2012 04 06  موطأ الإمام مالك علم وعالم - كلمة حق

2012 04 06 موطأ الإمام مالك علم وعالم

50 دقيقة
  • الموطأ للإمام مالك من الدواوين الإسلامية العظيمة، سمي بذلك لأنه ميسر ومهذب ليفهمه الناس.
  • أقام الإمام مالك في المدينة المنورة وكان من التابعين، وشهد له سبعون من علمائها بالإفتاء والعلم والتقوى.
  • كان يعظم حديث رسول الله، ويتوضأ ويتطيب ويلبس أحسن ثيابه عند التحديث.
  • ألف الموطأ ثم استمر في مراجعته أربعين سنة، وكان يحذف ويراجع حتى صار من أتقن الكتب.
  • رفض دعوة الخليفة أبي جعفر المنصور بحمل الناس على الموطأ حرصاً على تنوع الآراء والمذاهب.
  • يتميز الموطأ بضم أقوال الصحابة وفتاوى التابعين وعمل أهل المدينة إلى الأحاديث.
  • جمع الإمام مالك بين الرواية والفقه، فكان الكتاب يمثل مذهبه وليس مجرد كتاب حديث.
  • كان متشدداً في قبول الرواية، فلا يأخذ إلا عن الثقات ولا يروي إلا ما ثبت عنده.
  • للموطأ أربعون راوياً، وأشهر رواياته رواية يحيى بن يحيى الليثي.
محتويات الفيديو(54 أقسام)

مقدمة الحلقة والتعريف بكتاب الموطأ للإمام مالك وضيوف البرنامج

كتاب الموطأ للإمام مالك أحد الدواوين الإسلامية العظيمة والكتب الجليلة، تضمّن عددًا كبيرًا من الأحاديث المروية عن كبار الصحابة والتابعين. وسُمّي بالموطأ لأن الإمام مالك هذّبه ويسّره حتى يفهمه الناس. عن الإمام مالك وكتابه الموطأ تدور حلقة اليوم من "كلمة حق".

[المذيع]: نجدد لكم التحية مشاهدينا الكرام من رحاب الأزهر الشريف، والحديث عن كتاب الإمام مالك الموطأ. اسمحوا لي أن أرحب بضيوفي الكرام: فضيلة العلامة الجليل مفتي الديار المصرية الأستاذ الدكتور علي جمعة المحترم، فضيلة الشيخ أهلًا وسهلًا بكم.

أهلًا وسهلًا بكم، ومعنا أيضًا فضيلة الشيخ المحدّث محمد إبراهيم عبد الباعث عضو الرابطة العالمية لخريجي الأزهر، أرحب بفضيلتكم فضيلة الشيخ محمد، أشكرك دائمًا تلبية الدعوة.

التعريف بشخصية الإمام مالك ومكانته بين فقهاء الأمة وتعظيمه للحديث النبوي

[المذيع]: فضيلة المفتي، لو تحدثنا أو اقتربنا من شخصية الإمام مالك لنتعرف والسادة المشاهدون على هذا الإمام العظيم ومكانته بين فقهاء الأمة.

[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. الإمام مالك هو بدر التتمة وإمام الأئمة؛ لأنه إمام أهل الهجرة النبوية الشريفة، هو إمام أهل المدينة المنورة.

وببركة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي بركته كان يعيش. كان الإمام مالك يستحي أن يلبس النعلين حتى لا يطأ مكانًا قد مسّته قدم النبي صلى الله عليه وسلم.

الإمام مالك شهد له سبعون من أهل المدينة بالإفتاء وبالعلم وبالتقوى. الإمام مالك كان يعظّم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم تلقيًا وأداءً.

طقوس الإمام مالك عند رواية الحديث النبوي وتفرده في العلم والحفظ

[الشيخ]: ولمّا جلس [الإمام مالك] للتحديث كان يتوضأ ويتطيّب ويلبس أحسن ثيابه، ثم يجلس فيتمكّن في جلسته ثم يحدّث. لا يحدّث إلا بعد هذه الطقوس التي تُشعره بعظمة ما يفعل، وأن الأمر خطير، وأن الجناب الأجلّ صلى الله عليه وسلم هو الذي سننسب إليه الآن الكلام.

الإمام مالك كان فريدًا في نوعه، كان فريدًا في حفظه، كان فريدًا في لغته، كان فريدًا في فهمه. الإمام مالك كان فريدًا في عطائه، كان فريدًا في كل شيء.

قصة إهداء الإمام مالك الخيول الأصيلة للإمام الشافعي وهو صغير

[الشيخ]: أتذكر أن أحدهم أتى له [للإمام مالك] بهدية عبارة عن مجموعة من الخيول ولكن من النوع الذي هو غالٍ جدًا، الأصيل. فشاهدها الإمام الشافعي، وكان الإمام الشافعي صغيرًا في ذلك الوقت؛ لأنه عندما توفي الإمام مالك كان عمر الشافعي أربعة وعشرين عامًا، وعندما التقى معه في اللقاء الأول كان عمره تقريبًا خمسة عشر عامًا.

فلمّا رآها [الشافعي] عرف هذا النوع، فقال له: هذه، أي هذا شيء، هذه الخيل جميلة جدًا. قال [الإمام مالك]: هي لك! أي إنها تساوي الملايين. الإيثار!

أخلاق الأئمة في الزهد والدفاع عن السنة النبوية بالنقاء والشفافية

[الشيخ]: آه يا سلام! هذه بملايين، أخلاق الأئمة. يبدو أن الدنيا كانت في أيديهم ولم تدخل قلوبهم. أمثال هؤلاء هم الذين ذبّوا ودافعوا عن سنة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا النقاء وهذه الشفافية وهذه الحلاوة وهذا الجمال.

ليس فقط جمالًا ظاهريًا ولا أرستقراطية كاذبة، لا، بل كان علمًا عميقًا وتقوى أعمق.

﴿وَٱتَّقُوا ٱللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ ٱللَّهُ﴾ [البقرة: 282]

كان لديهم حبّ لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان لديهم خوف من الله سبحانه وتعالى.

نسب الإمام مالك وأمه عالية وسلسلة الذهب في رواية الحديث

[الشيخ]: الإمام مالك، قصة أمه: كان اسمها غالية أو عالية، يعني إما بنقطة أو بدون نقطة، عالية، والاسمان صحيحان، معنى ذلك أن الاثنين جميلان في الأعلى. وأبوه مالك بن أنس، وكان عربيًا أصيلًا، فهو أصبحيّ، فلم يكن من العجم وإنما كان عربيًا أصيلًا.

وكان ممن رأى التابعين، ولذلك يروي الإمام مالك عن نافع عن ابن عمر. وابن عمر هذا صحابي، ونافع مولى ابن عمر هذا عبارة عن تابعي. مالك هو الجيل الثالث، فدخل في الخيرية التي تحدث عنها رسول الله:

قال رسول الله ﷺ: «خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم»

فدخل في الخيرية بنصّ كلام سيدنا صلى الله عليه وسلم.

سلسلة الذهب مالك عن نافع عن ابن عمر ومكانتها عند المحدثين

[الشيخ]: مالك بن أنس عن نافع عن ابن عمر يسمّونها سلسلة الذهب؛ لأن الإمام مالك محدّث وفقيه، والإمام نافع محدّث وفقيه، وعبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه هو محدّث وفقيه. فهذا مقام عالٍ جدًا: مالك عن نافع عن ابن عمر.

يُخرج الإمام البخاري هذا الإسناد كثيرًا. الإمام مالك إذا كان تقيًا أول شيء، كان ورعًا، كان عالمًا، ولم يتصدّر إلا بعد أن استوفى أركان العلم.

شروط نيل العلم الستة عند الإمام الشافعي وتحققها في الإمام مالك

[الشيخ]: نعم أخي، الشافعي يقول هكذا: لن تنال العلم إلا بستة. فيبقى في ستة يجب أن نستوفيها، أركان العلم، أركان الشروط. نعم أخي: لن تنال العلم إلا بستة، سأنبئك عن تأويلها ببيان: ذكاء وحرص واجتهاد وبُلغة وتفرّغ وإرشاد أستاذ وطول زمان.

وقد كان كذلك الإمام مالك، لم يكن مستعجلًا، وإنما كان قد أعطى العلم كلّه. كان أيضًا ذكيًا، كان متفرغًا لهذا العلم، وكان ينتظر إشارة أساتذته. فقال: ما جلستُ إلا بعد أن شهد لي سبعون من أهل المدينة، من علماء أهل المدينة، سبعون.

خطورة التصدر للعلم بلا شيخ ولا تخصص في العصر الحالي

[الشيخ]: الدرس الذي نريد أن نستذكره الآن ونحن نتكلم في حضرة الإمام مالك هو أن كثيرًا ممن تصدّر الآن ليس له شيخ، ليس له أستاذ، ليس له معلم. إن أكثر المتصدرين الآن من غير المتخصصين.

هؤلاء الذين لم يدرسوا على المشايخ ولم يقرؤوا الكتب على الأساتذة، يعني يصلح أن نطلق عليهم العلم السطحي: "خُذ واهرب". هو لم يأخذ من مصدر ولا من أستاذه.

سمعنا من يقول: قرأتُ المغني لابن قدامة في شهر! نعم، على الفور نعرف أنه جاهل، حتى يقول الاسم خطأ. انتهى!

التحذير من برامج تدّعي تخريج العلماء في ساعات معدودة والعبث بالدين

[الشيخ]: سمعنا ممن يقول: تعال لدينا برنامج يجعلك عالمًا على الفور! وأنا لم أصدّق أن هذا موجود في الكون، لكن حدث: اثنتا عشرة ساعة! أي تذهب إليه بعد اثنتا عشرة ساعة تبقى من علماء الفقه الإسلامي والحديث والعقيدة وكل شيء، والحمد لله!

هذا نوع من أنواع التلاعب بعقلية الناس، هذا نوع من أنواع العدوان على دين الله، هذا نوع من أنواع العبث والإفساد في الأرض.

موقف الإمام مالك من ظاهرة تأويل الرؤى والأحلام واعتبارها من تراث النبوة

[الشيخ]: الإمام مالك كان يكره ظاهرة جديدة ظهرت في حياتنا وهي ظاهرة تأويل الرؤى والأحلام. يُعمل فيها برامج وكذلك، وتجد أخانا وهو يتحدث ما ليس - الحمد لله - رؤية ما لا يعرفها، يعرف كل الرؤى! وما ليس - والحمد لله - رؤية، يعني تكون تحذّر أو شيء، كلها مبشّرات!

الغريب أن عقلية الناس تقبل هذا وتستجيب. كان الإمام مالك يقول عندما يسمع أحدهم وهو يؤوّل رؤية يغضب ويقول: لقد تلاعبتم بتراث النبوة! أنتم لا تعلمون أن تأويل الرؤيا هذه من تراث النبوة؟ أنتم تلعبون!

قصة سيدنا أبي بكر الصديق مع تأويل الرؤيا أمام النبي ﷺ

[الشيخ]: تخيّلوا أن سيدنا أبا بكر الصديق رضي الله عنه - الصديق، انتبهوا - الصديق يعني الذي وصل إلى مرتبة الصدّيقية، وأمام رسول الله صلى الله عليه وسلم أوّل رؤيا، فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم: أصبتَ شيئًا وأخطأتَ في شيء.

قال [أبو بكر]: وما الذي أخطأتُ فيه يا رسول الله؟ قال: لا، يعني لن أقول لك. قال: أناشدك الله إلا ذكرتَ لي.

انتبه: سيدنا أبو بكر هذا حبيب النبي، أي أن النبي كان يحبه كثيرًا. انتبه أن السيدة عائشة كانت حبيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي ابنته، بنت أبي بكر. انتبه إلى أن أبا بكر هذا هو الذي هو ثاني اثنين إذ هما في الغار.

رفض النبي ﷺ إخبار أبي بكر بخطئه في تأويل الرؤيا ودلالة ذلك

[الشيخ]: انتبه، يعني عندما يقول له [أبو بكر]: أناشدك الله، يعني أيضًا الإنسان يعني هكذا. ها، قالوا: لا تناشدني. فلماذا؟ أليس هو هذا الذي جعل سيدنا الإمام مالك يقول: أتتلاعبون بتراث النبوة؟

إذا كان سيدنا النبي لم يقلها لأبي بكر وقال له: انتهى، اصمت. تصوّر ما الذي نفعله بأنفسنا، وما الذي نفعله بعقولنا، وما الذي نفعله بثقافتنا، وما الذي نفعله بديننا بعد هذا الأمر العجيب مما يحدث!

الإمام مالك لو جلسنا نتحدث عنه فسوف نتحدث عنه كثيرًا ولا تكفينا حلقة ولا حلقات.

سؤال المذيع عن كتاب الموطأ وإجابة الشيخ محمد إبراهيم عبد الباعث عن مكانته

[المذيع]: يعني التواضع لا شك هو شيمة من شيم العلماء الكبار كما وضّح فضيلة المفتي. وانتقل إلى فضيلة الشيخ محمد إبراهيم عبد الباعث: إذا كانت هذه بعض الملامح البسيطة عن الإمام مالك وحياته وسماته الشخصية، فماذا عن كتاب الموطأ؟ أعني أحد أهم الكتب في التراث الإسلامي الذي جُمع أو أُلّف إذا كان الأمر صحيحًا في عهد أبي جعفر المنصور، فضيلة الشيخ محمد؟

[الشيخ محمد إبراهيم عبد الباعث]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، وبعد. لا شك أن موطأ الإمام أبي عبد الله مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر بن عمرو بن الحارث يُعدّ من هذه الكتب الصحيحة، من أصحّ الكتب.

فقد تبوّأ من بين هذه الكتب المحلّ الأرفع، وهو أسبق من الإمام البخاري رضي الله عنه.

لماذا لم يُعدّ الموطأ من الكتب الستة رغم صحة ما فيه

[الشيخ محمد إبراهيم عبد الباعث]: ولكن لم يعدّه العلماء من الكتب الستة مع أن كل ما فيه صحيح؛ باعتبار أن الإمام مالكًا رضي الله عنه قد توخّى فيه - كما قال الحافظ [ابن حجر] في مقدمة [فتح الباري] عندما ذكر تصنيف الإمام مالك للموطأ - قال: فتوخّى فيه القويّ من حديث أهل الحجاز، وضمّ إليه أقوال الصحابة وفتاوى التابعين وعمل أهل المدينة.

أما مثلًا الصحيح، صحيح الإمام البخاري، فهو كما ذكر الحافظ هو أول من صنّف في الصحيح المجرّد. لكن لم يعتبروا الموطأ مثل صحيح الإمام البخاري مع أنه في مرتبته وفي قدره، ولكنه جمع بين أقوال الصحابة وفتاوى التابعين.

الفرق بين مصطلح الحديث ومصطلح السنة وأنواع المرويات في الموطأ

[الشيخ محمد إبراهيم عبد الباعث]: وأنا أرى أنه لا إشكال في هذا؛ فإن كلمة الحديث تشمل الموقوف وتشمل المرفوع وتشمل المرسل وتشمل أيضًا المدرج. يعني فكلمة الحديث أعمّ من كلمة السنة؛ فإن السنة محصورة في أقواله صلى الله عليه وسلم وأفعاله وتقريراته.

لكن كعلم الحديث يشمل كل هذا: يشمل المرفوع والموقوف وما كان من قول الصحابي، ويشمل المرسل الذي سقط من إسناده اسم الصحابي، ويشمل المنقطع أيضًا الذي سقط من ثنايا إسناده بعض الرجال على غير التوالي إلى غير ذلك. فهذا كله يسمّى [حديثًا]، هذا كله.

بلاغات الموطأ ووصلها بواسطة الحافظ ابن الصلاح وما فيه من المراسيل

[الشيخ محمد إبراهيم عبد الباعث]: ومما أُخذ أيضًا ما فيه من البلاغات والتي أوصلها الحافظ ابن الصلاح في رسالة صغيرة. ولكن ما في الموطأ من المراسيل أو من المرسل هو أيضًا موجود في صحيح الإمام البخاري.

غير أن الإمام البخاري أو الإمام مالك رضي الله عنه قد مهّد أو قد ضمّن كتابه مذهبه بما آتاه الله سبحانه وتعالى من قوة العارضة، وبما آتاه الله سبحانه وتعالى من جلاء الذهن ومن قوة النظر فيما حصّله أو فيما يتحمّل به من الرواية.

الموطأ كتاب يمثل فقه الإمام مالك ومذهبه وليس كتاب رواية فحسب

[الشيخ محمد إبراهيم عبد الباعث]: فهو لم يكن كتاب رواية فقط أو كتاب حديث فقط، وإنما هو كتاب يمثّل فقه الإمام، أي يمثّل المذهب، يمثّل المذهب. فلعل هذا مما جعل كثيرًا من الحفّاظ يأبى أن يجعل أو أن يعدّ موطأ مالك من الكتب الستة.

نعم، ولكنه أيضًا في رتبتها، في رتبة صحيح الإمام البخاري؛ لأن الإمام مالكًا رضي الله عنه ما كان يأخذ إلا عن الثقة.

وهذا ما قاله الإمام الشافعي رحمه الله تعالى، قال:

«إذا جاءك الحديث عن مالك فشُدّ به يدك»

هكذا يقول الشافعي، تلميذ الإمام مالك، يقول: إذا جاءك الحديث عن مالك فشُدّ به يدك.

شدة الإمام مالك في انتقاء الرجال والحديث وشروطه في قبول الرواية

[الشيخ محمد إبراهيم عبد الباعث]: وكان أيضًا سفيان بن عيينة أحد السفيانين كان يقول: ما كان أشدّه على الإمام مالك في انتقاء الرجال وانتقاء الحديث! بل قال أبو حاتم أيضًا: كان أنقى من الثوري والأوزاعي.

وهذا ما صرّح به الإمام مالك نفسه. الإمام مالك نفسه صرّح بهذا، بل قال: ما ينبغي أن يُؤخذ العلم عن أربعة:

  1. عن سفيه يُعلن سفهه، أو عن سفيه معلوم السفه - سفيه العقل يعني.
  2. أو عمّن يكذب في حديث الناس وإن كان من أكثر الناس رواية للحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى وإن كان من أكثر الناس رواية عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن إذا كذب في حديثه مع الناس.

قصة هرقل مع أبي سفيان ودلالة الصدق في حديث الناس على الصدق في الرواية

[الشيخ محمد إبراهيم عبد الباعث]: كما قال هرقل عندما استدعى أبا سفيان وأجلسه وسأله عن النبي صلى الله عليه وسلم: هل يكذب؟ فقال أبو سفيان: لا. فكان تعليق هرقل:

«وسألتك هل يكذب فزعمتَ أنه لا يكذب، فقلتُ ما كان ليترك الكذب على الناس ويكذب على الله»

فإذا من كذب على الناس كذب على الله، ومن كذب على الناس كذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن كان كثير الرواية.

والثالث: أن لا تأخذ [العلم عن] صاحب فضل أو عبادة أو زهادة إذا كان لا يعرف ما يحدّث به.

حرص الإمام مالك على الأخذ عمن يعرف حلال الحديث وحرامه وفقهه

[الشيخ محمد إبراهيم عبد الباعث]: فكان الإمام مالك حريصًا، كما قال هو أيضًا يقول: لقد أدركتُ ستين أو سبعين في مسجدنا هذا، فما كتبتُ إلا ممن يعرف حلال الحديث وحرامه وزيادته ونقصانه.

يعني ليس مجرد أنه رجل جماعة أو أنه رجل يتحمّل الرواية فقط، [بل] من يعرف حلال الحديث وحرامه، أي من له فقه فيما ينظر فيه من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وزيادته ونقصانه.

يعرف دلالة الزيادة وخاصة فيما يتعلق بزيادة الثقة، أي لا بدّ أن تكون له ملكة ولا بدّ أن يكون له تمييز، ليس فقط فيما يتعلق من حيث الصحة وانتفائها، لا، وإنما أيضًا من حيث الفقه في الحديث.

اجتهادات الإمام مالك في الموطأ والجمع بين الأثر والنظر والرواية والفقه

[الشيخ محمد إبراهيم عبد الباعث]: ولذلك نرى الإمام مالك رضي الله عنه له اجتهادات في موطّئه، ودائمًا يستعمل هذه العبارة فيما يختصّ باجتهاداته وفيما يراه. فهو قد جمع بين الأثر والنظر، وجمع بين العلم كرواية وبين الفقه.

مؤكدًا بذلك على وفرة حظّه من دعوة أو من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم أو من بشارة النبي صلى الله عليه وسلم في حديث الصحيحين عن معاوية بن أبي سفيان:

قال رسول الله ﷺ: «من يرد الله به خيرًا يفقّهه في الدين»

هو لم يقل "يفقّهه الدين"؛ لأنه لو قال "يفقّهه الدين" لكان معنى المسألة أن يفقّهه في الدين، أي يجعل له فيه عملًا، يجعل له فيه فقهًا، يجعل له فيه نظرًا.

الإمام مالك إمام في الحديث والفقه معًا وكلمته عن الصدق والإخلاص

[الشيخ محمد إبراهيم عبد الباعث]: هكذا كان الإمام مالك رضي الله عنه، فهو كان إمامًا للحديث والرواية وكان إمامًا للفقه، فهو يُعدّ في الفريقين، يُعدّ في الفريقين كالإمام الشافعي رضي الله عنه وكالإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه.

ولذلك قال كلمة ينبغي أن نقف عندها، وهذه الكلمة تؤكد ما كان عليه الإمام مالك من الصدق وما كان عليه من الإخلاص في أدائه وفي التحمّل برواية الحديث وأدائه.

ولو لم يكن له حظّ من هذه العبارة ما صرّح بها فيما أعتقد وفيما أراه، يقول:

«ليس العلم بكثرة الرواية، ولكنه نور يقذفه الله في قلب من يحبّ»

العلم نور يقذفه الله وروح تنفخ ومكانة الأئمة بصدق التوجه لا بسعة التحصيل فحسب

[الشيخ محمد إبراهيم عبد الباعث]: بل قرأتُ عبارة أخرى تُنسب إليه [الإمام مالك] ولكن لا أدرك مدى صحة نسبة هذه العبارة إليه، ولكن الظنّ أنه هو قائل هذه العبارة، قال: ليس العلم مسائل تُنسخ، وإنما العلم روح تُنفخ.

ولا تظنّ أن هؤلاء الأئمة رضوان الله عليهم قد احتلّوا هذه المكانة الرفيعة بسعة التحصيل فحسب، وإنما نالوا ذلك كله بصدق التوجّه في تحمّلهم وفي اضطلاعهم بأعباء الأمر وتكاليفه وتبعاته. فقد كانوا صادقين.

هكذا الإمام مالك الذي عُرف بإمام دار الهجرة، الذي قيل في حقه: لا يُفتى ومالك بالمدينة.

تجنب الإمام مالك كثرة الاستفتاء وتهيؤه للإفتاء إحدى وعشرين سنة

[الشيخ محمد إبراهيم عبد الباعث]: ومع ذلك كان [الإمام مالك] يتجنّب كثرة الاستفتاء احترازًا من أن تزلّ قدم بعد ثبوتها. إحدى وعشرون سنة تهيّأ للإفتاء وجلس للإفتاء.

وقد أخبر الذهبي أن طلبة العلم كانوا يفدون عليه من الآفاق، وذلك في آخر خلافة أبي جعفر المنصور، وازدحموا عليه حتى في خلافة الرشيد.

فهذا يدلّ على أنه كان صادقًا في وجهته وكان مخلصًا في تحمّله وفي أدائه. هذا هو الإمام مالك رضي الله عنه، أي في سطور. والأمر أو الحديث عن هذه الشخصية أو عن هذا الرجل العالم الذي له هذا المذهب الذي ما زال العمل به في كثير من الأمصار وفي كثير من البقاع والأقطار.

استمرار العمل بمذهب الإمام مالك وعبارته في اجتهاداته والأمر ما رأيناه والله أعلم

[الشيخ محمد إبراهيم عبد الباعث]: لا يزال العمل بهذا المذهب وخاصة في دول المغرب، لا يزال العمل بهذا المذهب الكريم الذي لم يؤسّسه إلا على صدق الرواية وحسن النظر وتوسيع دائرة النظر.

حتى أنه كان يقول هذه العبارة عند اجتهاداته، يقول: والأمر ما رأيناه أو ما رأيناه والله أعلم، أو هذا ما رأيناه والله أعلم.

فهو لا يُعدّ كتاب رواية فحسب أو كتاب حديث فقط، وإنما يُعدّ أيضًا هذا الكتاب يمثّل مذهب الإمام، مذهب الحديث.

انتقال الحديث إلى تجنب الفقهاء للفتوى وتجرؤ الهواة عليها

[المذيع]: سيتواصل بتأكيد فضيلة الشيخ محمد مع فضيلتك وفضيلة مفتي الديار المصرية، ولكن بعد هذا الفاصل نتحدث: كيف أن فقهاء الأمة وعلماءها يتجنبون الفتوى وهم أهل لها، أما الهواة فيتصدّرون ويتجرّؤون؟

تعليق الشيخ علي جمعة على تسمية الموطأ ومعناه وسهولته

[المذيع]: المصادر التي استقى منها الإمام مالك كتابه، فضيلة المفتي، وعلاقته كما تفضّلتم أيضًا فضيلتكم في صدر هذه الحلقة بفقهاء وعلماء الأمة في هذا العصر.

[الشيخ]: أردتُ أولًا أن أعلّق على كلام سيدنا الشيخ محمد إبراهيم عبد الباعث. هذه الحاشية تقول إن الموطأ سُمّي بذلك لأنه وطّأه، أي أنه اسم مفعول، ومعناه أنه سهّل.

فالموطأ يعني الكتاب السهل الذي عندما تقرؤه تتعلّم به دينك. فهذا أولًا.

حجم الموطأ الصغير مقارنة بصحيح البخاري ومعنى الحديث المرسل

[الشيخ]: ثانيًا: الموطأ صغير وليس كبيرًا مجلدات كثيرة. البخاري يعني فيه سبعة آلاف وخمسمائة وخمسة عشر حديثًا وكذلك، وطبعًا هذا العدّ يختلف، يعني أحيانًا عدّ الأحاديث نفسها تختلف من عدّ إلى آخر. نعم، إنما الموطأ نجد فيه ربما ما لا يتجاوز سبعمائة حديث فقط.

كلمة مرسل: يقول لك في من المراسيل حديث مرسل. فصاحب البيقونية يقول: "والمرسل منه الصحابي سقط". يعني إذا كان المرسل في هذا الاصطلاح معناه أن واحدًا من التابعين مثل الإمام نافع يقول: قال رسول الله. طيب، نافع لم يرَ سيدنا رسول [الله].

إن قومًا يسمّون هذا الحديث من دقّتهم مرسلًا. نعم؛ لأنه سقط الصحابي الذي نقل عن رسول الله.

معنى البلاغات في الموطأ ومصادر الإمام مالك الشفوية

[الشيخ]: الذي نقل عن رسول الله، من هو الصحابي؟ هل ترى هو أبو هريرة أم ابن عباس أم ابن عمر أم كذا إلى آخره؟ من هو ليس واضحًا عندنا. قوم يسمّونه مرسلًا، والمرسل منه الصحابي سقط. وقل غريب ما روى راوٍ فقط، يعني إذا كان الحديث الذي لا يوجد فيه الصحابي فإننا نسمّيه مرسلًا.

أولًا: البلاغ هو قول الإمام مالك: "بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال كذا". فأين السند؟ وهنا سيأتي نوع من أنواع الإجابة على سؤال حضرتكم: أين مصادره؟ نعم، أين مصادره؟

هذا مهمّ؛ لأن المصادر في هذا العصر كان أغلبها وليس كلها، كان أغلبها من الرواية الشفوية؛ لأنه بينه وبين سيدنا رسول الله اثنان فقط: نافع وبعدين ابن عمر.

تتبع الحافظ ابن الصلاح لبلاغات الموطأ ووصل الشيخ عبد الله الغماري للأربعة المتبقية

[الشيخ]: جاء الإمام ابن الصلاح في القرن السابع الهجري وتتبّع هذه البلاغات. حسنًا، أنت تقول: قال رسول الله؟ وما جئتَ بالسند! يا ترى أم أن أحدًا غيرك جاء به؟ وقعدوا يبحثون عن هذا: ممن أخرج هذا الكلام؟ ووجدوه ووصلوه.

كل بلاغات الموطأ وصلها الحافظ ابن الصلاح بتتبّع الكتب - يعني كأنه حاسوب - إلا أربعة. قالوا: والله الأربعة هؤلاء لم أجد لهم سندًا.

فلمّا لم يجد لهم سندًا جاء سيدنا الشيخ عبد الله الغماري شيخنا ووصل الأربعة، وجدهم! فيبقى إذا كان ترك الأول للآخر، إذا هذا العلم يحمله من كل خلف عدوله. إذا المسألة متصلة، إذا العلم لا يعرف الكلمة الأخيرة ببذل الجهد.

كتاب وصل البلاغات الأربعة والعلم رحم بين أهله وأوصاف كتاب الموطأ

[الشيخ]: ووصل الأربعة فقال: وصل البلاغات الأربعة. فلمّا تلاقى الكتاب اسمه كذلك، كتاب سيدنا الشيخ عبد الله اسمه "وصل البلاغات الأربعة". ما هي الأربعة التي تركها ابن الصلاح ولم يذكرها؟ اعلم أن العلم رحم بين أهله، يا للروعة!

فالإمام إذا تبيّن لنا عبر العصور أن كتابه هو كتاب ممتع، كتاب مهمّ، كتاب سهل، كتاب يعرّفك بالديانة الإسلامية، يعرّفك بدين الإسلام، يعرّفك بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويأخذ بيدك شيئًا فشيئًا في التفهيم حتى يكون الأمر في غاية السهولة.

مراجعة الإمام مالك للموطأ أربعين سنة ونقد مناهج التعليم المعاصرة

[الشيخ]: الإمام رضي الله تعالى عنه، الإمام مالك لمّا ألّف الكتاب - وهذه نقطة نريد أن نقف عندها ولا نتركها - ألّف الكتاب وانتهى من التأليف، لا، بل ظلّ يراجعه ثم ذكره للناس. ما انتهى بعد ذكره للناس، لا، بل استمرّ في المراجعة. جلس يراجعه كثيرًا، جلس يراجعه أربعين سنة يراجع الكتاب!

أربعين سنة! ليس المذكرات التي يدرّسها إخواننا للطلاب وفيها من العلم المغشوش ما فيها. نحن أفسدنا جامعاتنا، نحن تركنا تراثنا، مناهج التعليم والتعلّم نحن قتلناها قتلًا.

ونحن نتحدث الآن في قادم الأيام أن أهمّ شيء عندنا هو التعليم. هذا هو منهج التعليم السليم.

الإمام مالك يعلمنا أن العلم لا يعرف الكلمة الأخيرة ومراجعته المستمرة للموطأ

[الشيخ]: الرجل يقول بفعله أن العلم لا يعرف الكلمة الأخيرة، وأنه مع إمامته وفضله وتصدّره للتدريس والإفتاء وهو عنده إحدى وعشرون سنة، لا يزال يراجع لمدة أربعين سنة.

ولذلك بعض الناس يتعجّبون يقولون: هذا كتاب موجود منذ ألف ومائتي سنة، ما الذي يجعلكم تهتمون به؟ لأنه متقن جدًا، لأنه مبذول في أربعين سنة من إمام الأئمة وبدر التتمة، إمام أهل الهجرة، دار الهجرة، إمام المدينة المنورة، إمام العالم إذن.

أليست هذه مناهج تحتاج إلى إحياء ومراجعة بدلًا من أن نذهب نكتب علمًا مغشوشًا مسروقًا في الجامعات هنا وهناك فتصبح فضيحة بجلاجل؟

الدعوة إلى بذل الجهد في إخراج كتب متقنة كما فعل الأكابر

[الشيخ]: أليس علينا أن نبذل الجهد الذي كان يبذله الأكابر حتى نُخرج كتابًا هو الكتاب المعتمد؟ ولو كان كتابًا واحدًا، ولو كانت فكرة واحدة لكنها قوية وواضحة ونعلّمها أجيالنا التي تأتي بعدنا.

هذا هو الفرق. نحن نقول: ماذا حدث؟ حدث تسرّب، حدث كما في اللغة العامية فوضى. يعني ما لا ينفعنا في العلم الفوضى.

فالإمام قعد أربعين سنة يعمل هذا. نتج من ذلك لأن كل طبعة جديدة مزيدة ومنقّحة في راوٍ يرويها، فهناك أربعون راويًا للموطأ! أربعون راوٍ، نعم.

روايات الموطأ المتعددة واختيار رواية يحيى بن يحيى الليثي للطباعة

[الشيخ]: فيقول لك: هذا موطأ الإمام الشافعي عن مالك، هذه رواية. بعدين يقول لك: لا، هذه موطأ يحيى بن يحيى عن مالك، يعني الليثي، هذه رواية أخرى ليحيى بن يحيى.

كما تقول كانت أوسط وأتقن الروايات، وإن كانت أعلى الروايات هي رواية الإمام الشافعي. لكن يحيى بن يحيى هي التي طُبعت وذاعت وشاعت.

اختيارها للطباعة لم يكن سبهللًا، هذا كان من العلماء. علماء الأزهر هم الذين اختاروها لأنها أعدل الروايات.

الإتقان سر مكانة الموطأ والرد على من يضعف حديث إن الله يحب الإتقان

[الشيخ]: ما الذي جعل هذا الكتاب السهل الميسور له تلك المكانة العظيمة؟ الإتقان.

قال رسول الله ﷺ: «إن الله يحب من أحدكم إذا عمل عملًا أن يتقنه»

تأتي الآن لتقول للإخوة أن الله يحب من أحدكم إذا عمل عملًا أن يتقنه، فيقول لك: حديث ضعيف! حاشا لله! نعم يا حبيبي، أنت الآن لا تنتبه إلى أن الحديث الضعيف يُعمل به في فضائل الأعمال، وأن الحديث الضعيف استدلّ به الأئمة في أكثر من ألف وخمسمائة فرع، وأن الحديث الضعيف إنكاره بدعة؛ لأنه استدلّ به البخاري.

يقول لك: هو - والعياذ بالله - حديث ضعيف! لقد غسلوا أدمغة الناس غسل الدماغ، انتهى!

الفرق بين العلم المتأني بالقطارة والعلم السطحي بالكوم

[الشيخ]: هو لا، هو يعرف الحديث الضعيف، هذا يُؤخذ به أم لا ما يُؤخذ؟ ما هي الشروط؟ ما هي كذا؟ ففي فرق بين العلم الذي هو بالقطارة والهطل الذي هو بالكوم. الهطل أبو كوم، هذا ما نعرفه.

الإمام مالك يضرب لنا هذا المثال إذا ما تأمّلنا في صنيعه في الموطأ وفي مكانة الموطأ في كتب المسلمين وفي اهتمام المسلمين وباهتمام المسلمين إلى يومنا هذا بمثل هذه الأعمال الرائعة الفائقة الرائقة الماتعة الجامعة المانعة.

الموطأ والمدونة وتلاميذ الإمام مالك ومناهج التفكير المستقيم والإتقان

[الشيخ]: لمّا كان هكذا، هذا ما ليس - اللهم - هذه فقط الكتاب الموطأ، هذا حتى المدونة إنما تلاميذه هم الذين كتبوها من فقهه: سألتُ مالكًا، سألتُ مالكًا، سُئل مالك وهو يدوّن.

لكن هذا الموطأ هو ألّفه. وتخيّل الآن أنه خرج من حياته بدلًا من ذلك هو هذا كل شيء. فإذا هذه تعلّمنا مناهج التفكير المستقيم، تعلّمنا مناهج التعليم والتعلّم، تعلّمنا صفة الإتقان التي نحن أحوج ما نحتاج إليها الآن.

ونحن نفتح صدورنا وعقولنا لمستقبل نرجو فيه آمالًا فسيحة وأعمالًا صحيحة.

هل عجزت الأمة عن إنجاب مثل الإمام مالك وكيف يستفيد الشخص العادي من الموطأ

[المذيع]: لا فُضّ فوك فضيلة المفتي، يعني فتح الله عليك. وسؤالي لفضيلة الشيخ المحدّث محمد إبراهيم عبد الباعث: هل عجزت الأمة الإسلامية الآن عن إنجاب مثل هذا العالم الجليل الرائع؟ وكيف نستفيد أو يستفيد الشخص العادي من كتاب الموطأ؟

[الشيخ محمد إبراهيم عبد الباعث]: وبلا شك إن فضل الله سبحانه وتعالى لا يتقيّد بزمان دون زمان ولا بشخص دون شخص. ولذلك أذكر عبارة لطيفة قالها الشيخ زروق رحمه الله تعالى يقول: فإن أتى المتأخر بما لم يُسبق إليه فهو على رتبته من غير أن يقدح في المتقدم.

العلم منح إلهية ومواهب اختصاصية ودور الفقهاء في عصر التدوين

[الشيخ محمد إبراهيم عبد الباعث]: يعني قد يفتح الله. وحتى ابن مالك صاحب الألفية يقول: لمّا كان العلم مِنَحًا إلهية ومواهب اختصاصية، فله سبحانه وتعالى أن يخصّ بعض المتأخرين بما لم يكن للمتقدمين حظّ فيه.

ويمكن أن تكون هذه العبارة لها التفات إلى دور الفقهاء في عهد أو في عصر تدوين الفقه. أي أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا أصحاب رواية وأصحاب تحمّل.

لكن كما قيل: لا متبوع ولا متبع إلا المعصوم لانتفاء الخطأ عنه، ومن شهد له بالفضل لأن مزكّي العدل عدل.

تفرق الصحابة في الأمصار وتوزع العلم بين العام والخاص والمطلق والمقيد

[الشيخ محمد إبراهيم عبد الباعث]: يقول: غير أن الصحابة أو أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد تفرّقوا في الأمصار، ومع كل واحد منهم علم. فربما كان مع هذا ما هو من قبيل العام ومع الآخر ما هو من قبيل الخاص، ومع هذا ما هو من قبيل المطلق ومع هذا ما هو من قبيل المقيّد، ومع هذا ما هو من قبيل المجمل ومع هذا ما هو من قبيل المفسّر.

فلزم الانتقال إلى من بعدهم والذين جمعوا المتفرّق من ذلك وضبطوا الروايات فيما هنالك، غير أنهم لم يتوسّعوا فيه فقهًا. فلزم الانتقال إلى الثالث، أي إلى الجيل الثالث، جيل التدوين.

جيل التدوين الذي جمع وضبط وتفقه ودور الإمام مالك في جمع الموطأ ومراجعته

[الشيخ محمد إبراهيم عبد الباعث]: أصبح جيل التدوين الذي جمعوا وضبطوا وتفقّهوا فيه، فلم يبقَ لأحد إلا الأخذ بما استنبطوه والعمل بما اعتمدوه. هذا دور الفقهاء، وهذا دور الإمام مالك رضي الله عنه في عهده عندما جمع الموطأ.

وكما تفضّل فضيلة المفتي، يعني الإمام مالك لم يكتفِ بأنه وضع الموطأ وأخرجه للناس هكذا، وإنما كان يراجعه. كما قال سليمان بن بلال يقول: لقد كان في الموطأ أربعة آلاف حديث، ثم صارت الآن ألف حديث وزيادة.

كان ينقّحها عامًا بعد عام، وهذا معناه أنه كان ينتقي منها ما يصلح لهذه الأبواب الفقهية المختلفة.

لا غنى عن عمل الفقيه بالنسبة للرواية والله يهب ما يشاء لمن يشاء

[الشيخ محمد إبراهيم عبد الباعث]: فهذا العمل يؤكد أنه لا غنى عن عمل الفقيه بالنسبة للرواية. يهب ما يشاء لمن يشاء، فالمسألة لم تنتهِ.

ولكن كما قال يعني أحد العارفين: من قال أو ما زاد من قال بانقطاع مراتب التخصيص على من قال أن الله فقير إلا بحسن تلبيس العبارات. يعني الله سبحانه وتعالى يمنح من يشاء.

الأمة ولّادة، الأمة كما يقولون ولّادة، صحيح. ولكن اليوم الهمم أصابها شيء من الفتور. يعني هذا الأمر غير مستبعد، ولكن أين أصحاب الهمم؟ أين من يسمو بهمّته دائمًا إلى معالي الأمور دون سفسافها؟

الأمة لا تخلو من الفقهاء وحديث من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين

[الشيخ محمد إبراهيم عبد الباعث]: وخصوصًا في زخم الحياة وفي هذه الكثرة من أصحاب التوجّهات وأصحاب الاتجاهات المختلفة والأهواء المتباينة. اليوم حدث فتور في الهمم، فتور. ولكن لا تخلو الأمة من مثل هؤلاء الفقهاء، لا تخلو أبدًا.

فالله سبحانه وتعالى يفتح بما شاء على من شاء. والحديث يؤكد هذا المعنى الذي كان في قوله صلى الله عليه وسلم:

قال رسول الله ﷺ: «من يرد الله به خيرًا يفقّهه في الدين»

ولكنه قال: وإنما أنا قاسم والله يعطي - في نفس الحديث - وإنما أنا قاسم والله يعطي.

دلالة قوله ﷺ إنما أنا قاسم والله يعطي وعطاء الله للإمام مالك والأئمة الكبار

[الشيخ محمد إبراهيم عبد الباعث]: وكأن الفقه في الدين لا يأتي إلا من قِبَل التحمّل بحديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي هو أعظم بيان للقرآن. إنما أنا قاسم والله يعطي.

فعبّر في جانبه باسم الفاعل وفي جانب الله بالفعل المضارع الذي يفيد الترتيب ويفيد التجدّد، أي أن الله سبحانه وتعالى يعطي فيما قسم من عطاء هذه الشريعة يعطي الفهم فيه.

هكذا كان الإمام مالك رضي الله عنه، أعطاه الله سبحانه وتعالى الفهم كما أعطى الإمام الشافعي وكما أعطى الإمام أبا حنيفة وغيرهم والإمام أحمد وغيرهم من الأئمة الكبار.

الموطأ ذخيرة عظيمة الفائدة رغم صغر حجمه وشروحه الضخمة

[الشيخ محمد إبراهيم عبد الباعث]: هذا الكتاب ذخيرة مع قلة حجمه أو مع صغر حجمه، لكنه عظيم الفائدة. يعني ما تنظر لبعض الشروح: التمهيد لما في الموطأ من المعاني والمسانيد للحافظ ابن عبد البر أو الاستذكار، مجلدات ضخمة تشرح هذا الكتاب.

وهكذا العلم يحتاج منا إلى الإقبال، أن يكون الإنسان مُقبلًا غير مُدبر، وأن يعطيه [كلّه]. كما قال بعض الحفّاظ: هذا الحديث لا يُعطى ولا يُؤتى إلا لمن أعطاه كلّه، أي أعطى نفسه كلها.

بمعنى أنه تفرّغ للاشتغال به تحصيلًا وحفظًا وضبطًا ووعيًا وفقهًا. وهذا كان من عمل المحدّثين ومن عمل الحفّاظ الكبار.

عطاء الله للأمة ممتد وشرف خدمة شريعة النبي ﷺ

[الشيخ محمد إبراهيم عبد الباعث]: فهذا عطاء الله سبحانه وتعالى لهذه الأمة، وهو منسحب بأذياله من بساط عطائه سبحانه وتعالى للنبي صلى الله عليه وسلم. وكما قال الشاعر: وإذا ما الجناب كان عظيمًا مدّ منه لخادميه لواء، وإذا ما عظمت سيادته متبوع أجلّ أتباعه الكبراء، أجلّ أتباعه الكبراء.

فهؤلاء خدموا شريعة النبي صلى الله عليه وسلم، ولذلك أعطاهم الله سبحانه وتعالى هذه المكانة وهذا الشرف وأعطاهم شرف المرتبة بين علماء العالم.

فكان لهم السبق في تدوين هذه العلوم وفي خدمتها وفي القيام بصيانتها وفي غربلتها وتمييز الصحيح من السقيم أو الصحيح من الضعيف. ولكن لا يزال العطاء إن شاء الله في الأمة ممتدًا، ونرجو الله سبحانه وتعالى أن يجعل لنا ولكم نصيبًا من هذا العطاء.

ختام الحلقة مع كلمة الشيخ علي جمعة عن تواضع الإمام مالك ورفضه حمل الناس على الموطأ

[المذيع]: شكرًا جزيلًا فضيلة الشيخ محمد. والختام مع فضيلة مفتي الديار المصرية عن الإمام مالك وموطّئه في كلمة حق.

[الشيخ]: الإمام مالك كان رجلًا تقيًا وكان غاية في التواضع، وكلما ازداد علمًا ازداد لله تواضعًا. جاءه أبو جعفر وإما هارون على اختلاف الروايات وقالوا له: نرى أن نحمل الناس على الموطأ حملًا ونكتبه في صحائف نعلّقها على الكعبة، ثم يكون هو القانون السائد في البلاد الإسلامية.

هارون الذي يقول للسحابة: اذهبي حيث شئتِ فسيأتيني خراجك. امتدّ الوطن الإسلامي امتدادًا كبيرًا لدرجة أنه يعلم أنها إذا نزلت هذه السحابة مطرًا فإنها ستكون على أرضه وسلطانه.

رفض الإمام مالك حمل الناس على الموطأ وتقديمه مصلحة الأمة على ذاته

[الشيخ]: يريد [هارون الرشيد] أن يحمل الناس هكذا شرقًا وغربًا على موطأ الإمام مالك لمّا رآه من أنه كتاب محرّر موثوق بُذل فيه من الجهد ما بُذل فيه مما فعل. ويقترح عليه أيضًا أن يجعل منبر النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم - وكان من خشب يُسمّى العيدان - يجعله من اللؤلؤ والمرجان. غنيّ بقي هارون الرشيد، غنيّ وهو حافظ القرآن، إمامًا للمسجد النبوي.

فيأتي الإمام مالك ويقول: لا أرى ذلك يا أمير المؤمنين؛ فإن حُمل الناس على الموطأ قد تفرّقت الصحابة في البلدان، وأنا رويتُ عمّن كان في المدينة. إذ يقدّم مصلحة الدين ومصلحة العلم المنسوب إليه ومصلحة المسلمين ويقدّم مستقبلهم على ذاته.

لو حُمل الناس على الموطأ لتعبت الأمة وتقوى الإمام مالك في رفض ذلك

[الشيخ]: تخيّل لو أنهم حملوا الناس حملًا على الموطأ وجعلوه كذلك إلى آخره وسدّوا منافذ العلم وجعلوه وجهًا واحدًا، والله لكانت تعبت الأمة الإسلامية. لكن الرجل من تقواه فعل هذا.

ولا أرى نافعًا إمامًا [للمسجد النبوي]؛ فإنه قد تبدر منه بادرة وهو في المحراب فيحملها الناس عنه قراءة. لو أخطأ، الناس لن تعرف أنه أخطأ وسيأخذونها منه. يقول لك: نافع، أنا سمعته، هذا حجة.

أما من خارج [منبر] رسول الله فلا أرى أن تحرم الناس أثر رسول الله صلى الله عليه وسلم. هذه الأعواد التي أنت تعني ماذا؟ هذا عند الناس شيء آخر.

التبرك بآثار النبي ﷺ وقصة عطاء بن أبي رباح مع منبر النبي

[الشيخ]: وكان عطاء بن أبي رباح يأتي فيمسح بهذه الأعواد ويقبّله؛ لأنه خشب مسّ رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وكان الإمام مالك وهو صغير - يعني لم يدرك هذا - قال: ما الذي يفعله هذا؟ لماذا يتمسّح هكذا؟ أليس هذا عالمًا أم ماذا؟ ثم لم يروِ عنه [في ذلك الوقت]. عن سيدنا عطاء بن أبي رباح الذي هو إمام من أئمة الفقه والتابعين.

وكان الإمام مالك يبكي عند روايته عن عطاء ويقول: لقد فاتني عطاء! رأيته يتمسّح بالحادث - يعني هو الخشب صنعوا له شيئًا من النحاس لتقويته - فكان يقبّل النحاس سيدنا عطاء.

جواز التبرك بآثار النبي ﷺ كما فعل الصحابة والتابعون وتواضع الإمام مالك

[الشيخ]: ولم يعلم الإمام مالك لصغر سنّه حينئذ أن هذا جائز وأنه جائز بالجوار وأنه لا بأس فيه. وهذا فعل الصحابة والتابعين.

أمرّ على الديار ديار ليلى أقبّل ذا الجدار وذا الجدار، وما حبّ الديار شغفن قلبي ولكن حبّ من سكن الديار. المسكين وهو يمشي من حبّه يقبّل الجدار!

وبين يدي رسول الله ذكروا تقبيل الرواحل وتقبيل الإبل لأنها ركبتها الحبيبة، فما بالك بسيد الخلق صلى الله عليه وسلم! هذا الجواز، جائز ذلك التبرّك كما ثبت عن الصحابة والتابعين وأهل السنة والجماعة.

كل هذه المعاني تدلّنا على تواضع الرجل وعلى تقديم الأمة على الفرد. والله أعلم، وربنا سبحانه وتعالى يلحقنا بهم في كل خير.

خاتمة الحلقة وشكر الضيوف على الحديث عن الإمام مالك وتراثه العظيم

[المذيع]: نشكر لكم فضيلة المفتي. وحقيقة الحديث عن الإمام مالك وعن موطّئه يحتاج فعلًا إلى العديد والعديد من الحلقات لنلقي الضوء على هؤلاء الأئمة وكيف كان هذا التراث الإسلامي الكبير الذي تركوه نبراسًا وهاديًا لأمة ولعلمائها من بعدهم.

نشكركم على حسن المتابعة مشاهدينا الكرام، واسمحوا لي أن أشكر ضيفي الكريم فضيلة مفتي الديار المصرية العلامة الجليل الأستاذ الدكتور علي جمعة، شكرًا جزيلًا. شكرًا لكم، أشكر لكم دائمًا تلبية الدعوة فضيلة المفتي.

وأيضًا الشكر موصول لفضيلة الشيخ المحدّث محمد إبراهيم عبد الباعث وعضو الرابطة العالمية لخريجي الأزهر، أشكرك فضيلة الشيخ. مشاهدينا الكرام.