برنامج كلمة حق | أ.د علي جمعة | الأمن المجتمعي | بتاريخ 24 - 6 - 2011 - كلمة حق

برنامج كلمة حق | أ.د علي جمعة | الأمن المجتمعي | بتاريخ 24 - 6 - 2011

51 دقيقة
  • الأمن هو أساس الاستقرار، ويشمل أمن الإنسان على نفسه وبيته ومجتمعه، وهو من لوازم الإيمان.
  • يرتبط الأمن بالعدالة الاجتماعية وعدم التفاوت الشديد بين الثروة والفقر، فالظلم يولد الحقد والانتقام.
  • ميز العلماء بين الأمن الاجتماعي المتعلق بالأفراد والأمن المجتمعي المتصل بهيئة المجتمع ككل.
  • مشكلات تهدد الأمن المجتمعي: التفكك الأسري، أطفال الشوارع، ارتفاع نسبة الأمية، انتشار الفقر والبطالة، العشوائيات.
  • التعليم هو المفتاح الأساسي لتحقيق الأمن، ويجب توجيه ميزانية كبيرة له لإصلاح المجتمع.
  • الإسلام لم يكتف بالدعوة للأمن بل وفر مقوماته من عدالة ومساواة وتسامح وحقوق إنسان.
  • البلطجة والحرابة من أخطر ما يهدد أمن المجتمع، وقد توعد الله مرتكبيها بأشد العقاب.
  • استعادة الأمن تتطلب التآلف والتكاتف بين القوى السياسية والفكرية، والعودة للاستقرار والنظام، واحترام القانون.
  • الأمل والإخلاص والهمة هي المفاتيح لعبور الأزمة واستعادة الأمن المجتمعي.
محتويات الفيديو(43 أقسام)

تقديم ضيوف الحلقة والتمهيد للحديث عن مفهوم الأمن في الإسلام

[المذيع]: الإمام العلامة الأستاذ الدكتور علي جمعة، مفتي الديار المصرية، أهلًا بك فضيلة المفتي. معنا الأستاذ المستشار القانوني القدير وعضو مجمع البحوث الإسلامية، الأستاذ رجائي عطية، أهلًا بك، ونشكر لكم دائمًا تلبية الدعوة. معنا أيضًا من الدعاة الشباب فضيلة الشيخ أحمد نبوي - أهلًا بفضيلة الشيخ أحمد نبوي بدون ألف ولام.

فضيلة المفتي، نريد أن نتحدث عن الأمن وما أحوجنا إليه في هذه الأيام، ما رؤية فضيلتكم لمفهوم الأمن في الإسلام وكيف يتحقق في هذا الوطن؟

مفهوم الأمن في الإسلام وعلاقته بالإيمان والاستقرار

[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

الأمن هو الذي يؤدي إلى الاستقرار؛ الأمن معناه أن يبيت الإنسان آمنا في نفسه وعلى نفسه، وآمنا في بيته وعلى بيته وأهل بيته، وآمنا في محيط مجتمعه.

والأمن في الحقيقة هو لازم من لوازم الإيمان؛ فلا نستطيع أن نطالب الناس بالإيمان وهم في حالة هرج ومرج وقتل ودماء وفوضى وعدم استقرار. لا يستطيع الإنسان أن يأمن على نفسه وهو يذهب إلى المسجد أو إلى المدرسة أو إلى المستشفى للعلاج أو إلى العمل من أجل عمارة الأرض.

وأصل ذلك قوله تعالى:

﴿أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَءَامَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ﴾ [قريش: 4]

إذن هناك أمن وهناك خوف، والأمن نعمة من نعم الله سبحانه وتعالى.

الآية القرآنية عن القرية الآمنة ودلالتها على أبعاد الأمن المختلفة

[الشيخ]: يقول ربنا سبحانه وتعالى:

﴿وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ ءَامِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ ٱللَّهِ فَأَذَٰقَهَا ٱللَّهُ لِبَاسَ ٱلْجُوعِ وَٱلْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [النحل: 112]

الجوع يؤدي إلى الوفاة الجسدية، والخوف يؤدي إلى الوفاة الروحية؛ لا تستطيع الروح أن تنطلق وأن تعبد ربها سبحانه وتعالى على حق إلا بالأمن، ولا يستطيع الجسد أن يبقى وأن يستمر إلا بالطعام والشراب.

فإذا ذاق الإنسان الجوع فإنه يكون معرضًا إذا استمر في ذلك الجوع إلى الهلاك الجسدي، وإذا استمر في الخوف فإنه يكون قد أضاع الأمن المجتمعي والاجتماعي.

ولذلك في هذه الآية الكريمة نستنبط أمنًا في الاقتصاد وأمنًا في الاجتماع وأمنًا في السياسة وأمنًا في الاستقرار.

نظرية باري بوزان في الأمن وموقف الإسلام منها

[الشيخ]: وهذه هي التي تفتق إليها أذهان الإنسان؛ عندما مثلًا ألّف باري بوزان مفهوم الأمن، وهو أحد المهتمين بهذا الموضوع، وأراد أن يقول إنه يوجد أمن اقتصادي وأمن اجتماعي وأمن سياسي وأمن الاستقرار وما إلى ذلك، كأنه فسّر الآية، وإن كان هذا المسكين من أعداء الإسلام.

والمسلمون [يعرفون] بوزان هذا؛ لأن بوزان يعني لديه نظرية لوجوب العداء بين الغرب والإسلام ووجوب الصدام بين الحضارات، لا حوار يعني، لا حوار ولا تعايش. لماذا؟ لأن لديه مفهوم الأمن هو التهديد؛ يعني ما دام هو مهدَّد فلا يوجد أمن، وأن الذي يهدده هي كما يقول هنتنغتون في صدام الحضارات: الحضارة الصينية والحضارة الإسلامية، وعلى ذلك لا بد أن ننشئ عدوًا نقاتله وهكذا إلى آخره.

فانظر الفرق ما بين النموذجين: نموذج الإسلام الذي يدعو البشرية كلها إلى الإيمان بالله وبالتالي فهو يدعوها إلى الأمن بكل أنواعه الاقتصادي والاجتماعي والسياسي وما إلى ذلك، وبين هذا الذي يجعل العلاقة بين الناس مبنية على الصدام وإنشاء العداوة.

الأمن ركن ركين في الإسلام والتهديدات التي تقدح فيه

[الشيخ]: ولذلك فالأمن في الإسلام هو ركن ركين من أركان المجتمع بجهاته المختلفة، والقدح فيه من نحو العدوان على المبادئ السامية الأساسية، أو من نحو الفقر، أو من نحو ضياع الأمل الفسيح كما يقول المواردي في الأحكام السلطانية "ضياع الامل الفسيح يؤدي إلى الهلاك ويؤدي إلى عدم الأمن المجتمعي"، أو من ناحية المخدرات والدعارة وانتشار الخمر وذهاب العقل، الجريمة بشتى صنوفها، أو من ناحية شيوع الظلم؛ فإن كل ذلك يقدح في الأمن.

وفي النهاية تحدث الفتن، ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:

«ثم يكثر الهرج، فقالوا: وما الهرج يا رسول الله؟ قال: القتل»

[المذيع]: شكرًا جزيلًا فضيلة المفتي.

رأي المستشار رجائي عطية في الأمن المجتمعي وأثره على عجلة الإنتاج

[المذيع]: وانتقل إلى السيد المستشار رجائي عطية، ** لا شك أن الأمن نعمة كما أوضح فضيلة المفتي، ما رؤية حضرتكم للأمن المجتمعي ولهذه النعمة وأثرها على دفع عجلة الإنتاج وغيابها؟**

[المستشار رجائي عطية]: أستلم الكلمة من فضيلة المفتي لكي أقول إنه يُحسب للإسلام ويلفت النظر أنه لا يدعو إلى المبدأ فحسب، أو يغسل يديه منه طالما أنه قد حثّ على توفير الأمن للإنسان في بدنه وفي نفسه وفي روحه وفي عرضه وفي ماله وفي جيرته وفي عمله وفي كل أنشطة الحياة.

دون أن يوفر المقومات لن يكون هناك أمن؛ ومن ينظر إلى المنظومة الإسلامية يلحظ في وضوح شديد جدًا أنه قد كفل المقومات التي بها يتحقق الأمن الذي دعا إليه.

العدالة الاجتماعية مقوم أساسي لتحقيق الأمن المجتمعي في الإسلام

[المستشار رجائي عطية]: ونأخذ على سبيل المثال: أنت حينما تتحدث عن الأمن لا يمكن أن يكون هناك أمن مجتمعي إذا حدث تفاوت شديد بين الثروة والفقر، بين الأغنياء والفقراء، وغابت العدالة الاجتماعية.

إذن تحقيق العدالة الاجتماعية مقوم أساسي من مقومات توفير الأمن المجتمعي في الإسلام. هذه العدالة لا تقتصر فقط على النواحي الاجتماعية، وإنما العدالة بمعناها السامي، العدالة بمعناها المطلق بين البشر في هذه المسألة.

أيضًا حتى العدالة كمقوم من مقومات تحقيق الأمان؛ لأن الإنسان الذي يُقهر على ظلم ويُلوى على ما لا يحب وعلى ما لا يرضاه الله، يحتبس هذا لكي يطلقه في ردة فعل هي تقتص لنفسها مما اعتقدت - وهمًا أو حقًا - أنه قد لحقها من ظلم.

العدل في القضاء وحديث القاضي في الجنة والقاضيين في النار

[الشيخ رجائي عطية]: والشيء المهم جدًا أنه قد دعا إلى العدل مع الأقربين ومع الوالدين، ولا ينبغي أن يحجب لشنآن أو لأي سبب من الأسباب. انتبه إلى كيف يتحقق العدل؛ فانتبه إلى القاضي، هذا القاضي هو الموكل إليه مع الوالي تحقيق هذا العدل.

ففي الحديث:

«القضاة ثلاثة: اثنان في النار، وواحد في الجنة: رجل عرف الحق فقضى به، فهو في الجنة، ورجل عرف الحق فلم يقض به، وجار في الحكم، فهو في النار، ورجل لم يعرف الحق، فقضى للناس على جهل، فهو في النار»

فقيل: فما ذنب الذي يجهل؟ قال: ذنبه ألا يكون قاضيًا حتى يعلم.

لم يترك أيضًا القاضي العادل هذا لهواه، فقال له: انتبه، من المهم جدًا أن تعدل بين الخصوم في مجلسك. وفي الحديث (ما معناه): فلا يجلس أحد الخصمين مجلسًا لا يجلسه صاحبه.

قبل مئات السنين مما تعرفنا عليه الآن من أعراف في القضاء ووجوب التسوية بين الخصوم، سبق الإسلام إلى هذا.

قصة عمر بن الخطاب مع الإمام علي واليهودي دليلاً على العدل في القضاء

[المستشار رجائي عطية]: وأذكر من المواقف الجميلة التي رُويت أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب اختصم إليه أحد اليهود مع الإمام علي كرم الله وجهه، فأجلسهما مقابل بعضهما البعض.

وبعد ذلك وجد أن لون الإمام [علي] تغيّر، بعد أن ناداه قال له: أكرهت أن أجلسك قبالة خصمك؟ قال: لا، أنا كرهت أن تناديني بكنيتي وأن تناديه باسمه.

انتهى الأمر بعد ذلك، قال له: تعال أنت، سبيلك إلى معرفة الحق الشاهد. قال:

﴿وَأَشْهِدُوا۟ ذَوَىْ عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾ [الطلاق: 2]

هو وصّى الإنسان ألا ينبغي له أن يشهد بالزور، وقال:

﴿وَلَا تَكْتُمُوا ٱلشَّهَـٰدَةَ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُٓ ءَاثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: 283]

وعندما تتتبع المنظومة هذه كلها ستجد أنه أيضًا الإسلام لم يقل العدل هكذا وغسل يديه من القضية، وإنما ساق منظومة متكاملة لكي يحقق هذا العدل.

المساواة والتسامح ركيزتان لتحقيق الأمن المجتمعي في الإسلام

[المستشار رجائي عطية]: مبدأ المساواة، مبدأ التسامح، هذه حقوق الإنسان؛ يعني لا يمكن أن يتحقق الأمان في أي مجتمع غائبة عنه المساواة.

نحن الآن نعرف في الدساتير أن المساواة مبدأ من المبادئ في كل دساتير العالم المتحضر، ولكن هذه المساواة سبق إليها الإسلام؛ يعني قفز أو تجاوز المساواة بالمعنى العددي الصرف ليوظفها توظيفًا يقوم على تحقيق التواصل والتأصل وحسن العلاقة والأخوة الإنسانية بين أفراد المجتمع.

إذا لم يكن هذا موجودًا فلا يمكن مهما دعونا إلى الأمان يبقى في أمان، طالما أن هناك إنسانًا منطويًا على الإحساس بأنه لا يتساوى مع باقي المواطنين.

بغير فضيلة التسامح أو السماحة لا يمكن أن يتحقق الأمر؛ لأنني قد أتصور صادقًا مصيبًا أو مخطئًا أنه قد وقع عليّ ما أعتقد أنه ظلم أو إضرار، إن لم أتحلَّ بفضيلة التسامح فستكون ردة فعلي هي الانتقام للنفس، هذا الانتقام لا يمكن مع وجوده أن يحقق الأمن المجتمعي لا للفرد ولا للجماعة.

الإسلام دعا إلى الأمن ووفّر مقوماته وأعطى حق الدفاع الشرعي

[المستشار رجائي عطية]: وبالتالي نحن إذا نظرنا إلى كل المنظومة الإسلامية سنجد أن الإسلام عُني وقد دعا إلى تحقيق الأمن، وكما قال المفتي في حديث سابق أن الأمن قبل الإيمان.

وأنه وفّر المقومات التي تضمن للمجتمع ولأفراده تحقيق هذا الأمان كي يستطيع الإنسان أن ينصرف وهو آمن على نفسه وعلى روحه وعلى بدنه وعلى ماله وعلى عرضه وعلى جيرانه.

وأعطاه حق الدفاع الشرعي إذا ما ألمّ به ما يمكن أن يهدد هذه الحقوق.

فنقول إن هذه المنظومة قد كفلت تحقيق الأمن الذي نتمناه.

[المذيع]: لا فضّ فوك سعادة المستشار.

العلاقة بين العدالة والأمن المجتمعي وهل يقتصر الأمن على فئة دون أخرى

[المذيع]: فضيلة الشيخ أحمد نبوي، العدالة والمساواة التي تحدث عنها سيادة المستشار وفضيلة المفتي، أود أيضًا تعليقًا من فضيلتكم حول العلاقة بين العدالة والأمن المجتمعي، وهل يقتصر تطبيق الأمن أو إحداث الأمن على فئة دون أخرى؟

[الشيخ أحمد نبوي]: بسم الله الرحمن الرحيم، أحمدك ربي كما علمتنا أن نحمد، وأصلي وأسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم وبعد.

فانطلاقًا مما ذكره شيخنا سماحة الإمام العلامة مفتي الديار المصرية، أنه في سنة ألف وتسعمائة وواحد وتسعين ظهر مصطلح جديد يسمى بـالأمن المجتمعي. هذا المصطلح الأمن المجتمعي هو أحد الأركان الخمسة لنظرية الأمن التي قالها باري بوزان.

أبعاد نظرية الأمن عند باري بوزان وأصلها في القرآن الكريم

[الشيخ أحمد النبوي]: وباري بوزان كما أشار شيخنا فضيلة المفتي لم يكن رجلًا محبًا للإسلام، بل كان عدوًا مهّد للحرب الباردة ومهّد لصدام الحضارات.

قال إن نظرية الأمن هذه مكونة من خمسة أبعاد:

  1. الأمن المجتمعي
  2. والأمن الاقتصادي
  3. والأمن السياسي
  4. والأمن البيئي
  5. والأمن العسكري.

وهذا في الحقيقة وإن كان مصطلحًا جديدًا ظهر في سنة ألف وتسعمائة وواحد وتسعين، إلا أننا نجد له أصلًا في كتاب ربنا سبحانه وتعالى، وهذه الآية التي تلاها شيخنا الإمام العلامة مفتي الديار:

﴿ٱلَّذِىٓ أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَءَامَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ﴾ [قريش: 4]

فربنا سبحانه وتعالى هنا في تلك الآية قرن بين أمنين:

  • الأمن الاقتصادي: الذي أطعمهم من جوع.
  • الأمن المجتمعي: وآمنهم من خوف.

العلاقة الوثيقة بين الأمن المجتمعي والأمن الاقتصادي وأثرهما على التنمية

[الشيخ أحمد النبوي]: إذن نجد علاقة وثيقة بين الأمن المجتمعي والأمن الاقتصادي؛ فحيثما وجد الأمن المجتمعي وجد الأمن الاقتصادي. لماذا؟ لأن بناء المجتمع ودخول الاستثمارات في البلاد وأن يأتي رجال الأعمال إلى بلادنا ويقوموا بعمليات نهضوية وتنموية في المجتمع، كل هذا مرتبط بأن يكون هناك استقرار وأن تكون هناك طمأنينة، طمأنينة على النفس، طمأنينة على المال، طمأنينة على العرض، طمأنينة على كل شيء.

وهذا هو معنى الأمن المجتمعي؛ الأمن المجتمعي حين يوجد سيوجد هناك اقتصاد قوي، ستتحرك عجلة الإنتاج، سيسعى الناس ويعمرون الأرض ويقومون بهذا البنيان الذي أقامه الله تبارك وتعالى في الأرض.

والأمن الاقتصادي في الإسلام مبني على العدالة والمساواة كما تفضل سيادة المستشار بذلك وأفاض في هذا الجانب؛ فالعدالة هي الركن الركين للبناء الاقتصادي وللأمن الاقتصادي.

الأمن المجتمعي والأمن الاقتصادي شقيقان لا يفترقان

[الشيخ أحمد النبوي]: فما أحب أن أقوله أن الأمن المجتمعي والأمن الاقتصادي شقيقان لا يفترقان وصنوان لا يفترق أحدهما عن الآخر.

ولذلك قالوا: الأمن أهنأ عيش، والعدل أقوى جيش. فانظر إلى الربط ما بين نعمة الأمن التي ينعم الله تبارك وتعالى بها ليكون العيش عيشًا هنيئًا، وما بين العدل الذي هو أقوى الجيوش وأقوى الأمور وأفضل الأمور وأسعدها عند الله تبارك وتعالى وعند الناس.

[المذيع]: أي نتحدث عن الوضع الحالي فضيلة العلامة، الناس قلقة، غياب إلى حد ما للأمن في المجتمع، خروج عن النص من قبل أفراد عدة، كيف ترى فضيلتك استعادة الأمن لهذا الوطن وعلى من تقع المسؤولية؟

التحذير من مشكلات تقدح في الأمن المجتمعي وظاهرة أطفال الشوارع

[الشيخ]: في خلال السنوات الماضية نبّهنا وصرخنا إلى مشكلات تقدح في الأمن الاجتماعي والمجتمعي. وأنا أتذكر أنه منذ سنتين كان هذا هو عنوان مؤتمر المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية: الأمن المجتمعي، وقُدِّمت فيه أبحاث وتحدثنا بالتفصيل في أشياء كثيرة جدًا من ضمن هذه المشكلات التي هددتنا، ولكنها يبدو أنها وصلت إلى النخاع: كانت مشكلة أطفال الشوارع؛ أطفال الشوارع هو أن الطفل لم يعد له مأوى ولم يعد له سكن، فساح في الأرض وعاش فيها هكذا، فأصبحت نفسيته غير قابلة للتربية.

أولاد الشوارع إذا جلست إليهم تجد أنها مشكلة خطيرة تحتاج إلى صبر وإلى مال وإلى طول معاناة.

ما أسبابها؟

أسبابها تفكك الأسرة.

التفكك الأسري وارتفاع نسب الطلاق تهديد حقيقي للأمن المجتمعي

[الشيخ]: إذن لا بد أن نضع في ملفاتنا قضية التفكك الأسري؛ لأن التفكك الأسري هذا سوف يؤدي بنا إلى أولاد الشوارع الذين سوف يدمرون الأمن المجتمعي والأمن الاجتماعي.

حسنًا، ولم تفككت الأسرة؟ الملاحظ أن النسب التي تعلنها وزارة العدل سنويًا في كتابها السنوي كانت تتراوح بين ثلاثة عشر وخمسة عشر في المائة طلاقًا، اليوم وصلت إلى أربعين إلى خمسة وأربعين، هذا حقيقة رقم مهول.

إذن أنا هنا أمام مشكلة حقيقية ينبغي أن ندرسها، ينبغي أن نوجد لها حلًا بكل الوسائل. أين التربية؟ أين التعليم؟

أزمة الأمية وضرورة ثورة التعليم لبناء الأمن المجتمعي

[الشيخ]: وهنا تأتي المصيبة الثالثة التي تهدد أمن المجتمع في ذاته، وهي أن الأرقام الرسمية تتحدث عن أنه بين ثلاثين إلى أربعين في المائة، بعد كل هذه المعاناة نحن ستون سنة لدينا مشروع محو الأمية.

ستون سنة ونحن نعمل فيه ولا يزال لم يحدث في دولة من الدول؛ روسيا نسبة الأمية فيها صفر، الأردن نسبة الأمية فيها صفر، أمريكا نسبة الأمية فيها لا تتجاوز الواحد في الألف، اليابان نسبة الأمية فيها صفر.

إذن نحن أمام عالم قد سبقنا بمرحلة. فما الذي تسببه الأمية؟ إنه يعمل وهو حي وكل شيء، لكننا لا نستطيع الاتصال به؛ إننا نتكلم ولا يصل كلامنا إلى ذهنه ولا إلى قلبه، ولذلك تجد أكثرهم لا يشاهدون برنامجنا هذا.

أنه على الفور يبحث عن فيلم ليشاهده، أو مباراة ليشاهدها، لكنه لا يستطيع أن يصبر على موعظة أو فكر أو توجيه أو إرشاد أو تعليم.

التعليم هو المفتاح الأساسي لبناء الأمن المجتمعي وإصلاح المجتمع

[الشيخ]: فإذن نحن أمامنا: ها هي الأسرة مفككة، الحياة الاجتماعية فيها كثير من أطفال الشوارع، قضية التعليم هذه أهم شيء.

ولذلك إذا كنا في الأيام القادمة نبني مجتمعًا جديدًا ونبني أمنًا جديدًا لهذا المجتمع، لابد علينا أن نذهب بثمانين إلى تسعين في المائة من ميزانيتنا إلى التعليم. لقد تأخرنا كثيرًا في قضايا التعليم، لا بد أن نُحدث ثورة كما فعل ماو تسي تونغ عندما سماها الثورة الثقافية، وسماها أيضًا ثورة التعليم وألّف فيها بنفسه.

أي أننا الآن أمام مشكلة كبيرة جدًا وهي التعليم، ولكن الأمم كوريا وشيلي وجنوب أفريقيا كلها لها تجارب ناجحة في هذا المقام. لا بد لنا من التعليم، والتعليم طبعًا معناه أوسع من التلقين؛ لأنه يشمل التربية ويشمل التدريب ويشمل المعلومات وهو يشمل القيم ويشمل المعرفة وبناء الشخصية وبناء النفسية والعقلية لتكوين الشخصية.

التعليم مدخل لإصلاح المجتمع وحماية الأسرة من البلطجة وعدم الاستقرار

[الشيخ]: إذن نحن أمام الأمن المجتمعي، هذه كلمة ومدخل عجيب لإصلاح المجتمع ولرسم خطته المستقبلية، لكن المشكلات في الحقيقة لدينا كثيرة وتبدأ بالتعليم.

التعليم هو الذي سيحمي الأسرة، حماية الأسرة هي التي ستحمينا من أطفال الشوارع، أطفال الشوارع هم الذين سيحموننا عند عدم وجودهم من البلطجة والخروج على القانون وعدم الاستقرار.

ثم انظر إلى جزء بسيط هو محتاج إلى هذا الترتيب ويبدأ بالتعليم. نحن جلسنا في الثلاثين سنة الماضية هذه نحضر مؤتمرات في العالم كله، وننتهي إلى أن المشكلة هي مشكلة التعليم.

فلهذا لا بد لنا أن نصلح حال التعليم،وإذا انصلح التعليم؛ انصلحت أمور كثيرة. وكم رأينا عبر التاريخ ظلم الحكام، كم رأينا عبر التاريخ حروبًا وكوارث، كم رأينا عبر التاريخ والحضارة تزدهر. كيف يعني؟ كيف مع هذا الظلم الذي يمارسه الحاكم، كيف مع هذه الكارثة الطبيعية، كيف مع هذه الحروب والعدوانات تزدهر الحضارة؟ من التعليم؛ لأن التعليم كان مستمرًا والتعليم لم يتوقف قط.

التعليم مفتاح الأمن الاجتماعي والفرق بين الأمن الاجتماعي والمجتمعي

[الشيخ]: لكن عندما بدأنا نترك هذا التعليم ونجعله خلف ظهورنا بدأت المشكلات. فأنا مفتاحي من أجل هذا الترتيب كله هو التعليم، لكن طبعًا المشكلات الجزئية كثيرة ولكن التعليم هو الأهم للوصول إلى الأمن الاجتماعي أو المجتمعي.

وإن كان بينهما عند المفكرين فرق، أي أن هناك فرقًا بين الأمن المجتمعي والأمن الاجتماعي. فيعني ليس هذا وقته الآن.

[المذيع]: أستطيع أن أستمع إلى رأي فضيلتكم إن شاء الله. يعني نأخذ رأي سعادة المستشار رجائي عطية، يعني إذا كانت هذه هي الحالة التي شخصتموها حضرتكم وفضيلة المفتي وعددتم الأسباب، في هذا الوقت سعادة المستشار، في هذا الزمن الذي نعيشه كيف يمكن تحقيق الأمن المجتمعي دون الاصطدام بحقوق الإنسان أو اعتداء على حرية المواطنين والأمور الكثيرة التي نسمعها؟

تجفيف ينابيع الفقر والبطالة والعشوائيات سبيل لتحقيق الأمن المجتمعي

[المستشار رجائي عطية]: أكاد أرى حضرتك أكدت أنك مهتم وكلنا مهتمون بالحالة، بالانفلات المجتمعي في هذا التوقيت. لذلك نحن أمام مواجهة الحالة الواجبة وما تقتضيه، وهذا موضوع أتصور أننا تحدثنا عنه من قبل حول هيبة الدولة واحترام القانون بصورة رائعة.

إنما تجفيف الينابيع هو السبيل الذي يضمن على المدى الطويل تحقيق الأمن المجتمعي.

فضيلة المفتي تحدث في قضية بالغة الأهمية، وأنا أريد أيضًا بالتوازي أن أتحدث في قضية أخرى متصلة بـالفقر المدقع الفقر المدقع وانتشار البطالة وانتشار الازدحام حتى انتشرت العشوائيات وتكدست الأجساد في الحجرات، وأدى هذا مع اختلاط الأجساد واقتراب الأنفاس إلى شيوع زنا المحارم، وأصبح الأب أبًا وجدًا أو أبًا وعمًا إلى آخره.

ضرورة توفير فرص العمل والمشروعات لتحويل القوى المعطلة إلى طاقة منتجة

[المستشار رجائي عطية]: ويبقى الحديث حول تحقيق الأمن المجتمعي والقضاء على البطالة مع انتشار هذا الفقر وعدم الاهتمام بمواجهة البطالة وتوفير فرص العمل المناسبة لكل إنسان حتى يتحول من قوة معطلة حاقدة حانقة إلى قوة عاملة معطاءة.

هذا يقتضي سياسة واسعة المدى، يقف التعليم في المقدمة. إنما من المهم جدًا أن أبقى كإدارة مصرية معنيًا بكيفية توفير المشروعات الزراعية والتجارية والصناعية التي تستوعب الطاقات الموجودة لدى الشعب، وكيفية الانتشار خارج الوادي إلى الصحراء حتى أحدّ من انتشار العشوائيات التي انتشرت هذا الانتشار المخيف المفزع.

ويمكن أن فضيلة المفتي قد ترفق قليلًا عندما قال ينطلقوا في الشوارع، لا بل هم في مكبات القمامة وفي المواسير وفي صور بشعة جدًا.

سلب مقومات الإنسانية يحول الإنسان إلى ناقم على المجتمع

[المستشار رجائي عطية]: هذا الإنسان لا يمكن أن يستمر في الإحساس بالإنسانية ويتحول إلى حيوان. لماذا؟ لأنني سلخت منه، لأنني سحبت منه كل مقومات الإنسانية؛ لم يجد إنارة العقل، ولم يجد المعرفة التي يتلقاها، ولم يجد اللقمة التي يأكلها، ولم يجد السكن الذي يسكن فيه، ولم يجد الأسرة - أي أسرة - ما دام قد انتشر الطلاق.

لماذا؟ لأنه أساسًا الظروف الاجتماعية أثرت على الأسرة المصرية بالجهل، نعم، وبالفقر، نعم، وبقلة التربية، نعم، وبانتشار عشوائيات في السلوكيات.

وبالتالي أنا أريد أن أجفف ينابيع القضية واسعة جدًا. وما يهدد مصر الآن هو أن البلطجة أوشكت أن تصبح مهنة؛ لأنه يستطيع أن يحقق بالبلطجة ما لا يستطيع أن يحققه بعرقه على مدى عام كامل، وبالتالي هذا يشجعه لأن ماذا؟ المقومات الأخلاقية غير موجودة.

لأننا تعاملنا معه تعاملا يتجاهل إنسانيته، يتجاهل آدميته، يتجاهل احتياجاته الأساسية، فتحول إلى شخص ناقم على المجتمع وقد يكون معذورا في هذا الإحساس المضاد الموجود في داخله تجاه المجتمع.

ثمن اتساع الهوة بين الثروة والفقر وظاهرة البلطجة في المجتمع

[المستشار رجائي عطية]: وبالتالي هذه القصة قصة طويلة جدًا، ونحن اليوم ندفع ثمن اتساع الهوة على مدى الثلاثين سنة الماضية بين الثروة الطائلة جدًا وبين الفقر المدقع جدًا.

ومن المظاهر التي لا تخطئها العين أن هذا الثراء الفاحش مع الفقر المدقع متجاوران في مصر المحروسة؛ أنت كنت تخرج من عشش الترجمان لتطل على الزمالك، أنت تجد السيارة الفارهة والتي بجوارها السيارة التي تخص عامل النظافة والتي يجرها الحمار في تجاور لا يمكن إلا أن يثير الحقد ويثير الغضب.

تجد مثلًا في بعض الشاشات الإعلامية التلفزيونية ونأتي كل حين بالمطبخ المصري وفنانة أو فنان أو مخرج أو مخرجة وهو يقطع الأناناس، يا عالم يا قوم! هناك أناس يظلون بالسنة لا يرون اللحم أو السنتين وقد لا يرونها.

المجتمع صنع البلطجة بتراكمات غياب التعليم والتربية وفرص العمل

[المستشار رجائي عطية]: وبالتالي هذا الاستفزاز الذي يحدث في الأفراح التي تصرف فيها ملايين الجنيهات هو استفزاز لهذه المشاعر. وبالتالي أنا أريد أن أقول أننا صنعنا البلطجة؛ نحن الآن نشكو من البلطجة ولكن نحن كمجتمع مصري نتيجة تراكمات غاب فيها العقل وغاب فيها حسن الإدارة وغاب فيها الاهتمام بالقضايا المجتمعية الأساسية.

ليس فقط في التعليم، في التعليم وفي التربية وفي الثقافة وفي المعرفة وفي توفير الظروف المناسبة وتوفير فرص العمل.

من الأشياء التي أقولها دائمًا أن أسوأ شيء يخلق التطرف هو أن تعطيني الأمل ثم تسحبه مني؛ بمعنى أننا منذ عام ألف وتسعمائة واثنين وخمسين أعطينا الأمل لكل فرد بأنه يستطيع بجهده أن يحقق طموحه.

قصة خريج الحقوق في العريش نموذج لكيف يُصنع التطرف

[المستشار رجائي عطية]: الحادثة التي وقعت مؤخرًا في العريش؛ في العريش كان هناك شخص متخرج من كلية الحقوق بتقدير جيد جدًا، جاء ليعمل في النيابة فلم يعمل، جاء ليعمل في المحاماة فلم يجد فرصة.

فقالوا له: اعمل مثل أبيك أجيرًا زراعيًا، اعمل مثل أبيك. لكن أباه الأجير الزراعي هذا لم يحصل على ليسانس حقوق وليس لديه ثقافة، فهو متوائم مع هذا العمل.

أما أنت عندما قلت له اذهب واعمل أجيرًا، ترتب على هذا أن من يزرعون التطرف التقطوه؛ أنت تذهب وتضرب القنبلة تقتل خمسين شخصا، أنت ستذهب فورًا إلى الفردوس!

انظر إلى ما تؤدي إليه المسائل وإلى ما تؤدي إليه التراكمات، وبالتالي لديه نقمة على المجتمع. أما نحن الآن فـتجفيف الينابيع يحتاج إلى وقت ويحتاج إلى إمكانيات.

لا بديل عن احترام القانون والنظام والعمل لاستعادة الأمن المجتمعي

[المستشار رجائي عطية]: نحن هنا الآن وكما قال فضيلة المفتي من نريد أن نتحدث إليهم بالمنظومة والقيم الأخلاقية لا يهتمون بالاستماع إلينا ولا بمشاهدتنا، ونظل نقول ليس هناك بديل الآن عن احترام القانون وأن يعرف كل واحد حده، كل واحد يعرف حده.

والعودة إلى النظام، ونقول إنه لما قامت حركة يوليو اثنين وخمسين التي سُميت بعد ذلك ثورة، كان شعارها: الاتحاد والنظام والعمل.

نحن نحتاج بالإضافة إلى هيبة القانون إلى الاتحاد والنظام والعمل.

[المذيع]: شكرًا جزيلًا، أرجو أن نتوقف في فاصل قصير والحديث عن أمن المجتمع مشاهدينا الكرام ونعود لاستكمال هذا الموضوع.

البلطجة في الإسلام وحد الحرابة والموقف الشرعي من المعتدين على الأمن

[المذيع]: هل أولئك الذين يروّعون الآمنين ويتخذون من البلطجة مهنة آثمين؟ بالإضافة إلى وقوعهم تحت طائلة القانون؟

ربما هذا العلاج متأخر، يعني فضيلة المفتي والأستاذ رجائي تحدثوا عن العلاج المبكر والمشكلة المجتمعية، ولكن على الأقل نحن ننبه إلى خطورة ما يقوم به أولئك الذين يعتدون على مال الإنسان وعرضه وممتلكاته بشكل عام، ما رؤيتك وإذا استحضرت شيئًا من العصور الإسلامية المختلفة كيف كان الأمن يشغلهم؟

[الشيخ أحمد النبوي]: حقيقة نعمة الأمن كنا ننظر إليها في مصر ولكن لا نشعر بها. لماذا؟ لأن الإنسان فطره الله تبارك وتعالى على أنه لا يشعر بقيمة ما في يده إلا حين يفقده.

ونعمة الأمن من أهم النعم التي أنعم الله تبارك وتعالى بها على عباده؛ لذلك قالوا: نعمتان لا يشعر الإنسان بقيمتهما إلا حين يفقدهما:

  • الصحة في الأبدان
  • الأمن في الأوطان

حد الحرابة في الإسلام عقوبة المعتدين على أمن الناس ومقدراتهم

[الشيخ أحمد النبوي]: لذلك جعل الله تبارك وتعالى الذي يعتدي على أمن الناس ومقدراتهم وممتلكاتهم، جعله الله تبارك وتعالى مجرمًا آثمًا وتوعده بأبشع أنواع العقاب في الدنيا والآخرة.

وهناك حد خاص به في الحدود الإسلامية هو حد الحرابة، وهو الذي عبّر عنه الله تبارك وتعالى في كتابه العزيز حين قال:

﴿إِنَّمَا جَزَٰٓؤُا ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِى ٱلْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوٓا أَوْ يُصَلَّبُوٓا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَـٰفٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ ٱلْأَرْضِ ذَٰلِكَ لَهُمْ خِزْىٌ فِى ٱلدُّنْيَا وَلَهُمْ فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: 33]

إذن هؤلاء المحاربون الذين نستطيع أن نسميهم في مجتمعنا الآن البلطجية، هؤلاء معتدون آثمون مجرمون توعدهم الله تبارك وتعالى بأبشع أنواع العقاب والآلام؛ لأنهم تسببوا في أن يكونوا سببًا في سلب نعمة من أعظم أنواع النعم التي أنعم الله تبارك وتعالى بها على عباده.

[المذيع]: شكرًا جزيلًا فضيلة الشيخ أحمد، إنك في الحقيقة حديثك مقتضب.

الفرق بين الأمن الاجتماعي والأمن المجتمعي وكيفية تحقيق كل منهما

[المذيع]: انتقل إلى فضيلة المفتي، إذا أردنا أن نضع - لا أقول وصفة مختصرة ولكن أقول شيئًا نهتدي به - يا فضيلة مفتي الديار المصرية للدولة الآن حتى يعود الأمن المجتمعي إليها وإلى المجتمع بكافة أطيافه، ما رؤية فضيلتكم؟

[الشيخ]: كنت أود أن أوضح في دقيقة الفرق بين الأمن الاجتماعي والأمن المجتمعي.

فالاجتماع الحكم فيه على الأفراد أن يكون الأمن الاجتماعي ينظر إلى أمن كل فرد على حاله وعلاقته مع الآخرين، ولكن لا بد أن نُحدث أو ننشئ أمنًا لكل فرد، وهذا يتحقق بعدالة القانون وتنفيذه، ويأتي بشفافية القضاء، ويأتي بالعدل كمفهوم تربوي في الأسرة وفي المسجد وفي المؤسسة وفي الأسواق، بحيث يكون هناك عدل وإنصاف.

وأساس الاجتماع البشري هو العلاقة بين الرجل والمرأة، أساسها كذلك؛ لأنهما حينئذٍ سيكونان أسرة.

قصة آدم وحواء دليل على وحدة الإنسانية وأساس الأمن الاجتماعي

[الشيخ]: والآيات كثيرة في هذا بدءًا من قصة آدم مع حواء وكيف أن حواء وآدم هما إنسان واحد، فأزلهما الشيطان فأخرجهما مما كانا فيه.

وهكذا:

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ﴾ [النساء: 1]

والاثنان هما نفس واحدة:

﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ [النساء: 1]

منها وليس من الأرض، فهما كالشيء الواحد.

الأمن الاجتماعي يعود الأمر فيه إلى الأفراد فردًا فردًا، لكن الأمن المجتمعي يعود إلى هيئة المجتمع؛ أن هذا المجتمع قد يكون أفراده سعداء، لكن النظام السياسي الذي فيه هو نظام غير عادل، لا يصيب الأفراد في معيشتهم لكن يصيب المجتمع في مقتل.

مصر بين الأمن الاجتماعي والأمن المجتمعي ودورها الحضاري في العالم

[الشيخ]: قد تكون العلاقة ما بين هذا المجتمع والخارج علاقة سيئة بالرغم من أن كل واحد في المجتمع مسرور، لكن هنا يختل الأمن المجتمعي.

فنحن أمام أمن اجتماعي وأمن مجتمعي يرجع إلى الأفراد ويرجع إلى الهيئة، هيئة المجتمع. ونحن نريد في مصر أن نصل إلى الأمرين: إلى الأمن الاجتماعي وإلى الأمن المجتمعي.

الأمن المجتمعي ستكون مصر قد وضعت بذلك قدمها في المشاركة في بناء الحضارة الإنسانية، ستكون مصر لها علاقات ولها يد ومنة كما كانت دائمًا على العالم.

مصر هي التي علّمت الناس، مصر المعلم المصري كان هو أحسن معلم في العالم في المشرق والمغرب؛ لما أرادت الجزائر أن تخرج من فرنسيتها وأن تدخل في العروبة وجدت مصر ووجدت الأزهر ليقوم بهذه المهمة.

ولما أراد كثير من الدول في الخليج وغيرها أن تدخل العصر الحديث وجدت في مصر: القانونيين والمعلمين والفلكيين وجدت في مصر من يقوم بالمؤسسات حتى البريد وحتى تخطيط المدن وجدت المهندسين ووجدت الأطباء وما زالت مصر تعطي ولكن هذه مصر حتى يكون فيها أمن مجتمعي يجب أن تضع يدها أو تضع قدمها في مسيرة الإنسانية.

الهمة كلمة السر لتحقيق الأمن المجتمعي وبناء مستقبل مصر

[الشيخ]: كيف نصل إلى هذا؟ أنا أرى كلمة واحدة هي التي نحتاجها: الهمة.

فلو فقط ربنا سبحانه وتعالى رزقنا قليلًا من الهمة، فأظن أن المصري مؤهل بتاريخه بثقافته بتربيته بإمكانياته التي خلقها الله فيه، بشخصية مصر لجمال حمدان وموقع مصر وثروة مصر، أظن أنه بالهمة.

وهذه مسألة سنُسأل عنها وسيكون لنا سنُسأل عنها أمام الله، ولكن أيضًا التاريخ لن يترك هذا الجيل إلا أن يمدحه أو يذمه.

فأنا أبعث رسالة إلى الشباب وإلى الشيوخ التاريخ: يمكن أن يمدحك لأنك تجاوزت عنق الزجاجة، لأنك قد تجاوزت كل الإجراءات إلى المقصود، لأنك تملك همة. وقد يذمك إذا فشلت لا قدر الله في بناء مستقبل مصر.

تشخيص تراكمات عقود وسؤال عن الوصفة القانونية لاستعادة الأمن

[المذيع]: أي مع ما طرحه فضيلة العلامة الدكتور علي جمعة وسيادتك في الحقيقة قدّمت تشخيصًا أيضًا لتراكمات عقود طويلة مضت. هل استمرار غياب العدالة والمساواة - لأنه بالتأكيد عملية العدالة والمساواة ستستغرق بعض الوقت - ما المطلوب من وجهة نظر قانونية إذن للحل؟

[المستشار رجائي عطية]: أبدًا لا، من وجهة نظر إنسان متأمل فقط. رقم واحد: العودة إلى الاستقرار.

[المذيع]: وهذه مسؤولية من يا سيادة المستشار؟

[المستشار رجائي عطية]: مسؤولية الإدارة وكل مواطن مصري. اثنان: العودة إلى النظام.

الوصفة العملية لاستعادة الأمن: النظام والقانون وإصلاح الإعلام

[المستشار رجائي عطية]: ثلاثة: ألا تتحول الثورة إلى حالة تؤدي إلى فوضى. أربعة: الانتهاء من فوضى البلاغات؛ لأن فيها أحيانًا ترويع وظلم لأبرياء.

وهذا يستوجب على السلطات القضائية كما تحرك الدعوى الجنائية ضد من يثبت أنه قد ارتكب جرمًا، أن تساءل من يتقدم ببلاغ كاذب عن إزعاج السلطات، والبلاغ الكاذب أيضًا يتعين.

أن تعيد الصحافة المصرية وأجهزة الإعلام النظر في أسلوب الممارسة الحالية؛ لأنها وصلت إلى رد فعل مضاد، من الناحية الأخرى أدى إلى تطرف ربما يساعد على جميع الصور التي تقلقنا الآن.

وهذا توقيت يتعين فيه على كل مؤتمن على كلمة مقروءة أو مسموعة أو مرئية أن يلتزم بالميثاق الذي يجب الالتزام به رعاية لمصلحة الوطن.

مطالب عملية من الإدارة المصرية لتحقيق الأمن وتجفيف ينابيع الأزمة

[المستشار رجائي عطية]: أطلب سلسلة من الإجراءات من الإدارة المصرية: أن تحاول بسرعة بقدر المستطاع أن تدفع الدماء في بعض المشروعات، وأن توفر فرص عمل معقولة لهذا الشباب الضائع الذي ليس له فرصة للعمل.

أن تقيم مظلة اجتماعية حقيقية. أن تبذل مجموعة من الإصلاحات التي تراعي العدالة الاجتماعية وتراعي تهدئة الأحوال إلى أن تتاح الظروف والإمكانيات على المدى الطويل لتجفيف الينابيع التي أدت إلى ما نحن فيه الآن.

الحديث في هذا يطول، ولعل ما ذكرته هو بعض ما أتمناه لمصر في هذه المرحلة الدقيقة من تاريخها العريق.

[المذيع]: قبل أن ننتقل من هذه النقطة أيها المستشار، بخبرتك القانونية هل ترى أننا بحاجة إلى تشريعات جديدة إلى قوانين جديدة للضبط؟

لسنا بحاجة إلى تشريعات جديدة بل إلى احترام القانون وحسن تطبيقه

[المستشار رجائي عطية]: نحن التشريعات لدينا إسهال تشريعي؛ أهم شيء احترام القانون. نحن لدينا ترسانة من التشريعات وأسرفنا على أنفسنا وعلى عمليات التقنين في السنوات الماضية، وكان أحيانًا يصدر التشريع وبعد أسبوع يُعدَّل.

أي أننا دخلنا على محكمة النقض وأدخلنا قضايا الجنح لدوائر الاستئناف، وبعد أسبوع من صدور القانون صدر تعديل خلسة سريع هكذا إلى آخره.

فنحن لدينا التشريعات كافية، ولكن المهم احترام التشريع وتطبيقه أو حسن تطبيقه.

[المذيع]: رؤية الشيخ أحمد نبوي أيضًا لاستعادة الأمن المجتمعي وتثبيته، فضيلة الشيخ أحمد؟

التآلف والتكاتف بين القوى السياسية والفكرية سبيل لاستعادة الأمن

[الشيخ أحمد نبوي]: إضافة لما رآه شيخنا الإمام مفتي الديار من إن الهمة هي الواجبة على كل مصري، وإضافة إلى النقاط العديدة التي تفضل بذكرها سيادة المستشار، أرى أيضًا أن هناك شيئًا مهمًا به نستعيد زمام الأمن في بلادنا، ألا وهو التآلف والتكاتف بين جميع القوى السياسية والفكرية في المجتمع.

فقد حان الوقت الآن لأن يجتمع الجميع من سياسيين ومفكرين وثقافيين واقتصاديين ورجال أعمال وكل هؤلاء يجتمعون من أجل مصر، ويكون الرابط الذي يجمعنا جميعًا ونعمل من أجله جميعًا هو حب هذا الوطن.

نداء الأزهر للوحدة الوطنية والنظر إلى الأمام لبناء مستقبل مصر

[الشيخ أحمد نبوي]: وهذا نداء نوجهه من هنا من رحاب الأزهر الشريف قولًا، وقد وُجِّه منذ أيام فعلًا وتطبيقًا عمليًا؛ فقد قام شيخنا فضيلة الإمام الأكبر شيخ الأزهر وفتح ذراعيه وفتح رحاب الأزهر الشريف للقوى السياسية المختلفة. وفتح رحاب الأزهر للأفكار الدينية أو التيارات الدينية المختلفة من إخوان وسلفية وجماعات إسلامية وما إلى ذلك، كل هؤلاء لنقول لهم كلمة واحدة: حان الوقت أيها السادة الكرام الأجلاء أن نجتمع جميعًا على كلمة سواء وأن نتآلف ونتكاتف من أجل هذا الوطن.

وأن ننظر أمامنا، كفانا نظرًا إلى ما تحت أقدامنا وكفانا نظرًا إلى ما خلف آذاننا، ننظر أمامنا وننظر إلى القضايا الكبرى وقضايا الأمن القومي، والأمن القومي لبّه وجوهره هو الأمن المجتمعي.

[المذيع]: شكرًا فضيلة الشيخ أحمد نبوي، والختام مع فضيلة مفتي الديار المصرية، أعني كلمة حق إذا أردنا أن نختم هذا اللقاء فضيلة المفتي

[الشيخ]: هو في الحقيقة نحن لدينا الأمل الواسع ويجب علينا ألا نفقد الأمل مهما تكاثرت المشكلات وتراكمت وتراكبت.

الأمل الواسع والإخلاص مع الهمة سبيل تجاوز الأزمة وعودة الاستقرار لمصر

[الشيخ]: لأن الأمل الواسع جزء من الحياة الصحيحة؛ فبالعمل الصحيح وبالأمل الواسع نرجو الله سبحانه وتعالى أن نتجاوز هذه الأوقات الخمسة أو الستة أشهر القادمة، وأن يعيد الله سبحانه وتعالى هذا الاستقرار في البلاد من دستور ومن مجالس تشريعية ومن رئاسة وما إلى ذلك، وينطلق المصريون.

وأنا أريد من خلال الأمل الواسع أن أخبر عما رأيته في أوروبا في هذه الأيام؛ فالناس منبهرة بمصر، والناس الآن، وهذه فرصة لن تعود، لن تعود، وخسارة أن نتركها. الناس جميعها مع انبهارهم بمصر على استعداد فعلي للمساعدة لكي يساعدوا مصر.

ولذلك يجب علينا أن نفكر وأن نبدع وأن نتحدث. سيدنا عمر [بن الخطاب] قال:

«أفيضوا مجالسكم بينكم»

رأي واحد ليس كرأيين، عقل واحد وهو يفكر ليس كعقلين فلكل عين النظرة، وهيا بنا نتآلف ونتكاتف.

الاتحاد والنظام والعمل والإخلاص شعارات مصر لتحقيق الأمن المجتمعي

[الشيخ]: وهذا الذي كان في البداية: الاتحاد والنظام والعمل، يبدو أنها شعارات جميلة ولكننا نحتاج إليها حتى الآن.

أي لو أننا لخّصنا ما قلناه فإن ما ظهر هو الاتحاد والنظام والعمل والقانون.

[المذيع]: أي سيادة القانون كما تقول.

[الشيخ]: نعم هو جزء من النظام، القانون هو أسّ النظام، القانون هو أساس النظام. وكنه النظام لأنه بلا قانون وبلا دولة قانون يكون كل هذا في هباء وكل هذا في بلاء.

فنرجو الله سبحانه وتعالى ونسأله جلّت قدرته أن يوفقنا ويلهمنا الصواب في هذه الأيام ويمر بها على خير إن شاء الله.

[المذيع]: متفائل سعادة الأستاذ رجائي عطية؟

[المستشار رجائي عطية]: نعم، أنا سأقول كلمة واحدة

[المذيع]: هذه المرة: متفائل؟

[المستشار رجائي عطية]: نعم سأقول كلمة واحدة إذا سمحتم: نحن نحتاج إلى الإخلاص، الإخلاص إذا تحقق الإخلاص سوف يصلح كل ما نتمناه.

[المذيع]: إذن بالهمة والإخلاص سيعود إن شاء الله الدفء إلى المجتمع المصري والأمن المجتمعي إلى هذا الوطن العزيز المحروس بعناية الله.

ختام الحلقة وشكر الضيوف والدعاء لمصر بالأمن والاستقرار

[المذيع]: مشاهدونا الكرام ونحن نتحدث الأمن المجتمعي في كلمة حق، أشكر ضيوفي الكرام في نهاية الحلقة:

فضيلة العلامة الأستاذ الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية، شكرًا جزيلًا شكرًا.

وضيفي الكريم العالم الجليل الأستاذ رجائي عطية عضو مجمع البحوث الإسلامية والقانوني القدير.

والداعية الإسلامي الشاب الذي سعدنا بوجوده معنا اليوم فضيلة الشيخ أحمد نبوي، شكرًا فضيلة الشيخ أحمد.

وعلى كل مصري تقع مسؤولية الأمن الاجتماعي الذي تحدث عنه فضيلة مفتي الديار المصرية، وأيضًا الأمن المجتمعي الذي يتحقق للمجتمع ككل من خلال أجهزة الدولة المختلفة.

ندعو الله أن يحفظ مصر آمنة مستقرة، ونشكركم على حسن المتابعة، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.