2012 03 16 الحياء في الإسلام
- •الحياء خلق كريم يعد من مكارم الأخلاق ورأسها، وهو زينة للإيمان والإسلام، وخلق الإسلام الحياء.
- •الحياء شعبة من شعب الإيمان، والإيمان والحياء مقترنان، إذا نُزع أحدهما تبعه الآخر.
- •أعلى أنواع الحياء هو الحياء من الله، ثم الحياء من رسول الله، ثم الحياء من الملائكة، ثم الحياء من جماعة المسلمين.
- •الحياء يشمل جوارح الإنسان كلها: حياء العين بغض البصر، وحياء اللسان بالكلام الطيب، وحياء الأذن بعدم الاستماع للكلام القبيح.
- •من الحياء أيضاً حفظ الرأس وما وعى، والبطن وما حوى، وتذكر الموت والبلى.
- •الحياء خلق يبعث على تجنب القبيح والامتناع عن التقصير في حق ذي الحق.
- •القرآن الكريم قدم توجيهات كثيرة للحياء مثل غض البصر، وآداب الاستئذان، وعدم التجسس، وعدم الغيبة.
- •الحياء خلق فطري خلقه الله في الإنسان منذ الصغر، ومن ينكره ينكر نعمة من نعم الله.
- •الحياء خير كله، يغلق أبواب الشر ويفتح أبواب الخير.
مقدمة الحلقة والترحيب بالعلماء للحديث عن خلق الحياء
الحياء خلق كريم، بل هو من مكارم الأخلاق ورأس مكارم الأخلاق وزينة للإيمان والإسلام، وفي الحديث الشريف:
قال رسول الله ﷺ: «إن لكل دين خلقًا وخلق الإسلام الحياء»
فالحياء هو ترك كل شر وفعل كل خير. وفي حلقة اليوم من "كلمة حق" يدور حديثنا عن الحياء.
[المذيع]: أجدد لكم التحية مشاهدينا الكرام من هذه الرحاب الطاهرة، رحاب الجامع الأزهر الشريف، ودائمًا في حضرتنا كوكبة من علماء الأمة الإسلامية. أرحب بضيفنا الجليل الدائم فضيلة مفتي الديار المصرية العلامة الجليل الأستاذ علي جمعة، أرحب بفضيلتكم، أهلًا وسهلًا بكم.
أهلًا بكم أستاذنا الأستاذ الدكتور طه أبو جريشة عضو مجمع البحوث الإسلامية، أهلًا بفضيلتكم. أهلًا بكم، ومعنا أيضًا الأستاذ الدكتور حسن عبد السلام الأستاذ بجامعة الأزهر.
سؤال المذيع عن مفهوم الحياء وبيان الشيخ لأحاديث النبي في الحياء
[المذيع]: الحياء مولانا، أعتقد أننا بحاجة إلى الحديث عن الحياء في هذه الأيام. نحن يعني المجتمع المصري كل يوم الحياء يُفرز أو ينبه إلى مجموعة من الموضوعات نود طرحها على فضيلتكم، لكن دعونا في البداية نفهم مفهوم الحياء؟
[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. الحياء في الحقيقة موضوع عجيب غريب في عصرنا الحاضر، نبّه عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأساس ذلك قوله:
قال رسول الله ﷺ: «الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن طريق الناس، والحياء شعبة من شعب الإيمان»
ومنها قوله صلى الله عليه وسلم:
«الحياء خير كله»
ومنها قوله:
«مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستحِ فاصنع ما شئت»
إنكار الحياء إنكار لنعمة من نعم الله المفطورة في الإنسان
[الشيخ]: يا سبحان الله! في عصرنا الحاضر أنا لا أعلم كيف يتبجح المتبجحون ويجعلون الحياء منقصة، وهو أمر خلقه الله سبحانه وتعالى وفطره في الإنسان. يعني هل سنأتي في يوم من الأيام يعيب أحدنا على نعمة الإبصار مثلًا ويقول لماذا الإنسان يبصر؟ أو على نعمة السمع ويقول لماذا يسمع؟ أو على نعمة اللغة ويقول يتحدث الإنسان؟
هل نصل إلى هذا الهراء في يوم من الأيام؟ إن الذي ينكر الحياء ينكر نعمة من نعم الله سبحانه وتعالى، وهي واضحة أنها في فطرة الإنسان دون تعليم ودون تعلم.
لو نظرنا إلى الطفل الصغير الذي لم يتجاوز السنتين أو الثلاث نجده يستحي، وإذا تحدثنا عنه يخجل، وهو في البنات أكثر منه في الأولاد، في الذكور. هذه أمور يعني سبحان الله، هناك فِطَر ربنا خلقها كفطرة الملكية مثلًا.
فطرة الملكية والحياء وإنكارهما إنكار قبيح للنعم
[الشيخ]: نجد هذا السن، سن سنتين وثلاث، يمسك اللعبة ولا يريد أن يتركها وهي ليست له، لكنه لأنه يرغبها يتملكها عند نفسه. هذه فطرة هكذا أنه يحب أن يملك ما يحب ويحب ما يملك.
إذن نحن أمام إنكارات قبيحة لأنها تنكر النعم. الشعور بالملكية والحفاظ على المال والملك هذا من مقاصد كل شريعة أن نحفظها.
حديث النبي في أن الحياء خير كله والتصحيح لمقولة لا حياء في الدين
[الشيخ]: إذن هيا بنا مرة أخرى إلى الحياء، خير كله. وجاء رجل يلوم أخاه عند رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحياء، قال: هذا يستحي. قال صلى الله عليه وسلم:
«دعه فإن الحياء خير كله»
ولذلك من الألفاظ الجارية على الألسنة وهي خطأ يقول: "لا حياء في الدين". كثير من الناس يقولون هكذا. لا، هذا خطأ! الناس تتصورها حديثًا ربما، هذا خطأ محض، هذا خطأ محض.
إنما الصواب: "لا حرج في الدين". فلأن هذه فيها حاء وهذه فيها حاء ذهبوا فيقولون "لا حياء في الدين"، وهذا خطأ. بل الدين كله حياء.
أنواع الحياء وأعلاها الحياء من الله سبحانه وتعالى
[الشيخ]: والحياء له أنواع، أعلاها الحياء من الله. فإن الله سبحانه وتعالى يرانا، والله معنا في كل وقت وحين، والله يطلع عليّ، والله ينظر إليّ، فلا بد أن أستحيي منه ولا أكون أبدًا في دائرة غضبه سبحانه وتعالى.
فكان من دعاء الصالحين: اللهم انقلنا من دائرة سخطك إلى دائرة رضاك.
الحياء من الله يحكي عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول في عثمان بن عفان وكان رجلًا حييًّا:
«ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة»
تخيل أن الملائكة تستحي من سيدنا عثمان رضي الله تعالى عنه!
نقد دعوات الشفافية الزائفة والمجاهرة بالذنوب في الإعلام
[الشيخ]: إذن فالدعوات التي نجدها اليوم تحت عنوان لا علاقة له بالمسألة تسمى بالشفافية. ما الشفافية يا إخواننا؟ قال يعني ترتكب الذنب بالليل تقوله لنا بالنهار، ابقَ شفافًا هكذا واضحًا!
ونجد هذا في المكالمة التي تحدث في كثير من الفضائيات، يأتي شخص ويقول: نعم أنا كنت لصًّا، والله! ما هذا؟ ماذا نفعل في المجتمع؟ لكن هذا قاصد ألا تكون هناك حياة [كريمة]، قاصد أن يفتخر بفاحشته.
يقول: أنا أرتكب الفاحشة، في التلفزيون يقول هكذا! يقول: أنا أرتكب الجريمة. الله يا أخانا! النبي صلى الله عليه وسلم قال:
«يغفر الله للجميع إلا للمجاهرين، قالوا: ومن المجاهر يا رسول الله؟ قال: الرجل يفعل الذنب بالليل يستره الله ثم يفضح نفسه، ثم يقوم صباحًا فيقول فعلت كذا وفعلت كذا»
منتهى الاستهانة، منتهى قلة الأدب، منتهى قلة الحياء. وكل هذا يرسّخ في الجماهير جواز أن نفتخر بذلك بدلًا من أن أتوب.
تسمية الحياء تعقيدًا نفسيًا ودعوة اللصوص إلى الشفافية الكاذبة
[الشيخ]: يسمون هذا الشيء الذي هو الحياء، الذي هو نعمة من نعم الله، أنه نوع من أنواع التعقيد النفسي ونوع من أنواع عدم الشفافية!
يخرج أحد أكابر مجرميها ويقول: يا أخي كلنا لصوص! يا أخي أنت الذي لص فقط، نحن لسنا لصوصًا. يا أخي قل عن نفسك! فيقول: كلنا لصوص. حسنًا وبعد ذلك كل واحد فقط بشفافية يقول من أين يسرق!
أهذا كلام يرضي الله؟ حسنًا يا أخي قل له: لا تسرق، لا تسرق! أنا أقسم بالله إنني سمعت هذا بأذني في الفضائيات.
الشفافية الحقيقية في الإسلام هي الصدق والأمر بالمعروف لا التبجح بالفاحشة
[الشيخ]: دعوة إلى الشفافية! عندنا الصدق في القول، الشفافية عندنا عمارة الدنيا، الشفافية عندنا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الشفافية عندنا النصح في الدين، لكن ليس التبجح بالفاحشة.
تسمح تقول: لماذا هذا الرجل الذي يعلن في التلفاز اشرب الدواء الفلاني ولا تأخذ الأنسولين، والدواء الفلاني هذا عبارة عن مجموعة من المراهم السخيفة التي لا علاقة لها بالمسألة؟ أليس هذا قليل الحياء؟
تسمح لي وتقول إن هذا الذي يتصدر للفتوى وللموعظة وهو بقّال يشتغل بقّالًا؟ أتسمح أن تقول لي هذا؟ أليس هذا قليل الحياء؟ ثم إنه يتعالى على الأزهر ويتعالى على العلماء ويصفهم بكل سوء.
قلة الحياء في التصدر قبل التعلم وحديث الرويبضة
[الشيخ]: فليست قلة الحياء فقط في هذا الفحش، بل قلة الحياء أيضًا في التصدر قبل التعلم وفي التبجح على الأكابر وفي اختلال الوضع، فيقوم العطار مقام الطبيب ويقوم السبّاك مكان العالم.
ويقوم ما هذا؟ أخبر عنه رسول الله فقال:
قال رسول الله ﷺ: «وينطق الرويبضة، قال: وما الرويبضة يا رسول الله؟ قال: الرجل التافه يتكلم في شأن العامة»
الحياء افتقدناه وهو مفصل دقيق من أجل العدل الاجتماعي، من أجل الانطلاق في الحضارة، من أجل تقدم البلاد. لا بد من الحياء.
سؤال المذيع عن تعامل القرآن والسنة مع الحياء وبيان حياء العين
[المذيع]: هذا الخلق الكريم الذي تحدث عنه فضيلة المفتي، السيد الدكتور طه أبو جريشة، كيف تعاملت معه نصوص القرآن والسنة النبوية؟ وسنعود إليه ليحدثنا عن أنواع الحياء كما تفضل، لكن مفهومه وكيف تعامل معه القرآن والسنة من وجهة نظركم؟
[الشيخ طه أبو جريشة]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، وبعد.
فإن القرآن الكريم فيما يتعلق بمعطيات الحياء نراه يعرض لنا كثيرًا من التوجيهات الإلهية التي تقيم هذه القيمة الإيمانية في حياتنا. على سبيل المثال إذا كان للحياء أنواع فهذه الأنواع لها صورتها الموجودة في الحياة.
بالنسبة لحياء العين، ماذا قال القرآن الكريم عن حياء العين؟ قال تعالى:
﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَـٰرِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ * وَقُل لِّلْمُؤْمِنَـٰتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَـٰرِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: 30-31]
حياء اللسان في القرآن الكريم والتسجيل الفوري لكل ما ينطق به الإنسان
[الشيخ طه أبو جريشة]: فيما يتعلق بحياء اللسان، أي أن حياء اللسان نوع من أنواع الحياء. كيف علّمنا القرآن الكريم أن يلتزم اللسان بالكلام الطيب والكلام الحسن وأن يبتعد عن الكلام الخبيث والكلام الرديء وجميع الكلام الباطل؟
فالله عز وجل أنذرنا وقال:
﴿وَكُلَّ إِنسَـٰنٍ أَلْزَمْنَـٰهُ طَـٰٓئِرَهُ فِى عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ كِتَـٰبًا يَلْقَىٰهُ مَنشُورًا * ٱقْرَأْ كِتَـٰبَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ ٱلْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء: 13-14]
ما الذي يُدوَّن في هذا الكتاب؟ أقوال وأفعال.
﴿مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: 18]
﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوٓءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُٓ أَمَدًا بَعِيدًا﴾ [آل عمران: 30]
إذن هناك تسجيل فوري لكل ما ينطق به اللسان.
من علم أن كل كلمة مسجلة عليه فكّر طويلًا قبل أن ينطق
[الشيخ طه أبو جريشة]: فالذي يعلم ذلك علم اليقين سوف يفكر طويلًا وطويلًا قبل أن ينطق بأي كلمة: هل هي من الكلام الطيب الذي يُدوَّن له في كتابه الذي يأخذه بيمينه، أم هي من الكلام الخبيث الذي يُدوَّن له في كتابه الذي يأخذه بيساره؟
عندما يتوقف ويختار فإنه سوف ينطق بالكلمة الطيبة، فإذا راوده الشيطان بأن ينطق بكلمة قبيحة فإنه يتوقف ولا ينطق بهذه الكلمة التي سوف تُسجَّل عليه بدون جهاز تسجيل مما يعرفه الناس في هذه الحياة؛ لأن الله تعالى قال:
﴿مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: 18]
كلمة "قول" كلمة منكّرة تعني التعميم، وكل الكلام، كل الكلام الحسن والطيب كله مدوّن. ولكن هكذا هناك عزل: الكلام الطيب في الكتاب الذي يأخذه بيمينه، والآخر الذي يأخذه الإنسان الآخر الذي يعني خالف ذلك ويأخذه بيساره.
حياء الأذن في القرآن الكريم والابتعاد عن سماع الكلام القبيح
[الشيخ طه أبو جريشة]: الأذن، هناك حياء الأذن. كيف يكون للأذن حياء؟ حياؤها ألا تستمع إلى الكلام القبيح، وعليها أن يعني على المؤمن أن يغلق أذنه عن الاستماع، وإذا رأى قومًا يتكلمون بكلام لا يليق فإنه يبتعد عنهم.
القرآن الكريم يعلمنا هذا الدرس:
﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ٱلَّذِينَ يَخُوضُونَ فِىٓ ءَايَـٰتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا فِى حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ [الأنعام: 68]
وبصفات المؤمنين المفلحين:
﴿وَٱلَّذِينَ هُمْ عَنِ ٱللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ [المؤمنون: 3]
سواء عن قول اللغو أو عن سماع اللغو. فأيضًا هذا أيضًا:
﴿وَلَا تَجَسَّسُوا﴾ [الحجرات: 12]
كيف يكون التجسس؟ إما أن يكون بالعين تلصصًا وإما أن يكون بالأذن، فهي تشمل النوعين. إذن أيضًا هذه من توجهات القرآن الكريم في حديثه عن الحياء بالنسبة لهذه الجارحة.
حياء الأفكار والمشاعر والنهي عن سوء الظن في القرآن والسنة
[الشيخ طه أبو جريشة]: حتى الأفكار التي تدور في رأس الإنسان وفي قلبه وفي مشاعره لها أيضًا تقع تحت مفهوم الحياء ونوع من أنواع الحياء؛ لأن الله تعالى قال لنا:
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا ٱجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ ٱلظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ ٱلظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [الحجرات: 12]
أين مكان الظن؟ أين مكان هذه الظنون؟ في العقل وفي الفكر وفي المشاعر، لم تخرج إلى الوجود.
يكملها النبي صلى الله عليه وسلم:
قال رسول الله ﷺ: «إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث، وإذا ظننت فلا تحقق»
معنى ذلك: لا تنقل الظن الخفي إلى العالم المنظور فتبحث عنه لتؤكد ما ظننته أنت من شر في فلان حتى تجد دليلًا عليه، وإنما عليك أن تقطع الطريق. فهذا هو معنى الحياء.
حديث استحيوا من الله حق الحياء وحفظ الرأس وما وعى والبطن وما حوى
[الشيخ طه أبو جريشة]: للحياء أشكال متعددة، حياء اليد لها أيضًا، حياء البطن والشهوة لها حياء. ولذلك نرى جماع ذلك في قول النبي صلى الله عليه وسلم عندما وعظ أصحابه وقال لهم:
قال رسول الله ﷺ: «استحيوا من الله حق الحياء»
قالوا: يا رسول الله إننا لنستحي والحمد لله؛ لأنهم ظنوا أن هذا الأمر يعني أنهم لا يستحون. فقالوا: يا رسول الله إننا لنستحي والحمد لله. هم يعني فهموا شيئًا والنبي صلى الله عليه وسلم أراد أن يعلمهم شيئًا، فقال لهم:
«الاستحياء من الله حق الحياء أن تحفظ الرأس وما وعى، وأن تحفظ البطن وما حوى، ولتذكر الموت والبلى، ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا»
ما معنى حفظ الرأس وما وعى؟ ماذا في الرأس؟ كما قلنا: اللسان والعين والأذن والأفكار والمشاعر. يحفظها حين لا يوجهها إلى الجانب السلبي.
عقوبة من لم يحفظ لسانه وعينه في رحلة الإسراء والمعراج
[الشيخ طه أبو جريشة]: لأن العين إذا لم تُحفظ تتعرض إذا نظرت إلى النظرات الآثمة المحرمة. اللسان إذا كذب، إذا نطق بالكلام الكاذب، إذا قام بالغيبة والنميمة إلى آخره.
ويمكن أن نتذكر ما كان في رحلة الإسراء والمعراج، معجزة الإسراء والمعراج، عندما رأى النبي صلى الله عليه وسلم أقوامًا تُقرض ألسنتهم بمقاريض من حديد، فسأل سيدنا جبريل: من هؤلاء يا جبريل يا أخي جبريل؟
قال: هؤلاء هم خطباء الفتنة الذين وظّفوا ألسنتهم في إثارة الناس وفي إثارة القلاقل وفي إثارة الشائعات، على النحو الذي نشكو منه في حاضرنا ونعيشه في الفترة الأخيرة في هذه الأيام.
حفظ الأذن من التجسس وحفظ البطن من الحرام والشهوات
[الشيخ طه أبو جريشة]: وتحفظ وليحفظ الأذن؛ لأنه إذا تمادى في التجسس فإنه يطّلع على ما حرّم الله تعالى مطّلعًا عليه ويفشي الأسرار إلى آخره، فيكون قد عرّض أذنه أيضًا للهلاك والعقاب.
احفظ البطن وما حوى، ماذا في البطن؟ شهوة الطعام وشهوة الجنس. شهوة الطعام عليه أن يحفظ بطنه من أكل الحرام، من أكل الخبائث، من أكل الميتة، من شرب الخمور. فهذا هو معنى حفظها ويكتفي بالحلال.
فيما يتعلق بـ:
﴿وَٱلَّذِينَ هُمْ عَنِ ٱللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَٱلَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَوٰةِ فَـٰعِلُونَ * وَٱلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَـٰفِظُونَ * إِلَّا عَلَىٰٓ أَزْوَٰجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ٱبْتَغَىٰ وَرَآءَ ذَٰلِكَ فَأُولَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْعَادُونَ﴾ [المؤمنون: 3-7]
بمعنى المتجاوزون لما حُرّم عليهم ولما نُهوا عنه في القيام بذلك. فهذا جانب.
سؤال المذيع عن اختلاف مفهوم الحياء بين عصر الصحابة وعصرنا الحاضر
[المذيع]: على ذكر الصحابة، الحقيقة فضيلة الدكتور طه، أود أن أطرح على الأستاذ الدكتور حسن هذا السؤال: أي هل اختلف مفهوم الحياء في عصرنا هذا عن عصر الصحابة؟ وكيف فهم الصحابة رضوان الله عليهم مفهوم الحياء وتعاملوا معه؟
[الشيخ حسن عبد السلام]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.
كلمة الحياء هذه المادة في لغة العرب المكونة من الحاء والياء والألف، من أسرار اللغة العجيبة أنك تجد هذه المادة تدور حول معاني الحياة. الحياة وهي ضد الموت، الحياة ضد الموت: الحاء والياء والألف والتاء المربوطة.
ارتباط مادة الحياء بمعاني الحياة والنفع في اللغة العربية
[الشيخ حسن عبد السلام]: والحياء: الحاء والياء والألف والهمزة همزة على السطر. والحَيا: المطر، الحَيا المطر والخصب. والمُحيّا: الوجه. يا سلام! وحياة، يُحيي، تحيا، التحية، السلام.
فهذه المادة كلها تدور حول هذه المعاني الشريفة ومعاني النفع العميم. ولذلك لا نستغرب أن يقول الرسول صلى الله عليه وسلم:
«الحياء خير كله»
«والحياء لا يأتي إلا بخير»
وارتباط هذه المعاني ببعضها يفسر لنا أن الحياء أمر ضروري للحياة لتكون الحياة حياة راقية، حياة حقيقية، حياة مستقيمة. ما بدأت [الحياة المستقيمة] لا بد من الحياء. إذا غاب الحياء فسدت الحياة.
لماذا خصّ النبي الحياء بالذكر من بين شعب الإيمان الكثيرة
[الشيخ حسن عبد السلام]: وحديث سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة، أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان»
العلماء يقولون إن العدد هنا ليس مقصودًا في ذاته، ليس المراد أن الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة، وإنما المراد الإشارة إلى كثرة شعب الإيمان، حتى إن بعضهم وصل بهذه الشعب إلى ما يزيد على تسعين، وبعضهم يقول إنها أكثر من ذلك بكثير.
الصدق والأمانة والوفاء، كل الأخلاق الكريمة من شعب الإيمان. فلماذا خصّ رسول الله صلى الله عليه وسلم الحياء بالذكر ولم يحدد موقعه في شعب الإيمان وبين هذا وذاك؟ نعم، لم يقل والصدق شعبة من الإيمان وإنما قال والحياء شعبة من الإيمان؛ لأن الحياء كما قلت عليه مدار الحياة الراقية.
الحياء عنصر حاكم في جميع الأخلاق الفاضلة ومانع من كل رذيلة
[الشيخ حسن عبد السلام]: الحياء عنصر حاكم وحاسم في جميع الأخلاق الفاضلة، في الازدياد منها وفي الابتعاد عن كل الصفات الرذيلة.
فالذي يرزقه الله الحياء لا يكذب ولا يغش ولا يخون. والذي يرزقه الله الحياء يكون حريصًا على الصدق ويكون حريصًا على الجمال، جمال الخلق والجمال الحسي والجمال المعنوي. والذي يرزقه الله الحياء يبتعد عن كل نقيصة.
ولذلك نصّ عليه الحديث الشريف وهو: الحياء شعبة من الإيمان.
الحياء هو الذي يجعل الصغير يوقّر الكبير، وحديث الرسول صلى الله عليه وسلم:
«ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويوقّر كبيرنا ويعرف لعالمنا حقه»
غياب الحياء يؤدي إلى اختلاط الأمور وفساد الحياة وغياب القيم
[الشيخ حسن عبد السلام]: في غياب الحياء، في غياب الحياء تختلط الأمور وتضطرب الأحوال وتفسد الحياة وتغيب القيم النبيلة الراقية.
التبجح والتبرج والكذب والفوضى والاعتداء على الحرمات وأكل أموال الناس بالباطل، كل ذلك ينتشر في مجتمع افتقد الحياء.
وإذا افتقد المجتمع الحياء فإنه يفتقد الإيمان؛ لأن ارتباط الحياء بالحياة في مفهوم اللغة وفي أدبيات اللغة وفي تعاليم الدين. الحياة التي يدعو إليها ديننا ليست أي حياة، ليست حياة الأنعام: الأكل والشرب والنوم والغريزة وانتهت المسألة.
عندما يقول القرآن:
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا ٱسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال: 24]
فهذه القيم هي التي تمثل لنا الحياة التي يريدها لنا الله: الحياة النبيلة، الحياة الراقية، الحياة النظيفة. هذه الحياة لا تتحقق إلا بالحياء، لا تتحقق إلا بالإيمان.
الإيمان والحياء متلازمان وفقدان الحياء من المصائب الكبرى
[الشيخ حسن عبد السلام]: ولذلك ورد في الحديث أيضًا:
«الإيمان والحياء في قرن»
الحياء والإيمان مع بعضهما البعض متلازمان. أجل متلازمان، فإذا انتُزع الحياء تبعه الآخر، يعني تبعه الإيمان. يا سبحان الله!
ويُروى أيضًا عن الرسول صلى الله عليه وسلم:
«إذا أبغض الله أحدًا نزع منه الحياء، فلم تجده إلا بغيضًا مبغوضًا»
ويُروى عن سلمان الفارسي أنه قال: إذا أراد الله إهلاك عبد نزع منه الحياء فلم تلقه إلا مقيتًا ممقوتًا.
المعنى متقارب، وهذا يدلنا على أن الحياء هو الذي يرتقي بالحياة ويسمو بالنفس ويسمو بالأخلاق. وفقدان الحياء من المصائب الكبرى.
حديث إذا لم تستح فاصنع ما شئت وخطورة فقدان الحياء
[الشيخ حسن عبد السلام]: ولذلك حديث الرسول صلى الله عليه وسلم:
«إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستحِ فاصنع ما شئت»
هذا معناه تجريد الإنسان الذي يفقد الحياء من كل أمل في إصلاحه. فكأنه يُقال له: أنت الآن لا لوم عليك، كما نقول: إذا صدر العيب من أهل العيب لا يصبح عيبًا. هكذا خطورة أن يفقد الإنسان الحياء.
وكذلك أنواع الحياء مع فضيلة المفتي، سنعود إليه مشاهدينا الكرام ونحن نتحدث عن الحياء بعد هذا التوقف القصير.
سؤال المذيع عن أنواع الحياء وبيان الشيخ أن أعلاها الحياء من الله
[المذيع]: الحياء ومكانته في الإسلام وأيضًا ما ورد بشأنه في القرآن والسنة نتحدث في هذه الحلقة مشاهدينا الكرام. وسؤالي لمفتي الديار المصرية فضيلة العلامة الجليل الأستاذ الدكتور علي جمعة: أنواع الحياء، يعني وعدتنا فضيلتكم أن نتحدث عنها من قبل؟
[الشيخ]: الحياء هو خلق كريم، وهذا الخلق يتعلق بالقلب، لكن أنواعه بناء على ممن نستحي. وأعلاه هو من الله سبحانه وتعالى.
فهناك أناس قد استحوا من الله، استحى العبد من ربه فالله سبحانه وتعالى يكرمه يوم القيامة.
درجات الحياء من الله والابتعاد عن المعاصي والتحلي بالطاعات
[الشيخ]: الحياء من الله له درجات كثيرة:
- أولها البعد عن المعاصي والفواحش.
- وثانيها التحلي بالواجبات والطاعات، ليست عبادات فحسب بل هي عبادات ومعاملات وعمارة للأرض وتزكية للنفس.
فالإنسان يستحي من ربه أن يكذب؛ لأنه يقول شيئًا لم يخلقه الله، فهو في النهاية يفتري على الله. هذا الذي يخبر عنه لم يخلقه الله وإنما هو ابتدعه من ذهنه وخياله.
فالذي يبتعد عن الكذب وهو يتذكر ربنا سبحانه وتعالى في نفسه فهو عنده حياء من الله.
الحياء من رسول الله ﷺ وواجب الأمة تجاهه يوم القيامة
[الشيخ]: وهناك حياء من رسول الله صلى الله عليه وسلم. رسول الله له في أعناقنا مِنّة وفي أعناقنا واجب وفي أعناقنا له واجبات كثيرة علينا؛ لأنه كان سبب هدايتنا وكان مثالًا يُحتذى به وكان هو المصطفى المجتبى المختار من ربنا حتى يكون أسوة حسنة لنا وللعالمين.
رسول الله هو الذي أخرجنا من الظلمات إلى النور وهو الذي هدانا الطريق. ولذلك فيجب أن نستحي منه.
يا سبحان الله! ماذا سنقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يدافع عنا يوم القيامة فيُقال له: صه يا محمد فإنك لا تدري ما أحدثوا بعدك! يا سبحان الله! ماذا ستقول هذه الأمة وقد فرّطت في نفسها وفي واجبتها لرسول الله صلى الله عليه وسلم يوم القيامة؟
وجوب الاستحياء من رسول الله والتمسك بهوية الأمة الإسلامية
[الشيخ]: يجب علينا أن نستحي من رسول الله إذا كنا قد آمنا بأن هناك يوم قيامة وأن هناك حسابًا وأن هناك ثوابًا وعقابًا وأن هناك لقاء آخر وأن عند الله تجتمع الخصوم وأن عند الله سبحانه وتعالى يوم الحساب، يوم الدين، وأنه مالك ذلك اليوم.
ألا نستحي من رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن قد تفرقنا وصدقت فرقتنا؟ حتى يكتب الكاتبون الآن في الصحافة السيارة أن العروبة وهم، والعروبة هي هوية هذا البلد الكريم! وأنه لا ينبغي أن نتمسك بالإسلام والإسلام هو هوية هذا البلد الكريم!
ألا يستحي هؤلاء وهم قد تربوا تحت ظلال هذا البلد وفي سمائه وعلى أرضه أن يذكروا ذلك وأن يهدموا هوية البلاد والعباد والعبودية والإسلام؟
الحياء من الملائكة ونقد دعوات الإلحاد في العصر الحاضر
[الشيخ]: هناك حياء من الملائكة، والحياء من الملائكة مبني على الإيمان بهم.
نقرأ الآن في نفايات الإنترنت فتى شاب يقول: أتعتقدون أن الإلحاد يعني أنه من كوكب آخر؟ إذا نظرت إلى الفتى تجده من كوكب آخر فعلًا شكلًا وموضوعًا! وهو يدعو إلى الإلحاد وهو ابن اثنين وعشرين سنة أو ثلاث وعشرين سنة؛ لأن الله أضله وأغلق على قلبه.
هل هذا يستحي من نفسه أو من [أحد]؟ هذا لا يؤمن بالملائكة ولا باليوم الآخر ولا بالجنة ولا بالنار ولا بالدين ولا بالدنيا ولا بأي شيء. هو يريد أن يدخل تحت قول الشاعر: نهارك باطل وليلك نائم، كذلك في الدنيا تعيش البهائم.
هو يريد أن يدخل أو يُدخل نفسه فيها، يريد أن يتبع شهواته بدعوى أنه لم يرَ الله، بالرغم من أن الله سبحانه وتعالى يراه كل مؤمن في كل شيء وفي كل [مكان]، له آية تدل على أنه واحد سبحانه وتعالى.
الحياء من الملائكة يمنع من المعصية ودرجات الحياء المباحة
[الشيخ]: الحياء من الملائكة وصل ببعض الناس إلى أنه لا يتعرى وهو وحده! يا للعجب! يعني عندما يكون وحده هكذا لا يخلع ثيابه، يخجل أنه يخجل، يحصل له حياء.
يا أخي فقد هذا [الشخص الذي لا يستحي] سيأخذ رشوة إذن! هذا الرجل الذي وصل إلى هذا الحد من الحياء الذي قد يستغرب منه بعضهم وأنه قد وضع ثيابه وله [ذلك]، وعلى فكرة إن هذا مباح أن يضع ثيابه.
ولكن هناك من يستحيي أن يمد رجليه في اتجاه الكعبة. هناك من هذا الذي يفعل هذا ويدقق فيه تجده قد ترقّى عن فعل المعصية.
يعني بعض الناس يقول: حسنًا وما الحاجة لفعل هذا؟ هو حقيقي ما هو ليس فرضًا. صحيح، لا أن يجلس في خلوته بملابسه ليس فرض، ولا أن يمد رجليه تجاه القبلة حرام ولا شيء. ولكن هذا نوع من أنواع الحياء، الرجل عنده حياء فلا تلوموه في حيائه، وهي درجة تمنع من الفساد الذي تحته. وهذه نقطة نفسية يجب علينا أن نقف عندها.
الحياء مع جماعة المسلمين والنصيحة في الدين
[الشيخ]: من أنواع الحياء، مع جماعة المسلمين: لا بد من النصيحة، من عدم الكذب على الناس. ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم قال:
«الدين النصيحة، قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ورسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم»
حتى العامة، حتى العامة ليس الخاصة فقط. وننصح لله أي للشأن الذي يرجع [إلى الله]، ننصح في طباعة المصحف كيف يكون، ننصح في كتابته بأي خط يكون، ننصح في تفسيره كيف يكون. وهكذا ننصح لله ورسوله.
وكذلك لأئمة المسلمين بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتوجيه. وكذلك لعامة المسلمين. ولذلك من خان عامة المسلمين فهو خائن.
النبي ﷺ مثال في الحياء والعفاف مع أهله وأمته
[الشيخ]: والنبي صلى الله عليه وسلم يقول:
«الخيانة بئسة البطانة»
«خياركم خياركم لأهله وأنا خيركم لأهلي»
وكان صلى الله عليه وسلم مثالًا في العفاف والجمال والحياء، سواء مع جماعة المسلمين أو مع أهله أو مع أمته وقبل ذلك مع ربه سبحانه.
سؤال المذيع عن الحد الفاصل بين الحياء داخل الأسرة وفي المجتمع
[المذيع]: الحد الفاصل دكتور طه، إن أذنت لي، يمكن أن تتحدث فضيلة المفتي عن الحياء، حياء رسولنا الكريم مع أهل بيته. الحد الفاصل بين الحياء داخل الأسرة وبين أفراد المجتمع، وكيف يكون هذا الحياء؟ أي كيف نتلمسه عندما نريد أن نبحث عن مظاهر الحياء في مجال الأسرة وفي مجال المجتمع الذي يعيش فيه الإنسان؟
[الشيخ طه أبو جريشة]: فإننا أي نقف عند بعض الأمثلة التي تؤكد لنا ضرورة إيجاد هذا الخلق الكريم في داخل بيوتنا وخارج بيوتنا.
من المعروف لدينا جميعًا أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى الإنسان إذا كان مسافرًا أن يأتي فجأة ويدخل بيته، وإنما لا بد أن يُعلم أهله قبل وصوله.
نهي النبي عن مفاجأة الأهل بالقدوم وأدب الحياء في البيت
[الشيخ طه أبو جريشة]: يا سبحان الله! وفي الحديث العلة من وراء ذلك. نعم، حتى يكون هناك استعداد وفرصة له لهذه [الزوجة]، ولا يكون الأمر مفاجئًا فتقع عين الإنسان على ما لا يحب في بيته.
يا سلام! هذا توجيه نبوي شريف نعلمه ونعرفه في السنة النبوية المطهرة.
يعني يأتي معها أيضًا فيما يتعلق بحياء الإنسان في المجتمع الذي يعيش فيه، وهو سلوك شامل جامع لمشية الإنسان، المشية التي يمشيها في المجتمع، لطريقة كلامه في المجتمع، في مجال اجتماعه مع غيره من الناس، كلها يعني يجمعها الحياء.
آداب المشية والهيئة التي يجملها الحياء في القرآن الكريم
[الشيخ طه أبو جريشة]: القرآن الكريم بيّن لنا المشية التي يحبها الإسلام والهيئة، هيئة الإنسان التي يجملها الحياء ولا تثير الآخرين:
﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾ [لقمان: 18]
هذا حياء.
﴿وَلَا تَمْشِ فِى ٱلْأَرْضِ مَرَحًا﴾ [لقمان: 18]
هذا حياء.
﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [لقمان: 18]
﴿وَٱقْصِدْ فِى مَشْيِكَ وَٱغْضُضْ مِن صَوْتِكَ﴾ [لقمان: 19]
حياء. إن الصوت يخفضه، يعني الغض هنا يقابل هنا كل المؤمنين يغضون من أبصارهم والذي عرفنا أنه حياء.
﴿إِنَّ أَنكَرَ ٱلْأَصْوَٰتِ لَصَوْتُ ٱلْحَمِيرِ﴾ [لقمان: 19]
آداب الاستئذان والزيارة في القرآن الكريم من منطلق قيمة الحياء
[الشيخ طه أبو جريشة]: طيب أريد أن أزور أحدًا في بيته، نجد القرآن الكريم أيضًا من منطلق قيمة الحياء يعلمنا أنه ينبغي ألا نزور أحدًا زيارة مفاجئة، وإنما لا بد من استئناس واستئذان.
وهو يعني طبعًا عندما نزل القرآن الكريم لم يكن لدى الناس ما نعرفه من وسائل الاتصال، فكان فعلّمهم النبي صلى الله عليه وسلم آداب الاستئذان: ثلاث مرات، وأن الإنسان ينادي فإذا لم يُجب أحد بعد ذلك فعليه أن ينصرف ولا يتمادى في المناداة على أهل البيت.
الآية الكريمة التي نحفظها:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [النور: 27]
يعني أن الاستئذان هو الاستئناس الذي يكون قبل الزيارة. وفسروها في عصر نزول القرآن الكريم بأن الإنسان ينادي من بعيد: يا فلان، يا فلان، يا فلان. فإذا أجاب هو أذن له بالدخول فإن عليه أن يسلم تحية من عند الله مباركة طيبة.
﴿ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النور: 27]
أحكام الاستئذان وعدم دخول البيوت إلا بإذن أهلها
[الشيخ طه أبو جريشة]:
﴿فَإِن لَّمْ تَجِدُوا فِيهَآ أَحَدًا﴾ [النور: 28]
انظروا النهي:
﴿فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّىٰ يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِن قِيلَ لَكُمُ ٱرْجِعُوا فَٱرْجِعُوا﴾ [النور: 28]
النتيجة ما هي؟
﴿هُوَ أَزْكَىٰ لَكُمْ﴾ [النور: 28]
وكلمة "أزكى" معناها أطهر لكم.
﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّىٰهَا﴾ [الشمس: 9]
بالنسبة للنفس التي تستجيب وتنفذ تعاليم الله عز وجل.
﴿فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّىٰ يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِن قِيلَ لَكُمُ ٱرْجِعُوا فَٱرْجِعُوا هُوَ أَزْكَىٰ لَكُمْ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ * لَّيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَـٰعٌ لَّكُمْ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ﴾ [النور: 28-29]
غض البصر داخل البيوت وآداب المجالس من مظاهر الحياء
[الشيخ طه أبو جريشة]: وبعد ذلك ثم بعد ذلك إذا دخلت البيت فلا أتجول ببصري يمينًا ويسارًا بحثًا كأنني أريد أن أتعرف على شيء. وذلك هذه الصلة التي جاءت بين:
﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَـٰرِهِمْ﴾ [النور: 30]
صحيح أن الآية تعلمنا القاعدة العامة في كل مكان، لكن مجيئها عقب أدب الاستئذان يدل على أن الإنسان منهي عن أن يتجول ببصره داخل البيت، وعليه أن يغض البصر وألا ينظر يمينًا ويسارًا.
ثم بعد ذلك نفترض أنني زرت وجئت وكنا نجتمع مجموعة من الإخوان أو من الإخوة الذين يجلسون معًا، هناك أيضًا حياء يحكم هذا المجلس يتعلق بالكلمة وبالحوار الذي يدور بيننا.
آداب الحوار والنجوى في المجالس وتقبل التحية بوجه بشوش
[الشيخ طه أبو جريشة]: وهذا الحوار محكوم بقوله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ * إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [المجادلة: 9-10]
إذا قُدّمت التحية للإنسان فعليه أن يأخذها وأن يتقبلها بوجه بشوش مسرور، وألا يستقل ما قُدّم إليه، وألا ينظر نظرة فيها تقليل مما قُدّم إليه. كل هذا أيضًا يحكمه أدب الحياء بالنسبة للتحية التي تُقدّم للإنسان في مثل هذه المجالس.
النهي عن الغيبة والنميمة والتجسس من مظاهر الحياء في المجالس
[الشيخ طه أبو جريشة]: أيضًا عندما يكمله:
﴿وَلَا تَجَسَّسُوا﴾ [الحجرات: 12]
ونبتعد عن الغيبة والنميمة في هذا المجلس:
﴿وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَٱتَّقُوا ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ﴾ [الحجرات: 12]
فيما يتعلق أيضًا، وما دام الدين هو الحياة كلها، فإنني إذا وجدت أحدًا يحتاج مني إلى مساعدة وإلى معاونة وإلى إنقاذه في موقف ما، فإن عليّ ألا أتأخر عن ذلك. وهذا من حسن خلق المسلم والذي يُعدّ مظهرًا من مظاهر الحياء.
من صور الحياء مساعدة الضعيف والإسراع لنجدة المستغيث
[الشيخ طه أبو جريشة]: والخجل أن أتأخر عن نجدة إنسان في حاجة إلى النجدة. والذي يعني إذا رجعنا للحديث النبوي الشريف الذي بيّن لنا فيه يعني أمثلة من الصدقات التي يتصدق بها الإنسان على نفسه دون أن يكلف نفسه يعني مالًا:
- •وأن تدل المسترشد على حاجته، وواحد يبحث عن عنوان كذلك.
- •وأن تحمل بقوة ذراعيك مع الضعيف.
إن هذا من الحياء، يخجل الإنسان أن يرى إنسانًا ضعيفًا يجر شيئًا ثقيلًا، سواء كان في طريق سفر أو في داخل قطار أو في داخل سيارة. من الحياء والخجل من هذا الشخص أن يأخذ ويتناول ويضع هذا الشيء في مكانه.
وأن تسعى بقوة ساقيك مع المستغيث الولهان، إنسان في ضائقة ويستغيث وتسمع صوته من بعيد، فمن الحياء أن تسرع إليه وأن تسعى بكامل قوتك. كل هذا من صور الحياء وحدوده بين أفراد الأسرة والحياة بين أفراد الأسرة وفي المجتمع الذي يعيش فيه الإنسان.
سؤال المذيع عن ثمرات الحياء في المجتمع ودوره في نهضة الأمة
[المذيع]: في السؤال الأخير فضيلة الدكتور طه نطرحه على الأستاذ الدكتور حسن عبد السلام: فيما يتعلق بثمرات الحياء في المجتمع، وهل يمكن أن يكون له دور في نهضة الأمة الإسلامية؟
[الشيخ حسن عبد السلام]: إذا نظرنا إلى تعريف العلماء للحياء نجدهم يقولون: الحياء خلق يبعث على تجنب القبيح والامتناع عن التقصير في حق ذي الحق. خلق يبعث على اجتناب القبيح وعدم التقصير في حق ذي الحق.
إذن هو خلق جامع لكل خير ومانع من كل شر.
تمسك الأمة بالحياء يدفعها نحو الفضيلة ويحاصر الرذيلة
[الشيخ حسن عبد السلام]: إذا تمسكت الأمة بهذا الخلق فإنها تندفع إلى الفضيلة وتحافظ عليها وتتناصح فيما بينها من أجل حماية الفضيلة، وتبتعد عن الرذيلة وتحاصرها.
ولا يكون هناك مجاهرة بالمعصية؛ لأن المجاهرة بالمعصية دليل على غياب الحياء وعلى فقدان الحياء. وفضيلة المفتي أشار إلى هذا، وفي كلام أستاذنا ما يدل أيضًا على أن الحياء خلق إيماني يمكن أن ينظم حركة الحياة في كل صغيرة وكبيرة.
الحياء قد يمنع من بعض المباحات ارتقاءً بالنفس والسلوك
[الشيخ حسن عبد السلام]: والحياء قد يمنع الإنسان الحيي من بعض المباحات. يعني مثلًا رجل يجلس في شرفة منزله أو الشرفة مثلًا بالملابس الداخلية مثلًا فيظهر كتفيه ويظهر ذراعيه، هذا بالتأكيد غير محرم لكنه غير لائق. الحياء يمنع من هذا.
نرى أيضًا في العمرة والحج في بعض الأحيان بعض الناس يمكن بسبب الحر وبسبب الزحام أن يحلو له أن يستغني عن الرداء الذي يغطي صدره وظهره وكتفيه وبطنه. الحياء يمنع من هذا.
القرآن يعلم المؤمنين الحياء وحياء النبي ﷺ من أصحابه
[الشيخ حسن عبد السلام]: الجميل في الأمر في هذا الدين العظيم أن الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم يعلّم المؤمنين الحياء.
وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يحبون أن يستزيدوا من القرب من رسول الله صلى الله عليه وسلم والاستماع إلى حديثه، وينتهزون فرصة وجودهم في بيته لتناول طعام أو غير ذلك حتى يستزيدوا من الجلوس ويستزيدون من القرب ويستزيدون من الحديث.
الله سبحانه وتعالى يرشدهم يقول لهم:
﴿إِنَّ ذَٰلِكُمْ كَانَ يُؤْذِى ٱلنَّبِىَّ فَيَسْتَحْىِ مِنكُمْ وَٱللَّهُ لَا يَسْتَحْىِ مِنَ ٱلْحَقِّ﴾ [الأحزاب: 53]
ويعلمهم أن يتخففوا في هذه المواقف حتى لا يؤذوا رسول الله صلى الله عليه وسلم.
النبي ﷺ أشد حياءً من العذراء في خدرها وتعليمه الحياء لأصحابه
[الشيخ حسن عبد السلام]: والرسول عليه الصلاة والسلام كان على قدر عظيم من الحياء حتى أنه كان أعظم حياءً أو أشد حياءً من العذراء في خدرها.
والرسول صلى الله عليه وسلم هو النموذج الكامل للإنسان في جميع الأخلاق الفاضلة. فمع بطولته ورجولته وقوته وشدته في الحق كان حييًّا.
فالله سبحانه وتعالى يعلّم الصحابة ويعلّم المؤمنين الحياء، والرسول صلى الله عليه وسلم أيضًا يعلّم أصحابه الحياء ويعلمنا معه. يقول لواحد من أصحابه:
«استحِ من الله كما تستحي من رجل من صالحي عشيرتك»
ويبدو أن هذه أدنى مراتب الحياء. هذه تدريب من الرسول صلى الله عليه وسلم وتعليم.
الحياء يغلق أبواب الشر ويفتح أبواب الخير وختام الحلقة
[الشيخ حسن عبد السلام]: فإذا أقبلت الأمة على هذا الخلق وتعلمته وتربت عليه فبالتأكيد سيغلق كثيرًا من أبواب الشر. الحياء يغلق كثيرًا من أبواب الشر ويفتح كل أبواب الخير؛ لأنه كما قال صلى الله عليه وسلم:
«الحياء خير كله»
«والحياء لا يأتي إلا بخير»
وفي المقابل فقدان الحياء يأتي بالشر كله، وعدم الحياء لا يأتي بخير.
[المذيع]: هذا أفضل ما نختتم به هذا اللقاء الإيماني الرائع مع ضيوفنا الكرام. وكما أوضحت فضيلتك وضيوفنا إن الإيمان والحياء متلازمان، إذا ذهب أحدهما ذهب الآخر.
أشكر ضيوفي الكرام ومشاهدينا الكرام في ختام هذا اللقاء: فضيلة العلامة الجليل مفتي الديار المصرية الأستاذ الدكتور علي جمعة، شكرًا جزيلًا. شكرًا لك، شكرًا لك. وشكرًا أيضًا لأستاذنا الأستاذ الدكتور طه أبو جريشة عضو مجمع البحوث الإسلامية، شكرًا جزيلًا. شكرًا لكم. الأستاذ الدكتور حسن عبد السلام الأستاذ بجامعة الأزهر. ونراكم دائمًا على خير في حلقات مقبلة من "كلمة حق". دمتم في أمان الله ورعايته، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
