2012 02 24  الحضارة الإسلامية تاريخ مشرق - كلمة حق

2012 02 24 الحضارة الإسلامية تاريخ مشرق

50 دقيقة
  • التاريخ الإسلامي حافل بالنماذج المشرقة، لكن معظم المؤرخين سلطوا الضوء على السلطة والسلطان وليس على الأمة التي صنعت الحضارة.
  • الدولة الإسلامية الأولى قامت على مؤسسات شورية كالنقباء الاثني عشر والمبشرين بالجنة ومجلس السبعين.
  • الحضارة الإسلامية بُنيت في عهد الملك العضود، فالأمة هي التي صنعت الحضارة وليس الدولة.
  • نظام الأوقاف مثّل ركيزة أساسية لبناء الحضارة، حيث كانت الأوقاف تمول المكتبات والمساجد والجسور والبيمارستانات وحتى الجهاد.
  • الحضارة الإسلامية خلت من محاكم التفتيش والإكراه الديني واسترقاق الشعوب.
  • العلماء كانوا في أحضان الأمة لا السلطة، وكان لهم مكانة تفوق الحكام مثل العز بن عبد السلام.
  • إعادة كتابة التاريخ تتطلب منهجاً يركز على الأمة وإنجازاتها وليس فقط على السلطة والسلطان.
  • ملكية الأمة تجسدت في نظام الأوقاف الذي حقق التوازن بين الملكية الفردية والجماعية.
محتويات الفيديو(45 أقسام)

مقدمة البرنامج والترحيب بالضيوف للحديث عن النماذج المشرقة في التاريخ الإسلامي

[المذيع]: الإسلام والحضارة الإسلامية إحياء للإنسان في جميع مجالات الحياة المختلفة، والتاريخ الإسلامي يحتوي على العديد من النماذج المشرقة والساطعة في مختلف هذه المجالات. عن النماذج المشرقة والساطعة نتحدث اليوم في كلمة حق.

أجدد التحية والترحيب لحضراتكم من رحاب الجامع الأزهر الشريف، مشاهدينا الكرام، نرحب أيضًا بضيوفنا الأجلاء في هذه الليلة: فضيلة مفتي الديار المصرية العلامة الجليل الأستاذ الدكتور علي جمعة، أهلًا فضيلة المفتي، أهلًا وسهلًا بكم. وبضيفي الكريم العالم الجليل الأستاذ الدكتور محمد عمارة عضو مجمع البحوث الإسلامية، أهلًا بك، أهلًا بكم، مرحبًا.

النظرة الظلامية للتاريخ الإسلامي عند غلاة العلمانيين وضرورة إعادة كتابته

[المذيع]: نتحدث عن بعض النماذج المشرقة في تاريخ الإسلام، وأبدأ مع فضيلتكم بطلب من فضيلة المفتي إطلالة على التاريخ الإسلامي وحالة المد والجزر في هذا التاريخ المشرق.

[الشيخ محمد عمارة]: بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحابته أجمعين. هذا الموضوع في غاية الأهمية، وأنا حضرت وشاركت في عدد من المناظرات مع عدد من - لا أقول العلمانيين - وإنما عمالقة العلمانيين.

فكان منهم من يقول إن تاريخنا تسعة وتسعون في المائة منه ظلام، ومنهم من يقول إن التاريخ الإسلامي هو تاريخ النطع والسياف. وكتب أحدهم عن الحضارة الإسلامية والتاريخ الإسلامي فقال: يلخصها شطر بيت لأبي نواس: «وداوني بالتي كانت هي الداء».

إذن في نظرة ظلامية للتاريخ الإسلامي، وهذا يستدعي إعادة النظر في كتابة هذا التاريخ.

تسليط الأضواء على عورات السلطة وإهمال تاريخ الأمة الحقيقي

[الشيخ محمد عمارة]: لماذا يتصور بعض غلاة العلمانيين أن تاريخنا كان ظلامًا دامسًا؟ لأنه تاريخنا في الحقيقة - وهذه حقيقة نعترف بها - سُلِّط كل الأضواء على السلطة والسلطان وكرسي الحاكم، وكثيرًا ما كانت هذه الكراسي تحمل انحرافات وخروجًا عن الشورى وخروجًا عن العدل الاجتماعي.

فسُلِّطت كل الأضواء على عورات التاريخ الإسلامي؛ لم يُكتب تاريخ الأمة، بل كُتب تاريخ الدولة، كُتب تاريخ السلطة والسلطان. وأنا بقراءاتي في التاريخ وكتاباتي في التاريخ أدركت أن هناك حقائق غائبة عن أغلب كتب التاريخ.

أي التي بنت الحضارة الإسلامية هي الأمة وليست الدولة. تاريخنا - كما عبّرت في بعض ما كتبت - تميّز بتحجيم الدولة وتعظيم الأمة.

دولة النبوة والمؤسسات الشورية في بيعة العقبة كنموذج مشرق

[الشيخ محمد عمارة]: أي خذ على سبيل المثال - نتحدث عن النماذج المشرقة - دولة النبوة بُنيت على المؤسسات، مؤسسات شورية. أي عندما انعقدت الجمعية التأسيسية الأولى لإقامة الدولة الإسلامية الأولى في العقبة - بيعة العقبة - خمسة وسبعون من الأنصار، الأوس والخزرج، ثلاثة وسبعون رجلًا وامرأتان.

حسنًا، من الذي يسلط الأضواء على هذه الجمعية التأسيسية ليقول إن رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما أرادوا مبايعته على تأسيس الدولة فقال لهم: «اختاروا من بينكم اثني عشر نقيبًا»؟ فوُلدت أولى المؤسسات الدستورية بالانتخاب وبالشورى في بيعة العقبة.

هل كتيبات الحج والعمرة التي نوزعها على الحجاج في كل عام تُنعش ذاكرة الحاج عندما يرمي جمرة العقبة فتقول له: هنا عُقدت الجمعية التأسيسية الأولى لبناء الدولة الإسلامية، وأن المرأة قبل أربعة عشر قرنًا قد شاركت في أعلى مستويات الولاية السياسية عندما شاركت في تأسيس الدولة؟ أليست هذه نماذج مشرقة؟ أين هي من التاريخ؟

المؤسسات الدستورية في الدولة الإسلامية الأولى ومجلس الشورى السبعين

[الشيخ محمد عمارة]: إلى جانب هذه المؤسسة - نقباء الاثني عشر [الوزراء] - كان في العشرة الذين سُمّوا المبشرين بالجنة؛ هم المبشرون بالجنة، وفي مقدمة المبشرين بالجنة. فقط التبشير بالجنة هذا ليس وظيفة؛ هذه مؤسسة دستورية ترشّح للخلافة وتعقد البيعة الأولى للخلافة، ثم تجمع البيعة العامة للخليفة. الذين هم المهاجرون الأولون؛ المهاجرون أنهم القرشيون هاجروا، وأولون لأنهم هؤلاء العشرة أول الناس إسلامًا.

أنا وجدت في بعض الكتب أن هناك مؤسسة ثالثة بُنيت عليها الدولة الإسلامية: مؤسسة مجلس الشورى - مجلس السبعين. تجده في كتاب [الدرر في اختصار المغازي والسير]؛ يقول ابن عبد البر: فلان كان عضوًا في السبعين، وفلان كان عضوًا في السبعين.

وكان هذا المجلس - مجلس الشورى مجلس السبعين - يعقد جلساته في مكان محدد في أوقات محددة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو بمثابة البرلمان.

الشورى الملزمة في عهد عمر بن الخطاب ومعاملة المجوس كأهل الكتاب

[الشيخ محمد عمارة]: عندما فُتحت [بلاد] الفرس وسيدنا عمر رضي الله عنه قال: حسنًا، نحن نعرف اليهود والنصارى، ولكن هؤلاء يعبدون النار، فماذا نصنع معهم؟ عرض الأمر على مجلس الشورى، فنهض عبد الرحمن بن عوف وقال: أشهد أنني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

قال رسول الله ﷺ: «سُنّوا بهم سُنّة أهل الكتاب»

أين هي كتبهم [التي تروي ذلك]؟ التاريخ الذي يعلّم الناس أن الدولة الإسلامية الأولى بُنيت على مؤسسات شورية، والشورى فيها ملزمة قبل أربعة عشر قرنًا، وقبل أن يأتينا من الغرب ما يتعلق بالديمقراطية الغربية.

الخلافة الناقصة بعد الراشدين وبناء الحضارة في ظل الملك العضوض

[الشيخ محمد عمارة]: الذين يقولون إن تاريخنا كان ظلامًا دامسًا، حسنًا، هذا عهد الخلفاء [الراشدين]، ويقول لك: بعد الخلفاء الراشدين انتهى كل شيء وكان كذلك ظلامًا وكان ملكًا عضوضًا. أنا أعجبني الدكتور عبد الرزاق السنهوري باشا عندما سمّى الخلافة منذ العهد الأموي؛ لم يقل عنها إنها لم تكن خلافة، وإنما كانت الخلافة ناقصة. يعني لم تفقد طابع الخلافة، وإنما كانت خلافة ناقصة لأنها تراجع فيها الشرع وبقيت فيها ولاية العهد والوراثة.

طيب، الحضارة بُنيت في ظل الملك العضوض. هل يمكن أن يبني النور الذي أضاء الدنيا في ظل الظلام الدامس؟ أي أن أيام الخلفاء الراشدين كانت بساطة الحياة وبساطة العلم، حتى العلماء كانوا يسمونهم القراء الذين يقرؤون القرآن.

أما الحضارة والعلوم التجريبية والصناعات والزراعات والتجارات - كل هذه الأمور - كل هذا بُني في عهد الملك العضوض. إذن لم يكن ظلامًا دامسًا؛ فالأمة هي التي بنت الحضارة، التي مولت بناء الحضارة بالأوقاف.

نماذج الأوقاف الإنسانية في الحضارة الإسلامية من المكتبات إلى الحلي للعرائس

[الشيخ محمد عمارة]: أين هي الدراسات التي تبرز لنا أن بلدًا مثل مصر - بلد زراعي - في بعض العصور كان أكثر من نصف الأرض الزراعية في مصر أوقافًا؟ كان هناك وقف للمكتبات، وللمساجد، وللتكايا، وللطرق، وللجسور، وللعبارات، وللحدائق التي يأكل منها الغرباء وأبناء السبيل.

ووقف للموسيقى التي تُعزف للمرضى في المستشفيات والبيمارستانات. ووقف اسمه وقف الأطباق والصحون؛ إذا كسر الخادم طبقًا، بدلًا من أن يغضب سيده عليه، يذهب إلى الوقف ليأتي بطبق بدلًا منه.

وهناك وقف اسمه وقف نقطة الحليب للمرأة التي ترضع إذا لم يكن في ثديها لبن للرضيع. ووقف للحلي والمصاغ والزينة للعرائس الفقيرات في أيام زفافهن. هذه الحضارة الإنسانية التي بنتها الأمة وليست الدولة.

دور الأمة في بناء الحضارة والجهاد واستقلال العلماء عن السلطة

[الشيخ محمد عمارة]: حتى الجهاد في سبيل الله كانت الأوقاف [تموّله] وكانت صناعة أهلية؛ الدولة تقود الجهاد، لكن الأمة هي التي تُجيّش. العلماء لم يكونوا في أحضان السلطة، وإنما كان العلماء والفقهاء والمفسرون والمحدثون والصوفية والأدباء والفنانون وحتى المغنيون - كل طبقات الأمة - كل هؤلاء، هذه القيادات والنخب والصفوة في أحضان الأمة، بنوا الحضارة.

حسنًا، أين هذا من التاريخ الإسلامي الذي سُلِّط كل الأضواء على عورات السلطة والسلطان؟

فن الخطط وتأريخ الأمة والواقع الاجتماعي في الحضارة الإسلامية

[الشيخ محمد عمارة]: وبعد ذلك، نحن لدينا في التاريخ الإسلامي فن أبدعته الحضارة الإسلامية: فن الخطط، يؤرخ للمكان وللتجارات وللأسواق وللخانات ولكل هذه الأمور، وللصناعات وللزراعات ولمقامات الأولياء وللموالد ولكل هذه الأمور.

أي إن لدينا تاريخًا للواقع وتاريخًا للأمة من خلال الطبقات وطبقات العلماء والشعراء إلى آخره، ولدينا تاريخ السلطة. نعم، سُلِّطت كل الأضواء على تاريخ السلطة والسلطان، فظهر كثير من الأوهام أو الحكايات.

حتى الناس يتحدثون عن المماليك وكأنهم مجرد عسكر حاربوا. حسنًا، وأنت عندما تدخل مسجد السلطان حسن وتجد هذا الفن المعماري الإسلامي الرائع، هذا الفن الذي يلقي ضوءًا على طبيعة الحضارة في هذا العصر.

ازدهار النسخ والمكتبات والأوقاف ودورها في نشر العلم والمعرفة

[الشيخ محمد عمارة]: مكتبات القاهرة لم يكن فيها مطبعة؛ النسخ نافس الطباعة. أي تاريخ الطبري تجد منه ألف نسخة وألفي نسخة وهو من عدة أجزاء. حسنًا، وتدخل المكتبة فيأتي لك الورق، ويأتي لك القلم، ويأتي لك الحبر، ويأتي لك الكتاب المخطوط، ويأتي لك الخدمة؛ كل هذا تابع للأوقاف.

نعم، ودار الحكمة وبيت الحكمة وكل هذه الأمور. يعني أريد أن أقول إن تاريخنا كُتب بطريقة خاطئة، فشاع عند غلاة العلمانيين أنه كان ظلامًا دامسًا، وأن الخلافة الإسلامية كانت ظلامًا دامسًا.

ولذلك مطلوب أن نحن لا نقدم النماذج المشرقة كمفردات، وإنما نحن نحتاج بالفعل إلى منهج لإعادة كتابة التاريخ ليكون كتابة لتاريخ الأمة وليس فقط السلطة والسلطان.

التكامل المنهجي بين الفقه والتاريخ لفهم الحضارة الإسلامية

[المذيع]: فكيف نعيد كتابة تاريخ الأمة لنُظهر هذه النماذج المشرقة فضيلة مفتي الديار المصرية؟ وفضيلتكم تحدثونا عن بعض النماذج في مجالات الحكم المختلفة في العهد النبوي مثلًا.

[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. الحقيقة نحن أمام أمرين: الأمر الأول هو التاريخ، والأمر الثاني هو التعامل مع التاريخ أو قراءة التاريخ.

وقراءة التاريخ لها مداخل، وقراءة التاريخ تشتمل على علل التاريخ أو تعليل التاريخ. والتاريخ هو التاريخ لا يختلف. فالأزمة التي أشار إليها دكتورنا الأستاذ الدكتور محمد عمارة هي أزمة في الحقيقة في العصر الحاضر من الغلاة؛ الغلاة هم الذين سببوا هذه الأزمة.

شرط الأستاذية في التاريخ وضرورة الاطلاع الواسع على الفقه والتاريخ معًا

[الشيخ]: أنا هيا بنا إلى أساتذة التاريخ الكبار، ومنهم الدكتور رحمه [الله] عبد الحميد العبادي؛ كان له مقولة عجيبة في هذا الشأن، كان يقول: إن المؤرخ لتاريخنا لا يبلغ مبلغ الأستاذية إلا إذا اطلع اطلاعًا دقيقًا واسعًا على التاريخ.

وهنا ننتقل إلى الملف الآخر: كيف نتعامل مع التاريخ؟ إذن أول التعامل مع التاريخ أن التراث الذي وصل إلينا يجب أن نفهمه سويًّا في صورة كلية. فعند دراسة التاريخ لن تستطيع أن تفسره، ولا أن تحكم عليه، ولا أن تستفيد منه، ولا أن تعرف مدى النور الذي كان فيه، ولا أسس الحضارة التي بُنيت من خلاله، إلا إذا قرأت الفقه.

ولن تدرك أيضًا أيها الفقيه هذا الفقه إلا إذا اطلعت على هذا التاريخ. هذا التكامل المنهجي قد افتقده الغلاة؛ ولذلك فهم يسبّون ويلعنون ويصفون هذا التاريخ بالظلام، لأن المصباح الذي يضيئه لم يروه وهو الفقه. فمن اطلع على الفقه أنار له التاريخ.

نموذج الدكتور محمد عمارة في قراءة التاريخ بنور الفقه والعلم

[الشيخ]: ولذلك تجد شخصًا مثل الدكتور محمد عمارة - وهو أزهري النشأة، عالم اطلع على الفقه - فلما قرأ التاريخ فهمه وهو منير أمامه. فرأى في العقبة ما لم يره هؤلاء [الغلاة]، ورأى في حضور النساء في العقبة رسالة لم يرها هؤلاء، ورأى في كذا مما سمعناه.

وهو ولو سرنا هكذا مع التاريخ الإسلامي وإلى يومنا هذا فسوف نتعجب كيف كان هذا التاريخ بهذه الطريقة. كان عبد العزيز الدوري يقول: لا تقرأ أبدًا وتحكم على العصر [من كتاب] الأغاني لأبي الفرج الأصبهاني.

وبالمناسبة فإن أبا الفرج الأصبهاني يقول عنه ابن حجر العسقلاني أنه كان صدوقًا، أي رجل محترم، والصدوق درجة من درجات التوثيق. فأبو الفرج الأصبهاني في الأغاني - والأغاني يوجد فيها مرح وشعر ومجون وما إلى ذلك - لكنه كان في الحديث ثقة موثوقًا، إنه يعني على درجة عالية من الصدق.

ضرورة القراءة الشاملة للتاريخ بين كتاب الأغاني وحلية الأولياء

[الشيخ]: لا تحكم على العصر كله غنًى ومُغنًّى وكذلك من كتاب الأغاني. نعم، اقرأ معه حلية الأولياء لأبي نعيم الأصبهاني. هذا أبو الفرج الأصبهاني وهذا أبو نعيم الأصبهاني، وكلاهما من بلد أصبهان.

أحدهما تكلم عن الأولياء، فإذا قرأته وحكمت ودخلت إلى العصر من خلاله فقط، تقول: ما هذا؟ كلهم كانوا أولياء! كل الناس كانت تمشي في الشارع أتقياء يرون العرش عيانًا بيانًا، هؤلاء ملائكة هؤلاء أم ماذا؟

وإذا قرأت الأغاني تقول: ما هذا؟ الناس فسدت تمامًا!

﴿ظَهَرَ ٱلْفَسَادُ فِى ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ﴾ [الروم: 41]

لا بد من نظرة شاملة! فلا بد - والاثنان كتبا في عصر واحد ويصفان مجتمعًا واحدًا - إذن فلا بد من أجل التحليل والتعليل أن نقرأه بصورة متكاملة.

كتب التاريخ التي سلطت الضوء على مساوئ الدولة كانت أمرًا بالمعروف ونهيًا عن المنكر

[الشيخ]: أيضًا كذلك هذه الكتب التي كُتبت من أجل الدولة وسلّطت أمرها على الدول فأظهرت مساوئها، فما هو هذا إلا نوع من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. أي أن الكاتب لم يجامل الحكام فيكتب أن الدنيا والحمد لله بخير.

حسنًا يا سيدي، بل كتب السواد والطغيان والظلم والقهر والاعتقالات والتعذيب الذي كان؛ لأنه يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر.

وهذه هي الجدلية التي أشار إليها الدكتور محمد عمارة بين السلطة والأمة، وأن حضارتنا إنما نشأت من الأمة. ولكنها كانت أمة عالمة، كانت أمة قد جعلت محورًا لحضارتها وهو الكتاب - القرآن - وأخذت تخدم هذا القرآن.

القرآن الكريم محور الحضارة الإسلامية وإبداع علم الحديث والأسانيد

[الشيخ]: يعني ما هو محور الحضارة؟ يعني تلتف حوله الحضارة، تخدمه، تنطلق منه، تعود إليه، تجعله معيارًا للتقويم - أربعة أشياء. فالكتاب أصبح معيارًا للحضارة الإسلامية.

ولذلك رأيناهم قد ابتدعوا علومًا: علم اسمه علم الحديث. علم الحديث هذا ليس في أمة من الأمم. علم الحديث بالأسانيد التي لنا وصلت إلى مليون سند، فيها عشرون ألف ملف للأشخاص.

السيد الشريف له ملف: متى وُلد، من قابل، على يد من تعلّم، من أقرانه، في أي درجة من درجات العلم هو، ماذا أخذ، ماذا أعطى من العلم. عشرون ألف ملف لدينا اسمه علم الرجال، اسمه علم الجرح والتعديل. نصنّف هذا، غير موجود في أمة من الأمم حتى الآن.

تفرد الحضارة الإسلامية بتوثيق السنة النبوية توثيقًا لا مثيل له في التاريخ

[الشيخ]: جعلوا القرآن الكريم والسنة النبوية مروية بهذا التوثيق الدقيق. هذا غير موجود في أمة من الأمم حتى الآن. هذا التوثيق لا وجود له عند أي من الأدباء أو الأنبياء أو الشعراء أو الحكماء أو الأباطرة أو الرؤساء.

لم يفعل أحد ذلك مع أحد من البشر إلا سيدنا النبي ﷺ فقط. حسنًا، أليس هذا إبداعًا؟ أليس هذا مسألة منيرة؟ أن أول ما أسأل عن الحجة، فإذا قلت إن الحجة في الكتاب والسنة، قلنا: أنا أتوثق.

نعم، وكفى بالمرء كذبًا أن يحدّث بكل ما سمع.

خلو التاريخ الإسلامي من محاكم التفتيش والتسامح مع المخالفين فكريًا

[الشيخ]: يعني الحقيقة هذا تاريخ مشرق. هناك جانب آخر للإشراق: هذا الجانب أن تاريخنا قد خلا من محاكم التفتيش. تاريخ الإسلام ليس فيه ولا مرة [محاكم تفتيش]. القرطبي عند قوله تعالى في سورة الإسراء:

﴿مَّآ أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ ٱلْمُضِلِّينَ عَضُدًا﴾ [الكهف: 51]

يقول: وادّعى ابن الراوندي - وابن الراوندي هذا كان ملحدًا - ومع ذلك كانوا يتركونه على الرصيف فيمشي هكذا في الطرقات ويؤلف كتبًا ضد القرآن، ويردون عليه ويغضبون منه.

كثير من الناس يرى أن ابن سينا له موقف في بدايته وهكذا، أو أبا العلاء [المعري] مثلًا قيل وقيل وهكذا، ولم يمسهم أحد بشيء. بل اعتبروهم أنهم من كبار الشعراء أو الأدباء أو الحكماء أو الفلاسفة أو المفكرين أو ما إلى ذلك.

وكانت القضية هي قضية النزاع الفكري الذي قلت فيه الحجة وما يقابلها، لكن لم نتطرق إلى محاكم تفتيش. ذلك التاريخ خلا - أيها السيد الفاضل - من حركة الاستعمار.

خلو الفتوحات الإسلامية من الاستعمار واستقرار الصحابة في البلاد المفتوحة

[الشيخ]: لو كان العرب قد استعمروا لجلبوا خيرات البلاد وجعلوا الحجاز جنة، وهذا ما لم يحدث. دخلوا مصر فبقوا في مصر وماتوا في مصر؛ عمرو بن العاص مات في مصر، عبد الله بن عمرو بن العاص مات في مصر وهو ما زال مدفونًا في المسجد هنا عندنا في مصر القديمة.

دخل مصر الصحابة فبقوا في مصر وماتوا في مصر. دخلوا الشام بقوا في الشام وماتوا في الشام، دخلوا العراق وهكذا. لم يعودوا بالخيرات، ما حملوا الخيرات إلى بلادهم الأولى من أجل أهاليهم وأقاربهم وهكذا إلى آخره.

لم يكن هناك أي نوع من أنواع الاستعمار، كان هناك كل نوع من أنواع العمار. نعم، نحن طبعًا نسميه استعمارًا هكذا خطأ، هو احتلال. لكن لا عليك، الاستعمار بالمفهوم الذي يسرق [خيرات البلاد]؛ المصريين لخدمة لانكشاير تعمل، ولكي يبنوا السكة الحديدية الخاصة بهم، ولكي يبنوا لندن التي تحت الأرض والتي تخدم لندن التي فوق الأرض من أموالي. فإذن هذا كلام لا يرضي الله، فلم يكن هناك أي نوع من أنواع الاستعمار عندنا.

عدم إهانة المرأة في الحضارة الإسلامية مقارنة بالحضارة الغربية

[الشيخ]: ثالثًا، لم يكن في حضارتنا أبدًا إهانة للمرأة، أبدًا لم تكن هناك إهانة للمرأة مطلقًا. في المتحف البريطاني صورة موجودة من سنة ألف وثلاثمائة وقليل، وهو [رجل] واضع كمامة تشبه - أعزك الله - كمامة الكلاب على فم المرأة حتى تصمت لأنها ثرثارة، ويجرها بالسلسلة - السلسلة هذه التي هي الحبل الخاص بجر الكلاب - يجرها خلفه.

ويصورونها ويقول لك إنه كان كذلك في هذا الوقت - ألف وثلاثمائة - اطرح منها ستمائة، كنا نحن في ستمائة وسبعمائة وهكذا. كان لدينا شيخات الإسلام في القرن السابع والثامن والتاسع.

وابن حجر العسقلاني له اثنتان وخمسون شيخة. وكريمة الدمشقية [من أبرز المحدّثات]. هذا نحن لدينا شهدة [الكاتبة].

شهدة الكاتبة وأسانيد الخط العربي ومكانة المرأة العلمية في الحضارة الإسلامية

[الشيخ]: كل الأسانيد الخاصة بنا في الخط العربي - الخط العربي له أسانيد أيضًا - ما هي فكرة الأسانيد؟ قد وُجدت، وجدوها بل جعلوا هناك أسانيد للكتب ليس للأحاديث فقط، فسموها أسانيد الدفاتر.

شهدة [الكاتبة] كلنا الآن - حتى آتي أنا لأتعلم خطًّا عربيًّا وآخذ إجازة من سيدنا الشيخ - يجب أن تظهر شهدة، لأن شهدة هي الموجودة في العالم كله من طنجة إلى جاكرتا ومن غانا إلى فرغانة.

لم نكن نجرها بالساجور [قيد الكلاب]، ولم يحدث أن الحضارة الإسلامية فعلت ذلك مع المرأة.

خلو الحضارة الإسلامية من الإكراه في الدين ومقارنتها بما حدث في الأندلس

[الشيخ]: والحضارة الإسلامية أيضًا خلت من الإكراه، ولم تدخل وترغم الناس على أن يغيروا دينهم. كما حدث في الأندلس من عذاب ومن تهجير ومن إهانة، حتى ارتد المسلمون عن دينهم.

وبعد أن ارتدوا عن دينهم أمسكوهم وعذبوهم وقالوا لهم: إننا نطهركم في مطهر الدنيا قبل مطهر الآخرة، حتى بعد أن دخلوا المسيحية يا أخي!

الإسلام لم يعرف هذا. الإسلام لم يعرف العدوان على الشعوب بالاسترقاق. لم يحدث أبدًا الجريمة التي حصلت أن نسرق غرب أفريقيا ونقلناها إلى ليفربول ومن ليفربول إلى أمريكا حتى يصبح فيها الآن ستون ألف أسود [أي ستون مليونًا].

ولننظر إلى رواية «ذهب مع الريح»، ولننظر إلى رواية «جذور»، ولننظر ماذا حدث. لم يحدث أبدًا هكذا عندنا؛ لا سرقنا أحدًا ولا قهرنا أحدًا.

حسن معاملة الرقيق في الإسلام وبكاؤهم عند تحريرهم من شدة الارتباط

[الشيخ]: ظل الرق موجودًا حتى دخلنا في الاتفاقيات الدولية لإلغاء الرق. كان جدي لديه رقيق، فانتهى؛ الدولة ألغت الرق فقالوا لهم: انتهى، أنتم أحرار. في منتصف القرن التاسع عشر فبكوا بكاءً مرًّا ولطموا الخدود ومزقوا الثياب: أين ستتركوننا؟ نحن لا نعرف أحدًا غيركم!

من حسن المعاملة، من حسن المعاملة؛ لأنهم أهل البيت، أهل بيت واحد، العطف والحنان وما إلى ذلك. هذا كلام حدث.

كانت أمي تترحم على مدينة: «الله يرحمك يا مدينة» عندما تأتي لتنتقل من شيء إلى شيء أو عندما كذا إلى آخره، فتقول هذه الكلمة: «الله يرحمك يا مدينة». فأقول لها: مدينة من؟ أي مدينة؟ معروفة، مدينة سيدنا رسول الله؟ قالت لي: مدينة كانت أَمَة عند جدي، وكانت من الصالحات القانتات.

مدينة هذه فكانوا يحلفون بحياتها كما يقولون، فترحموا عليها وذكروها حتى ماتوا، وتقول: «الله يرحمك يا مدينة» وحدها هكذا، وهي بينها وبين مدينة هذه نحو المائة سنة. ولكن هكذا كان المسلمون يعيشون، والتاريخ والأمة والشعب وكذلك إلى آخره.

صوامع أبي الدهب ومساقي الكلاب شواهد على حضارة الرحمة في الإسلام

[الشيخ]: نحن هنا نجلس في الأزهر ونرى شيئًا وراء المئذنتين وهو عبارة عن صوامع أربعة أنشأها أبو الدهب - محمد أبو الدهب - في القرن الثامن عشر. هذه الصوامع كان يضع فيها الحبوب حتى تأكل طيور السماء، ولا يقول قائل: جاعت الطيور في بلاد المسلمين! ما معنى هذا؟ ما هذه الحكاية؟

وخلف هنا بيت القاضي عند سيدنا الحسين كانت مساقي الكلاب. وكان للوصول إلى الولاية مع الله سبحانه وتعالى هي أن تنظف مساقي الكلاب وتكسر نفسك وتذهب لتنظفها. فكان الشيخ علي الخواص يسهر الليل كله لكي ينظف مساقي الكلاب هنا عند بيت القاضي.

وأنا رأيت مساقي الكلاب إلى أن أزالوها، لكن أنا رأيتها. والله إن الكلب الذي يقول عنا إننا ضد الكلاب وضد ذلك إلى آخره - كلاب الشوارع من لا بيت له - يجب أن أسقيه؛ لأنه دخلت امرأة الجنة في كلب سقته.

هذه حضارة الرحمة، هذه حضارة نظيفة، هذه حضارة يجب على الجميع أن يرفع رأسه، أي أن يرفع رأسه في العالمين.

خلاصة مزايا الحضارة الإسلامية من الخلو من الاستعمار والعبودية والإكراه

[الشيخ]: لأننا خاليون من الاستعمار ومن العبودية ومن إهانة المرأة ومن الإكراه ومن الظلم ومن كل هذا. نحن الناس دخلت في دين الله أفواجًا بناءً على الأسرة، وهذا هو [سر انتشار الإسلام].

[المذيع]: شكرًا جزيلًا فضيلة المفتي. إذن التاريخ الإسلامي مليء بالنماذج المشرقة، عنها يتواصل الحديث بعد هذا الفاصل مشاهدينا الكرام.

أكاذيب الفتنة الطائفية حول تعداد سكان مصر عند الفتح الإسلامي

[المذيع]: التاريخ الإسلامي ونماذجه المشرقة. سؤالي لفضيلة الأستاذ الدكتور محمد عمارة: يعني لماذا لا نستحضر هذه النماذج المشرقة في حياتنا المعاصرة الآن؟ دكتور محمد، وتعطي لنا بعض الأمثلة مثلًا.

[الشيخ محمد عمارة]: نعم، أعني أنني سألتقط الخيط من فضيلة المفتي وأشير إلى قضية نحن نعيشها الآن: الأكاذيب التي تغذي الفتنة الطائفية. نعم، السلام. أنا قرأت لبعض أقباط المهجر كتابات تقول إن مصر عند الفتح الإسلامي كان تعدادها عشرين مليونًا، وأن الإسلام قهر مصر فأصبح تعداد شعبها عند حملة بونابرت أواخر القرن الثامن عشر أقل من ثلاثة ملايين.

كلام خاطئ! أين حقائق التاريخ التي تحرر العقل من أكاذيب الفتنة الطائفية؟

الرد على أكاذيب تعداد سكان مصر بالمصادر الأجنبية الموثقة

[الشيخ محمد عمارة]: لقد رجعت إلى المصادر الأجنبية؛ كتاب ألّفه فرنسيان صادر عن المعهد الوطني للدراسات الديموغرافية في باريس، لـفيليب فارج ويوسف كرباج، تُرجم في مصر ونشرته دار نشر يسارية عام ألف وتسعمائة وأربعة وتسعين.

يقول إن تعداد المصريين كان مليونين ونصف وليس عشرين مليونًا في وقت الفتح الإسلامي. انظر أنت: عند الفتح الإسلامي كانوا مليونين ونصف وليس عشرين مليونًا.

أيضًا يبقى السؤال إذن: كيف أن المليونين والنصف ظلوا حتى عهد نابليون كما هم ولم يزيدوا؟ الحقيقة التي هي التاريخ الذي يريد أن يُكتب: أن النيل كان يزيد سبع سنين ويقل سبع سنين - قصة سيدنا يوسف [عليه السلام] - نعم، السبع العجاف والسبع [السمان].

مشكلة النيل والمجاعات في مصر ومحاولة الحسن بن الهيثم بناء السد

[الشيخ محمد عمارة]: لدرجة أن هذه كانت مشكلة مصر. النيل يزيد، وكان الري رية واحدة، لم تكن موجودة الترع والرياحات وأكثر من زرعة للأرض. فكان الناس تزرع وتتكاثر، ويأتي السبع سنين العجاف، القحط والطواعين والأمراض تنتشر وتنتشر وتموت الناس.

فظل تاريخ [مصر هكذا]، ولذلك المقريزي كتب كتابًا فيه غاية من الأهمية: [كشف الغمة عن إغاثة الأمة] أو تاريخ المجاعات في مصر. لدرجة أنه في أيام الحاكم بأمر الله في الدولة الفاطمية كانت هذه مشكلة مصر: كيف تتحكم في نهر النيل كي لا يكون هناك هذا الجفاف سبع سنوات.

فأحضر الحسن بن الهيثم - عالم البصريات والرياضيات - وذهب إلى أسوان ليفكر في السد العالي أو سد أسوان، ولكن جنون الحاكم جعل الحسن بن الهيثم يهرب منه ولم يُنجز المشروع.

النمو السكاني بعد محمد علي وكشف زيف ثقافة الفتنة الطائفية

[الشيخ محمد عمارة]: وعندما جاء محمد علي عام ألف وثمانمائة وخمسة وأنشأ القناطر وأنشأ الرياحات وأنشأ الترع، أصبحت الأرض تُزرع ثلاث زراعات. منذ ذلك التاريخ النمو السكاني حدث الذي نحن نراه والذي نحن نعرفه.

إذ أن حقائق التاريخ هي التي تبرز كذب هذه الثقافة المزيفة التي تروّج للفتنة الطائفية ضد الحكم الإسلامي في تاريخ مصر.

كذبة أخرى لم نسمعها وقد رددها كثير من الناس: يقولون لك إن المسلمين في مصر ضيوف ووافدون إلى مصر، حتى الآن يُقال أنهم قادمون من الجزيرة العربية. لكن الكتاب الفرنسي هذا يقول إن تعداد الجزيرة العربية في تاريخ الفتح الإسلامي لمصر كان مليونًا، كل الجزيرة العربية كانت مليونًا، والدولة الإسلامية من المغرب إلى فارس أربعين مليونًا.

أي لو أن هؤلاء المليون جميعهم هاجروا فلن يغيروا التركيبة الديموغرافية في الدولة العربية. يعني أنني أريد أن أقول إننا عندما نرجع إلى حقائق التاريخ تجيب على هذه القضايا.

إبداع الإسلام في الدمج الاجتماعي للرقيق المحررين ونظام الولاء

[الشيخ محمد عمارة]: فضيلة المفتي أشار إلى موضوع الرقيق وتحرير الرقيق. أولًا، الغرب عندما حرر الرقيق في القرن التاسع عشر لم يكن رأفة ورحمة بهؤلاء الرقيق، بل هو في ذات القرن استرقّ أربعين مليون أفريقي، سلسلوهم بالحديد وشحنوهم في سفن الحيوانات ليقيموا على دمائهم وعظامهم الرفاهية التي يعيش فيها الغرب.

نحن لما حررنا الرقيق، انظروا: في عصر عمر بن الخطاب معروف أن بلالًا كان رقيقًا، نعم، اشتراه أبو بكر وأعتقه. سيدنا عمر وهو من هو حسبًا ونسبًا وشرفًا يقول: سيدنا [أبو بكر] أعتق سيدنا [بلالًا]، يا الله!

وبعد ذلك، عندما قال فضيلة المفتي إنه عندما حرروهم أصبحوا حيرى: أين نذهب؟ لا! إن الإسلام أبدع دمجًا اجتماعيًّا للرقيق الذين تحرروا؛ جعلهم جزءًا من القبائل التي كانوا أرقاء فيها، لهم شرف وحسب ونسب هذه القبائل.

وجعل هذا اسمه الولاء، وأصبح في الحديث النبوي:

قال رسول الله ﷺ: «الولاء لُحمة كلُحمة النسب، لا تُباع ولا تُوهب»

أي إذن عمل نوعًا من الدمج الاجتماعي بين عبيد الأمس وبين القبائل التي كانوا عبيدًا فيها فأصبحوا أعضاء. حتى أن عمر بن الخطاب تحدث عن سالم مولى حذيفة أنه لو كان حيًّا لرشحه للخلافة! يا للعجب! أي إذن جعله سببًا للميراث.

قاعدة بيانات الحضارة الإسلامية من علم الخطط والجرح والتعديل لإعادة كتابة التاريخ

[الشيخ محمد عمارة]: نعم، أعني أنني أقول إنه أين هذه النماذج من كتابة التاريخ؟ أنت لديك قاعدة بيانات. أنا كما أشرت إنه فن الخطط - كما تفضل فضيلة المفتي - علم الجرح والتعديل وعلم الرجال، هذا إبداع للحضارة الإسلامية.

علم الخطط الذي يؤرخ للقاعدة الاقتصادية، القاعدة الاجتماعية، للأسواق، للتجارات، للخانات، للفنادق، للتكايا، للزوايا، لكل الأولياء، لماذا؟ لكل هذه الأمور.

يعني أنا أقول إن لديك قاعدة بيانات لإعادة كتابة التاريخ ليكون متوازنًا. نحن لا نريد أيضًا أن يكون رد الفعل أن نجعل كل صفحات التاريخ بيضاء وأن يكون تاريخًا مثاليًّا؛ لأن هناك فرقًا بين الإسلام وتاريخ المسلمين.

الفرق بين الإسلام المثالي وتاريخ المسلمين والحكمة الإلهية في المسافة بينهما

[الشيخ محمد عمارة]: الإسلام مثالي، والله سبحانه وتعالى له حكمة: إنك أنت كلما تقترب من المثال كلما تكتشف أن هناك مسافة كبيرة بينك وبين المثال. لماذا؟ لأنك لو حققت كل المثال وكامل المثال انتهى الأمر وانتهت الأعمال.

صحيح، لا يوجد أمل، فماذا ستفعل؟ لقد حققت كل شيء! ولذلك هناك فرق بين الإسلام كمثال ونموذج وبين تاريخ المسلمين.

ولكن عندما تكتب حقائق هذا التاريخ بقاعدة البيانات الموجودة عندنا في كتب الطبقات وفي كتب الخطط مع كتب الدولة والسلطة والسلطان، تجد أنه - يعني أريد أن أقول - إن الحروب الصليبية مائتي سنة من الحروب الصليبية والحملات الصليبية، أكبر وأطول حرب عالمية في التاريخ، كل دول أوروبا شاركت في هذه الحروب الصليبية.

تحالف الصليبيين مع التتار وأهمية قاعدة البيانات لإعادة كتابة التاريخ المتوازن

[الشيخ محمد عمارة]: وبعد ذلك تحالف الصليبيون مع الوثنيين التتار، كما يتحالف الغرب اليوم مع الصهيونية. أي انظر، كما تحالف يهود خيبر مع الوثنيين وقالوا:

﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِّنَ ٱلْكِتَـٰبِ يُؤْمِنُونَ بِٱلْجِبْتِ وَٱلطَّـٰغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَـٰٓؤُلَآءِ أَهْدَىٰ مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا سَبِيلًا﴾ [النساء: 51]

إنكم أهدى سبيلًا وإنكم أنتم الذين على الحق وليس الرسول.

يعني أنا أريد أن أقول إنه أين قاعدة البيانات هذه من إعادة كتابة التاريخ لكي تظهر الحقائق التاريخية المتوازنة؟ نعم، هناك سلبيات وهناك انحرافات وهناك كل هذه الأمور.

العز بن عبد السلام سلطان العلماء وموقفه من المماليك والظاهر بيبرس

[الشيخ محمد عمارة]: هذا أنت عندما ترى طبيعة العز بن عبد السلام شيخ الأزهر - العز بن عبد السلام نسميه سلطان العلماء - أنا لم أرَ في تاريخ أمة من الأمم سلطنة للعلم والعلماء تعلو على سلطنة الأمراء.

الظاهر بيبرس وهو عندما تقرأ فتوحاته تندهش - يعني أنا فعلًا عندما قرأت صورة غريبة للفتوحات الخاصة بالظاهر بيبرس - بطل شعبي، ولهذا يتحول إلى قصة شعبية إلى ملحمة من الملاحم الشعبية.

ولكن عندما رأى جنازة العز بجانب القلعة فقال: استقر بي الكرسي، أي انتهى الأمر! لأن العز بن عبد السلام هذا باع المماليك والمماليك يحكمون! تصور أن أحدًا يبيع الحكومة في السوق ويأخذ أموالها ويضعها في بيت المال؛ لأنه أراد أن يكسر شوكتهم.

فاجتمعوا والجيش المملوكي وأحاط ببيت العز بن عبد السلام، وخرج إليهم وهو أعزل. حين حاورهم ارتعشوا وارتعدوا وطلبوا منه الصفح والمغفرة. فلما دخل ابنه يسأله: يا أبي، كيف واجهت هذا الموقف؟ قال له: والله يا بني لقد استحضرت عظمة الله فرأيت الأمير كالفأر.

سلطنة العلماء فوق سلطنة الأمراء ودور الأمة في بناء الحضارة رغم انحراف الدولة

[الشيخ محمد عمارة]: أين سير هؤلاء العلماء العظماء؟ أنت لديك سلطان العلماء وسلطان العاشقين وسلطان العارفين. يعني أنا أريد أن [أقول إن] الجوانب في الحضارة الإسلامية التي بنتها الأمة وليست الدولة - كانت الدولة حجمها محدود.

ولذلك عندما انحرفت الدولة منذ وقت مبكر لم تحدث كارثة، لم يحدث الظلام الذي يتحدث عنه غلاة العلمانيين. نعم، أصبح هناك ملك عضوض وأصبح هناك وراثة للملك وأصبح هناك كل هذه السلبيات، لكن في حجم محدود.

لكن ظلت الأمة والعلماء في أحضان الأمة هم الذين يبنون الحضارة وهم الذين يجددون الحضارة. هذا ما أريد أن أقول.

الأوقاف كمؤسسة أهلية مولت الحضارة وحققت ملكية الأمة منذ عهد عمر بن الخطاب

[الشيخ محمد عمارة]: تاريخ الوقف نفسه كما أشرنا أنه إذا أُعيدت كتابة التاريخ وكيف كانت الأوقاف هي المؤسسة الأهلية الأم التي مولت صناعة الحضارة. والأوقاف بدأت مع الإسلام.

يعني انظر: أقدم وثيقة - هي أقدم حجة وقف في التاريخ - هي حجة وقف عمر بن الخطاب؛ كان لديه مال عزيز عليه، فذهب إلى رسول الله ﷺ وطلب منه كيف يتصرف فيه، فقال له: إن أصولها تبقى موقوفة وإن عائدها يُنفق في سبيل الله.

أريد أن أقول إن الأوقاف حققت ملكية الأمة. نحن نتحدث عن نظرية الاستخلاف؛ مالك الرقبة - المالك الحقيقي - في الأموال والثروات الله سبحانه وتعالى، والناس مستخلفون في هذه الأموال. الأوقاف هي التي حققت الملكية للأمة.

التوازن الإسلامي في الملكية بين الشيوعية والرأسمالية المتوحشة

[الشيخ محمد عمارة]: بينما أصبحت الاشتراكية رأسمالية الدولة، رأسمالية حزب، أي الشيوعية نفس الشيء، أي لم تحقق ملكية الأمة - الملكية الجماعية - إلا إذا وُجدت [الأوقاف].

ذلك تجد الزمخشري عندما يفسر الآية:

﴿وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ [الحديد: 7]

يقول: يريد الله بذلك أن ينبهنا على أن المال الذي في أيديكم هو مال أمتكم.

نعم، الإمام محمد عبده يشير يقول: إن مصطلح المال أُضيف إلى ضمير الجمع في القرآن في سبع وأربعين آية، وإلى ضمير الفرد في سبع آيات، لينبه - انظر إلى التوازن - إن الشيوعية تلغي الملكية نهائيًّا، والرأسمالية «دعه يعمل دعه يمر» وتبقى رأسمالية متوحشة كما نراها الآن.

لكن هذا التوازن: الملكية الحقيقية لله سبحانه وتعالى، ملكية المنفعة - الملكية الاجتماعية - للإنسان.

الحاجة إلى منهج لإعادة كتابة التاريخ الإسلامي وإبراز النماذج المشرقة

[الشيخ محمد عمارة]: إذن أنا أقول: هذا الفكر، هذه الحقائق، هذا التاريخ لبناء الحضارة الإسلامية يحتاج إلى إعادة نظر وإعادة كتابة التاريخ. ليست الحكومات التي تكتب التاريخ، وإنما نحن نريد لأقسام التاريخ ولعلماء التاريخ أن يكون هناك منهج يعني يدركون من خلاله أين الثغرات في هذا التاريخ ليستكملوا بناء هذه الثغرات.

[المذيع]: هل يمكن بالفعل فضيلة مفتي الديار المصرية أن يُعاد كتابة أو صياغة التاريخ ليركز على هذه الحضارة ونبرزها؟ مثلًا النماذج الساطعة المشرقة في العلوم الإسلامية سواء كانت شرعية أو مدنية، وهو جانب أيضًا من الجوانب المضيئة في التاريخ الإسلامي.

[الشيخ]: المادة تحت أيدينا، وما نطلبه هو إعادة تقديم، إعادة إنتاج، إعادة عرض، الترتيب للأولويات لمثل هذه المادة التي معنا.

إعادة إنتاج التاريخ الإسلامي بأدبيات العصر لإبراز الأفكار الكامنة

[الشيخ]: القضية أي أن هذا ليس مستحيلًا. نعم، أولًا وإننا لن نأتي بأشياء من وحدنا ومن خيال أنفسنا ومن خيالنا. لا، هذا نحن نتحدث عن حقائق، والحقائق موجودة كما أفاد النموذج الذي تحدث عنه الدكتور محمد عمارة في طول الحلقة.

فالمادة موجودة عندنا، ولكن القضية كيف تُعرض. هناك فرق ما بين أن أقول لك الحدث وبين أن أنقله إليك بألفاظك التي تعودت عليها في أدبياتك الخاصة.

نحن الآن أصبحنا في قضية الجمعية التأسيسية؛ الجمعية التأسيسية هذه من أدبيات القرن العشرين بعد أن تكلمنا في الديمقراطية وما إلى ذلك، أو البرلمان أو الفصل بين السلطات أو ما إلى ذلك.

وثيقة المدينة أول وثيقة دستورية في العالم تقرر حق المواطنة والمساواة

[الشيخ]: فإذا بنا نُفاجأ بـوثيقة المدينة. وثيقة المدينة هذه أول وثيقة في العالم تقرر دستوريًّا حق المواطنة، وتبين كيفية العلاقات، وكيفية المساواة الحقيقية، وكيفية العدالة إلى آخره.

فما لي إن أنا أقرأ في ذلك يقول لك: في وثيقة المدينة. ووثيقة المدينة لن تأتي لك بالمردود؛ لأن العرض هنا عرض غير كامل.

فالمطلوب إذن هو إعادة الإنتاج، وإعادة العرض، وترتيب الأولويات، وإبراز الأفكار؛ لأن حركة إعادة العرض هذه تبرز أفكارًا جديدة كانت غائبة كامنة ولكنها ليست ظاهرة.

إبداع ابن مقلة في تسديس الخط العربي وكتابة القرآن بنسبة إلهية فاضلة

[الشيخ]: وهكذا نحن لو أخذنا نتحدث عن إبداعات العقل الإسلامي والعربي عبر التاريخ فهذا شيء مهيب. كيف أن أبا حيان يقول عن ابن مقلة: لقد أوحى الله إلى ابن مقلة تسديس الخط كما أوحى للنحل بتسديس بيوته.

ربنا أعطى لابن مقلة أن يحول الخط الذي يأتي من قطر الدائرة التي داخل مسدس في دائرة، داخل مسدس أو المسدس الذي داخل الدائرة - دائرة ورسم فيها مسدس - القطر أنشأ منه الألف التي هي ميزان الحروف، فأنشأ منه كل الحروف. فقال: يا الله! هذه الفكرة جاءت معه كيف!

ابن مقلة يقول: أردت أن أكتب القرآن - محور الحضارة - بنسبة، بخط به نسبة إلهية فاضلة. يا للعجب! نسبة إلهية، التي هي الآن نسميها وفقًا للغرب النسبة الطبيعية - مثل اثنين وعشرين على سبعة الخاصة بالدائرة.

فلماذا تسميها طبيعية؟ هذه إلهية! فالله هو الذي خلقها. بنسبة إلهية فاضلة، كما أنه [القرآن] نزل بنسبة إلهية فاضلة؛ يعني هو فيه إعجاز ونظمه وإيقاعه مختلف عن كلام البشر. ولذلك فإنه يجب أن أكتبه بنسبة إلهية فاضلة كما أن نظمه وإيقاعه بنسبة إلهية فاضلة.

التوافق العجيب بين عالم الإنسان والأكوان والإبداع الحقيقي في الحضارة الإسلامية

[الشيخ]: ما هذا التوافق العجيب ما بين عالم الإنسان وعالم الأكوان، غيب الإنسان وغيب الأكوان! ما هذا العمق! إنه الإبداع، أو هذا هو الإبداع الصحيح، وليس الإبداع أن يخلط قليلًا من الغراء ويرمي عليه مسامير ويدعي أنه في الفن الحديث قد أبدع.

الحقيقة أن التاريخ الإسلامي يعني لا نريد أن نختزله في حلقة ولا حلقتين ولا دقيقة ولا دقيقتين. التاريخ الإسلامي مضيء.

طبعًا هناك فرق بين تاريخ الإسلام - والإسلام - وبين التاريخ الإسلامي. التاريخ الإسلامي نسبي، يتعرض للخطأ والصواب، يتعرض للظلم والطغيان.

الإمام النووي يوقف بيبرس عند حده وضرورة عودة الأمة إلى وعيها

[الشيخ]: ولتدخل الأمة مع سلطان العلماء ومع الإمام النووي الذي أوقف بيبرس عند حده وكان يرتعد. قيل له [لبيبرس]: ألم تقل إنك ستقتله؟ قال: رأيت فحلًا سيأكلني! أي أنه حالما رأى الإمام النووي هكذا [شعر] إن هناك فحلًا سيأكله.

وهكذا يقوم مع سلطان العلماء؛ عندما يموت [العز بن عبد السلام يقول بيبرس]: أنه قد استقر ملكه بعده، إلى آخر ما هنالك من أمة عاملة.

ولا بد أن تعود هذه الأمة إلى وعيها.

خاتمة البرنامج والتأكيد على ضرورة إعادة صياغة التاريخ الإسلامي المشرق

[المذيع]: بالتأكيد فضيلة المفتي أن التاريخ الإسلامي به العديد من النماذج الساطعة المشرقة التي نحن بحاجة إلى إعادة صياغتها، كما تفضل ضيوفنا الكرام: فضيلة مفتي الديار والأستاذ الدكتور عمارة، لنُظهر هذا الجانب المضيء بعيدًا عن الهجمة الشرسة التي يتحدث عنها الغلاة والذين يرون أن التاريخ الإسلامي هو تاريخ ظلامي، وهم كاذبون فيما جاءوا به.

أشكركم مشاهدينا الكرام على حسن المتابعة في هذا اللقاء، وأسمحوا لي أيضًا أن أتوجه بالشكر والتقدير لضيفي الكريم فضيلة العالم الجليل الأستاذ الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية، شكرًا جزيلًا فضيلة الشيخ. وأيضًا العالم الجليل الأستاذ الدكتور محمد عمارة عضو مجمع البحوث الإسلامية، شكرًا جزيلًا.

مرة أخرى أشكركم مشاهدينا الكرام وأراكم دائمًا على خير، دمتم في أمان الله ورعايته، وإلى اللقاء.