2012 03 02  الطريق إلى الله - تصوف, كلمة حق

2012 03 02 الطريق إلى الله

47 دقيقة
  • التصوف طريق إلى الله يبدأ بالتوبة النصوح والتخلي عن الرذائل ثم التحلي بالفضائل.
  • أئمة الإسلام الكبار كالإمام مالك والشافعي وابن تيمية وابن القيم مدحوا التصوف ولم يعادوه كما يدعي البعض.
  • قال الإمام مالك: "من تشرع ولم يتصوف فقد تزندق"، وأحب الإمام الشافعي الصوفية وتعلم منهم.
  • التصوف مرتبط بدرجة الإحسان في الدين التي علّمها جبريل للنبي: "أن تعبد الله كأنك تراه".
  • معالم الطريق إلى الله مقيدة بالذكر والفكر، مع قلة الطعام والكلام والمنام.
  • الطريق إلى الله مؤيد بالكتاب والسنة، وليس بدعة كما يزعم البعض.
  • الإكثار من العبادة والذكر سنة نبوية، وللصوفية تجارب روحية تؤكد قرب العبد من ربه.
  • التصوف جزء لا يتجزأ من الدين وهو مرتبة الإحسان والصفاء، ولا يسلكه إلا من أراد الوصول إلى درجة الصديقين.
  • الذكر والاستغفار من أهم أعمال المتصوفة لقوله تعالى: "فاذكروني أذكركم" و"ألا بذكر الله تطمئن القلوب".
محتويات الفيديو(44 أقسام)

مقدمة الحلقة وموقف علماء الأمة الإسلامية من التصوف

[المذيع]: علماء الأمة الإسلامية من التصوف، وماذا قالوا بشأنها سلفًا وخلفًا فيما يتعلق بمنهجها وسلوكها وفكرها؟ وهل قابلوها بالقبول أم بالتحرج؟ وهل اختلفت هذه الآراء في الأزمنة المختلفة؟

مجموعة من الأسئلة نحاول الإجابة عليها في هذه الحلقة من برنامج فضيلة العلامة مفتي الديار المصرية الأستاذ الدكتور علي جمعة، أهلًا وسهلًا بكم الدكتور، أهلًا وسهلًا بكم دائمًا في حلقة تلبية الدعوة.

وأستاذي الجليل والعالم الجليل أيضًا فضيلة الأستاذ الدكتور أحمد عمر هاشم الرئيس الأسبق لجامعة الأزهر وعضو مجمع البحوث الإسلامية.

سؤال المذيع عن أقوال الأئمة الأربعة في التصوف ورجاله

[المذيع]: حدثنا اليوم عن الطريق إلى الله وأقوال كبار العلماء، أو كبار علماء الأمة من خلفها إلى سلفها في التصوف ورجاله. يعني ماذا قال كبار العلماء خاصة الأئمة الأربعة في التصوف وفي رجاله المتصوفة؟

[الشيخ أحمد عمر هاشم]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

حقيقة نرى أئمة الإسلام وأئمة المذاهب وأعلام أهل العلم والفكر نظروا إلى أن الطريق إلى الله سبحانه وتعالى يبدأ بالتوبة النصوح، يبدأ بالتخلي عن الرذائل ليتحلى بعد ذلك بالفضائل.

كتاب الطريق إلى الله وأهمية التوبة كأول خطوة في السلوك

[الشيخ أحمد عمر هاشم]: وكتاب الطريق إلى الله لأبي سعيد الخراز، وقد حققه الإمام عبد الحليم محمود، بدأ يوضح أن أول الطريق إلى الله سبحانه وتعالى هو التوبة؛ لأن بها يتوب الإنسان إلى ربه وينخلع من معاصيه وذنوبه، ويتخلى عن الرذائل ليستقبل بعد ذلك [الفضائل] التي يتحلى بها بعد ذلك.

ومن هنا ندرك أن الطريق إلى الله سبحانه وتعالى بالتوبة حثنا عليه رسولنا صلى الله عليه وسلم، وحثنا عليه القرآن من قبل:

﴿تُوبُوٓا إِلَى ٱللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا﴾ [التحريم: 8]

ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم:

«إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، حتى تطلع الشمس من مغربها»

وصول أهل الله إلى الحقيقة بالتخلي عن الرذائل والتحلي بالفضائل وحب الله ورسوله

[الشيخ أحمد عمر هاشم]: ووصل أهل الله إلى حقيقة ما وصلوا إليه بتجردهم وتخليهم عن الرذائل ودخولهم في الفضائل. إذا كان أول الطريق التوبة إلى الله سبحانه وتعالى، فيليها بعد ذلك التحلي بالفضائل والعبادات وحب الله وحب رسول الله صلى الله عليه وسلم.

لأن الإنسان عندما يحب يستجيب لأوامر حبيبه وينصاع إليها، إن المحب لمن يحب مطيع.

ومن أجل ذلك كان هذا الكتاب الذي أشرت إليه [كتاب الطريق إلى الله] ينبه على أهمية الصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم في طريق الإنسان من أجل الوصول إلى ربه سبحانه وتعالى.

قصة الإمام عبد الحليم محمود مع المخالفين للتصوف وشهادته للشيخ محمد زكي إبراهيم

[الشيخ أحمد عمر هاشم]: ولقد أدركت مجلسًا من مجالس أهل الله، مجالس الصالحين، وهو مع الإمام عبد الحليم محمود رحمه الله، وكان عارفًا بالله بصدق. حضرت مجلسًا له في بيته، وكان معه جماعة يخالفون هذا الاتجاه الصوفي بمخالفة مزعجة.

وكنت أرى نقاشًا طريفًا بينهم وبينه، لدرجة أنهم قالوا له: نحن لا نتصور أنه يوجد صوفي ولي من أولياء الله في هذا العصر. حسنًا، هل يمكنكم أن تخبرونا عن ولي موجود حي في هذا العصر؟

فقال لهم الإمام عبد الحليم محمود: نعم. قالوا: من؟ قال: الشيخ محمد زكي إبراهيم، وكان يومها على قيد الحياة رحمه الله سبحانه وتعالى.

قصة الإمام عبد الحليم محمود مع صيغة الصلاة على النبي وتحول حروفها إلى نور

[الشيخ أحمد عمر هاشم]: قالوا له: نريد معنى واضحًا لهذا الوصول الذي يصل به الصوفي من خلال طريقه إلى الله سبحانه وتعالى. قال لهم: إذا أخبرتكم عن شيء قرأته ربما لا تقتنعون، لكنني سأخبركم عن شيء حدث معي أنا شخصيًا.

وقصّ عليهما الإمام عبد الحليم محمود رحمه الله موقفًا له، كان فيه في أزمة خانقة، وجاءه أحد الأولياء الصالحين وأهل التصوف وأعطاه صيغة من صيغ الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام، وقال له: اقرأها في خلوة وأكثر قراءتها، سيأتي الله بالفرج.

قال: فأخذتها وقرأتها عدة مرات حتى رأيت حروفها التي كانت مكتوبة بالحبر تحولت إلى حروف من نور. فقلت: لعل في عيني تعبًا، وأخذت أمسح عيني، فرأيت حروف الصيغة تتلألأ نورًا في الحجرة، فأيقنت أن فرج الله قد جاء، وفعلًا فرج الله قد جاء.

صيغة الصلاة على النبي التي رآها الإمام عبد الحليم محمود نورًا

[الشيخ أحمد عمر هاشم]: كانت هذه الصيغة:

«اللهم صلِّ صلاة جلال، وسلِّم سلام جمال، على حضرة حبيبك سيدنا محمد، وأغشه اللهم بنورك كما غشيته سحائب التجليات، فنظر إلى وجهك الكريم، وبحقيقة الحقائق كلّم مولاه العظيم الذي أعاذه من كل سوء، اللهم فرّج كربي كما وعدت أمّن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء، وعلى آله وصحبه»

تجربة روحية لمن سلك الطريق إلى الله بالصدق. ولذلك الكتاب الذي أشرت إليه اسمه كتاب الصدق، أو كذلك الطريق إلى الله.

ثمرة سلوك الطريق إلى الله بالتوبة والذكر والصلاة على النبي

[الشيخ أحمد عمر هاشم]: ومن أجل أن يصل الإنسان عن طريق التوبة والتخلي عن الرذائل والتحلي بالفضائل وحب الله وحب رسوله والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، يصل إلى حقيقة مهمة تثلج صدره، ويشعر فيها بالأمان، ويشعر فيها بالقرب من الله سبحانه وتعالى.

الطريق إلى الله سبحانه وتعالى هذا فيه تجارب روحانية، الناس الآن ربما لا يصدقونها لأنهم لم يتذوقوها.

قصة الشيخ الشعراوي وتجربة قراءة سورة يس لتفريج الكرب عن الأسيرين في غزة

[الشيخ أحمد عمر هاشم]: لكنني ذات مرة كنا في عزاء مع الإمام، إمام الدعاة فضيلة الشيخ محمد الشعراوي رحمه الله، وقصصت عليه قصة حدثت للمرحوم الذي كنا نعزي فيه وهو الأستاذ الدكتور محمود الخولي، كان وكيلًا لوزارة العدل.

قلت له: يا سيدي، أنا سمعت من ابن عمي دكتور أستاذنا الدكتور الحسيني هاشم، عندما كان في غزة هو والدكتور محمود الخولي الذي نعزي فيه الآن، أنهما أسيران أسرهما اليهود وهم في غزة.

فالأستاذ محمود الخولي رأى رؤيا في المنام أن عم الدكتور الحسيني، وهو سيدنا الشيخ أحمد أبو هاشم — كان من الأولياء الكبار — قال له: قل، انظر إلى الحسيني ليستخرج المنديل الأبيض من جيبه وليعقده سبع عقد، وليقرأ عند حل كل عقدة سورة يس، فعند السابعة سينحل وسيُفرج عن أسركم.

قال: يا سيدي بسيطة هي، منديل. وبدأ يعقده وقرأ عند كل عقدة يس، حتى عند الأخيرة فرّج الله الكرب، ورأى من يأتيهم ويقول: جاء أمر بالإفراج عنكم.

رد الشيخ الشعراوي على التجارب الروحية وأهمية تصديقها كالتجارب المادية

[الشيخ أحمد عمر هاشم]: فكنت أحكي لفضيلة الشيخ الشعراوي وأقول له: أنا ما كنت أتصور مثل هذا المعنى حتى قرأت كتيبًا للشيخ محمد زكي إبراهيم رحمه الله عن ليلة النصف من شعبان، وقرأ فيها وكتب فيها في هذا الكتيب الصغير فضل سورة يس، وأن من قرأها سبع مرات على سبعة أيام متتالية مستحضرًا نية ما يريد، يحقق الله تعالى له.

فرد عليّ الشيخ الشعراوي وقال رحمه الله: أنتم تصدقون التجارب المادية ويقولون نظرية آينشتاين وهايزنبرغ، أليس كذلك؟ أتعلم من وما السبب في عدم تصديق الناس للتجارب الروحية؟

إن التجارب الروحية الصوفية لها أثرها البالغ، ولو أن الناس سلكوا هذا الطريق لانحلت أزمات كثيرة في مجتمعنا؛ لأن الذي يدبر هذا الكون هو خالقه سبحانه وتعالى، فلو اقتربت منه فرّج الكرب.

ولذلك جاء في الحديث:

قال رسول الله ﷺ: «من لازم الاستغفار جعل الله له من همه فرجًا ومن ضيقه مخرجًا ورزقه من حيث لا يحتسب»

لا يفرج الكرب إلا الله، الطريق إلى الله.

هل الطريق إلى الله مرتبط بالتصوف بالضرورة وعلاقة التصوف بمقام الإحسان

[المذيع]: العلامة الأستاذ الدكتور علي جمعة، مرتبط بالتصوف؟ يعني هل هما سواء بالضرورة؟ يعني أن يكون الطريق إلى الله أن يلزم الإنسان التصوف؟

[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

التصوف الذي تعلمناه من مشايخنا، والذي هو في كتب المسلمين منذ أكثر من ألف عام، والذي هو مؤيد بالكتاب والسنة، هو الذي يحفظ درجة الإحسان التي جاءنا جبريل ليعلمنا إياها:

«أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك»

كيف أفعل ذلك وكيف أصل إليه؟ التصوف يجيب عن هذا السؤال. لو بحثت في كتب التوحيد أو في كتب العقائد أو في كتب الفقه وأصوله، لن أجد الإجابة على هذا. لكنني لو قرأت كتب التصوف أجد الإجابة التفصيلية على هذا السؤال.

مدح الإمام مالك والإمام الغزالي للتصوف وأهمية العلاقة مع الله

[الشيخ]: ولذلك رأينا التصوف وقد مدحه الأكابر عبر القرون. مدحه الإمام مالك وهو يقول كما في حاشية العدوي: من تشرّع ولم يتصوف فقد تزندق؛ لِمَ؟ ألّف؟ نعم، لأنه من الخارج هلّة يا سلام، ومن الداخل يعلم الله. قالوا: من الخارج رخام ومن الداخل سخام، ما ينفع.

ويتكلم الإمام الغزالي كلامًا ماتعًا في كتابه الماتع [إحياء علوم الدين] في المقدمة، يتكلم عن أولئك الذين اشتغلوا بدم الحيض ودم النفاس وكذلك إلى آخره — وهذه أحكام شرعية مرعية — وتركوا العلاقة مع الله، أية غفلة هذه!

تكلم كلامًا واسعًا وبدأ بالكتاب والعلم، وقال: العلم هو كل ما يؤدي إلى الله سبحانه وتعالى.

﴿إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَـٰٓؤُا﴾ [فاطر: 28]

﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِى ٱلَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: 9]

﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِى عِلْمًا﴾ [طه: 114]

فالعلم لا ينتهي، لماذا؟ لأن الترقي في طريق الله لا ينتهي. إذن التصوف لا بد منه، والتصوف ممدوح عند الأكابر.

مدح الإمام الشافعي للصوفية وتعلمه منهم قيمة الوقت والعدم

[الشيخ]: قال الإمام الشافعي: صاحبت الصوفية فتعلمت منهم كلمتين: الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك، والعدم عصمة، يعني لا تتبرم إن لم يكن معي شيء، اعمل على طول، اشتغل.

الإمام الشافعي وأصبح هو الإمام الشافعي صحيحًا، وكان لا يترك في جيبه درهمًا ولا دينارًا، كان ينفق بسخاء وبكرم وهو في حالة فقر، لكنه كان عاملًا، كان يعمل بالليل والنهار.

نزل مرة عند أحمد بن حنبل ضيفًا، وكان أحمد يعظمه جدًا. فابنة أحمد بن حنبل قالت: لما أرى الرجل هذا أبي يعظمه جدًا، يعني عبادته كيف في الليل؟ فوجدته قد قام بعد العشاء واستيقظ قبل الفجر.

فقالت لأبيها: يا أبي، أراك أنك تعظمه جدًا والرجل لم يقم الليل! فسمعها الشافعي وقال: والله يا بنيتي ما غفلت عيناي، استطعت أن أنتهي من ستين معضلة للمسلمين.

انظر مفهومه للعمل، انظر مفهومه للعبادة، انظر مفهومه للتقوى.

قصة الإمام الشافعي مع شيبان الراعي ومفهوم الزكاة عند الصوفية

[الشيخ]: هؤلاء الأكابر مدحوا التصوف. كان مثل الإمام الشافعي يلتقي مع واحد اسمه شيبان الراعي. وكان شيبان الراعي مرة، الإمام الشافعي سأله قال له: يا شيبان، كم الزكاة؟ قال: عندنا أم عندكم؟ قال: هل تختلف؟ نحن مسلمون، عندنا أم عندكم؟

قال له: عندكم الأربعون غنمة فيها غنمة، التي هي اثنان ونصف في المائة. ولكن عندنا الغنم كله لله. يعني أنا أصلًا لن يحول عليها الحول وسيبقى في ملكي شيء!

سيدنا أبو بكر فعل ذلك فأخرج من ماله كله، سيدنا عمر فعل ذلك فأخرج من نصف ماله، ليس من اثنين ونصف في المائة صحيح. سيدنا عثمان جهز جيش العسرة، وهكذا فعل الصحابة. كانت الدنيا في أيديهم وليست في قلوبهم.

معالم الطريق إلى الله مقيدة بالذكر والفكر وأدلتها من القرآن الكريم

[الشيخ]: معالم الطريق إلى الله الذي تسأل عنه، وكما قالوا: مقيد بالذكر والفكر، مقيد بالذكر والفكر. واستدلوا على ذلك بقوله تعالى:

﴿ٱلَّذِينَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَـٰمًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِى خَلْقِ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ﴾ [آل عمران: 191]

فإذا الطريق له ملامح ومعالم هي بالذكر والفكر. فإذا أتينا إلى الذكر نجد القرآن قد أصبح مليئًا:

﴿فَٱذْكُرُونِىٓ أَذْكُرْكُمْ وَٱشْكُرُوا لِى وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: 152]

﴿وَٱلذَّٰكِرِينَ ٱللَّهَ كَثِيرًا وَٱلذَّٰكِرَٰتِ﴾ [الأحزاب: 35]

﴿وَٱذْكُرُوا ٱللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الجمعة: 10]

ونجد أن الله سبحانه وتعالى قد سمى القرآن بالذكر:

﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ﴾ [الحجر: 9]

فيبقى أنني عندما أقرأ القرآن ويكون له حصة مع القرآن فأنا من الذاكرين.

الرد على من ينكر ذكر الله بالاسم المفرد والدليل من الكتاب والسنة

[الشيخ]: ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها. الذي الآن اليوم عندما أقول: الله، أدعو ربنا. يقول هكذا قوم يقولون لي: لا، هذا الاسم المفرد هذا ما ورد. يعني جمع بين أمرين: الصد عن سبيل الله وعن ذكر الله — هذه مصيبة — والجهل وهذه مصيبة أخرى.

قال حمار الحكيم توما: لو أنصف الدهر لكنت أُركب، فأنا جاهل بسيط وصاحبي جهل مركب. فكيف أنت تنكر ذكر الله؟ يقول لي: لم يرد.

طيب، هذا ورد في الكتاب والسنة، أين؟

﴿قُلِ ٱللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِى خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الأنعام: 91]

ها هو دليل. يقول لي: لا، ليس معناها كذلك. ما شأنك أنت؟ الآن تريد دليلًا والدليل هو هذا، والعلماء يرون أن هذا معناه. أنت ترى شيئًا آخر، عش في أوهامك فأنت حر.

والنبي صلى الله عليه وسلم يقول في حديث طويل في الفتن وأشراط الساعة:

«حتى لا يُقال في الأرض: الله»

هو هذا يعني كان يُقال الله ثم لم يعد يُقال.

أنواع الذكر في الإسلام والكلمات العشر الطيبات والباقيات الصالحات

[الشيخ]: الحقيقة إن هؤلاء الناس لم يخطوا خطوة إلا ومعها الدليل من الكتاب والسنة. الذكر في أسماء الله الحسنى، في القرآن، في الكلمات العشر الطيبات.

الكلمات العشر الطيبات كلنا نعرفها: سبحان الله، الحمد لله، لا إله إلا الله، الله أكبر، لا حول ولا قوة إلا بالله. ويسمونها الباقيات الصالحات.

سموها الباقيات الصالحات لماذا؟ هو أن ربنا سبحانه وتعالى يتحدث في القرآن عن الباقيات الصالحات، ولكن أيضًا أنه نام فرأى في المنام أن هذه هي الباقيات الصالحات.

فواحد يقول لي: لا، أنا ليس لي علاقة بالمنام. هذا ليس لك علاقة. الباقيات الصالحات الذكر الذي أمرك الله به سيكون بعد موتك نوعًا من أنواع العمل الصالح.

العقل الضيق ينكر المدلول مع عدم اقتناعه بالدليل والفرق بين فكر السلف والنابتة

[الشيخ]: العقل الضيق ينكر المدلول مع عدم اقتناعه بالدليل، وهذا خطأ؛ لأنه يمكن أن يكون للمدلول دليل آخر. بالنسبة لما قلته له في برهان آخر من الباقيات الصالحات أن نعمل هكذا.

فكر السلف الصالح وهكذا فكرت النابتة التي نبتت على غير وجه في عصرنا الحاضر. عندما أجيء أنا الآن أصبحت العشرة: أستغفر الله، حسبنا الله ونعم الوكيل، إنا لله وإنا إليه راجعون، توكلت على الله، والصلاة على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وهؤلاء قديمًا كانوا يقولون لها العشرة الطيبة. كذلك الدعاء نوع من أنواع الذكر. إذن فالطرق هذه للتصوف رسمت للإنسان كيف يكون له ورد يومي كما كان لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ورد يومي.

حديث أبي بن كعب في جعل مجلسه كله للصلاة على النبي ومشروعية الورد اليومي

[الشيخ]: سيدنا رسول الله كان له ورد، وكان يعلم الصحابة أن تكون لهم أوراد. ولذلك جاء إليه الرجل أُبيّ بن كعب فيقول له: يا رسول الله، أجعل لك ثلث مجلسي للذكر [أي الصلاة على النبي]. قال: افعل. قال: أجعل لك نصفه. قال: افعل. قال: أجعل لك كل مجلسي. قال: إذن كُفيت ووُقيت.

يبقى إذا أُبيّ له مجلس، وفي المجلس هذا كان يقسمونه: ثلثًا لرسول الله في الصلاة عليه يعني، وثلثًا يسبح أم كذلك. لا، جعلها نصفًا. لا، جعله كله. قال له: كُفيت ووُقيت.

يبقى يجوز يكون له ورد مع الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، الذي يقول إن الصلاة عليه بعشر. فإن ربنا لا يقبل أن يكون لأحد منا فضل على سيدنا رسول الله، فيعطينا بدل الواحدة، فليرجع علينا عشر حسنات طيبات، وألف والله إلا رجل قال أكثر من هذا.

الإكثار من العبادة ليس ببدعة والدليل من حديث السيدة صفية في التسبيح

[الشيخ]: فإذا أنا الإكثار من العبادة ليس ببدعة. لما ذهب سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذهب صبحة النهار وعاد، فوجد السيدة صفية تعد الحصى من التسبيح. فقال: ما هذا؟ فقالت: أسبح.

فقال: ألا أدلك على شيء إن قلتيه كان بوزن ذلك كله؟ قالت له: قل لي ما هو.

«اللهم إني أقول سبحان ربي وبحمده زنة عرشه ومداد كلماته عدد خلقه»

حسنًا، فلنفترض أنني أمسكت بهذا وقلت مائة مرة ولم يحدث شيء، فيكون كأنني عملت مائة يوم، ما شاء الله. ولنفترض أنني عملت ألف مرة، فلم يقل أحد لا، السنة ولا الكتاب. فمن أين جاء بالتقييد الخبيث الذي يصد عن سبيل الله صلى الله عليه وسلم سبحانه وتعالى وعن سنته سيدنا النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم؟

حديث الفقراء وأهل الدثور والأذكار بعد الصلاة دليل على مشروعية الأوراد

[الشيخ]: إذا كان هذا على اعتبار أن هؤلاء أصل في الشريعة الإباحة، ما هي تصطدم بالنص؟ لا، ده النبي علمنا هكذا. انتبه، كم الفقراء قالوا: يا رسول الله، ذهب أهل الدثور بالأجور، هؤلاء الأغنياء يتصدقون ونحن لا نتصدق.

فقال لهم: حسنًا، سأهدي لكم شيئًا تسبقون به أهل الدثور. قالوا: سبحان الله ثلاثًا وثلاثين، والحمد لله ثلاثًا وثلاثين، والله أكبر ثلاثًا وثلاثين، واختتموها بلا إله إلا الله وحده لا شريك له إلى آخر الحديث، بعد كل صلاة. وأنتم ستحصلون على ثواب أكثر من ذلك.

فذهبوا وغابوا قليلًا ثم جاءوا وقالوا: يا رسول الله، نحن الآن لما أخذنا الورد هذا وعملناه، الأغنياء غشوه منا وأصبحوا يعملونه هم الآخرين. قال: ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. فماذا أعمل يا سبحان الله، ما دام يصبح غنيًا وشاكرًا يصبح جيدًا، دخل أكثر من هذا.

حديث فضل التهليل والإكثار منه دليل على فتح باب الإكثار من العبادة

[الشيخ]: قال:

قال رسول الله ﷺ: «من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير، في اليوم كذا، كأنه أعتق رقبة من أبناء إسماعيل»

أي شيء جميل، ثواب كبير. فقال: إلا رجلًا قال أكثر من ذلك، ولا يأتي أحد بأفضل من ذلك إلا رجلًا قال أكثر من ذلك.

إذا كان هذا المائة وهذا الألف وهذا الألف فيكون هذا الألفين، هو الذي فتحها وليس حكاية الأصل في الإباحة أو خلافه. لا، بل إن سيدنا [رسول الله ﷺ] علمنا أن نفتح هذا المجال.

ولذلك ألّف عبد الحي اللكنوي كتاب [إقامة الحجة على أن الإكثار من العبادة ليس ببدعة]، وأتى بأدلة كثيرة تبين أن المنهج النبوي الذي علمه للصحابة وللأمة إنما هو الإكثار من العبادة وفتح هذه المسألة، ليس لأن ذلك مباح، بل لأن النبي علمنا هكذا والصحابة علمونا هكذا.

ارتباط طريق التصوف بالكتاب والسنة في كل جزئية وخطوة

[الشيخ]: ولذلك فإن طريق التصوف مرتبط في كل جزئية وفي كل خطوة فيه إلى الله، مرتبط بالكتاب والسنة.

ليس هناك شيء إطلاقًا كنا نظن أنه ربما قالوا به من التجربة، أبدًا. هذا من الكتاب والسنة.

[المذيع]: معالم الطريق والتصوف، الحديث يتواصل بعد فاصل قصير مشاهدينا الكرام مع ضيوفنا.

أبيات الشيخ أحمد عمر هاشم في مدح الإمام عبد الحليم محمود والتصوف

[المذيع]: معالم الطريق إلى الله وأقوال العلماء، الأمة خلفها إلى سلفها في التصوف ورجاله، حديثنا وسؤال لفضيلة الأستاذ الدكتور أحمد عمر هاشم. يعني قبل السؤال فضيلة الدكتور، كما أمتعتنا نمتع السادة المشاهدين الكرام بأبيات شاعر من نظمك فيما مضى من زمان الدراسة في الفرقة الأولى بكلية أصول الدين عن فضيلة الإمام الشيخ عبد الحليم محمود والتصوف، هل تتذكر؟

[الشيخ أحمد عمر هاشم]: قبل أن أطرح سؤالي عليك، في الواقع عندما دخلت السنة الأولى في كلية أصول الدين كان الطلاب يعدون مجلة. نعم، قالوا: بصفتك طالبًا جديدًا سجل لنا مشاعرك في هذه اللحظات.

فكتبت لهم هذه الأبيات، قلت:

لما دخلتُ يا أصول الدين قد زاد حبي واطمأن يقيني ورأيت فيكِ مشاهد دافقة بالخير من حين هناك لحين فعميدنا الورع التقي وصاحب القلب النقي رعى أصول الدين بالمقصود به الإمام عبد الحليم محمود رحمه الله لم يألُ جهدًا إنه حفز النهى وبنوره وصلاحه يهديني يا رب قد يممت وجهي شطركم وكفاي هذا يا أجل معيني إن التصوف مذهبي ورياضتي وإذا مرضت فخالقي يشفيني كلية الإسلام أنتِ منارة سيمَ الهدى يبدو بكل جبين ضمّي إليكِ الوافدين فإنهم قد شاقهم لدُناكِ ألفُ حنين قرآنُنا يرعاكِ خيرَ رعايةٍ يا خيرَ حصنٍ للصلاحِ متينِ

موقف ابن تيمية الحقيقي من التصوف وتقسيمه للصوفية إلى ثلاثة أقسام

[المذيع]: ما شاء الله! وكانت هذه الأبيات عندما كنت داخلًا في الأيام الأولى لكلية أصول الدين شابًا صغيرًا يا فضيلة الدكتور. نعم، لكن هل لنا أن نستعيد بعض ما ذكرناه ربما في الحلقة الماضية فضيلة الدكتور عبد الله؟ الإسلام ابن تيمية عن الصوفية والمتصوفة ومعالم الطريق، وماذا أضاف أيضًا بعض علماء الأمة من السلف الصالح؟

[الشيخ أحمد عمر هاشم]: وفي الواقع هذه نقطة مهمة جدًا، وأنا أعني كنت أقصد عندما ذكرت ملخص ما كتبه ابن تيمية المفترى عليه من بعض ألسنة السوء التي تريد أن تجعل منه عدوًا للتصوف، ولم يكن كذلك يومًا من الأيام.

وكتابه أكبر شاهد حين قسم الصوفية فجعل:

  1. القسم الأول: الذين وصلوا إلى درجة الصديقية.
  2. القسم الثاني: المتوسطين.
  3. القسم الثالث: الداخلين على المحراب الصوفي، وهؤلاء لا يُحاسب التصوف بهم.

والشاهد أننا كما قال فضيلة المفتي، وكما قال سيد الطائفة: علمنا هذا مشيّد ومقيد بالكتاب والسنة.

حسبنا الله ونعم الوكيل في غزوة حمراء الأسد دليل على الذكر في مواجهة الشدائد

[الشيخ أحمد عمر هاشم]: تعالوا إلى سبيل المثال وفي العهد النبوي ومع الرسول نفسه صلى الله عليه وسلم، عندما كان في غزوة حمراء الأسد وعندما قالوا:

﴿إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَٱخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَـٰنًا وَقَالُوا حَسْبُنَا ٱللَّهُ وَنِعْمَ ٱلْوَكِيلُ * فَٱنقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوٓءٌ وَٱتَّبَعُوا رِضْوَٰنَ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ [آل عمران: 173-174]

أي أن حسبنا الله ونعم الوكيل التي قالها رسولنا صلى الله عليه وسلم والتي علمنا إياها بهذا الموقف وبغير ذلك من الأمور، وأن ذكر الله سبحانه وتعالى الذي يتخذه أهل التصوف وردًا لهم يقربهم إلى الله؛ لأن القرآن قال:

﴿فَٱذْكُرُونِىٓ أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: 152]

أنت عندما تذكر الله تكون على يقين أن الله في هذه اللحظة يذكرك، وأنهم بهذا الذكر تطمئن قلوبهم؛ لأن الله تعالى قال:

﴿أَلَا بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ﴾ [الرعد: 28]

الحديث القدسي في فضل الذكر والتقرب إلى الله وأنه أقوى الطرق إليه

[الشيخ أحمد عمر هاشم]: وفي الحديث القدسي:

«من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، ومن تقرب إليّ شبرًا تقربت إليه ذراعًا، ومن تقرب إليّ ذراعًا تقربت إليه باعًا، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة»

فالله سبحانه وتعالى يحب الذاكرين له، الذين يتخذون طريقهم إليه بالسلوك والعبادة والدعاء.

وهذا الذكر أقوى الطرق؛ لأن الحديث القدسي يقول:

«من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين»

والسؤال مطلوب والدعاء مطلوب وهو خير وهو مخ العبادة، لكنك بذكرك لله سبحانه وتعالى تكون في خشية من الله، وبذكرك لله سبحانه وتعالى تستحق ذكر الله سبحانه وتعالى لك، ولأنك بذكر الله تطمئن القلوب بالإيمان فيثبت ويترسخ الإيمان.

الفارق بين أهل التصوف وغيرهم وتوجيه النبي للمسلمين بفضل الذكر والاستغفار

[الشيخ أحمد عمر هاشم]: وهذا هو الفارق بين أهل التصوف وبين غيرهم. قد يكون الإنسان ممارسًا للتصوف دون أن يقول إنه صوفي؛ لأنه يأتي بهذه الطاعات وهذا الذكر وهذا الاستغفار وهذه العبادة، فلا مانع.

ومن أجل ذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوجه المسلمين ويبين لهم فضل الذكر وفضل الاستغفار وفضل التوبة إلى الله، ويقول:

قال رسول الله ﷺ: «من لزم الاستغفار جعل الله له من همه فرجًا ومن ضيقه مخرجًا ورزقه من حيث لا يحتسب»

ويبين لهم الصيغة التي هي أفضل الصيغ فيقول: سيد الاستغفار أن تقول:

«اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك عليّ وأبوء بذنبي، فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت»

قصة الصحابي الذي كان يصف الاستغفار لكل حاجة مستدلًا بسورة نوح

[الشيخ أحمد عمر هاشم]: أحد الصحابة كان يأتيه أحد الناس ويسأله: إني في حاجة إلى أن أنجب وأريد ولدًا. يقول له: استغفر الله. وآخر يقول: الأرض جفت ونريد أن تمطر السماء. يقول: استغفر الله. وآخر يقول: نريد... يقولون: لا، كل شيء تصف له الاستغفار!

قال: ما جئت بشيء من عندي، وإنما هو قول رب العزة:

﴿فَقُلْتُ ٱسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُم بِأَمْوَٰلٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّـٰتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَـٰرًا﴾ [نوح: 10-12]

إننا نريد لسلوك الطريق إلى الله سبحانه وتعالى أن يسير الإنسان فيه وليس على عينيه عصابة، وليس في قلبه غشاوة ولا شك كما يحدث من بعض الناس، بل نكون على قرب ويقين بأن الله سبحانه وتعالى يحقق لنا ما نرجوه.

قال رسول الله ﷺ: «ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة»

هل كل أئمة السلفية ضد التصوف وحقيقة مفهوم السلفية

[المذيع]: طيب، إذا يعني سؤالي لفضيلة الأستاذ الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية: البعض يستخدم بعض الأقوال لأئمة السلفية في الهجوم على التصوف ورفضه للتصوف، هل كل أئمة السلفية يعني ضد التصوف؟ فضيلة العالم.

[الشيخ]: السلفية نسبة إلى فترة زمنية مباركة نسميها بالسلف الصالح، لكن ليس هناك مذهب اسمه السلفية، وليست هناك توجه أو جماعة اسمها السلفية.

إنما السلفيون النابتة الجديدة الموجودة التي تسمي نفسها سلفية، نقول لهم: من مشايخكم؟ فيقولون مثلًا: محمد بن عبد الوهاب في الجزيرة العربية، شيخ الإسلام ابن تيمية قديمًا، شيخ الإسلام ابن القيم ابن قيم الجوزية، ولعل بعضهم يقول الإمام أحمد بن حنبل مثلًا. يعني ليس جميعهم، لا ليس جميعهم.

عدم وجود سند متسلسل بالسلفية وأن نقل الدين يكون بالأسانيد المعروفة

[الشيخ]: وليس جميعهم حتى على هؤلاء كلمة أن السلفية لها أئمة أصلًا. هو أين المذهب السلفي هذا؟ لا وجود له.

الشافعية لها وجود، الأشاعرة لها وجود عبر التاريخ. أنا لدي أسانيد للأحاديث، سندي مسلسل بالشافعية إلى الإمام الشافعي، وهناك مسلسل بالمصريين لأن المصريين هؤلاء موجودون، وهناك ما هو متسلسل بالمحدثين، وهناك نعم كل هذا موجود.

أين السند الذي يروي الدين متسلسلًا بالسلفية؟ ليس هناك سند واحد ولا مركب حتى متسلسل بشيء اسمه السلفية.

شيء بسيط يعني، هذا أن نقل الدين يعني كانت هذه جماعة أو نابتة نبتت في غير محلها.

كتاب أقوال أئمة السلفية في الصوفية وشهادة محمد بن عبد الوهاب وابن تيمية للتصوف

[الشيخ]: حسنًا، هناك كتاب موجود في الأسواق بعنوان [أقوال أئمة السلفية في السادة الصوفية]، كتاب بهذا المعنى اسمه كذلك.

قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب في المجلد الفلاني الصفحة الفلانية: وقال سادتنا الصوفية. محمد بن عبد الوهاب في كتبه يقول: قال سادتنا الصوفية. هكذا يتحدث عن الصوفية، نعم.

قال شيخ الإسلام [ابن تيمية] في المجلة صفحة كذا وكذا: وهذا ما عليه المفسرون والمحدثون والسادة الصوفية.

ألا يعلم هؤلاء أن ابن تيمية تصوف في آخر حياته تصوفًا شديدًا حتى دُفن في مقابر الصوفية؟ وهو مدفون في مقابر الصوفية إلى يومنا هذا في دمشق إلى الآن، وهو مدفون في مقابر الصوفية. أي الحقيقة كلام، أي كلام غير عاقل!

ابن القيم وكتبه في التصوف ومدارج السالكين والرد على من يجهل ذلك

[الشيخ]: الإمام ابن تيمية ها هو مدفون [في مقابر الصوفية]. ألا يعلمون أن أعلم من كتب في التصوف هو ابن القيم في [مدارج السالكين] في شرح منازل السائرين بين إياك نعبد وإياك نستعين؟

يا للعجب! لم يقرؤوا [عدة الصابرين] ولا قرؤوا [حادي الأرواح]. تعرف عندما تقول لهم حادي الأرواح يقولون لك: لا، هذا ألفه، يمكن أن يكون صغيرًا ولا شيء لأنه مليء بالأحاديث الضعيفة.

ضعيفة عند من؟ أتعلم أن ابن تيمية استدل بأحاديث يقولون إنها موضوعة!

إذن نحن أمام تغيير حقيقي للدين وللميراث. نحن بعض الناس يقولون: يعني لماذا تتكلم هكذا وكأنك مقهور؟ لأنني أرى أن ناسًا يعتدون على الإسلام وهم من داخله.

يعني لو أن الأجنبي عن الإسلام اعتدى على الإسلام فإننا لا نهتم كثيرًا ونحاول أن نوضح له وأن نبين له، أما هذه التصرفات الفجة فهذا هو القبيح.

معالم الطريق إلى الله قلة الطعام والمنام والكلام والأنام والحاجة إلى المرشد

[الشيخ]: طريق إلى الله سبحانه وتعالى وضع لها العلماء ملامح ومعالم. أعطيك مثالًا، قلت:

  1. قلة الطعام
  2. قلة المنام
  3. قلة الكلام
  4. قلة الأنام [أي العزلة والخلوة]

وهم يحاولون كذلك أن يوازنوها حتى تُحفظ وحتى ننتبه. عندما آتي لأمشي في هذا الطريق لا أعرف إلى أي مدى قلة الطعام أو قلة الكلام، يمكن أن أتطرف جدًا فيضر جسمي، واجتماعيًا لا أكون مقبولًا، أو قلة النوم، أذهب أي أعتزل في كهف أم ماذا؟ إلى أي حد مثل هذا الكلام.

فاحتياجي إلى الشيخ هو احتياج إلى المرشد المربي الموفر للوقت والجهد وكذلك إلى آخره، وليس الاحتياج الذي فيه أن هناك واسطة بين الخلق والحق. جاء الإسلام ونفى هذه الواسطة، لكنه لم ينفِ الأستاذ والمعلم والمرشد والمربي.

﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ

⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [النحل: 43]

وكل ذلك من الكتاب والسنة.

قلة الطعام مؤيدة بالكتاب والسنة وأهمية المرشد في تحديد مقدارها

[الشيخ]: قلة الطعام طبعًا:

﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 183]

ففيها تقوى، أليس كذلك؟ سيدنا رسول الله وهو يقول:

قال رسول الله ﷺ: «بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه، فإن كان ولا بد فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه»

قلة الطعام، قلة الطعام هذه سر ومؤيدة بالكتاب والسنة. إلى متى بقيت قلة الطعام هذه؟ المرشد سيقول: لا، دع اليوم أفعل كذا. لماذا؟ لأنه خبير بذلك الطريق.

لست أريد أن يكون لي مرشد؟ أنت حر، ولكن الذي ستقطعه مع المرشد في يوم ستقطعه وحدك في سنة. صحيح، أنت حر.

قلة الكلام والصمت من الحكمة وأدلتها من السنة النبوية

[الشيخ]: قلة الكلام طبعًا، ألّف ابن أبي الدنيا كتابًا ضخمًا في الصمت، وأن الرجل إذا أوتي الحكمة أوتي صمتًا.

﴿يُؤْتِى ٱلْحِكْمَةَ مَن يَشَآءُ وَمَن يُؤْتَ ٱلْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِىَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: 269]

الحكماء قليلو الكلام يا مولانا.

قال رسول الله ﷺ: «اضمن لي ما بين لحييك وفخذيك أضمن لك الجنة»

قال رسول الله ﷺ: «ثكلتك أمك يا معاذ، وهل يكب الناس على مناخرهم في النار إلا حصائد ألسنتهم»

قلة الكلام يقول فيها الشافعية: الكلمة تملكها، فإن نطقت بها ملكتك.

قلة الأنام والخلوة وأصلها من اعتكاف النبي في غار حراء وقيام الليل

[الشيخ]: قلة الأنام التي هي الاعتكاف، التي هي خلوة سيدنا رسول الله في غار حراء الليالي ذوات العدد، وكان يتحنث كما في البخاري وكذلك إلى آخره.

الخلوة لها أسرار، أو الجماعة هؤلاء كتبوا في أسرار الخلوة بالتفصيل، منطلقين من الاعتكاف ومنطلقًا من خلوة سيدنا [رسول الله ﷺ].

إذ القضية أننا نفهم الإسلام كما فهمه السلف الصالح والجيل المبارك، وكما فهمه المجتهدون العظام، ولكننا في نابتة لا تريد أن يُفهم هذا، يريد أن يفهم شهوة عقوله.

قليل المنام:

﴿وَمِنَ ٱلَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَىٰٓ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا﴾ [الإسراء: 79]

﴿قُمِ ٱلَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا * نِّصْفَهُٓ أَوِ ٱنقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ ٱلْقُرْءَانَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمل: 2-4]

الله! ما هذه الحكاية!

تقسيم أبي طالب المكي لليلة في قوت القلوب وربط مراتب قيام الليل بمراتب الميراث

[الشيخ]: إذن فلنذهب إلى أبي طالب المكي في [قوت القلوب] وهو يقسم الليلة إلى أسداس ويقول: تعالوا الآن لنفكر هكذا.

النصف سيكون ثلاثة أسداس، والقليل منه يكون الثلث؛ لأننا إذا أزلنا سدسًا ووضعنا سدسًا [نحصل على] الثلثين. وبعد ذلك تتأمل فتجد كل هذا هو مراتب الميراث: السدس والثلث والثلثين، الربع والثمن والربع والنصف.

شيء غريب عجيب! يعني كذلك هذا يربط لك الشريعة مع بعضها البعض. ما الذي جلب الميراث لهذه القضية؟ التأمل، التدبر.

﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْءَانَ﴾ [النساء: 82]

هؤلاء تدبروا وهؤلاء لم يتدبروا، هؤلاء أنتجوا وهؤلاء لم ينتجوا. رفضوا أن نتبع من بقي، أنا هو الذي أحق بالاتباع! العلم أم عدم العلم؟ نحن نتبع العلم وأجرنا على الله.

وجوب تغيير المفاهيم الخاطئة وشهادة الشيخ محمد زكي إبراهيم بأن التصوف بين أدعيائه وأعدائه

[الشيخ]: فيجب علينا أن نغير تلك المفاهيم وأن نبين للناس أنه لا تقعدوا لأن واحدًا أخطأ.

ولا كان شيخنا الشيخ زكي الدين إبراهيم — محمد زكي الدين إبراهيم — من أولياء الله الصالحين كما أشار العارف بالله عبد الحليم محمود شيخ الأزهر. كان هذا الرجل منورًا، فكان يقول:

«التصوف في مشكلة بين أدعيائه وأعدائه»

يا للعجب هذه الكلمة! مدّعوه هم من يدعون التصوف وليسوا متصوفين، فهناك من يدعي الفقه الآن وليس فقيهًا، وهناك من يدعي الحديث وليس محدثًا، وهناك من يدعي الطب طبعًا، ما هو الكذب كثر ثم يفشو الكذب، الأدعياء.

لكن يوجد كذلك الأعداء الذين جهلوه. وكما قال سيدنا الشيخ أحمد: أن المرء عدو ما جهل. نعم، فهذا يوصلنا إلى الجهل المركب: أنه يعتقد اعتقادًا جازمًا في عقله خلاف الواقع.

حقيقة التصوف أنه جزء لا يتجزأ من الدين ومرتبة الإحسان المقيدة بالكتاب والسنة

[الشيخ]: في الواقع أن التصوف هو جزء لا يتجزأ من الدين، هو الصفاء بعينه، هو مرتبة الإحسان، هو علم، هو سلوك، هو تأمل وتدبر في الكتاب والسنة ومقيد بهما.

والطريق الصحيح إلى الله سبحانه وتعالى لا يسلكه إلا النخبة، إلا من أراد أن يصل إلى الصديقين كما قال ابن تيمية رحمه الله تعالى ممن أنار الله قلبه.

[المذيع]: فهل من خاتمة؟ للتعليق على موضوع أئمة السلفية الذين يهاجمون، ولكن بالقصيدة. هل هناك فكرة من حيث التصوف؟ قبل أن كنت قد كتبتها مشيرًا إلى بعض أولياء الله وما لهم من كرامات ذُكرت في القرآن كمريم وغير ذلك.

[الشيخ أحمد عمر هاشم]: كانت الأبيات بعنوان فطرة الإنسان، حقًا كتبتها أيضًا وأنا طالب كنت في كلية أصول الدين.

قصيدة فطرة الإنسان للشيخ أحمد عمر هاشم في مدح التصوف وكرامات الأولياء

[الشيخ أحمد عمر هاشم]:

سلوا النور المشع العبقرية تهادى في الدنا فجرًا نقيًا يطارح ليله المنغوم لحنًا رقيق الخطو ميّادًا حييًا ويهمس للضراري في سماها فترتقب المجرة والثريا ويصحو البدر مرتعش الحنايا ينقل في السماء ضوءًا سنيًا وحين تلفه سِنة فيغفو كأن ضياءه ما كان شيئًا وهذا الكوكب الأرضي زاهل وقد لبس الرداء السندسي كتاب الكون مفتوح ودنيا الطبيعة ناغمت حلمًا شهيًا وآدم بين تطواف حثيث يفلسف ذلك السر الخفي هنالك فطرة الإنسان مدت على الأبعاد منطقها الذكي أأعبدها؟ لقد أفلت جميعًا سأعبد ربها الملك القوي هو الرحمن سواها بعلم وسواني لها بشرًا سويًا

تتمة قصيدة فطرة الإنسان في مدح النبي والدفاع عن الإسلام وكرامات الأولياء

[الشيخ أحمد عمر هاشم]:

حبيبي يا رسول الله هذا ضياؤك مشرق في مقلتي وقلبي لاهب الآهات ينعى على الدنيا ظلامًا وعنجهية وليلًا حائر النجمات غامت به آفاقه تهمي عليه وقفت حيالها والظلم عاث يدمدم يخنق النور البهي ودينك خالد الإشعاع ثابت يصارع ذلك البغي البغيّا وبين مسامع الدنيا ترامت نداءات سمعت لها دوي وباسم حضارة بلهة تمطت بليل فاغر أمسى عييًا عقيدتهم شريعتهم أكانت شريعة ربنا ظلمًا وغيًا أكانت فلسفات مغلقات لتعمي ذلك العقل الذكي أم كانت طلاسم ودجى ضريرًا لتغلق ذلك الفجر الوضيء لقد فطر الإله الخلق طرًا عليها باعثًا هدى جليًا وأرسل رسله ركبًا فركبًا ليبتعثوه دينًا عالميًا وكان خاتمهم خير البرايا محمدًا النبي الهاشمي هو الإسلام في قلبي هداه هو القرآن في يديه هو الدنيا هو الآخر فهلا حرسنا حده ثابتًا قويًا

كرامة سيدنا عمر مع سارية وكرامة مريم في القرآن دليل على كرامات الأولياء

[الشيخ أحمد عمر هاشم]:

ومنا معشر كانوا كرامًا رعوه بكرة ورعوا عشيًا فأولاهم إله العرش حبًا ونجاهم وقربهم نجيًا إلهي قال لا خوف عليهم لأن لهم مكانتهم العليا فهم هجروا مضاجعهم وهبوا إلى الرحمن قد خروا جاثين فهم أضيافه في كل وقت ومن يضيفه أضحى هنيئًا ومن يضيفه يغنم ويسعد وكان بضيفه ربي حفيًا فمن ذا ينكر النفحات هذه ورب العرش أوضحها جليًا فتلكم نخلة في غير وقت لمريم أثمرت ثمرًا شهيًا إله العرش قال لها وهزي فأنزل لها رطبًا جنيًا ومن ينظر إلى الفاروق لما دعا الخلة الوفية الأحوازية يجدها صبغة ما كان فيها نزاع بل يجد صدقًا جليًا فقد نادى لسارية نداء وكان طريق سارية قاصيًا فأسمعه النداء على ابتعاد كأنهما على جبل واحد

سبحان الله!

خاتمة الحلقة وملخص معالم الطريق إلى الله بالذكر والاستغفار

[المذيع]: لا حديث بعد هذه الأبيات الماتعة. كما نشكر شكرًا جزيلًا لفضيلة العالم الجليل أستاذنا الأستاذ الدكتور أحمد عمر هاشم الرئيس الأسبق لجامعة الأزهر الشريف مجمع النحو الإسلامي.

شكرًا لفضيلة العالم الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية. والحديث كان عن معالم الطريق: دوام الاستغفار والذكر، وأيضًا الحرص دائمًا على ذكر الله هو طريق إلى الله، بعيدًا عن هذا الهجوم والرافضين للتصوف والمتصوفة.

نشكركم على حسن المتابعة مشاهدينا الكرام، ودمتم في أمان الله ورعايته، وسلام الله عليكم ورحمة الله.