ويدافع عنه ويدفع الشر، ويحب له ما يحبه لنفسه.
وكل النصوص التي تفضّل بها فضيلة المفتي والتي تفضّل بها أستاذنا [الدكتور طه أبو كريشة] من القرآن الكريم ومن السنة النبوية الشريفة تدعونا إلى هذه المعاني النبيلة التي نحن في أشد الحاجة إليها في هذا الزمان.
نسأل الله سبحانه وتعالى أن يبصّرنا بديننا وأن يردّنا إلى دينه ردًّا حسنًا، إنه سميع قريب.
الانتقال للجزء الثاني وسؤال المفتي عن ثمرة الالتزام بحق الجار وأثره على المجتمع
[المذيع]: شكرًا جزيلًا دكتور حسن. بعد هذا الفاصل القصير مشاهدينا الكرام نتواصل حول الجار وحقه في الإسلام.
مع فضيلة مفتي الديار المصرية، ثمرة الالتزام بحق الجار كيف يكون لها انعكاس على المجتمع؟ وهل الذي يتعمد إيذاء جاره هو آثم شرعًا؟ إضافة إلى بعض الأحاديث الممتعة على حد تعبيركم إذا أردنا أن نتوقف أمامها والتي استمعنا إليها في الجزء الأول من هذا اللقاء المبارك من فضيلة الأستاذ الدكتور طه أبو كريشة والدكتور حسن عبد السلام.
[الشيخ]: فإن في الحقيقة يفتح أمامنا طريقة أخرى للتفكير راعاها المجتمع الإسلامي ونسيناها عندما اختلطت الأوراق علينا في عصورنا المتأخرة، فنظرنا إلى الشرق ونظرنا إلى الغرب وتُهنا في وسط أنظمة كثيرة.
أثر مفهوم الجوار على النظام القانوني والمواطنة وشعور الإنسان بقيمته
[الشيخ]: لو توقفنا أمام معنى كلمة الجوار وأن المسلمين يسعى بذمتهم أدناهم، هذا الكلام سوف يؤثر في النظام القانوني، سوف يؤثر في قضايا الهجرة وفي معنى المواطنة.
هذا الكلام كلام غاية في الإنسانية، يشعر الإنسان بانتمائه لوطنه. تخيّل ما معنى هذا الكلام! هذا الكلام "يسعى بذمتهم أدناهم"، ومن أدنانا؟ رجل ضعيف ليس بصاحب سلطة، ليس بصاحب جاه، ليس بصاحب غنى، ليس بصاحب علم.
هذا أدناهم الذي نحن نقول عنه ربما يعمل في النظافة وكنس الشارع ورفع القمامة. حسنًا، إذا كان هذا هو أدنى السلم لمن يعمل للمجتمع، تصوّر إذن أن هذا الإنسان قادر على أن يكتب ورقة ويوقّع عليها فيدخل شخص إنجليزي مصر بهذه التأشيرة!
تطبيق مفهوم الجوار يصنع قيمة المواطن ويعزز شعوره بالانتماء
[الشيخ]: تصوّر أن الذي وقّع عليها يوافق على أن يستضيفه، تلزم الجوازات والهجرة، تلزم سفارتنا في لندن أو في أمريكا أو في اليابان. الرجل عندما يجد نفسه أمام هذا الأمر أنه يستطيع بمجرد خطة القلم منه - ولأنه مثلًا مصري - أن يحمي هذا الأجنبي وأن يستضيفه وأن يكون في جواره، سيكره مصر؟ سيشعر المواطن بأن له قيمة.
يعني أنا يعني ماذا الذي سيحدث حينئذ؟ الدنيا ستنقلب! الواحد يشعر بأنه رجل، المرأة تشعر بأنها امرأة، يشعر بأنه مواطن.
تخيّل إذن حضرتك أن هذا الإنسان سُلب من هذه المكرمة وأصبح هو كلامه عندما يلقونه معهم في الشارع يقبضون عليه لأنه ليس معه تأشيرة، فيقول لهم: هذا في جواري! فقالوا: جواري يعني ماذا؟ ما نحن فاهمون الجوار يعني ماذا! يشعر بأنه لا قيمة له.
قصة السيدة زينب وإجارتها لزوجها أبي العاص بن الربيع وإقرار النبي لذلك
[الشيخ]: فسيدنا الرسول جعل لنا قيمة ونحن فرّطنا في القيمة. السيدة زينب [بنت رسول الله ﷺ] عندما جاء زوجها أبو العاص بن الربيع فعرفت أنه موجود فجعلته في الجوار.
أرسل [أبو العاص] لها قلادة خديجة، فلما أخذتها [السيدة زينب] أرسلت هي لها قلادة خديجة. القلادة التي لخديجة كانت قد أعطتها لها في يوم زفافها، فأرسلتها لزوجها وهو على الشرك، وقالت: هو في جواري.
فالنبي عليه الصلاة والسلام أصبح الصباح قال: والله لا أعلم، أجيروا من أجارت زينب! يا سلام! أنا لست مرتبطًا معها بشيء، لكن هو كذلك. أجل، زينب من المسلمين، انتهى، تجيره.
طيب، هذا هو آتٍ يحاربني ويقتلني ويعمل [كذا]، إجارته زينب أم لا؟ إجارته زينب! يبقى هو في الجوار. أجل، والزواج انفضّ بإسلامها وبقائه على الشرك.
عودة أبي العاص بالعقد الأول واستنباط الفقهاء أحكام الزواج من قصة زينب
[الشيخ]: لما رجع العاص وأسلم بعد ذلك، أرجعه النبي بالعقد الأول، بالعقد الأول، بالعقد الأول! هذا عقد جديد ولم يُعَد العقد، يا سبحان الله! وكان بين هذا وذاك نحو ست سنوات.
ولكن يعني لم تكن في العدة ولم كذلك. وأخذ الفقهاء من حادثة زينب أن المرأة إذا انفصلت عن زوجها لإسلامها ثم تأخر الزوج ولو سنوات، ثم إنها لم تتزوج - بشرط ألا تتزوج وقد كانت كذلك - فإنهما يعودان إلى الأمر الأول.
nعم، وألّفوا فيها مؤلفات وكذلك إلى آخره، "الائتناس في تصحيح أنكحة الناس" وأشياء من هذا القبيل.
المعنى النفسي للجوار وأثره في صناعة الوطنية والانتماء والترابط المجتمعي
[الشيخ]: لكن على كل حال أنا فقط أريد المعنى النفسي للجوار. نعم، هذا الجوار إخواننا هذا شيء، هذا شيء كبير جدًّا. هذا شيء يصنع الوطنية ويصنع الانتماء ويصنع كذا وكذا إلى آخره من المعاني الخفية التي تحدث عندما نطبق هذا الكلام ونجعله في صياغة قانونية معينة.
في صياغة تجعل للإنسان قيمة وتجعل هناك الترابط. الكلام الذي قاله الدكتور طه [أبو كريشة] في غاية الأهمية وهو العلاقات المتتالية: أنا جار الزميل الذي بجانبي، ولكن بجانبي هذا زميل وآخر الذي يأتي بعده إلى ما لا نهاية هنا.
ونحن إذا كان المجتمع كله في جوار، فهذا الكلام يؤدي بنا إلى مجتمع متماسك قوي.
أسباب ضعف العلاقة بين الجيران في العصر الحديث والخوف والانغلاق
[الشيخ]: اليوم أصبحت العلة التي نحن فيها أنه حدث أمران في الحقيقة: الأول أن الناس خافت من بعضها، خافوا من بعضهم البعض. كل شيء مغلق على الباب، منتبه لدرجة أن العمارة الواحدة لا تعرف بعضها البعض. يا للعجب!
[المذيع]: هذا في عمائر لا يعرفون بعضهم البعض!
[الشيخ]: هذا واقع يا فضيلتك، هذا واقع. نعم، نحن نعيش واقعًا. آه، عندنا عشرون شقة تجدني أعرف منهم عشرة وعشرة لا.
حسنًا، هذا الذي يستوجب مني كتمهيد لتنفيذه - إن أردت أن أنفذه - أن أعرفهم وأن أعيش معهم وأن أذوب فيهم.
اختلاف العلماء في تفسير الأربعين جارًا وتطبيقه على العمارات الحديثة
[الشيخ]: ولقد اختلف العلماء حول سبب قول النبي لنا عن الأربعين هؤلاء من كل كذا وكذا. هذه العمارة تُعدّ جارًا واحدًا والأربعون فيها يُعدّون جارًا واحدًا.
بعضهم قال هكذا، وبعضهم خفّف قليلًا وقال: لا، الأربعون يبقون أربعين، يعني هو يريد أربعين نفرًا. يعني فقط أربعين وأربعين يعني مائة وعشرين.
هذا اليوم، هذه العمارة لو رأيناها على أنها جار واحد جميعهم، فلا بد عليّ من أن أذيب الثلوج التي أنشأتها الأخلاق العصرية، أنشأتها كثرة الناس، أنشأها الحرص والبخل وعدم الكرم.
ضرورة إزالة الجفوة بين الجيران وتطبيق وصايا النبي في التراحم والتواصل
[الشيخ]: النبي صلى الله عليه وسلم في نصائحه يقول لنا:
قال النبي ﷺ: «والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن»
انتبه إذن هنا، سيدنا الشيخ طه قال: "والله لا يؤمن" الثلاث مرات، من لم يأمن جاره بوائقه، غوائله، شروره.
ولكن هذا في الحديث، إذن هذا قال:
قال النبي ﷺ: «من بات شبعان وجاره جائع»
طيب، أنا سأكفّ خيري شري ولن أؤذي جاري. طيب، كيف ستعرف إذا كان تناول العشاء أم لا؟ إذا كان معه أم ليس معه؟ هذا معناه أنني قد أنزلته منزلة نفسي، فلا بد عليّ أن أتعاهده.
هذه قضية ترتّب لنا وعلينا طريقة أخرى، ونحن الآن نقول نريد أن نبدأ مجتمعًا جديدًا وعهدًا ومستقبلًا فسيحًا وأملًا رابحًا، نحن نقول هذا الآن.
العودة إلى الهوية والتراث الإسلامي وتطبيق وصايا النبي البسيطة في حق الجار
[الشيخ]: طيب، هذا نحن نريد أن نرجع إلى هويتنا مرة أخرى وتراثنا وديننا. وعلى فكرة كل هذا مترسّخ في أنفسنا؛ لأننا رأينا شيئًا منه ونحن صغار، يعني لن نرفضه. ما من أحد سيرفض الكرم، ما من أحد سيرفض التعاون، ما من أحد سيرفض التماسك.
يجب علينا أن نأخذ من وراء هذه الأحاديث. حسنًا، هذا حديث وبه كل هذه الحقوق، كيف أفعله؟ قال:
قال النبي ﷺ: «والله لا يؤمن من بات شبعانًا وجاره جائع»
حسنًا، لكي أنفذه ماذا أفعل؟ لا بد أن أزيل ما بيني وبين جاري من الجفوة، من الهفوة، من الحائط الكثيف الذي نبنيه بأنفسنا وبطريقة أرى إنها غباوة؛ لأنه لا بد لنا أن نتماسك أن نتعاطف أن نتراحم.
وصايا النبي العملية في إفشاء السلام والإهداء للجار وثمرتها مجتمع قوي متماسك
[الشيخ]: ولا يكون ذلك إلا باتباع هذه السنة التي وضعها لنا النبي عليه الصلاة والسلام في منتهى البساطة: أفشوا السلام بينكم، أهدوا للجار عندما يشمّ رائحة طعامكم وأعطوه، ولنكفّ عن المشاكسة، لا ترموا القمامة أمامه.
عملية سهلة جدًّا ولكنها ميسّرة على من يسّرها الله عليه. ما الذي سينتج من هذا؟ سينتج من هذا مجتمع قوي ومجتمع ينطلق ومجتمع فيه كفالة وفيه أمن وفيه حماية وفيه جوار.
سينتج من هذا احترام للإنسان، وهو نحن نتحدث في حق الجار.
حاجتنا الماسة لتفهم حقوق الجار وفرصة تاريخية لعودة الهدي النبوي في مجتمعاتنا
[الشيخ]: يقول [قائل]: نعم نحن هذا الكلام مكرر. لا، ليس مكررًا! هذا نحن كلام نحتاج إليه أشد الاحتياج في عصرنا هذا، أن نتفهمه أن نتدبره جيدًا، أن لا نترك حقًّا من حقوق الجار وقد فعلنا ذلك كأننا نتتبع هذه الحقوق لنهدمها وليس لنقوم بها.
يجب علينا أن نرجع، والبرنامج معنا والهوية تساعدنا والتاريخ والتراث والدين والثقافة. أي أننا أمام فرصة تاريخية لعودة هذا الكيان النبوي والهدي المحمدي في مجتمعاتنا.
ولن يرفضه أحد لا من المسلمين ولا من غير المسلمين؛ لأن فيه الرحمة، لأن فيه الانطلاق، لأن فيه العمق، لأن فيه المواطنة. والله سبحانه وتعالى من وراء القصد. نعم.
مسؤولية نشر ثقافة حق الجار بين المسلمين وغيرهم ودور الإعلام والمسجد والأسرة
[المذيع]: فضيلة المفتي، إن هذه الحاجة تدفعني لأن أسأل فضيلة الدكتور طه: كيف هذه الروح التي تحدث عنها فضيلة المفتي بين الجيران المسلمين وغير المسلمين؟ وعلى من تقع المسؤولية، هل هي مسؤولية أفراد أم هي مؤسسات دعوية؟ يعني ترى فضيلتكم هذا الأمر كيف؟
[الشيخ طه أبو كريشة]: أن المسؤولية تقع على الجميع: تقع على الإعلام، تقع على المسجد وأئمة المساجد بالموعظة الحسنة وبالتذكير.
﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ ٱلذِّكْرَىٰ تَنفَعُ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات: 55]
وبالإشادة بمن يكون مثالًا أعلى في هذا المقام، حتى يُذكر بين جيرانه بأنه صنع كذا وكذا فيقتدي به الآخرون. سيرة الإنسان هي التي تصنع القدوة الحسنة عند الآخرين، ومن هنا تتوالى هذه القدوة ويتوالى الاقتداء بمن كان مثالًا أعلى في مثل هذا المقام.
دور القدوة في البيت والتربية والتواصل مع الجيران في المناسبات وغيرها
[الشيخ طه أبو كريشة]: القدوة في داخل البيت عند التربية، تربية الأبناء في البيت عندما يرون أباهم وأمهم يذكرون جيرانهم ويتواصلون معهم، سواء في المناسبات أو في غير المناسبات.
التواصل عن طريق الهاتف أو عن طريق الزيارة عندما تحدث مناسبة من المناسبات، كل هذا يؤسس هذه العلاقات الطيبة الحميمة بين الجيران ولا ينقطع في وقت من الأوقات.
فالمسؤوليات هنا متعددة: تبدأ من البيت، ومعها بعد ذلك المسجد الذي في الحي عندما يذكّر الناس بين وقت وآخر بهذه الحقوق. أيضًا أجهزة الإعلام المسموعة والمرئية والمكتوبة، كل هذا إنما هو عندما تتناول مثل هذه القضايا ومثل هذه الأخلاق، فإن ذلك لا بد أن يؤدي إلى ثمرة عظيمة من الثمرات التي ينتفع بها الجميع في المجتمع.
تأكيد السنة النبوية أن حقوق الجار لا تفرق بين مسلم وغير مسلم وأنواع الجيران الثلاثة
[الشيخ طه أبو كريشة]: وفي القرآن الكريم وفي السنة النبوية المطهرة ما يؤكد لنا أن هذه الحقوق لا اختلاف فيها بين جار مسلم وجار غير مسلم. فالمسلم مأمور بالإحسان إلى جاره أيًّا كانت ديانته، أيًّا كان.
الجيران ثلاثة، هذا حديث النبي صلى الله عليه وسلم: الجيران ثلاثة. [جار] له ثلاثة حقوق: الجار المسلم القريب له حق الإسلام وحق الجوار وحق القرابة التي هي صلة الرحم. وهذه الحقوق معروفة في الدين، كيف يصل الإنسان رحمه وكيف يؤدي حق أخيه المسلم.
ثم نجد أن حق الجوار هو الحق القاسم المشترك بين الثلاثة. فالجار [المسلم غير القريب] له حقان: حق الجوار وحق الإسلام. والجار الذي له حق واحد هو الجار غير المسلم له حق الجوار. فحق الجوار حق مشترك بين الأنواع الثلاثة.
النبي يسأل عن جاره اليهودي عند ذبح الذبيحة قدوة في الإحسان لكل الجيران
[الشيخ طه أبو كريشة]: والنبي صلى الله عليه وسلم أي عندما كان يذبح ذبيحة كان [يسأل]: أي هل أرسلتم إلى جارنا اليهودي؟ يسأل أولًا بأنهم أي لا بد أن يرسلوا إلى الجار جزءًا من هذه الذبيحة.
فطبعًا هذا مثال من القدوة الحسنة الطيبة التي يجب أن يقتدي بها الجميع في كل زمان وفي كل مكان.
[المذيع]: نعم، أيضًا هناك درس عملي تفضل:
[الشيخ طه أبو كريشة]: قد رأيناه بالنسبة للنبي صلى الله عليه وسلم وهو يعلّم أصحابه كيف يحافظون على حق الجار. جاءه رجل يشكو له أذى جاره له، وأن هذا الإيذاء متتالٍ لدرجة أنه لا يستطيع أن يستقر في بيته.
درس عملي نبوي في معالجة إيذاء الجار بإخراج المتاع إلى الطريق
[الشيخ طه أبو كريشة]: قال [النبي ﷺ] له: أخرج متاعك إلى الطريق. أخرج متاعه في الطريق، يعني أثاثه في الشارع. فكل من مرّ عليه يقول له: لماذا فعلت ذلك؟ يقول: جاري يؤذيني فأنا أريد أن أرحل. فيلعنون هذا الجار جميعًا، من مرّ به يعني يدعو عليه، يدعو على هذا الجار الذي آذى هذا الجار.
فلما وصل إليه هذا [الأمر]، ذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم يستغيث ويقول له: كل الناس يلعنونني وأنا لن أعود إلى إيذاء جاري. فاستدعى النبي صلى الله عليه وسلم الجار الذي أخرج متاعه إلى الخارج وقال: أدخل متاعك فلن يؤذيك بعد اليوم.
فهذا درس عملي على أن من يؤذي جاره يعرّض نفسه لسخط الله ولعقاب الله عز وجل.
السيئة في حق الجار تساوي عشر سيئات والعقاب المضاعف لمن يؤذي جاره
[الشيخ طه أبو كريشة]: ولعلي أتذكر حديثًا أن السيئة للجار تساوي عشر سيئات لغير الجار. يعني ما تقولون في السرقة؟ قالوا: حرام. قال: لأن يسرق الواحد من عشرة أهون من أن يسرق جاره.
نفهم من العملية الحسابية هنا أن سرقة الجار وهو واحد تساوي سرقة عشرة بيوت! وهكذا الأمر في كل إيذاء من الإيذاء الذي يمكن أن يوجّهه الجار إلى جاره، يعني يعرّض نفسه للعقاب المضاعف كما رأينا في مثل هذا الحديث النبوي الشريف.
[المذيع]: شكرًا جزيلًا فضيلة الدكتور طه. وفي [الحديث] مع الدكتور حسن: أي كيف نستعيد هذه الروح الطيبة بين الجيران في ظل هذا الزخم الذي يعيشه المسلمون والمصريون بشكل عام وتلاحق الأحداث التي يصعب التعبير عنها وانشغال الناس بدنياهم؟
لا مخرج إلا بالرجوع إلى القيم الإسلامية الإنسانية وحديث من أراد الله به خيرًا حبب إليه جيرانه
[الشيخ حسن عبد السلام]: في الحقيقة ليس هناك مخرج إلا الرجوع إلى هذه القيم النبيلة، فهي قيم إنسانية وقيم إسلامية، وهذا هو المطلوب وهذا هو ديننا.
سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم له حديث قرأته في [كتاب] إحياء علوم الدين:
قال النبي ﷺ: «من أراد الله به خيرًا عسّله»، فقيل: وما عسّله؟ قال: «حبّب إليه جيرانه»
ولن يكون حب الجيران إلا بالإحسان والتواصل والحماية والكرم.
قصة طريفة عن حرص السلف على جيرانهم حتى في أمر الفئران والقط
[الشيخ حسن عبد السلام]: ونجد في تراثنا أشياء عجيبة في هذا المجال. ذكروا أن رجلًا اشتكى كثرة الفئران في بيته، فقيل له: هلّا أتيت بهرّة [قط]؟ فقال: أخشى أن آتي بالقط فتخاف منه الفئران فتذهب إلى بيت جاره!
إلى هذا الحد يحرص الناس على جيرانهم! إلى هذا الحد يحبون لجيرانهم ما يحبون لأنفسهم ويكرهون لهم ما يكرهون لأنفسهم.
نحن نحتاج إلى هذه القيم، نحن نحتاج أن نعيش هذه القيم ليس مجرد أن نتحدث عنها. فالكلام سهل ونحن نستطيع أن نتحدث عن حقوق الجيران لحلقات عديدة بدلًا من حلقة واحدة، لكن المهم أن نطبق هذا، المهم أن نعيش هذه المعاني وأن تعود هذه المعاني إلى واقعنا وإلى مجتمعنا.
سعة مفهوم الجار ليشمل جار الحافلة والقطار والمقعد وضرورة تطبيق هذه القيم لإصلاح المجتمع
[الشيخ حسن عبد السلام]: الجار ليس هو الجار المجاور فحسب كما تفضّل [فضيلة المفتي] وأستاذنا الدكتور طه، له أربعون جارًا من كل اتجاه. إذا قلت إن كل بيت فيه أربعة أفراد فستصل بالرقم إلى أكثر من ستمائة فرد.
لو كان هؤلاء جميعًا يفهمون معنى الجوار ويحسن بعضهم إلى بعض ويخاف بعضهم على بعض، فإنك تستطيع أن تكوّن مجتمعًا مثاليًّا.
الآية التي أوصت بالإحسان إلى آخر الآيات ذكرت أنواع الجار: والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب. الصاحب بالجنب: جارك في الحافلة أو في القطار أو في الطائرة، يا سبحان الله! جارك في مقعد الدرس، جارك في مكان عام.
هذه معانٍ ينبغي أن نجدها، بل لا أقول ينبغي، لن نجدها في أي ثقافة ولا في أي قانون ولا في أي نظام ولا في أي مجتمع.
هذه المعاني تصلح البلاد ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها
[الشيخ حسن عبد السلام]: هذه المعاني التي يمكن أن تصلح بلادنا وأن تصلح شعبنا وأن تعيد إلينا حياتنا التي نشعر فيها بالأمن والأمان.
نحن الآن يا أستاذ شريف نجد أشياء كثيرة نسمع عنها ونقرؤها: قرى متجاورة يحدث بينها قتال ويحدث بينها اختلاف، قرى متجاورة بين أهل هذه القرية وتلك القرية نسب وبالتالي بينهم مصاهرة وقرابة، ومع ذلك يحدث ما يحدث.
بتأكيد هذه المعاني غائبة عن مجتمعنا ولا بد أن تعود. لن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو كما أُثر عن بعض أصحابه.
فنحن نحتاج إلى هذه القيم أن نعيشها. نعم، لا أن نتحدث فيها.
ختام الحلقة والشكر للضيوف والتأكيد على حديث جبريل يوصيني بالجار
[المذيع]: شكرًا جزيلًا لفضيلتك دكتور حسن. ولا إضافة أعتقد مشاهدينا الكرام، فقط اسمحوا لي أن أشكر ضيوفي في هذه الحلقة التي تحدثنا فيها عن حق الجار.
فضيلة الأستاذ الدكتور حسن عبد السلام عليكم، الأستاذ بجامعة الأزهر، شكرًا جزيلًا. فضيلة الأستاذ الدكتور طه أبو كريشة، نائب رئيس جامعة الأزهر الأسبق وعضو مجمع البحوث الإسلامية، شكرًا لفضيلتكم.
شكرًا لكم، الشكر موصول لفضيلة مفتي الديار المصرية العلامة الجليل الأستاذ الدكتور علي جمعة، شكرًا جزيلًا فضيلتكم، شكرًا لكم.
وبالتأكيد ما أحوجنا مشاهدينا الكرام في هذه الأيام استحضار هذه القيم النبيلة التي وصفها ضيوفنا الكرام، تأكيدًا على الحديث الشريف:
قال النبي ﷺ: «ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورّثه»
أشكركم دائمًا على حسن المتابعة ونراكم على خير في كلمة حق بإذن الله.
