اكتمل ✓
الخوف من الله والرجاء وأحاديث الخشية وآياتها في ميزان الإسلام - المبشرات, تصوف

ما حقيقة الخوف من الله والرجاء وكيف يحقق المؤمن التوازن بينهما؟

الخوف من الله والرجاء صفتان متلازمتان ينبغي للمؤمن أن يوازن بينهما؛ فالخشية تمنعه من المعصية والرجاء يمنعه من اليأس من رحمة الله. وللخشية ثلاث مراتب: خشية العوام من عذاب الدنيا، وخشية الخواص من عذاب الآخرة، وخشية خواص الخواص وهي الحياء من الله لذاته. والتوازن بين الخوف والرجاء يرقى بالمؤمن إلى محبة الله لذاته لا خوفاً من ناره ولا طمعاً في جنته.

11 دقيقة قراءة
  • كيف يوازن المؤمن بين الخوف من الله والرجاء دون أن يقع في اليأس أو الغرور؟

  • الخشية والرجاء صفتان متلازمتان خلق الله الإنسان قابلاً لهما، ولا يصح إيمان بإحداهما دون الأخرى.

  • للخشية ثلاث مراتب: خشية العوام من ضيق الدنيا، وخشية الخواص من عذاب الآخرة، وخشية خواص الخواص وهي الحياء من الله لذاته.

  • أحاديث عن الخوف من الله تؤكد النهي عن التنطع والتشدد، ومنها قصة عبد الله بن عمرو بن العاص الذي ندم على عدم الأخذ بنصيحة النبي في التيسير.

  • آيات الخوف من الله تقترن بآيات وصف الجنة وثوابها لتحقيق التوازن بين الترغيب والترهيب في نفس المؤمن.

  • الغاية القصوى من الخشية والرجاء هي الترقي إلى محبة الله لذاته حتى يسجد القلب له فلا يرفع أبداً.

مقدمة الحلقة والترحيب بفضيلة الشيخ علي جمعة مفتي الديار المصرية

[المذيع]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.

حلقة جديدة من حلقات برنامج المبشرات مع فضيلة الإمام الأستاذ الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية. أهلًا ومرحبًا بك.

[الشيخ]: أهلًا وسهلًا بكم، مرحبًا.

[المذيع]: كنا في نهاية الحلقة الماضية مولانا تحدثنا فيها عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وعن التمكين في الأرض، وكنا سألنا فضيلتك عن الخشية والرجاء أو الخوف والرجاء كصفة من صفات جيل النصر، وكنا قلنا إننا سنستكمل في حلقة اليوم.

صفتا الخشية والرجاء المتلازمتان وقابلية الإنسان لهما

[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

هناك صفتان متلازمتان ينبغي للمؤمن أن يتصف بهما، وأن يعرض نفسه في قابليته التي خلقها الله له. الإنسان خلقه الله وهو قابل للخوف وقابل للرجاء، قابل للخشية وقابل للطمع في فضل الله سبحانه وتعالى ورحمته، قابل للترغيب وقابل للترهيب.

هذه القابلية ينبغي على المؤمن أن يستعملها وأن يستغلها حتى يعرض نفسه للمبشرات.

﴿إِن تَنصُرُوا ٱللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: 7]

فلا بد علينا أن نستجلب وأن نطلب وأن نسعى لأخذ نصر الله، وأن نكون من المنصورين إن شاء الله.

[المذيع]: إن شاء الله.

وجوب التوازن بين الخشية والرجاء وخطر غلبة الخشية على الإنسان

[الشيخ]: فكيف هذا؟ هذا [النصر] أيضًا وهو من المبشرات وهو من وعود الله التي لا تتخلف، يأتي عندما يتحقق الإنسان بالخشية والرجاء.

ينبغي على الإنسان أولًا أن يوازن بينهما، وألا تغلبه حالة الخشية بحيث لا يرى رجاءً في رحمة الله؛ لأن هذا يأس من روح الله، ولا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون.

فسيطرة الخشية على الإنسان قد تُدخله في نوع من أنواع التطرف أو المغالاة والمزايدة، وهذا يدفع الإنسان إلى الخروج عن المثال النبوي عندما تغلبه الخشية. والخروج عن المثال النبوي منهي عنه.

منحنى الجرس والأسوة الحسنة في رسول الله وخطر الزيادة على هديه

[الشيخ]: إنه مثل المنحنى الذي يسمونه منحنى الجرس، يرتفع هكذا إلى نقطة معينة ثم ينزل مرة أخرى. هذه النقطة العليا هي سيدنا رسول الله عليه الصلاة والسلام.

﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُوا ٱللَّهَ وَٱلْيَوْمَ ٱلْـَٔاخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: 21]

لو زدنا عليه نكون قد نقصنا.

[المذيع]: لو زدنا عليه صلى الله عليه وسلم نكون قد نقصنا.

[الشيخ]: نعم، هذا يعني أنا أزيد هكذا وهكذا حتى أصبح مثال النبي عليه الصلاة والسلام، زدت [عن هديه] أبدأ أنزل وسأكون في حالة نزول حتى أنزل أسفل سافلين. كلما زاد [عن هديه] هلك.

نهي النبي عن التنطع والتشدد في الدين وحديث المنبت

[الشيخ]: المتنطعون عليه الصلاة والسلام نهانا عن التنطع، عن التشدد.

قال النبي ﷺ: «إن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه»

ومع هذا يقول [النبي ﷺ]:

«إن المنبت لا أرضًا قطع ولا ظهرًا أبقى»

وفي حديث آخر:

قال النبي ﷺ: «ألا إني أقوم وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء، ومن رغب عن سنتي فليس مني»

[المذيع]: عليه الصلاة والسلام.

[الشيخ]: يقولها لعثمان بن مظعون وإخوانه عندما يعلم أنهم أحدهم قال: أصوم ولا أفطر، وآخر قال: أقوم ولا أنام، وآخر قال: لا أتزوج ولا أقرب النساء. ما هذا؟ هذه زيادات. لماذا يفعلونها؟ عبادة، نعم، تقرب؛ لأنهم سألوا عن حال رسول الله فتقالّوه [أي استقلّوه]. هو فقط هكذا؟

قصة عبد الله بن عمرو بن العاص ونصيحة النبي له بعدم المبالغة في الصيام

[الشيخ]: نعم، هذا الاستقلال، إن هذا الاستقلال هو عملية فيها شيء من الفتوة والاعتزاز بالقوة.

الآن ولذلك سيدنا عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما عندما قال لرسول الله: أنا أصوم الدهر، قال له [النبي ﷺ]:

«لا، ما صام من صام الدهر»

وفضّل معه، فلتجعلها يومًا في الشهر، أو اجعلها يومين، أو ثلاثة، حتى وصل إلى صوم يوم وإفطار يوم.

[المذيع]: صيام النبي داود عليه السلام.

[الشيخ]: وهذا صيام نبي الله داود، وليس هناك أفضل من ذلك. ولعل الله - أنظر إلى الكلام - ولعل الله أن يطيل في عمرك، صحيح، فلا تكن مثل فلان [الذي] يقوم الليل ثم تركه.

ندم عبد الله بن عمرو على عدم الأخذ بنصيحة النبي في التيسير

[الشيخ]: فأطال الله في عمر عبد الله بن عمرو بن العاص، وكان في يوم القيظ والحر الشديد أيضًا ما زال صائمًا، وهو يبكي ويقول: يا ليتني سمعت نصيحة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

نعم، أنت اليوم قال [لك النبي ﷺ ذلك]، لكن الله يحب منك دائمًا الزيادة والاستمرار.

قال النبي ﷺ: «أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قلّ»

لكن أن تقطع في الطريق بهذا الشكل وترجع مرة ثانية، انظر إلى سيدنا عبد الله حين تربى في مدرسة النبوة، لم يترك، لكن كان عنده [مشقة شديدة].

[المذيع]: يا ليتني أخذت بالأمر الأيسر، يا ليتني كنت أخذت به؛ لأنه كان يعاني من مشقة بليغة وبالغة أتعبته، فقد كبر في السن والجو حار وهو طبعًا غير قادر على ترك ما بدأه؛ لأنه تربية النبي صلى الله عليه وسلم.

الأسوة الحسنة في رسول الله تحقق التوازن بين الخشية والرجاء

[الشيخ]: فهذا المعنى وهو الأسوة الحسنة في رسول الله تجعلنا نوازن بين الخشية وبين الرجاء، بين الترغيب وبين الترهيب، بين الخوف وما بين الطمع في رحمة الله سبحانه وتعالى.

لا بد من التوازن. فما حقيقة الخشية إذن؟

الخشية حقيقتها أنني خائف من ربنا، نعم، فيها رهبة. وهذه الرهبة تحدث بطرق مختلفة مع الناس؛ فمنهم من يخشى عذاب الله على حد قوله:

﴿ذَٰلِكَ يُخَوِّفُ ٱللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَـٰعِبَادِ فَٱتَّقُونِ﴾ [الزمر: 16]

أنواع الخشية من عذاب الدنيا وعذاب الآخرة والاستحياء من الله

[الشيخ]: فمنهم من يخشى عذاب الله في الدنيا، يعني تجده خائفًا أن تضيق عليه الأرزاق، تجده خائفًا أنه تنزل به الأمراض، فتجده خائفًا أن تحل به الكوارث، وتجده خائفًا أن يصاب بمصائب كمصيبة الموت في عزيز لديه.

﴿فَأَصَـٰبَتْكُم مُّصِيبَةُ ٱلْمَوْتِ﴾ [المائدة: 106]

خائفًا من عذاب الدنيا، نعم. وفريق آخر تجده خائفًا من عذاب الآخرة.

وفريق آخر تراه يستحي من الله، يستحي من الله يعني لا خوفًا من عذابه ولا طمعًا في جنته، وإنما حبًا في ذاته واستحياءً منه. مكسوف يا أخي، مكسوف أن يجاهر الله بمعصية.

مقام الإحسان وعبادة الله كأنك تراه ومراقبته في السر والعلن

[الشيخ]: وهذا [المستحيي من الله] يكون قد دخل في دور الإحسان الذي أشار إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح، في حديث جبريل وهو قد أتى ليعلم الأمة أمر دينهم.

وما الإحسان؟ قال [النبي ﷺ]:

«أن تعبد الله كأنك تراه»

فالإنسان لو تخيل هكذا أن الله معه في كل ساعة وأنه يراقبه وأنه هو مقصوده وما إلى ذلك، استحيا منه. يعني يخجل أن يفعل شيئًا [أي يخجل أن يعصي الله]؛ لأن الإنسان يخجل أن يفعل شيئًا أمام الناس.

نعم، فتراه يفعلها [أي المعصية] في الخفاء. حسنًا، أنت أمام الناس فقط، أنت هكذا نسيت أنك معك الله المطلع عليك.

عقيدة اطلاع الله على السر والعلن والخشية المقترنة بالاستحياء

[الشيخ]: عقيدة أن الله مطلع علينا وأنه ينظر إلينا ويعلم ما في سرنا وما في خفايانا، ويعلم السر وأخفى، ويعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، ويعلم ذات الصدور.

كل هذه الأمور هي عقيدة أساسية؛ لأن فيها أنني أخاف من الله سبحانه وتعالى وأستحي منه خوف استحياء.

وأدعو الله سبحانه وتعالى حينئذٍ أن يقيمني حيث ما يرضى وألا يكتب عليّ أن يقيمني حيث ما يغضب.

مراتب الخشية الثلاث خشية العوام والخواص وخواص الخواص

[الشيخ]: فهنا معنى الخشية: الإنسان لو كان كذلك [مستحضرًا لمراقبة الله] كان قلبه معلقًا بالله.

فيكون إذن هناك خشية، أي مثل خشية العوام وهي الخشية من حلول النقص في الدنيا. وهناك خشية - يعني كأنها خشية الخواص - وهي الخوف من الحساب والعقاب الأخروي.

وهناك خشية خواص الخواص وهي عملية الحياء من الله سبحانه وتعالى والخشية منه لذاته سبحانه وتعالى.

فهذه كلها معانٍ طيبة تدعو الناس إلى رقة القلوب، تدعو الناس إلى الذكر القلبي، أن الإنسان لا ينسى الله سبحانه وتعالى ولا يجعله في هامش فكره وتأمله وذكره، بل يجعله:

﴿فَٱذْكُرُونِىٓ أَذْكُرْكُمْ وَٱشْكُرُوا لِى وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: 152]

ويجعله:

﴿وَٱلذَّٰكِرِينَ ٱللَّهَ كَثِيرًا وَٱلذَّٰكِرَٰتِ﴾ [الأحزاب: 35]

﴿وَٱذْكُرُوا ٱللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الجمعة: 10]

ارتباط الخشية بالرجاء وصفات الجلال والجمال والكمال لله تعالى

[الشيخ]: إذن من صفات المؤمن الخشية، وهذه الخشية ينبغي ألا تنفصل عن الرغبة وعن الرجاء والطمع في فضل الله سبحانه وتعالى.

فإن الله سبحانه وتعالى له صفات جمال وله صفات جلال وله صفات كمال.

حسنًا.

[المذيع]: لنتعرف يا مولانا على الفارق بين هذه الصفات بعد الفاصل.

[الشيخ]: إن شاء الله.

ارتباط الخشية بالرجاء كوجهين لعملة واحدة والتوازن بين الترغيب والترهيب

[المذيع]: فاصل ونعود إليكم فابقوا معنا. بسم الله الرحمن الرحيم، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. عدنا إليكم من الفاصل، الجزء الثاني من حلقة اليوم من حلقات برنامج المبشرات مع فضيلة الإمام الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية.

تفضل يا مولانا، كنا توقفنا عند الخشية، وأن هناك خشية العوام وخشية الخواص وخشية خواص الخواص، وبدأنا نتكلم عن الطمع في كرم الله سبحانه وتعالى.

[الشيخ]: لا بد أن ترتبط هذه الخشية دائمًا بمستوياتها بأي مستوى كان، لا بد أن ترتبط ارتباطًا وثيقًا كوجهين لعملة واحدة مع الرجاء.

فإن الترغيب والترهيب بهما يتم تقويم الإنسان وليس بأحدهما.

وصف الله للعذاب بأنواعه ودركاته في مقابل وصف الجنة وثوابها

[الشيخ]: ربنا سبحانه وتعالى كما أن له عذاب فإن له ثواب، وثوابه وصفه بتفصيل عجيب غريب وهو يصف الجنة.

كما أن عذابه الذي خوّف به عباده من أجل تقواه ومن أجل أن ينتزعوا أنفسهم من الشر، ينتزعون أنفسهم من المعصية، ومن القاذورات، ينتزعون أنفسهم من الكسل والعجز إلى الطاعة ونورها.

فإنه أيضًا عرض العذاب بطريقة قوية وواضحة؛ فجعل من العذاب ما هو العذاب المهين، والعذاب الشديد، والعذاب الأليم. وجعل من العذاب ما هو دائم، وجعل من العذاب ما هو خالد، وجعل من العذاب ما هو على أنواع ودركات. فجهنم لها سبعة أبواب.

ولكن في المقابل فإنه وصف الجنة وبشّر بها وصفًا رفضه بعض المغفلين.

رد على من استعظم وصف الجنة والنار وبيان أنها فضل الله العظيم

[المذيع]: رفضه بعض المغفلين! بعض المغفلين، ما هذا؟ ما هذه الجنة التي تتحدثون عنها؟ إنها شيء جديد، يعني نعم.

[الشيخ]: فهي ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. نعم، هذا فضل الله يا أخي.

بعض الناس استعظم وصف النار، والله هذا ربما له سبب هو في الحقيقة ليس له، لكن ربما يكون له عذر أنه خائف.

[المذيع]: فيحاول أن ينكر؟

[الشيخ]: نعم، فيحاول أن ينكر. لكن لماذا تنكر خير ربنا؟

وصف الجنة في الكتاب والسنة وأن أقل أهلها له عشرة أمثال ملك الأرض

[الشيخ]: وعندما تتأمل في صفات الجنة فإنها شيء عجيب الشكل كما ورد في الكتاب والسنة؛ يُذكر أن أقل شخص له عشرة أمثال ملك الأرض.

وكم يبلغ ملك الأرض هذا؟ يعني الكرة الأرضية بأكملها، للكرة الأرضية مساحة، وهذه المساحة تُضرب في عشرة، وهذا لأقل شخص في الجنة. أدنى واحد، فما بال المتوسط ماذا سيكون له، والأكبر ماذا سيكون له، وما هي القصة إذن.

حسنًا، هذه الجنة ترابها من المسك، عجينة من المسك هكذا. إذن كيف تكون رائحة هوائها؟

[المذيع]: كيف تكون رائحته حقًا؟

[الشيخ]: إنها فوّاحة يعني.

[المذيع]: نعم، ما شاء الله.

الرد على ملحد أنكر نعيم الجنة بسبب عدم وجود شمس فيها وبيان معنى الزمهرير

[الشيخ]: سمعت من أحد الملحدين مرة، وما أكثرهم في عصرنا، وهو يستمع إلى:

﴿لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا﴾ [الإنسان: 13]

فقال: أي جنة هذه؟ إذا لم يكن فيها شمس تكون مظلمة، وإذا لم يكن فيها زمهرير...

[المذيع]: تكون حارة، تكون رطبة، لا توجد شمس ولا يوجد زمهرير. فهو فهم الزمهرير كأنه ريح [باردة].

[الشيخ]: في حين إن المفسرين يقولون إن الزمهرير اسم من أسماء القمر، فيكون معنى:

﴿لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا﴾ [الإنسان: 13]

أي لا شمس ولا قمر. وهذا يعني أنه لا يوجد ليل ونهار، وهذا يعني أن الزمن غير معدود.

معنى الخلود في الجنة وانتهاء الزمن وذبح الموت بين الجنة والنار

[الشيخ]: ولذلك نحن باقون لا نتغير، أي أنني في الثالثة والثلاثين من عمري وسأظل هكذا. هذا هو معنى الخلود: أن لا يوجد زمن، فالزمن قد انتهى تمامًا، والموت قد ذُبِح بين الجنة والنار.

وصاحبنا المسكين الملحد قال:

﴿لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا﴾ [الإنسان: 13]

فكأنها ستكون مظلمة. فقلت له: لكنك لم تنتبه. فقال: كيف؟ فقلت له:

﴿وَأَشْرَقَتِ ٱلْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا﴾ [الزمر: 69]

يا أخي، هذا أصله نور السماوات والأرض:

﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَوٰةٍ﴾ [النور: 35]

أنت في الحقيقة لم تنتبه.

﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ ٱلْكِتَـٰبِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ [البقرة: 85]

تقرأ جزءًا وتترك جزءًا!

خلود نعيم الجنة وعدم تغير أطعمتها وأشربتها وثمارها المتشابهة

[الشيخ]: لا يرون فيها شمسًا ولا زمهريرًا، فيكون فيها خلود، ولا يكون فيها تغير، ويكون فيها وقاية من أن يأسن الماء مثلًا، أي يتغير رائحته أو لونه أو طعمه أو ما شابه ذلك إلى آخره.

فتبقى الأشياء كما هي خالدة، لا يوجد شيء اسمه الموز يتعفن وتصيبه البكتيريا، لا يوجد شيء هكذا. هذا الموز سيظل بمظهره وحلاوته وأنه أُوتي لنا متشابهًا.

فعندما نأتي لنتذوقه نجده ليس موزًا.

[المذيع]: نجد شيئًا يشبه الموز هذا لكن طعمه أجمل بكثير.

[الشيخ]: نعم.

﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَـٰبِهًا﴾ [البقرة: 25]

فأنت لم تنتبه إلى أن الأرض أشرقت بنور ربها، وأن هذه الأرض هي أرض الجنة.

عجائب الجنة من انعدام الجاذبية والاتصال المباشر وتقريب المعنى في الدنيا

[الشيخ]: هذه الجنة حين تستمر في وصفها تجد أنه ليس فيها جاذبية، وتجد أنك عندما تتخيل شيئًا يحدث أمامك، وتجد أن الاتصال بينك وبين أي شيء يتم مباشرة، أي بالكلام الحديث وايرليس [لاسلكي] من غير سلك ومن غير شيء.

الله يرينا في الدنيا موضوع التلفزيونات وموضوع الهاتف المحمول وموضوع الفضاء وعلومه ومعلوماته وما إلى ذلك.

[المذيع]: تقريبًا للمعنى.

[الشيخ]: تقريب لبعض المعنى؛ يعني كل فترة يعطينا شيئًا، طبعًا من ملايين الأشياء التي سنراها في الجنة.

وصف الجنة في القرآن والسنة يدعو إلى الرجاء والتعلق بفضل الله

[الشيخ]: وهذا كله موصوف في القرآن بصفات واضحة وبيّنة ومتكررة، بحيث إنك أنت عندما ترسم صورة من القرآن ومن السنة للجنة فتجدها شيئًا بديعًا وشيئًا جميلًا جدًا وشيئًا مبالغًا فيه جدًا.

كل هذا لماذا؟ كل هذا لأجل أن ترجو رحمة الله، كل هذا لأجل أن يتعلق قلبك بالعطاء وبالرجاء.

إذا وازنت بين الخشية فامتنعت من المعصية، ولكن في نفس الوقت لم تصل إلى حد الإحباط وإلى حد الكآبة والاكتئاب، وإلى حد أن تسيطر عليك الخشية فتجعلك كئيبًا مكتئبًا.

فلا بد عليك أيضًا من الرجاء في وجه الله حتى تصل إلى هذا التوازن.

خطر نسيان الخشية والاكتفاء بالرجاء واستغلاله في غير موضعه

[الشيخ]: لكن بعض الناس ينسى الخشية ويأخذ جانب الرجاء فقط.

[المذيع]: ربك رب قلوب يا أخي، ليس لك شأن بي، فأنا سأدخل الجنة حتى لو لم أصلِّ، كما نرى بعض الناس يفعلون.

[الشيخ]: وهنا قد استُغل الرجاء في غير ما هو له؛ الرجاء موجود ليوازن الخشية، والخشية موجودة لتوازن الرجاء، وذلك حتى تسير وأنت محب لله سبحانه وتعالى.

تفعل هذا من قلبك لا خوفًا من ناره ولا طمعًا في جنته، وإنما حبًا في ذاته.

[المذيع]: جل جلاله.

الترقي من الخوف من النار وحب الجنة إلى محبة الله لذاته سبحانه

[الشيخ]: فإنك بهذا وإن كان الخوف من النار والطمع في الجنة من الأمور الشرعية، إلا أن عدم الالتفات إليها أو الترقي من هذا إلى مرحلة أكبر أيضًا من الأمور الشرعية.

فالخوف من النار وحب الجنة ليس سيئًا، هذا شيء جميل. لكن هناك التفات وتعلق، وهناك إيمان وتصديق ورغبة.

فنحن نريد أن يكون من الإيمان والتصديق والرغبة، وليس من التعلق والالتفات، بحيث لا تكون حتى الجنة والنار حجابًا لنا عن الله سبحانه وتعالى.

نحن نحب الله سبحانه وتعالى لأنه يستحق هذا الحب، نحن نخشى الله سبحانه وتعالى لأنه سبحانه وتعالى يستحق هذه الخشية منا ويستحق أكثر من هذه الخشية منا.

سجود القلب لله لا يرفع أبداً وبشاشة الإيمان إذا خالطت القلوب

[الشيخ]: ولذلك لو عرفنا الحقائق ربما كنا نسجد فلا نقوم. ولذلك قال أهل الله إنه إذا سجد القلب فإنه لا يرفع أبدًا.

إذا سجد القلب...

[المذيع]: يظل ساجدًا.

[الشيخ]: يظل ساجدًا أبدًا على الدوام. وهنا ملحظ: أبي سفيان يقول له [هرقل]: أصحابه أيزيدون أم ينقصون؟ فقال: بل يزيدون. قال [هرقل]: هكذا الإيمان إذا خالطت بشاشته القلوب.

الذي هو سجود القلب لله سبحانه وتعالى؛ إذا سجد القلب لله لا يمكن أن يقوم مرة أخرى، فيبقى ساجدًا هكذا هو والإيمان قد دخل.

وإذا دخل الإيمان قلب أحدهم فهنيئًا له، فإنه لن يخرج أبدًا إلى يوم القيامة.

اكتمال الإيمان بالخشية والرجاء معاً والدعاء بالحشر مع أهلهما

[الشيخ]: وحينئذٍ يكمل إيمانه بالخشية والرجاء معًا، وهو الذي نرجو الله سبحانه وتعالى أن يحشرنا مع أولئك الذين قد منّ الله عليهم بالخشية والرجاء.

[المذيع]: آمين يا رب. ربنا يفتح عليك يا مولانا، ووقت الحلقة انتهى. سننتقل يا مولانا إن شاء الله في الحلقة القادمة من الخشية والرجاء إلى تقوى الله سبحانه وتعالى.

فإلى ذلك الحين نستودع الله دينكم وأماناتكم وخواتيم أعمالكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. فتح الله عليك.

ما شعورك تجاه هذا الفيديو؟

شاركنا أثر المحتوى على قلبك

هل تنصح بهذا الفيديو؟

صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى

الأسئلة الشائعة

أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا الفيديو

ما الذي يحدث للإنسان إذا غلبت عليه الخشية دون رجاء؟

يقع في اليأس من روح الله والتطرف

ما المقصود بمنحنى الجرس في سياق الحديث عن الأسوة النبوية؟

أن النبي هو القمة وأن الزيادة على هديه تعني النزول

ما الحديث النبوي الذي يصف أفضل الأعمال عند الله؟

أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل

ما خشية خواص الخواص وفق المراتب الثلاث للخشية؟

الحياء من الله لذاته لا خوفاً من عذابه ولا طمعاً في جنته

ما معنى الزمهرير في قوله تعالى ﴿لا يرون فيها شمساً ولا زمهريراً﴾ وفق المفسرين؟

اسم من أسماء القمر

ما الذي يميز أقل شخص في الجنة وفق ما ورد في الكتاب والسنة؟

له عشرة أمثال ملك الأرض

لماذا ندم عبد الله بن عمرو بن العاص على عدم الأخذ بنصيحة النبي؟

لأنه عانى مشقة بالغة من الصيام الشديد في الكبر والحر

ما الحكمة من وصف الجنة بالتفصيل في القرآن والسنة؟

لتعليق القلب بالرجاء في رحمة الله وتحقيق التوازن مع الخشية

ما مقام الإحسان الذي أشار إليه النبي في حديث جبريل؟

أن تعبد الله كأنك تراه

ما الذي يحدث لثمار الجنة وأطعمتها وفق ما ورد في القرآن؟

تبقى خالدة لا تتعفن ولا تتغير وتُؤتى متشابهة

ما الغاية القصوى من التوازن بين الخشية والرجاء؟

الترقي إلى محبة الله لذاته لأنه يستحق الحب والخشية

ما الذي قاله هرقل لأبي سفيان عن الإيمان؟

هكذا الإيمان إذا خالطت بشاشته القلوب

ما الصفتان المتلازمتان اللتان ينبغي للمؤمن أن يتصف بهما؟

الخشية والرجاء، فالإنسان خُلق قابلاً للخوف من الله وقابلاً للطمع في فضله ورحمته، وينبغي استغلال هذه القابلية للتعرض للمبشرات.

ما الفرق بين خشية العوام وخشية الخواص؟

خشية العوام هي الخوف من حلول النقص في الدنيا كضيق الأرزاق والأمراض، أما خشية الخواص فهي الخوف من الحساب والعقاب الأخروي.

ما معنى قول أهل الله: إذا سجد القلب فإنه لا يرفع أبداً؟

يعني أن من دخل الإيمان قلبه حقاً وتعلق بالله تعلقاً حقيقياً فإن هذا الإيمان لا يخرج من قلبه أبداً إلى يوم القيامة.

ما الحديث النبوي الذي يُبيّن موقف النبي من التشدد في الدين؟

قال النبي: «إن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه»، وقال أيضاً: «إن المنبت لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى».

ما الذي قاله النبي لعثمان بن مظعون وإخوانه حين أرادوا الزيادة في العبادة؟

قال النبي: «ألا إني أقوم وأنام وأصوم وأفطر وأتزوج النساء، ومن رغب عن سنتي فليس مني»، رافضاً الزيادة على هديه.

ما أفضل صيام التطوع وفق ما أرشد إليه النبي عبد الله بن عمرو؟

صيام يوم وإفطار يوم، وهو صيام نبي الله داود عليه السلام، وليس هناك أفضل من ذلك.

ما الفرق بين الخوف من الله والاستحياء منه؟

الخوف من الله يكون خشية من عذابه في الدنيا أو الآخرة، أما الاستحياء منه فهو أرقى درجة إذ يكون حباً في ذاته لا خوفاً من عذابه ولا طمعاً في جنته.

ما الآية التي رُدّ بها على الملحد الذي ظن أن الجنة ستكون مظلمة؟

قوله تعالى: ﴿وأشرقت الأرض بنور ربها﴾، فالجنة مضيئة بنور الله لا بالشمس والقمر.

ما معنى الخلود في الجنة وكيف يرتبط بانعدام الزمن؟

الخلود يعني انعدام الزمن كلياً فلا تغيّر ولا شيخوخة، ويبقى أهل الجنة في سن الثالثة والثلاثين، والموت يُذبح بين الجنة والنار فلا موت بعد ذلك.

ما الخطر الذي يقع فيه من يأخذ بالرجاء وحده دون خشية؟

يستغل الرجاء في غير موضعه فيتساهل في الطاعات ويقول: سأدخل الجنة حتى لو لم أصلِّ، وهذا تفريط مذموم لأن الرجاء موجود ليوازن الخشية لا ليلغيها.

ما الذي يُميّز ثمار الجنة عن ثمار الدنيا وفق قوله تعالى ﴿وأتوا به متشابهاً﴾؟

ثمار الجنة تشبه ثمار الدنيا في الشكل لكن طعمها أجمل بكثير، وهي خالدة لا تتعفن ولا تتغير على عكس ثمار الدنيا.

كيف يُقرّب الله لنا في الدنيا بعض معاني الجنة؟

يُرينا الله في الدنيا من خلال التلفزيون والهاتف المحمول وعلوم الفضاء تقريباً لبعض معاني الجنة، وهذه مجرد أمثلة من ملايين الأشياء التي سنراها هناك.

لماذا لا تكون الجنة والنار حجاباً عن الله عند أهل المقامات العليا؟

لأن المؤمن الراقي يحب الله لذاته لا لجنته ولا خوفاً من ناره، فيكون إيمانه وتصديقه ورغبته في الله لا مجرد تعلق بالثواب والعقاب.

ما عقيدة اطلاع الله وكيف تُولّد الخشية في القلب؟

عقيدة أن الله يعلم السر وأخفى وخائنة الأعين وما تخفي الصدور هي عقيدة أساسية تُولّد خوف الاستحياء من الله، وتدفع المؤمن إلى الدعاء بأن يقيمه الله حيث ما يرضى.

ما الآية التي تُبيّن أن الأسوة الحسنة في النبي هي للراجين الله واليوم الآخر؟

قوله تعالى: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيراً﴾.

التعليقات

سجّل الدخول لإضافة تعليق
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلّق!