ما المصلحة المرسلة وهل شرع من قبلنا حجة في الفقه الإسلامي؟
المصلحة المرسلة هي مصلحة لم ينص الشرع على اعتبارها ولم يُلغِها، وقد اعتبرها الإمام مالك حجةً شرعية بشرط أن تكون موافقةً لمقاصد الشريعة في جملتها. أما شرع من قبلنا فهو حجة بشروط ثلاثة: أن يرد في القرآن أو السنة، وألا يكون في شريعتنا ما ينسخه، وأن تكون ثمة حاجة إليه. وكلا الدليلين من الأدلة المختلف فيها التي تؤول في حقيقتها إلى المصادر المتفق عليها.
- •
هل شرع من قبلنا ملزم للمسلمين اليوم، وما الشروط التي تجعله حجة شرعية معتبرة؟
- •
الأدلة الشرعية تنقسم إلى متفق عليها وهي الكتاب والسنة والإجماع والقياس، وأخرى مختلف فيها تحتاج إلى تحرير المعنى.
- •
شرع من قبلنا حجة بثلاثة شروط: أن يرد في القرآن أو السنة، وألا ينسخه شرعنا، وأن تكون ثمة حاجة إليه.
- •
المصلحة المرسلة هي مصلحة لم يعتبرها الشرع ولم يُلغِها، وقد انفرد الإمام مالك بالتفطن إليها كمساحة ثالثة بين الإلغاء والاعتبار.
- •
أمثلة المصلحة المرسلة متجددة بتجدد الحياة كمترو الأنفاق والمدارس والمواصلات الحديثة، وكلها تندرج تحت الأمر الكلي بفعل الخير ونفع الناس.
- •
الأدلة المختلف فيها تؤول في نهاية المطاف إلى المصادر المتفق عليها، وكثير من الخلاف بين المجتهدين مرده إلى اللفظ لا إلى المعنى.
- 0:00
مقدمة برنامج مفاهيم إفتائية الذي يستعرض المفاهيم الأصولية والاستدلال الشرعي في الفقه الإسلامي.
- 0:26
الأدلة المتفق عليها عند جماهير الأمة هي الكتاب والسنة والإجماع والقياس، مع وجود أدلة مختلف فيها تُعرف بالاستدلال.
- 1:38
الكتاب حجة بالأصالة والسنة حجة تابعة له، والأدلة المختلف فيها يتضيق الخلاف فيها بتحرير معانيها.
- 2:38
الخلاف اللفظي بين المجتهدين يزول غالبًا بتحرير المعنى، إذ لو اطلع كل فريق على مقصود الآخر لاتفقا.
- 3:41
اختلف العلماء في حجية شرع من قبلنا بين مثبت بآية الاقتداء ونافٍ بآية إكمال الدين ونسخ الشرائع السابقة.
- 4:58
شرع من قبلنا المقبول هو ما ورد داخل القرآن والسنة، أما ما جاء من خارج الإسلام فلا يُوثق به لعدم استيفاء منهج الإثبات.
- 5:53
منهج الإثبات العلمي شرط أساسي للأخذ بشرع من قبلنا، إذ لا يُقبل إلا ما ورد موثقًا في القرآن أو السنة.
- 6:45
أربعة مذاهب في الأخذ بشرع من قبلنا: المنع المطلق، والقبول المطلق، والقبول بشرط الورود، والقبول بشرط الورود وعدم المماثلة.
- 7:43
الرأي الراجح في شرع من قبلنا أنه حجة بثلاثة شروط: الورود في شرعنا، وعدم النسخ، والحاجة إليه.
- 8:50
استنبط الإمام محمد عبده قواعد القضاء كاملة من سورة يوسف، وألّف العلمي الشامي في ذلك كتاب مؤتمر سورة يوسف في مجلدين.
- 9:56
الراجح أن كل القرآن مصدر لاستنباط الأحكام لا آيات الأحكام الصريحة فقط، وهو ما ذهب إليه الإمام الغزالي.
- 10:58
استدل الشافعي على الإجماع بعد ستين قراءة للقرآن، واستدل العلماء على القياس بآية ﴿فاعتبروا﴾، وكلاهما يؤول إلى الاستدلال بالكتاب.
- 12:11
الأدلة المختلف فيها تؤول في حقيقتها إلى المصادر المتفق عليها وتمثل جانبها التطبيقي العملي.
- 12:41
المصلحة المرسلة مساحة ثالثة بين المعتبرة والملغاة، تفطّن إليها الإمام مالك، وهي موافقة لمقاصد الشريعة الكلية.
- 14:03
الله هو الحاكم بالحسن والقبح، وقد التفت الإمام مالك إلى مساحة المصلحة المرسلة بين الملغاة والمعتبرة.
- 14:44
الإمام مالك لا يشرع بالهوى بل يأخذ بمصلحة وافق عليها الشرع كليًا، ومن رفضها لو فهم مقصودها لأقرّها باعتبارها قياسًا.
- 15:56
المصالح المرسلة معتبرة شرعًا بكليتها لا بجزئيتها، وهذا ما غاب عمن اتهم الإمام مالك بالتشريع مع الله.
- 16:40
المصلحة المرسلة تتغير بتغير الزمان والمكان، ومثالها محطة المترو في القاهرة التي وُجدت وتطورت تبعًا لمصلحة الناس.
- 17:56
مترو الأنفاق في القاهرة نموذج حي للمصلحة المرسلة، إذ نُقل تحت الأرض لتيسير حياة الناس وتخفيف الازدحام.
- 19:08
المصلحة المرسلة لا نهاية لها، ومن أمثلتها نظام المدارس الحديثة بجرس الحصص والطابور، ومحطات المواصلات المتنوعة.
- 19:57
الشرع يأمر بتحقيق المصلحة ونفع الناس بأوامر كلية تندرج تحتها آلاف التطبيقات من جرس المدرسة إلى مترو الأنفاق.
- 20:46
رفض كل جديد بحجة أن النبي لم يفعله جهل بمبدأ المصلحة المرسلة وبتغير الزمان والمكان والأحوال.
- 21:41
الشرع يريد المسلمين أقوياء، والمصلحة المرسلة تشمل الهياكل الأساسية للتطور، ومن سوء الفهم مقاطعة الحرم بسبب الميكروفون.
- 22:31
المصلحة المرسلة حجة ما لم تُلغَ، وضابطها أن تكون مصلحة حقيقية لم يرد في الشرع ما يُلغيها.
ما موضوع برنامج مفاهيم إفتائية وما المحاور التي يتناولها؟
برنامج مفاهيم إفتائية يتناول المفاهيم الأصولية المتعلقة بالاستدلال الشرعي وأدلة الفقه الإسلامي. تناولت الحلقات السابقة القرآن والسنة كأدلة شرعية، وتستكمل هذه الحلقة الحديث عن الأدلة المختلف فيها.
ما الأدلة المتفق عليها والمختلف فيها في أصول الفقه الإسلامي؟
الأدلة المتفق عليها عند جماهير الأمة هي الكتاب والسنة والإجماع والقياس. وكلمة الاتفاق هنا تعني اتفاق الجماهير لا كل الأمة، إذ أنكر ابن حزم القياس وحصر الإجماع في إجماع الصحابة، وأنكر النظّام الإجماع أصلًا. وإلى جانب هذه الأربعة توجد أدلة مختلف فيها يسميها بعضهم الاستدلال.
ما علاقة الكتاب والسنة بالأدلة المختلف فيها في أصول الفقه؟
الكتاب والسنة هما الأصل الذي تستمد منه الحجة؛ فالقرآن حجة بالأصالة بوصفه كلام الله، والسنة حجة تابعة له لأن الحكم هو خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين. أما الأدلة المختلف فيها فإن تحرير معانيها يُضيّق الخلاف بين المجتهدين، وكثير من هذا الخلاف مرده إلى اللفظ لا إلى المعنى.
ما المقصود بالخلاف اللفظي بين المجتهدين وما أثره في مسائل الأدلة؟
الخلاف اللفظي هو الخلاف الذي مرده إلى اختلاف التعريفات لا إلى اختلاف المعاني؛ بحيث لو اطلع كل فريق على ما قاله الآخر لوافق عليه غالبًا. وهذا النوع من الخلاف شائع في مسائل الأدلة المختلف فيها، ويزول بتحرير المعنى المقصود من كل مصطلح.
هل شرع من قبلنا شرع لنا وما أدلة كل رأي؟
اختلف العلماء في هذه المسألة؛ فمن قال إنه شرع لنا استدل بقوله تعالى ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾، ومن نفى ذلك استدل بأن شريعتنا كاملة بنص ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ وأنها ناسخة للشرائع السابقة. وعليه فلا حاجة للرجوع إلى صحف إبراهيم أو التوراة أو الإنجيل لاستنباط أحكامنا.
ما الفرق بين الرواية الداخلية والخارجية في مسألة شرع من قبلنا؟
الرواية الداخلية هي ما ورد في القرآن والسنة عن شرائع الأنبياء السابقين كقصص إبراهيم وموسى وحكم العين بالعين، وهذه يمكن الأخذ بها لأنها جاءت من طريق موثوق. أما الرواية الخارجية كالصحف المكتشفة خارج الإسلام فلا يُوثق بها لأنها لم تأتِ من الطريق الذي نعتمده في الإثبات.
لماذا يُشترط منهج الإثبات العلمي في الأخذ بشرع من قبلنا؟
لأن المسلمين بذلوا جهدًا كبيرًا في إثبات القرآن والسنة بمناهج علمية دقيقة، فلا يصح الأخذ بأشياء لم تُوثَّق بالطريقة ذاتها. والقرآن الكريم يأمر بعدم اتباع ما لا علم به ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾. لذا يُشترط أن يكون ما يُؤخذ من شرع من قبلنا قد ورد في كتابنا أو سنة نبينا أولًا.
ما المذاهب الفقهية في الأخذ بشرع من قبلنا وما شروطه؟
تتوزع المذاهب في هذه المسألة على أربعة آراء: مذهب يمنع الأخذ به مطلقًا، ومذهب يقبله مطلقًا، ومذهب يقبله بشرط وروده في شرعنا، ومذهب رابع يقبله بشرطين: الورود في شرعنا وعدم وجود ما يماثله في شريعتنا. والحكم الوارد في شرعنا إما موافق لما قبله فيُؤخذ بشرعنا، وإما مخالف فيكون ناسخًا له.
ما الرأي الراجح في شرع من قبلنا وما شروط الأخذ به؟
الرأي الراجح أن شرع من قبلنا حجة بثلاثة شروط: أن يرد في شرعنا من قرآن أو سنة، وألا يكون في شرعنا ما ينسخه، وأن تكون ثمة حاجة إليه إذ قد تتفاوت الحاجة بتفاوت العصور. ومن تطبيقاته استنباط الإمام محمد عبده قواعد القضاء كاملةً من سورة يوسف عليه السلام.
كيف استنبط الإمام محمد عبده قواعد القضاء من سورة يوسف؟
استنبط الإمام محمد عبده من سورة يوسف قواعد القضاء كاملة، شاملةً صفات القاضي وأحوال الشاهد وإجراءات المحاكمة ولجوء القاضي إلى الحيلة، مستدلًا بوضع يوسف صواع الملك في رحل أخيه واليمين والتثبت ورد القاضي على المتهمين. وقد ألّف العلمي الشامي كتابًا في مجلدين سمّاه مؤتمر سورة يوسف على هذا النهج.
هل يقتصر استنباط الأحكام الشرعية على آيات الأحكام فقط؟
لا، فالإمام الغزالي لم يستحسن حصر القرآن في آيات الأحكام الصريحة، وأكد أن الحكم الضمني يمكن استنباطه من أي آية. وقد كان مقاتل بن سليمان أول من حصر آيات الأحكام في الآيات الصريحة الجلية، لكن الراجح أن كل القرآن مصدر لاستنباط الأحكام، وقد يُفتح على العالم في آية ما لا يُفتح على غيره.
كيف استدل العلماء على حجية الإجماع والقياس من القرآن الكريم؟
بحث الإمام الشافعي في القرآن ستين مرة حتى وجد الدليل على حجية الإجماع، مما يدل على أن الدلالة ليست ظاهرة مباشرة. أما حجية القياس فاستدل عليها العلماء بقوله تعالى ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾ معتبرين أن كلمة اعتبروا دعوة للقياس واستنباط الأحكام. وكلا الدليلين يؤولان في نهاية المطاف إلى الاستدلال بالكتاب.
ما العلاقة بين الأدلة المختلف فيها والمصادر المتفق عليها في أصول الفقه؟
الأدلة المختلف فيها كثيرًا ما تؤول إلى مصدر من المصادر المتفق عليها، وتكون هي الجانب التطبيقي العملي لتلك المصادر. فشرع من قبلنا يؤول إلى الاستدلال بالكتاب والسنة، والمصلحة المرسلة تؤول إلى مقاصد الشريعة الكلية الواردة فيهما.
ما المصلحة المرسلة وما الفرق بينها وبين المصلحة المعتبرة والملغاة؟
المصلحة المعتبرة هي التي نص عليها الشرع ولا خلاف في الأخذ بها، والمصلحة الملغاة هي التي ألغاها الشرع كمنفعة السارق من سرقته. أما المصلحة المرسلة فهي المساحة الثالثة التي لم يعتبرها الشرع بجزئيتها ولم يُلغِها، وقد تفطّن إليها الإمام مالك. ومن أنكر المصلحة تخوّف من التشريع بالهوى، ومن أثبتها قال إنها موافقة لمقاصد الشريعة الكلية.
من الذي يحكم على الأفعال بالحسن والقبح وما أثر ذلك في المصالح؟
الله سبحانه وتعالى هو الذي يحكم على الأفعال بالحسن والقبح، فما وصفه بالحسن فهو حسن وما وصفه بالقبيح فهو قبيح. ولذلك فإن منفعة السارق من سرقته لا تجعل السرقة حسنة لأن الله وصفها بالقبح. وقد التفت الإمام مالك بذهنه الثاقب إلى أن هناك مساحة ثالثة بين الملغاة والمعتبرة وهي المصلحة المرسلة.
لماذا لا يُعدّ الإمام مالك مشرِّعًا مع الله بأخذه بالمصلحة المرسلة؟
لأن المصلحة المرسلة عند الإمام مالك ليست تشريعًا بالهوى، بل هي مصلحة وافق عليها الشرع بكليتها وإن لم ينص على جزئيتها. ومن لم يفهم هذا التفريق اتهم الإمام مالك بالتشريع مع الله، وهو اتهام لا يليق بعالم أجمعت الأمة على تقواه وعلمه. والحقيقة أن من يرفض المصلحة المرسلة لو عُرض عليه المعنى الحقيقي لها لقال إنها قياس وأقرّها.
كيف وافق الشرع على المصلحة المرسلة بكليتها لا بجزئيتها؟
المصالح المرسلة وافق عليها الشرع بصفة عامة وكلية من حيث مقاصده الكبرى، وإن لم ينص على كل جزئية منها. فاتهام الإمام مالك بالتشريع مع الله يدل على غياب فهم هذه المسألة، لأن الإمام مالك نفسه يرفض التشريع مع الله قطعًا. والمسألة الغائبة عمن يتهمه هي أن الشرع اعتبر هذه المصالح في جملتها.
كيف تتغير المصلحة المرسلة بتغير الزمان والمكان والأحوال؟
المصلحة المرسلة متجددة بتجدد الحياة؛ فمحطة المترو في باب اللوق بالقاهرة لم تكن موجودة قديمًا لعدم الحاجة إليها حين كان الناس يتنقلون بالدواب، ثم وُجدت لما اخترع الإنسان القطار واحتاج إلى المواصلات الحديثة. فعدم وجودها ثم وجودها ثم تحولها إلى مترو أنفاق كل ذلك كان لمصلحة الناس.
كيف يُمثّل مترو الأنفاق في القاهرة نموذجًا حيًا للمصلحة المرسلة؟
مترو الأنفاق نُقل تحت الأرض لتخفيف الازدحام وتيسير حركة الناس، وهذا قرار لم يرد بنصه في الشرع لكنه يحقق مصلحة الناس. فتحويل المحطة من فوق الأرض إلى تحتها كان لمصلحة الناس خالصة، وهو نموذج واضح على المصلحة المرسلة التي تتغير بتغير الأحوال والتطور التقني.
ما أمثلة المصلحة المرسلة في مجال التعليم والمواصلات؟
من أمثلة المصلحة المرسلة في التعليم: الانتقال من الكتّاب حيث يجلس الطلاب على الأرض إلى المدارس المنظمة بطابور صباحي وجدول دراسي وجرس للحصص. وفي المواصلات: محطات الحافلات والقطارات والطائرات. وهذه كلها مصالح لا نهاية لها تتجدد بتجدد الحياة.
كيف يأمر الشرع بتحقيق المصلحة المرسلة ونفع الناس؟
الشرع يأمر بتحقيق المصلحة ونفع الناس بأوامر كلية كقوله ﷺ «من كان منكم قادرًا على أن ينفع أخاه بشيء فليفعل» وقوله تعالى ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. وتحت هذا الأمر الكلي يندرج جرس المدرسة ومترو الأنفاق وآلاف الأشياء التي تيسّر الحياة، والمصلحة كالمنفعة وزنًا ومعنى.
ما خطأ من يرفض كل جديد بحجة أن النبي لم يفعله؟
من يرفض كل جديد بحجة أن النبي ﷺ لم يفعله لا يفهم مبدأ المصلحة المرسلة ولا يراعي تغير الزمان والمكان والأشخاص والأحوال. ومثاله الولد الذي اعترض على رصف الطريق أمام القوات المصرية في اليمن قائلًا إن النبي لم يسلك هذا الطريق. وهذا الموقف يدل على الجهل بعالم الأشياء وبمقاصد الشريعة في تحقيق المصلحة.
كيف تتعلق المصلحة المرسلة بقوة المسلمين وتطور بلادهم؟
الشرع يريد من أتباعه أن يكونوا أقوياء لقوله ﷺ «والمؤمن القوي خير وأحب عند الله من المؤمن الضعيف»، وتطور البلاد يتوقف على الهياكل الأساسية التي تحقق المصلحة المرسلة. ومن أمثلة سوء الفهم أن بعض الناس في مكة المكرمة قاطعوا الحرم لما دخله الميكروفون، وهذا يدل على عدم فهم مبدأ المصلحة.
ما خلاصة القول في المصلحة المرسلة وضابط الأخذ بها؟
المصلحة المرسلة حجة شرعية معتبرة ما لم تُلغَ، وضابط الأخذ بها أن تكون مصلحة حقيقية للإنسان المسلم لم يرد في الشرع ما يُلغيها. ولا يصح القول بأن كل ما لم يرد بنصه في الشرع يُحارَب ويُرفض، بل ما دامت المصلحة مرسلة غير ملغاة فيُؤخذ بها تحقيقًا لمقاصد الشريعة.
المصلحة المرسلة وشرع من قبلنا دليلان مختلف فيهما يؤولان إلى مقاصد الشريعة الكلية ولا يعارضانها.
المصلحة المرسلة هي المساحة الثالثة التي تفطّن إليها الإمام مالك بين المصلحة المعتبرة والمصلحة الملغاة؛ فهي مصلحة لم ينص الشرع على اعتبارها بجزئيتها، لكنها موافقة لمقاصده الكلية. ومن أمثلتها الحية: مترو الأنفاق، وجرس المدرسة، وسائر وسائل تيسير الحياة التي تندرج تحت الأمر القرآني بفعل الخير ونفع الناس.
أما شرع من قبلنا فهو حجة بثلاثة شروط: أن يرد في القرآن أو السنة توثيقًا لمنهج الإثبات، وألا يكون في شريعتنا ما ينسخه، وأن تكون ثمة حاجة إليه. وكلا الدليلين يكشفان أن كثيرًا من الخلاف بين المجتهدين مرده إلى اللفظ لا إلى المعنى، وأن الأدلة المختلف فيها تؤول في حقيقتها إلى المصادر المتفق عليها من كتاب وسنة وإجماع وقياس.
أبرز ما تستفيد منه
- المصلحة المرسلة مصلحة لم تُلغَ ولم تُعتبر بجزئيتها، وهي حجة عند الإمام مالك.
- شرع من قبلنا حجة بشرط وروده في القرآن أو السنة وعدم نسخه وثبوت الحاجة إليه.
- الأدلة المختلف فيها تؤول في نهايتها إلى المصادر الشرعية المتفق عليها.
- حيثما تكون المصلحة فإن الشرع يتطلع إليها لتحصيلها لأتباعه في كل زمان ومكان.
مقدمة البرنامج والترحيب بفضيلة الدكتور علي جمعة
[المذيع]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمةً للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.
حلقة جديدة من حلقات برنامجكم مفاهيم إفتائية، يسعدنا ويشرفنا أن نكون معكم في ضيافة فضيلة الإمام العلامة الدكتور علي جمعة، مفتي الديار.
أهلًا ومرحبًا بك يا مولانا.
[الشيخ]: أهلًا بكم، أهلًا وسهلًا.
الأدلة المتفق عليها والمختلف فيها في أصول الفقه الإسلامي
[المذيع]: أهلًا بك يا مولانا. تحدثنا في اللقاءات السابقة من مفاهيم إفتائية يا مولانا عن القرآن والسنة كأدلة شرعية، ونريد أن نكمل مع فضيلتكم الاستدلال بالأمور الأخرى؛ أولًا ما معنى الاستدلال؟ وذلك نتطرق إلى الأدلة التي اختلف فيها.
[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن تبعه.
وقد عرف الأصوليون ما يسمى بـالأدلة المختلف فيها؛ لأن الأدلة المتفق عليها هي: الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس. وكلمة الاتفاق غير كلمة الإجماع. فهذه الأدلة الأربعة — الكتاب والسنة والإجماع والقياس — اتفق عليها جماهير الأمة، وليس كل الأمة.
فابن حزم مثلًا ينكر القياس، ويحصر الإجماع في إجماع الصحابة فقط. وبعضهم ينكر الإجماع، مثل النظّام. ولكن جماهير الأمة من الذين اشتغلوا بالفقه وأنتجوا هذا الإنتاج الثري الذي بين أيدينا، كانت هذه هي المصادر التي رجعوا إليها: الكتاب والسنة والإجماع والقياس.
حجية الكتاب والسنة وعلاقتهما بالأدلة المختلف فيها
ونحن قلنا إن الكتاب والسنة بهما الحجة، وأن الحجة فيهما في ذاتهما؛ إما بالأصالة ككلام الله، وإما بالشرح والتبع والتفسير كسنة رسول الله ﷺ، وهو الذي يقول:
«ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه»
فرسول الله ﷺ حجةٌ في ذاته، ولكنها حجةٌ تابعة لهذا الأصل الذي هو الكتاب؛ لأن الحكم هو خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير أو الوضع.
هناك أدلة مختلف فيها، بعض الناس أسماها الاستدلال. بعض هذه الأدلة تحتاج إلى تحرير المعنى، وكلما حررنا فيه المعنى كلما ضاق الخلاف.
الخلاف اللفظي بين المجتهدين وأثره في مسائل الأدلة
لكن أيضًا من أسباب الخلاف أن كل شخص عرّف هذا المختلف فيه تعريفًا مختلفًا؛ إذا لم يصبح هو الذي يعنيه أخوه المجتهد، بل شيء آخر — قد لو عُرض عليه لأنكره، ولو عُرض هذا المعنى الذي مع المجتهد الأول عليه هو لوافق عليه.
ولذلك يسمونه: اختلاف مرده إلى اللفظ. والخلاف الذي مرده إلى اللفظ ما لو اطلع كل فريق على ما قاله الآخر لقال به غالبًا.
يمكنني أن أطلع على ما تعنيه ولا أقول به أيضًا، ولكن غالبًا ما يكون هذا المعنى متفقًا عليه يا أخي؛ فلماذا نختلف حول هذه الأدلة المختلف فيها؟
شرع من قبلنا هل هو شرع لنا؟ المذاهب والأدلة
مثلًا: شرع من قبلنا هل هو شرع لنا؟ فتجد مذاهب؛ فبعض العلماء يقول: نعم، هو شرع لنا، لأن:
﴿فَبِهُدَىٰهُمُ ٱقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: 90]
يعني: لقد كان لكم في قصصهم عبرة، في قصص الأنبياء عبرة، وفي هدي الأنبياء موعظة. وهؤلاء الأنبياء رضي الله عنهم، وهو الذي أوحى إليهم، وهو الذي شرع لهم، وهو الذي قبل منهم. فهذا معناه أن تصرفات الأنبياء هي أيضًا يجوز أن نستنبط منها أحكامنا نحن الشرعية.
بعض الناس قال: شريعتنا — والحمد لله — كاملة:
﴿ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلْإِسْلَـٰمَ دِينًا﴾ [المائدة: 3]
شريعتنا ناسخة للشرائع الأخرى:
﴿مَا نَنسَخْ مِنْ ءَايَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَآ أَوْ مِثْلِهَآ﴾ [البقرة: 106]
يبقى نحن لسنا في حاجة إلى شرائع من قبلنا، ولا الاطلاع عليها، ولا البحث عن صحف إبراهيم والزبور والتوراة والإنجيل من أجل أن نأخذ منها شرائعنا.
تفصيل العلماء في شرع من قبلنا بين الرواية الداخلية والخارجية
بعض الناس أراد أن يفصّل الكلام فقال: الآن شرع من قبلنا — هذا أنت يا من قلت أنه شرع لنا — الرواية التي أتت من خارج الإسلام، أي وجدنا صحف إبراهيم، قوم نأخذ بها يعني؟ أم الرواية التي جاءت داخل الإسلام؟
داخل الإسلام يعني في القرآن والسنة، يعني قال الله هكذا عن إبراهيم، عن نوح، عن موسى، عن العين بالعين والسن بالسن الذي قال الله سبحانه وتعالى — هذا صحيح تأخذ به حينئذٍ عندما يكون قد أتى من طريقك.
لكن عندما يكون لم يأتِ من طريقك فأنت لا تثق في روايته؛ فسيذكّرنا هذا بقضية الإثبات.
منهج الإثبات العلمي شرط للأخذ بشرع من قبلنا
إذا كنا نحن قد بذلنا الجهد الجهيد من أجل إثبات القرآن، ومن أجل إثبات السنة — فالأشياء التي لم نرها ولم نعرفها، إذا كنا نحتاجها فإننا نوثّقها حتى لا نشك فيها.
فما بالك بأشياء لا نعرفها؟ ولا تقف عند ما ليس لك به علم:
﴿إِنَّ ٱلسَّمْعَ وَٱلْبَصَرَ وَٱلْفُؤَادَ كُلُّ أُولَـٰٓئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْـُٔولًا﴾ [الإسراء: 36]
إذن من منهج العلم ألا أقتفي أثرًا لا أعرفه ولا أتوثق من صحته.
بعض الناس قالوا: لا، نحن نأخذ منهم ما لم يرد في شرعنا. ما لم يرد شرعنا — إذن أولًا يجب أن يكون قد ورد في كتابنا أو في سنة نبينا حتى نتوثق منه، ومنهج الإثبات يكون قد تحقق.
المذاهب الأربعة في الأخذ بشرع من قبلنا وشروطه
ثانيًا: إننا هذا الذي ورد لا نأخذ به جميعًا، بل نأخذ منه ما لم يرد الحكم في شرعنا؛ لأن الحكم الذي ورد في شرعنا إما أن يكون موافقًا لما قبله — إذن فإننا نأخذ بشرعنا أيضًا وهذا صحيح — وأما أن يكون مخالفًا فهو ناسخ له. لكن الشيء الذي لم يرد في شرعنا فهو الذي يمكن أن نأخذ به.
صار عندنا ثلاثة مذاهب [في الأخذ بشرع من قبلنا]:
-
مذهب يمنع مطلقًا.
-
مذهب يقبل مطلقًا.
-
مذهب يقبل إذا كان واردًا عندنا.
-
مذهب يقبل بشرط آخر وهو الرابع: إذا كان واردًا عندنا وكان لا يوجد في شريعتنا ما يماثله موضوع هذا الحكم.
الرأي الراجح في شرع من قبلنا وشروط الأخذ به
والله إنني أظن أنه لو كل فريق اطلع على ما قاله الآخر ليقول بهذا الكلام المنطقي: أن شرع من قبلنا هو شرع أنبياء معتبرون رضي الله عنهم وأوحى إليهم، ولذلك نأخذ به بشروط:
-
أولًا: أن يرد في شرعنا.
-
ثانيًا: ألا يكون في شرعنا ما ينسخه.
-
ثالثًا: أن نحتاج إليه؛ لأن هذا قد لا نحتاج إليه في عصر ونحتاج إليه في عصر آخر.
حسنًا، يذكّرنا هذا مثلًا بسورة سيدنا يوسف؛ عندما كان الشيخ محمد عبده وهو يفسّرها في الأزهر، يستنبط منها قواعد القضاء جميعها: ما الذي يفعله القاضي، وكيف يكون الشاهد وما صفاته، وكيف تكون المحاكمة، ولجوء القاضي إلى الحيلة.
استنباط الإمام محمد عبده قواعد القضاء من سورة يوسف
أجل، عندما وضع يوسف صواع الملك في رحل أخيه، وكذلك اليمين والقسم والتثبت، وردّ القاضي على الشهود أو على المتهمين، ويعني الشدة معهم في بعض المواقف — أخذ منها أشياء كثيرة جدًا تصلح لتأليف كتاب في قصة سيدنا يوسف.
ولذلك كان هناك واحد من الشام ألّف كتابًا في مجلدين، كان اسمه العلمي رحمه الله، يفسّر سورة يوسف على هذا النمط بالنواحي الاجتماعية والقضائية والسياسية والنفسية وغير ذلك، وسمّاه مؤتمر سورة يوسف.
نعم، تخيّل فيه علماء، كل عالم في تخصص معين في هذا المؤتمر، وأخذ يتفاعل مع السورة ومع شرحها، وخرج في مجلدين كبيرين.
القرآن الكريم كله مصدر لاستنباط الأحكام الشرعية
أريد أن أقول إن شرع من قبلنا هذا مورد تحدث عنه الفقهاء، لكن مرده في النهاية وفي الحقيقة أنك قد جعلت كل القرآن مصدرًا لاستنباط الأحكام، وهو الراجح عندي وعند كثيرين، منهم الإمام الغزالي.
الإمام الغزالي يعني لم يستحسن أن نحصر القرآن في آيات الأحكام. ويقولون إن مقاتل بن سليمان هو أول من حصر آيات الأحكام، فصار الناس وراءه، وأنه حصر الآية التي فيها الحكم مباشرةً واضحًا جليًا صريحًا.
أما الحكم الضمني فإن الإنسان يمكن أن يستنبطه من أي آية، ويُفتح عليه فيها ما لا يُفتح على غيره فيها.
الإمام الشافعي والبحث عن دليل الإجماع في القرآن الكريم
جلس الشافعي يقرأ القرآن — وكان من حفّاظه — ستين مرة حتى يبحث عن دليل للإجماع.
ما شاء الله، هذا الحال للإمام الشافعي يدل على أن الدلالة ليست واضحة؛ لأنه لما قرأه أول مرة ومرة ثانية وثالثة وعاشرة لم يلتفت إليها. فالآية في سياقها وسباقها ومردودها على الذهن ليس لها علاقة مباشرة وواضحة بالإجماع، ولذلك لم يلتفت إليها.
كذلك جلس العلماء يفكرون في حجية القياس حتى عثروا على قوله تعالى:
﴿فَٱعْتَبِرُوا يَـٰٓأُولِى ٱلْأَبْصَـٰرِ﴾ [الحشر: 2]
واعتبروا أن هذه الكلمة وكأنها داعية للقياس وداعية لاستنباط الأحكام الشرعية عن طريق هذه الأداة. لهم في هذا كلام واسع وجيد، ولكن تؤول المسألة إلى الاستدلال بالكتاب.
الأدلة المختلف فيها تؤول إلى المصادر المتفق عليها
وكذلك سنرى أن هذه الأدلة المختلف فيها كثيرًا ما تؤول إلى مصدر من المتفق عليه، وتكون هي الجانب التطبيقي العملي لهذه المصادر.
حسنًا، فلننظر إليها معًا يا سيدي بعد الفاصل إن شاء الله.
[المذيع]: فاصل ونعود إليكم، فابقوا معنا.
المصلحة المرسلة دليل مختلف فيه وسبب الخلاف حولها
[المذيع]: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، عدنا إليكم من الفاصل، الجزء الثاني من حلقة اليوم من حلقات برنامج مفاهيم إفتائية مع فضيلة الإمام العلامة الدكتور علي جمعة. قبل أن نخرج إلى الفاصل يا مولانا كنا تحدثنا عن شرع من قبلنا، وفضيلتكم قلتم لنا هو يستمد أيضًا من القرآن والسنة. نستكمل الاستدلال ونبدأ مثلًا بالمصالح المرسلة أو المصلحة المرسلة.
[الشيخ]: من الأشياء المختلف فيها أيضًا قضية المصلحة، والحقيقة أن من أنكر المصلحة تخوّف من أن نشرع مع الله سبحانه وتعالى طبقًا لأهوائنا ومصالحنا الضيقة.
ومن أثبت المصلحة قال: إن المصالح والمصلحة كالمنفعة وزنًا ومعنى نوعان:
- •
مصلحة معتبرة نصّ عليها الشرع، وهذه لا خلاف في الأخذ بها.
- •
مصلحة ملغاة ألغاها الشرع ولم يعتبرها، كالمنفعة التي تحصل للسارق من سرقته.
الله هو الحاكم بالحسن والقبح وأثر ذلك في المصالح
صحيح أن السارق انتفع بسرقته، فيبقى إذن أمرًا جميلًا وشيئًا حسنًا بالنسبة له. نعم، لكنهم قالوا: لا، هذا سيء وهذه جريمة.
نعم، فمن الذي يحكم الأفعال بالحسن والقبح؟ هو الله. فلما وصف هذا بالحسن وهذا بالقبيح، ووصف التصرف في المال بأنه كرم، ووصف الاعتداء على المال بأنه اغتصاب أو سرقة أو كذلك — أصبحت هذه الصفات حقيقة؛ لأن الله سبحانه وتعالى هو الذي قالها.
والتفت ومنهم الإمام مالك بذهنه الثاقب إلى أن هناك مساحة ليست ملغاة ولا معتبرة [وهي المصلحة المرسلة].
الإمام مالك والمصلحة المرسلة بين الإلغاء والاعتبار
إذا من قسّم المصالح إلى ملغاة ومعتبرة فقط، لم يرَ المصلحة المرسلة عن الإلغاء وعن الاعتبار.
واعتبر أنه ما لم تكن معتبرة وما لم ترد في الشرع فإنها تكون ملغاة. وعلى ذلك فمن سار وراء المصلحة عند هذا التفكير وعند هذا التقسيم فقد شرّع.
نعم، لو سألنا الإمام مالك: هل تريد أن تكون مشرّعًا مع الله؟ فعلى الفور يقول: أعوذ بالله، ويقول: حاشا لله مباشرة هكذا.
ولو سألنا الآخر عن أن هذه المسألة معتبرة في جملتها ولم تُعتبر ولم يُنص على جزئها، فعلى الفور يرد عليّ قائلًا لي: إنه قياس. نعم، أي أنك موافق على ذلك؟ يقول: نعم، موافق. فهم المعنى الذي يقصده قصد الآخر.
خطورة اتهام الإمام مالك بالتشريع مع الله والمسألة الغائبة
حسنًا، فإن لم نفهم هكذا فستكون هذه مسألة خطيرة جدًا: أن تصف الإمام مالك الذي أجمعت عليه الأمة، التقي النقي، عالم دار الهجرة — وللعلم هذا رجل محب لرسول الله وللشريعة، وهذا ثابت بطريقة قطعية — أنه يشرّع مع الله. هذا غير مناسب صحيحًا.
فيبقى إذا أنا هناك مسألة غائبة عني أن أتهم الإمام مالك بهذا. فيبقى أنا لديّ في مسألة الغيبة، وما هذه المسألة الغائبة؟ أن هذه المصالح المرسلة قد وافق عليها الشرع فعلًا بكليتها، أجل بكليتها بصفة عامة وليس بجزئيتها.
أمثلة على المصالح المرسلة المتغيرة بتغير الزمان والمكان
[المذيع]: مصالح مرسلة مثل ماذا؟ هي التي تتغير بتغير الزمان والمكان والأشخاص والأحوال؟
[الشيخ]: كان لدينا هنا في القاهرة — ربما الناس الكبار في السن يتذكرونها — محطة للمترو في باب اللوق. حسنًا، قبل ذلك في الماضي، أيام أجدادنا وعلى الأجيال القديمة، المحطة هذه لم تكن موجودة. نعم، واليوم لو ذهبنا إلى مكانها سنجده شارعًا.
صحيح، هل تنتبه إلى ذلك؟ أجل، لا توجد محطة أصلًا. فماذا حدث إذن؟ لم توجد المحطة، وُجدت المحطة، لم توجد المحطة. نعم، إذن: عدم ووجود وعدم.
لماذا لم تكن موجودة؟ لأنه لم تكن هناك حاجة إليها. نعم، لأن الإنسان لم يخترع بعد القطار؛ لأن الإنسان كان ينتقل آنذاك بالحصان، بالحمير، بالإبل، بالهجانة، يعني شيئًا كهذا بالدواب.
مترو الأنفاق في القاهرة نموذج حي للمصلحة المرسلة
وعندما وُجدت [المحطة] لأن الإنسان اخترع القطار، واحتجنا لقطع المسافات الطويلة لهذه المواصلات الحديثة، فأدخلناها تسهيلًا للناس. نعم، إذن عدم وجودها ووجودها أصبح لمصلحة الناس.
ما شاء الله، تطوّر العالم وصنعنا شيئًا يسمى مترو الأنفاق. نعم، ومترو الأنفاق هذا يجري تحت الأرض، مدينة تحت المدينة. صحيح، لكي نجعل الأرض — أي الناس — تستطيع أن تمشي فيها براحة قليلًا بدلًا من الازدحام.
فبدلًا من أن يكون فوق الأرض أصبح تحت الأرض، ودخل قطار حلوان هذا في المنظومة، وأصبح مترو الأنفاق يذهب هنا وهناك، ومن ضمنها هذا الذراع. فقمنا بجعل المحطة تحت الأرض وألغيناها من فوق. وللعلم هي لا تزال تحت، ولها سلّم ننزل عليه وننزل تحت. لماذا؟ لمصلحة الناس.
المصالح المرسلة في المدارس والمواصلات وتطور الحياة
يبقى إذن هذا شأن محطات الحافلات ومحطات القطارات والطائرات وكذلك إلى آخره. هذا شأن طريقة مثلًا المدارس: كنت قديمًا أذهب إلى الكتّاب فأجلس على الأرض، لماذا؟ المتاح هكذا.
وبعد ذلك الآن لا، وأصبح فيها طابور صباحي، وأصبح فيها جدول، وأصبح فيها جرس لكي ينهي الحصة. وأحيانًا يطوّروه [الجرس] بدلًا من الجرس التقليدي الذي يضربونه بأيديهم، فيصبح بزرًا هكذا يقوم بإصدار صوت، وأحيانًا يكون هذا الصوت مثل موسيقى أو شيء آخر لكي ينبّه بانتهاء الحصة.
وهكذا مصالح لا نهاية لها من المصالح المرسلة.
الشرع يأمر بتحقيق المصلحة والنفع للناس في كل زمان
الشرع يقول ماذا؟ يقول:
«من كان منكم قادرًا على أن ينفع أخاه بشيء فليفعل»
جميل، ما شاء الله. إذن الشرع يقول للحاكم والمحكوم وعلى المستوى الفردي والجماعي:
﴿وَٱفْعَلُوا ٱلْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الحج: 77]
وتحت هذا الأمر الكلي الذي لا يحتوي على تفاصيل يدخل جرس المدرسة، ويدخل المترو الخاص بالأنفاق، ويدخل إذن آلاف الأشياء التي يمكن أن تكون مندرجة في تسهيل الحياة على الناس في تحقيق النفع للناس.
أليس قلنا أن المصلحة كالمنفعة وزنًا ومعنى حتى لو لم يرد هذا بخصوصه؟
قصة الضابط المصري في اليمن ومن لا يفهم المصلحة المرسلة
الذي لا يفهم هذا فماذا يفعل؟ الذي لا يفهم هذا — عندما دخلت القوات المصرية في اليمن، عندما قال اليمنيون: أدركونا، فأرسلنا إليهم من القوات المصرية لكي تقف مع الثورة الحديثة — يُحكى أن الضباط الذين ذهبوا أنهم جاءوا يرصفون طريقًا، فقام لهم ولد صغير هكذا عمره ستة عشر عامًا.
ما هو فاقد إذن الحل التي نحن نشرحها هذه؟ أجل، وقال لهم: هذا طريق لم يسر فيه رسول الله ﷺ، من الذي قال لكم أن تفعلوه هكذا؟ نعم، هذه بدعة، وانتبه: هذا طريق لم يسلكه النبي، لماذا تفعلونه؟
هذا لا ينتبه إلى عالم الأشياء، وليس منتبهًا إلى قضية المصلحة، لا ينتبه إلى تغير الزمان والمكان والأشخاص والأحوال.
الشريعة تتطلع إلى المصلحة لأتباعها والمؤمن القوي خير
لا ينتبه أنه حيثما تكون المصلحة فإن الشرع يتطلع إليها لتحصيلها لأتباعه؛ لأن الشرع يريد من أتباعه أن يكونوا أقوياء:
«والمؤمن القوي خير وأحب عند الله من المؤمن الضعيف»
وأن الصناعات الثقيلة أو تطور البلاد يتوقف على الهياكل الأساسية، وأن هذا من الهياكل الأساسية — هو لا يعرف كل هذا. نعم، لكن العلماء يعرفونه.
فلما دخلت الإذاعة والميكروفون، بعض الناس في مكة المكرمة قاطعوا الحرم؛ لأنه دخل فيه صوت الميكروفون.
خاتمة البرنامج والتأكيد على مبدأ المصلحة المرسلة
[المذيع]: حسنًا يا مولانا، الحلقة وقتها انتهت، وهو أيضًا هذا انتهى، وهذا انتهى أيضًا.
[الشيخ]: المصلحة المرسلة هكذا تكون قد انتهت؛ لأننا أوضحنا فيها الحقيقة وما يمكن أن يُستدل به على غيره. إذا كان هناك شيء في مصلحة الإنسان المسلم لا نقول: هذا لم يرد في الشرع ونحن نحارب. ما دام هناك مصلحة مرسلة لم تُلغَ، فنأخذ بها. نعم.
[المذيع]: اسمحوا لي باسم حضراتكم نشكر فضيلة الإمام العلامة الدكتور علي جمعة على هذا الوقت وعلى هذا الجهد وعلى هذا العلم، وعلى وعد باللقاء في الحلقات القادمة إن شاء الله من مفاهيم إفتائية. إلى ذلك الحين نستودع الله دينكم وأماناتكم وخواتيم أعمالكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
ما شعورك تجاه هذا الفيديو؟
شاركنا أثر المحتوى على قلبك
هل تنصح بهذا الفيديو؟
صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى
الأسئلة الشائعة
أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا الفيديو
ما الأدلة الشرعية المتفق عليها عند جماهير الأمة؟
الكتاب والسنة والإجماع والقياس
من العالم الذي أنكر القياس وحصر الإجماع في إجماع الصحابة فقط؟
ابن حزم
ما الشرط الأول للأخذ بشرع من قبلنا وفق الرأي الراجح؟
أن يرد في القرآن أو السنة
كم مذهبًا ذُكر في مسألة الأخذ بشرع من قبلنا؟
أربعة مذاهب
ما المصلحة التي ألغاها الشرع ولم يعتبرها؟
منفعة السارق من سرقته
من الإمام الذي تفطّن إلى المصلحة المرسلة باعتبارها مساحة ثالثة بين الملغاة والمعتبرة؟
الإمام مالك
ما الآية التي استدل بها العلماء على حجية القياس؟
﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾
كم مرة قرأ الإمام الشافعي القرآن بحثًا عن دليل الإجماع؟
ستين مرة
ما الكتاب الذي ألّفه العلمي الشامي في تفسير سورة يوسف؟
مؤتمر سورة يوسف
ما الحديث النبوي الذي يدل على الأمر بتحقيق المصلحة ونفع الناس؟
من كان منكم قادرًا على أن ينفع أخاه بشيء فليفعل
ما الآية التي استدل بها من قال إن شريعتنا ناسخة للشرائع السابقة؟
﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾
من أول من حصر آيات الأحكام في الآيات الصريحة الجلية؟
مقاتل بن سليمان
ما المقصود بالأدلة المختلف فيها في أصول الفقه؟
هي الأدلة التي لم يتفق عليها جماهير الأمة كاتفاقهم على الكتاب والسنة والإجماع والقياس، وتشمل شرع من قبلنا والمصلحة المرسلة وغيرهما، وكثير من الخلاف فيها مرده إلى اللفظ لا إلى المعنى.
ما معنى الخلاف اللفظي بين المجتهدين؟
هو الخلاف الذي لو اطلع كل فريق على مقصود الآخر لوافقه غالبًا، وسببه اختلاف التعريفات لا اختلاف المعاني الحقيقية.
ما الآية التي استدل بها من أثبت حجية شرع من قبلنا؟
قوله تعالى ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: 90]، إذ تدل على أن هدي الأنبياء السابقين يمكن الاقتداء به واستنباط الأحكام منه.
ما شروط الأخذ بشرع من قبلنا وفق الرأي الراجح؟
ثلاثة شروط: أن يرد في القرآن أو السنة توثيقًا لمنهج الإثبات، وألا يكون في شريعتنا ما ينسخه، وأن تكون ثمة حاجة إليه.
لماذا لا يُؤخذ بشرع من قبلنا إذا جاء من خارج الإسلام؟
لأن منهج الإثبات الإسلامي يشترط التوثيق الدقيق، والروايات الخارجية لم تمر بهذا المنهج، فلا يُوثق بها كما لا يُوثق بما لم يُسنَد إسنادًا صحيحًا.
ما الفرق بين المصلحة المعتبرة والمصلحة الملغاة؟
المصلحة المعتبرة نص عليها الشرع ولا خلاف في الأخذ بها، والمصلحة الملغاة ألغاها الشرع ولم يعتبرها كمنفعة السارق من سرقته.
لماذا لا يُعدّ الأخذ بالمصلحة المرسلة تشريعًا مع الله؟
لأن المصلحة المرسلة وافق عليها الشرع بكليتها ومقاصده الكبرى وإن لم ينص على جزئيتها، فهي ليست اتباعًا للهوى بل تحقيق لمقاصد الشريعة.
ما الأمر القرآني الكلي الذي تندرج تحته المصالح المرسلة؟
قوله تعالى ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الحج: 77]، وهو أمر كلي يشمل كل ما يحقق النفع للناس ويُيسّر حياتهم.
ما الدرس المستفاد من قصة الضابط المصري في اليمن؟
أن من لا يفهم مبدأ المصلحة المرسلة وتغير الزمان والمكان قد يعترض على أمور نافعة بحجة أن النبي لم يفعلها، وهذا جهل بمقاصد الشريعة.
ما الذي استنبطه الإمام محمد عبده من سورة يوسف؟
استنبط قواعد القضاء كاملة، شاملة صفات القاضي وأحوال الشاهد وإجراءات المحاكمة ولجوء القاضي إلى الحيلة، مستدلًا بأحداث قصة يوسف عليه السلام.
ما موقف الإمام الغزالي من حصر الاستنباط في آيات الأحكام الصريحة؟
لم يستحسن الإمام الغزالي هذا الحصر، وأكد أن الحكم الضمني يمكن استنباطه من أي آية قرآنية، وأن كل القرآن مصدر لاستنباط الأحكام.
ما الحديث النبوي الذي يدل على أن الشرع يريد المسلمين أقوياء؟
قوله ﷺ «والمؤمن القوي خير وأحب عند الله من المؤمن الضعيف»، وهو يدل على أن تحقيق القوة والتطور من مقاصد الشريعة.
كيف يُمثّل مترو الأنفاق في القاهرة للمصلحة المرسلة؟
لم يكن موجودًا قديمًا لعدم الحاجة إليه، ثم وُجد لما اخترع الإنسان القطار، ثم تطور إلى مترو أنفاق تحت الأرض لتخفيف الازدحام، وكل ذلك لمصلحة الناس دون نص شرعي خاص به.
ما الأدلة التي تؤول إليها الأدلة المختلف فيها في نهاية المطاف؟
تؤول إلى المصادر المتفق عليها وهي الكتاب والسنة والإجماع والقياس، وتكون الأدلة المختلف فيها هي الجانب التطبيقي العملي لتلك المصادر.
ما مثال سوء فهم المصلحة المرسلة في مجال التقنية الحديثة؟
مقاطعة بعض الناس في مكة المكرمة للحرم لما دخله الميكروفون، وهو موقف يدل على عدم فهم أن إدخال التقنية النافعة من المصالح المرسلة المعتبرة.
