التفاعل الإجتماعي | مجالس الطيبين | أ.د علي جمعة - مجالس الطيبين

التفاعل الإجتماعي | مجالس الطيبين | أ.د علي جمعة

11 دقيقة
  • استعرض النص مواقف من حياة النبي صلى الله عليه وسلم توضح مسؤوليته وتفاعله الاجتماعي.
  • كان النبي يزور الأنصار ويسلم على صبيانهم ويمسح رؤوسهم، مظهراً حبه للأطفال وحنانه عليهم.
  • حث النبي على إتقان العمل بقوله: "إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه"، فالإتقان قيمة حضارية مرتبطة بالمسؤولية.
  • أوصى النبي بالرفق بالحيوان حين مر ببعير مجهد وقال: "اتقوا الله في هذه البهائم العجماء".
  • روى جابر بن عبد الله أن النبي تفقده حين تأخر بسبب ضعف جمله، فنزل النبي وساعده بنخس الجمل بمحجنه.
  • آنس النبي جابراً بالحديث وسأله عن زواجه، فأخبره أنه تزوج ثيباً لتعتني بأخواته الصغيرات بعد وفاة أبيهم.
  • اشترى النبي جمل جابر بأوقية، ثم أعطاه الثمن وأرجح له في الميزان.
  • تُظهر هذه المواقف النبوية قيم المسؤولية والتفقد والرحمة في تعامله مع أصحابه.
محتويات الفيديو(10 أقسام)

مقدمة الحلقة والترحيب بالمشاهدين في مجالس الطيبين في رمضان

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أيها الإخوة المشاهدون، أيتها الأخوات المشاهدات في كل مكان، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

وأهلًا ومرحبًا بكم في حلقة جديدة من حلقات مجالس الطيبين في شهر رمضان المعظم الكريم. معنا عدة مواقف وأحاديث لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يعلمنا القيم ويعلمنا الأخلاق القويمة، ويربي أصحابه ويربينا من بعدهم إلى يوم الدين.

زيارة النبي للأنصار والسلام على صبيانهم ومسح رؤوسهم

عن أنس رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يزور الأنصار ويسلم على صبيانهم ويمسح رؤوسهم. إذن هذا [الحديث] يعلمنا قيمة هي قيمة التفاعل الاجتماعي، والتفاعل الاجتماعي نوع من أنواع المسؤولية.

رسول الله صلى الله عليه وسلم يزور الأنصار، هم الذين نصروه، هم الذين استضافوه هو وصحابته من المهاجرين، هم الذين حاربوا معه ودافعوا عنه؛ ولذلك في هذه الزيارة نوع من أنواع التفاعل الاجتماعي.

ويسلم على صبيانهم، كان يحب الطفولة ويرعاها ويشعرهم بالحنان وبالأمان، وهذا فيه ما فيه مع التربية. ويمسح رؤوسهم، ومسح الرأس يشعر الطفل بالأمان ويشعر الطفل بالحنان؛ ولذلك قال [رسول الله ﷺ]: من مسح على رأس يتيم كان له بكل شعرة في رأسه أجر.

حديث إتقان العمل وأنه قيمة حضارية مندرجة تحت المسؤولية

عن عائشة رضي الله تعالى عنها فيما أخرجه الطبراني في معجمه الأوسط أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال:

قال رسول الله ﷺ: «إن الله عز وجل يحب إذا عمل أحدكم عملًا أن يتقنه»

وهذا الحديث ينبغي أن يكون شعارًا لكل المهنيين ولكل العمال ولكل الحرفيين. إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملًا أن يتقنه.

الإتقان قيمة من القيم الحضارية الكبيرة، وهي مندرجة تحت قيمة المسؤولية. العجلة، الاستهانة، والاستهتار كلها تقدح في الإتقان؛ فالإنسان قد يصنع شيئًا جيدًا ثم بعد ذلك يتعجل، وسبب العجلة كثير؛ فقد تكون أسبابًا مادية، وقد تكون أسبابًا فنية، وقد يكون ذلك لأنه يجهل ترتيب صنعته.

المستشار مؤتمن وكل صاحب حرفة مسؤول عن إتقان عمله

ولذلك يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم فيمن يتصدر في غير ما تعلم، فيه يقول:

قال رسول الله ﷺ: «المستشار مؤتمن»

ولذلك إذا أتيت بالحرفي وهذا الحرفي أراد أن يعمل الحرفة؛ السباك والكهربائي والنجار وجميع أنواع المهن، والسائق والميكانيكي وما إلى ذلك، جميعهم معدودون من المستشارين.

فإذا قصّر في حرفته فإنه لم يتقنها، وهذا يكرهه الله سبحانه وتعالى، وبذلك يكون قد فرّط في المسؤولية التي سوف يُسأل عنها.

موقف النبي مع البعير الهزيل وأمره بالرفق بالبهائم

وعن سهل بن الحنظلية قال: مرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ببعير قد لحق ظهره ببطنه، ظهر البعير لحق ببطنه؛ أي أنه لا يأكل، متعب مُجهَد كأنه في مجاعة.

فقال [رسول الله ﷺ]:

«اتقوا الله في هذه البهائم المُعجَمة»

هذه [البهائم] لا تعرف أن تتكلم ولا تستطيع أن توصل إليك لغتها. اتقوا الله؛ لأنك هكذا تكون وصلت إلى أذية هذا الحيوان.

«فاركبوها صالحة وكُلوها صالحة»

أنت الآن لماذا تفعل بها هذا؟ فتجعلها لا هي قابلة للركوب ولا قابلة حتى للأكل لما كانت بهذه الكيفية من الضعف.

المسؤولية في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والنصيحة

مسؤولية! رأى [رسول الله ﷺ] منكرًا فأمر بالمعروف ونهى عن المنكر، رأى شيئًا يحتاج إلى نصيحة فنصح، رأى شيئًا فيه تقصير فنبّه إليه.

ولذلك يعلمنا صلى الله عليه وسلم في تعامله مع الناس في مسألة الدواب، وفي مسألة الطفولة، وفي مسألة إتقان العمل، أو في مسألة الزيارة والصبيان والعطف عليهم، يبين لنا في كل ذلك المسؤولية؛ أنه صلى الله عليه وسلم كان يعلمنا قيمة المسؤولية في أنفسنا بجوانبها المختلفة.

حديث جابر بن عبد الله وتفقد النبي لأصحابه في الغزوة

حديث عن جابر بن عبد الله أخرجه الإمام البخاري يحكي لنا هذه المسؤولية؛ كيف كان [رسول الله ﷺ] يرعى أصحابه، كيف كان يتفقدهم.

في مرة جابر بن عبد الله قال: كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزاة، فأبطأ بي جملي، جعله يتأخر. رسول الله صلى الله عليه وسلم لما يلتفت يمينًا ويسارًا لا يرى جابرًا، ويراه في آخر الركب، بل إنه متأخر عن القافلة، فيذهب إليه.

فأتى عليّ النبي صلى الله عليه وسلم فقال: جابر؟ فقلت: نعم. قال: ما شأنك؟ لماذا تمشي بطيئًا هكذا؟ ما شأنك؟ قلت: أبطأ عليّ جملي وأعيا؛ أي تعب، فتخلفت.

نزول النبي لإصلاح جمل جابر بالمحجن وتفقده للحيوان

فنزل [رسول الله ﷺ] يحجنه بمحجنه. رسول الله وهو راكب جمل وجابر راكب على الجمل، قام رسول الله ينزل من الجمل ومعه عصا المحجن؛ أي العصا، فيضرب بها الجمل في أماكن معينة حتى يتقوى؛ خبرة وعلم.

لكنه لا يترك أصحابه، ويتفقدهم ويتفقد أيضًا هذا الحيوان الذي يستخدمه للركوب. ثم قال: اركب، فركبت. ركب [جابر] جمله وهو جمل ضعيف وبه إعياء، ولكن عندما ضربه رسول الله صلى الله عليه وسلم بمحجنه وبعصاه استطاع أن يكمل قليلًا.

فلقد رأيته أكفّه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن فعل ذلك بالجمل، شدّ الجمل قوته إلى درجة أن جابرًا كان يقوده قليلًا بعيدًا عن رسول الله صلى الله عليه حتى لا يصيب رسول الله بسبب الهمة والنشاط الذي جاء له.

مؤانسة النبي لجابر بالسؤال عن زواجه وسبب اختياره الثيب

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لجابر: تزوجت؟ يعني إذا بعد ما أصلح له الجمل -إن صح التعبير- وبعد ما جعل الجمل نشيطًا، ابتدأ يؤانسه بالكلام.

تزوجت؟ قلت: نعم. قال: بكرًا أم ثيبًا؟ قلت: بل ثيبًا. قال: أفلا جارية تداعبها وتداعبك؟ لماذا تزوجت ثيبًا؟ كنت تزوجت بكرًا لكي تسعد في حياتك وتكون هي تأخذ من طباعك؛ لأن الثيب يكون لها وجهة نظر أخرى.

ولكن هناك مصلحة جابر بن عبد الله رآها. قلت: إن لي أخوات صغيرات. عبد الله أبوه مات في [غزوة] أُحد وترك له بنات صغيرات محتاجات للعناية؛ أحد يمشط شعرهن، أحد ينظف خلفهن. فيقول: لي أخوات فأحببت أن أتزوج امرأة تجمعهن وتمشطهن وتقوم عليهن.

شراء النبي جمل جابر ورده إليه مع الثمن تفقدًا ومسؤولية

قال [رسول الله ﷺ]: أما إنك قادم، فإذا قدمت فالكيسَ الكيسَ [أي الحكمة والفطنة في التعامل]. ثم قال: أتبيع جملك؟ قلت: نعم، فاشتراه مني بأوقية.

حتى إذا جاء المدينة أمر بلالًا أن يزن له أوقية، فوزن لي بلال فأرجح [أي زاد في الوزن]. فانطلقت حتى وليت، فقال: ادعوا لي جابرًا. قلت: الآن يرد عليّ الجمل! يعني جابر يعرف أن النبي سيرجع له الجمل مع المال، وقد كان.

مسؤولية! تفقّد الأصحاب، تربية ومواقف تعلّم منها الصحابة الكرام الكثير، ونتعلم منها نحن الكثير. وإلى لقاء آخر نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.