برنامج كلمة حق | أ.د علي جمعة | الإسلاموفوبيا المشكلة والتعريف | بتاريخ 2011 - 07 - 22
- •الإسلاموفوبيا ظاهرة تمثل هجمة شرسة ضد الإسلام، وهي ليست وليدة اليوم بل امتداد لمؤامرات قديمة منذ صدر الإسلام.
- •تاريخ الإسلام مليء بالإنجازات والعدل، فقد انتشر بين الشعوب دون قهر أو إكراه، ولم يشهد تمييزاً عنصرياً، ولم يعرف محاكم التفتيش.
- •تتخذ الإسلاموفوبيا وسائل عديدة، منها الإعلام والأبحاث المتحيزة، ويقف وراءها مؤسسات ذات أهداف سياسية واستعمارية وصهيونية.
- •آلية عمل هذه الظاهرة تعتمد على تشويه المفاهيم الإسلامية، وقراءة النصوص بطريقة متحيزة، وتعميم الخاص، وتحريف المعاني.
- •المواجهة تكون بالبيان والصبر والعمل الصحيح، وعدم الاكتفاء بالدفاع، بل شرح الإسلام بشكل صحيح.
- •للأسف، بعض المسلمين الجهلاء ساهموا في تشويه صورة الإسلام، وهؤلاء محسوبون على الإسلام رغم أن النبي يتبرأ منهم.
تقديم البرنامج والتعريف بضيوف حلقة الإسلاموفوبيا
[المذيع]: هجمة شرسة، بل ومسعورة، تمارس ضد الإسلام، ليس اليوم فحسب، ولكنها منذ تاريخ طويل، ومنذ صدر الإسلام حِيكت المؤامرة ولا تزال. لكن في هذا العصر اختلفت بما يُعرف بالإسلاموفوبيا؛ ظاهرة ظهرت في الغرب، تُحذِّر وتُسبِّب الخوف والهلع، وتهاجم الإسلام والمسلمين والحضارة الإسلامية بشدة.
ما الإسلاموفوبيا؟ وكيف يمكن مواجهتها؟ ودور علماء الأمة ومثقفيها في هذه الظاهرة ومواجهتها — مطروح للنقاش في كلمة حق، في رحاب الأزهر الشريف.
أرحب بضيوفي الكرام: فضيلة العلامة مفتي الديار المصرية، الأستاذ الدكتور علي جمعة، أهلًا بفضيلتك دائمًا، نشكر لكم تلبية الدعوة والوقت، أعني شكرًا جزيلًا. ومعنا لأول مرة في كلمة حق، الضيف العالم الجليل، الأستاذ الدكتور خالد أبو الفضل، أستاذ القانون الدولي والشريعة بجامعة UCLA لوس أنجلوس، كاليفورنيا. أهلًا بك دكتور خالد، ونسعد بوجودك فضيلتك معنا اليوم.
تقديم المذيع لمحاور النقاش وطلب تعريف الإسلاموفوبيا وحجم المشكلة
[المذيع]: فضيلة المفتي، الحقيقة أعني، مجموعة موضوعات اقترحناها مع فضيلتكم وفضيلتكم، أردت أيضًا أن تستفسر من الدكتور خالد أبو الفضل عن الإسلاموفوبيا، وكيف تحوَّل الإسلام إلى نوع من الهلع، وكيف يقوم البعض ضد الإسلام ويعاديه، ربما في غياب الدفاع بقدر الإمكان، أو على الأقل توضيح الحقائق.
دعنا نعرف من فضيلتكم في البداية: حجم المشكلة وشكلها والحل؟
[الشيخ]: ما هي قصة الإسلام وفقهه؟ بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
الإسلام دين خاتم، جاء به النبي صلى الله عليه وسلم. القرآن هو الكلمة أو العهد الأخير؛ إذا كان هناك العهد القديم وهناك العهد الجديد، فهذا هو العهد الأخير للبشرية.
تاريخ المقاومة والعداء للإسلام من صدره حتى العصر الاستعماري
[الشيخ]: الإسلام واجه مقاومة شديدة من المشركين، ومن اليهود في داخل المدينة وفي خيبر وفي كل مكان حتى في الجزيرة العربية. ثم بعد ذلك واجه هذا العداء السافر ما بين الروم والفرس، وهما قد اتفقا ضد المسلمين.
ووقف [الإسلام] من البداية في موقف الدفاع عن النفس وعن الذات، وهو الأمر الذي أقرَّه كل العقلاء: أن الإنسان له أن يدافع عن نفسه وعن ذاته.
تطورنا بعد ذلك ووجدنا المغول، ووجدنا الصليبيين تحت شعار الصليب — والصليب منهم براء أيضًا — يأتون لغزو هذا العالم الإسلامي وينتقصونه من الشمال ومن الجنوب، من الشرق ومن الغرب. وجدنا الأندلس تضيع، ووجدنا الهند أيضًا تضيع بعد حكم إسلامي كبير. وبعد ذلك دخلنا في المرحلة الاستعمارية؛ فإذا بالإسلام كان دائمًا مُفترىً عليه ومعتدىً عليه.
الهجوم على النبي والقرآن والتشريع وبقاء الإسلام رغم كل المحاولات
[الشيخ]: وهناك صدام، وهناك من يريد أن يُظهر هذا الإسلام بصورة سيئة؛ طال هذا شخصَ سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وطال هذا القرآن الكريم، وطال هذا التشريع بالتفصيل، وطالت هذه قضايا أساسية للإنسان في هذا الكون.
الغريب العجيب أن بعد كل هذه الحروب وكل هذا الصدام، وكان ينبغي عقلًا أن ينتهي الإسلام، وأن ينتهي هذا مجموعة العرب هؤلاء الذين وصفهم بعضهم بأنهم حفاة عراة خرجوا ليغزوا العالم، وأن ينتهي منهم تصفية جسدية بسيطة.
وتنتهي [القضية] عندما دخل الإسلام في مصر، في إيران، في بلاد الشام والعراق، في المائة سنة الأولى. وطبقًا لدراسات غربية، منها دراسة ريتشارد بوليت وغيرها كثير: بعد مائة سنة كان خمسة في المائة من المسلمين والباقي غير مسلمين، وبعد مائتي سنة ارتفعت النسبة إلى خمسة وعشرين في المائة، وبعد سبعمائة وخمسين سنة انعكس الحال وأصبح خمسة وتسعون في المائة مسلمين وخمسة من غير المسلمين.
الإسلام لم يفرض على أحد ولم يعرف الفكر الاستعماري ولا التمييز العنصري
[الشيخ]: هذا الكلام موجود في مصر، موجود في الشام، موجود في العراق، موجود في إيران، موجود في العالم الإسلامي كله. إذن هذا الإسلام سالم، ولم يفرض ولم يقهر أحدًا أبدًا.
هذا الإسلام على مر العصور كان خاليًا من خطف الناس. نحن لم يكن لدينا قط فكر استعماري؛ ولذلك العرب لم يأخذوا ثروة مصر والشام وإيران ويجعلوا الحجاز جنة الله في أرضه، لم يفعلوا هذا، بل إنهم جعلوا مصر جنة الله في أرضه، والشام جنة الله في أرضه، وكل مكان جنة الله في أرضه. لم يقوموا بهذا التفكير الاستعماري أبدًا.
نحن ليس لدينا أفريقيا عنصرية، وفي التفسير انظر: هذا سيدنا لقمان الذي كان عبدًا حبشيًا رأسه كالزبيبة — أي أسود — وبالرغم من ذلك نقول على سيدنا لقمان: سيدنا. وأربعون من الصحابة كانوا سُمرًا.
الأزهر والإسناد دليل على انعدام التمييز العنصري في الحضارة الإسلامية
[الشيخ]: وتأتي في الأزهر هنا فتجد سبعين رواقًا، والأروقة السبعون منها الرواق الجبرتي، ومنها رواق الهراه، ومنها رواق الأحباش. ولم نعرف قط قضية التمييز العنصري إطلاقًا.
ابن حجر العسقلاني في سنة ثمانمائة واثنين وخمسين هجرية، كان له اثنان وخمسون شيخة، درس عليهن. وكذلك تلاميذه مثل السخاوي، وتلميذ السخاوي السيوطي مثله.
إذن هذا تاريخ مشترك. ونحن أيضًا نحب الإسناد، والإسناد معناه أن أذهب لأعمل أي شيء أعمله بالسند. فهو عندما أتعلم الخط يأتي سند يقول لي: يجب أن يكون لهذا الخط سند حتى ابن مقلة. فمن هو الذي في أسانيد الخط في العالم الإسلامي كله؟ السيدة شهدة.
ظاهرة في أسانيدنا جميعًا من طنجة إلى جاكارتا وغانا إلى فرغانة. نحن نحب الإسناد؛ لقد قرأت هنا في رواق الأتراك البخاري وأُعطيت السند، فمن فيه؟ كريمة الدمشقية. وفي كل أسانيد أهل الأرض على وجه [الأرض] كريمة الدمشقية، يعني أننا لا نعرف كيف نتخلص منها.
موقف الإسلام من المرأة والاستعمار والقهر الديني وخلو تاريخه من محاكم التفتيش
[الشيخ]: هذا موقف الإسلام من المرأة، من التفرقة العنصرية، من فكرة الاستعمار، من التوزيع، من كل شيء. نحن تاريخنا خالٍ من محاكم التفتيش، نحن تاريخنا خالٍ من القهر.
الهندوس ما زالوا يا أخي هندوسًا، إن البوذيين ما زالوا بوذيين حتى الآن، وهؤلاء كانوا تحت سلطاننا، فلم نقهر أحدًا ولم نُكره أحدًا على شيء.
ما رأيك إذن في أن كل هذا التاريخ المضيء قد تغيَّر؟ وأصبحنا نكره الحياة، ونكره الحب، ونكره المرأة، ونكره الطفولة، ونكره أنفسنا، وأننا قوم — الحقيقة — عندما تأتي تقرأ عن المسلمين تكره نفسك! تكره نفسك يا أخي. الإنسان الذي تصورونه هذا، من هذا؟ أإبليس هذا أم ماذا؟ يقول لك: لا، هذا المسلم. فإذن القضية واضحة أن هناك أكذوبة كبيرة تُحاك علينا، هي سبب الإسلاموفوبيا.
دور الإعلام ومراكز الأبحاث في تغذية الإسلاموفوبيا بنظارة سوداء
[الشيخ]: اشتدت [الإسلاموفوبيا] في عصرنا من الإعلام الذي أصبح أداة جهنمية جبارة. فهذا أنشأ لنا فرعًا آخر: الجامعات وتكويناتها؛ الجامعات وتكويناتها أصلًا تكون خالصة للفكر، والفكر يتحول في قالب إلى علم. فذهبوا يُنشئون شيئًا آخر اسمه مركز الفكر، أي مراكز الأبحاث.
ومراكز الأبحاث هذه صارت أبحاثًا، ولكن بنظارة سوداء. أنت تعرف الذي يرتدي النظارة السوداء هكذا، وبعد ذلك يقول: أنا أرى كل شيء أسود! لماذا لا تخلع النظارة؟
ونحن ندعو العالمين في الداخل والخارج إلى أن يخلعوا النظارة، وسيرون أفضل، وسيرون شيئًا آخر؛ سيرون الشيء الذي تربينا عليه، سيسمعون بطريقة أخرى. سيسمعون الرجل وهو يقول: بسم الله الرحمن الرحيم، ستدخل قلوبهم بطريقة أخرى؛ أنه لم يقل بسم الله الجبار المنتقم، لم يقل بسم الله المنتقم العظيم، بل قال: بسم الله الرحمن الرحيم.
الجهلاء من المسلمين شوهوا الإسلام وأعطوا أعداءه ذريعة للهجوم
[الشيخ]: المسلمون الجهلاء الذين شوَّهوا الإسلام وأعطوا أعداء الإسلام ما لا يمكن تصوره؛ قتلوا وأفسدوا في الأرض وأراقوا الدماء، والنبي ﷺ يتبرأ منهم ويسميهم خوارج ويسميهم كلاب النار، ولكن لمن نقول؟
ولذلك نعم، محسوبون على الإسلام. فأصبحنا في مأزقين: مأزق تاريخ طويل في مصالح ومواد وما إلى ذلك يحاول أن يشوِّه الإسلام، وحاضر مرير مع جهالة.
ولكن هذا دين الله؛ ولذلك تجدنا جالسين ننتشر من غير حول منا ولا قوة.
سؤال المذيع للدكتور خالد أبو الفضل عن رؤيته للإسلاموفوبيا من الغرب وتعريفها
[المذيع]: أي أن فضيلة العلامة الدكتور علي جمعة أعطانا لمحة تاريخية عن الإسلاموفوبيا، أو أولًا عن عدالة الإسلام وسماحته وكيف انتشر، وكيف أُصيب أيضًا بالمؤامرة المحاكة له، وتصرفات بعض القلة من الجهلاء الذين أساءوا للإسلام.
لكم حياة طويلة في الغرب في الولايات المتحدة الأمريكية، هل رؤيتك للإسلاموفوبيا تختلف؟ المشكلة والتعريف برأيكم أيضًا؟
[الشيخ خالد أبو الفضل]: الإسلاموفوبيا ظاهرة اجتماعية سياسية أيديولوجية، كما تفضل فضيلة المفتي الشيخ علي جمعة، لها جذور تاريخية من تاريخ طويل ممتد بالعداوات للإسلام. لكن الإسلاموفوبيا — الشيء الذي يجعلها ظاهرة ذات صفات معينة بحيث إننا نستطيع أن نشير لنقول هذه إسلاموفوبيا — هي حملة لها أطراف كثيرة جدًا، وإن شاء الله يمكن أن نتحدث عن هذه الأطراف.
الإسلاموفوبيا تشويه متعمد للإسلام بسوء نية لا جهلاً وتشبيهها بالاستشراق بلا حياء
[الشيخ خالد أبو الفضل]: التي تُسطِّح التاريخ الإسلامي والعقائد الإسلامية، وليس عن جهل وإنما بسوء نية. وهذه النقطة مهمة جدًا لأن فيها تفاصيل كثيرة. ولكن يبقى واضحًا أنه مثلًا هناك تعمُّد، هناك تعمُّد لتشويه صورة ليس فقط المسلم ولكن الإسلام.
الشيء المهم في الإسلاموفوبيا أنها مثل الاستشراق ولكن بدون ستارة الحياء؛ يعني أنني أقول ونحن يمكن أن نتحدث بالضبط، ولكن الإسلاموفوبيا تميل إلى أسلوب في شتم الإسلام وفي تهييج المشاعر ضد الإسلام.
بتبيُّن أن الإسلام مشكلته في تاريخه، في أخلاقياته، في معاييره. فيبقى هذا المسلم وإن تظاهر أنه على خُلق، وإن تظاهر أنه إنسان، وإن تظاهر، فهو ناقص الأهلية من وجهة نظرهم.
ربط الإسلاموفوبيا المسلمَ بالإرهاب وادعاء أن كل مسلم مشروع سري للأسلمة
[الشيخ خالد أبو الفضل]: نعم، بقلبه مرض سيظهر. يقول لك: كل مسلم هو مشروع سري للأسلمة، وكل مشروع سري للأسلمة هو مشروع سري للإرهاب. يا للعجب!
الأمر يعني أنهم دائمًا يربطون بين الإرهاب والعنف والاستبداد والتسلط. يعني من الأشياء في الكتابات الإسلاموفوبيا المعادية للإسلام أنه يقول لك: إن المسلمين لا يفهمون العلاقة مع الآخرين إلا من خلال علاقة الذمة، يقول في عقيدته القرآنية الإيمانية أن الجميع يجب في النهاية أن يكونوا تحت سلطته.
دائمًا هناك ربط بين المسلم والإرهاب، أو الإسلام والإرهاب. حضرتك لو كان الربط هكذا مطلقًا بدون محاولة تعليل أو إظهار الظهور بمظهر المنهجية العلمية لأصبحت شتيمة وما أصبحت مشكلة. لكن المشكلة أن هناك مؤسسات وجهود وأموال، وللأسف أناس حتى يعني من أناس من أصول — الله أعلم بها — ولكن لا أُفتي في مسألة الإسلام والكفر، إنما يدَّعون أنهم مسلمون ولكنهم يتفرغون للقول مثلًا.
تضخيم نماذج الكراهية وتسويقها وكون الإسلاموفوبيا ردَّ فعل على انتشار الإسلام في الغرب
[الشيخ خالد أبو الفضل]: نعم، فعلًا نحن نشأنا في بلد كذا — مصر، الأردن — وهذا من صغرنا ونحن نتعلم كراهية اليهود، وأننا يجب أن نسود وأن نكون نحن المسيطرين وأن تكون لنا اليد العليا وما إلى ذلك. فيتم تضخيم هذه النماذج طبعًا وتسويقها وترويجها.
والأمر المهم جدًا أن هذه الظاهرة كما قلت متشعبة، ولكنها كانت ردَّ فعل لأشياء يمكن أن نعيشها أكثر:
أولًا: الملاحظة التي ذكرها فضيلة الشيخ حول انتشار الإسلام في الغرب في التسعينيات، وبالذات فيما بعد دخولنا القرن الواحد والعشرين، أصبح هناك قلق كبير من أن أعداد الناس الذين يُسلمون في تزايد مستمر.
ومن جهة أخرى أنه توجد آلة حربية كاملة شغلها الشاغل صباح مساء أن تقتل المسلمين في العراق وفي أفغانستان. السيكولوجية الأمريكية مع الهنود الحمر، مع اليابانيين، مع الصينيين: تشوِّه ضحيتها.
خطورة الإسلاموفوبيا وعشرة آلاف كتاب في عشر سنوات لتشويه الإسلام في أمريكا
[الشيخ خالد أبو الفضل]: فجزء من هذا أن رغبة الأمريكي العادي أنه عندما يرى مظاهر بشعة في تعذيبها يريد أن يؤمن أن هؤلاء الناس يستحقون ذلك.
الشيئان اللذان يجعلانني أهتم بهذه الظاهرة وأقول إنها خطر ومشكلة كبيرة، لماذا؟ لك أن تتصور أنني أحصيت في آخر عشر سنوات فقط ظهور كتب من هذا النوع التي هي عبارة عن تشويه مجرد وشاذ وكل شيء للإسلام وما كل ما هو إسلامي، في عشر سنوات فوق عشرة آلاف كتاب، عشرة آلاف كتاب في أمريكا وحدها — أنا لا أحسب حتى لندن ولا أوروبا.
في أمريكا هناك قائمة لأكثر الكتب مبيعًا التي تسمى الأفضل مبيعًا، الكتاب كي يوضع على هذه القائمة يجب على الأقل أن يبيع مليون نسخة. حسنًا، من سنة ألفين وواحد حتى اليوم، أول عشرة كتب في هذه القائمة فيها دائمًا بدون استثناء كتابان على الأقل أو أكثر من كتب الإسلاموفوبيا، مثل أيان حرسي علي بكتاب اسمه انفيدال يعني كافرة — لا أعتقد أنها كافرة.
تشريعات أمريكية ضد الشريعة الإسلامية وغياب رد الفعل المسلم على هذه الظاهرة
[الشيخ خالد أبو الفضل]: بالإضافة إلى ذلك أن أخيرًا بدأنا نرى ردود أفعال ملموسة في عدد من الولايات في أمريكا وحدها تتبنى تشريعات ضد الشريعة، تُحرِّم تطبيق أي جزء من الشريعة الإسلامية.
وهذه التشريعات لا تُحرِّم هكذا تقول بالهوى، لا، دائمًا في ديباجة تقول: إن الشريعة هذا نظام لا أخلاقي وغير إنساني وما إلى ذلك، وعلى هذا الأساس فنحن نعيش في بلد الديمقراطية والحرية وهذا الكلام وحقوق الإنسان وما إلى ذلك.
أنا أحدثك اليوم: أربع عشرة ولاية تبنَّوا تشريعات ضد الشريعة، واثنان وعشرون ولاية تنظر في قانون مماثل، وولاية منها تريد تجريم الإيمان أو أي محاولة لتطبيق الشريعة بخمسة عشر عامًا سجنًا.
كل هذا والمرء يرى أحداثها حول العالم دون رد فعل من المسلم. هذه هي المشكلة يا سيدنا.
سؤال المذيع للشيخ علي جمعة عن سبب غياب الدفاع المسلم وكيفية مواجهة الإسلاموفوبيا
[المذيع]: كيف يكون رد الفعل يا فضيلة المفتي؟ ولدي سؤال لفضيلتكم: لماذا الإعلام أو الآلة الإعلامية الجبارة التي تحدث عنها الدكتور خالد أبو الفضل تروِّج الإسلاموفوبيا وليس هناك دفاع كافٍ من المؤسسات المسلمة؟ كيف نفض الاشتباك ورؤية فضيلتكم لهذا؟
[الشيخ]: إن هؤلاء الناس يتميزون بقضيتين: قضية تاريخية وقضية واقعية.
القضية التاريخية أنهم دخلوا أمريكا وصنعوا لوبي منذ زمن بعيد، منذ نحو مائتي سنة. صحيح أن القضية الثانية هي أنهم تمكنوا من المؤسسات الكبرى المالية والإعلامية والتعليمية؛ ولذلك فإن هذا مع الاتفاق في أصول الديانة — والإسلام خارج هذا الاتفاق — يمثل مثلثًا يستطيعون به أن يستعملوا الإعلام في هذه القضية.
نمو الوجود الإسلامي في أمريكا وبناء اللوبي المسلم من الستينيات حتى اليوم
[الشيخ]: عندما بدأ المسلمون مع الستينيات في إنشاء الجماعة الإسلامية داخل أمريكا، في المجتمع الإسلامي، بدؤوا يتجمعون في يوم العيد، بدؤوا يزورون بعضهم البعض، في رمضان بدؤوا يُنشئون مراكز إسلامية، بدؤوا كذا وكذا إلى آخره.
كانت المسألة قد بدأت في الازدياد وفي بناء هذا الذي يسمونه اللوبي، الذي يستطيع أن ينتشر في كل مكان. أمريكا حوالي ثلاثمائة مليون، المسلمون فيها لا يقلون إطلاقًا عن عشرة ملايين؛ في أول القرن كان العدد صفرًا وفي آخر القرن أصبح عشرة ملايين. إذن المنحنى يصعد ولا ينخفض.
وهذا أيضًا يُحسب للمسلمين أنهم أصبحوا هناك أساتذة في الجامعات، وأصبحوا بعد التزامهم بالمناهج العلمية الرصينة في الأداء وصبرهم على كل هذا البلاء، أصبح لهم مقام صدق، منهم الدكتور خالد أبو الفضل وأمثال أبو الفضل كثير في أمريكا.
الصبر الجميل والتحرك ببيان الإسلام لا بالهجوم والدفاع هو المنهج الصحيح
[الشيخ]: أنا أريد أن أقول إن الله سبحانه وتعالى لما علَّمنا قال لنا:
﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَٱللَّهُ ٱلْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: 18]
علَّمنا أن الحق أبلج وإن الباطل لجج. علَّمنا أن العشرة آلاف كتاب التي في عشرة سنين هذه، وما يفعلونه من ستة ملايين نسخة لكل كذا إلى آخره، هذه يمكن أن تذهب بحقيقة واحدة.
فإذا علينا أن نصبر وعلينا أن نتحرك، لأن الحركة بركة. فلا بد علينا من خطاب الغرب مع الصبر على الأذى. يعني تكلموا مع النبي ﷺ أنه ساحر وأنه مجنون وأنه مفترٍ وأنه كذا إلى آخره، فسكت ولم يحدث هناك أي دفاع عنه، إنما ذهب إليهم من جهة أخرى وقال لهم: قولوا لا إله إلا الله.
أم أن هناك ربًا واحدًا يهضم حق نفسه؟ أي يتجاوز النقاش في غير ما نحن عليه.
جمع الشبهات الأربعين ألفاً والرد عليها في مؤسسات متخصصة كمؤسسة بيان
[الشيخ]: مرة حاولنا أن نجمع الشبهات التي تُثار حول الإسلام فوجدناها نحو أربعين ألف شبهة. فجلس إخوة وذهبوا وردوا عليها، على الأربعين ألفًا هذه.
[المذيع]: هل هذا في العصر الحديث، في دار الإفتاء؟
[الشيخ]: ليس في دار الإفتاء، وإنما هذا في مؤسسات أخرى مثل مؤسسة بيان، أي في مؤسسات قامت لرصد كل خاطر يضر الإسلام والمسلمين، أو ينتقد الإسلام والمسلمين، أو يُحدث شبهة لدى الشباب. ونظَّموها وعملوها وهي الآن تُطبع في ثمانية وعشرين مجلدًا.
وإنما هذا كله هو مرجع أي يرجع إليه من التبس عليه شيء وكذا إلى آخره، وهو من فروض الكفايات.
ثلاثة أساليب لمواجهة الإسلاموفوبيا: البيان لا الهجوم ولا الدفاع
[الشيخ]: إنما ليس هو ذلك الدعوة؛ ليست الدعوة أن تأتي بأربعين ألف شبهة كلها تذهب بالإخلاص، وكلها يمكن أن نتجاوزها بالعمل الصحيح.
هيا بنا، نحن أمامنا ثلاثة أساليب:
- إما بيان الإسلام
- وإما الهجوم
- وإما الدفاع
أنا لا أُحبِّذ الدفاع ولا الهجوم، لا أريد أن أهاجم أحدًا في العالمين. أنا أقول: تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم، أساسها هو حب الله وحب الجار. وهيا بنا نلتقي حتى نفهم الإسلام، اسألونا ونحن نجيب، قولوا لنا أنتم تريدون ماذا؟
حادثة الكنيسة وتعميم الخاصة: كيف تُستخدم حوادث فردية لتشويه التاريخ الإسلامي كله
[الشيخ]: إن جاز لي أن أشرح كحاشية ونحن في الأزهر على هذا المتن الرائع الذي قدَّمه الدكتور خالد أبو الفضل الآن:
كان هناك حادثة قديمة كانت تسمى حادثة الكنيسة، وهي أن اليهود أخذوا قطعة أرض وبنوا عليها معبدًا، وبعد ذلك تنازع مسلم معهم وقال لهم: هذه الأرض ملكي، لماذا أخذتموها ولماذا بنيتم معبدًا عليها؟ فوقفت معه جماعة، أي مجموعة من الناس، ومجموعة من العلماء وقفوا يؤيدون هذا الرجل بأن معه حجة قديمة، وكان نزاع على قطعة أرض.
القاضي المسلم بعد البحث تبيَّن أنها لليهودي فأعطاها لليهودي. فقام المسلمون غضبًا على الحكم القضائي وهدموا الكنيس هذا أو الكنيسة كانوا يسمونها. ولما هدموها فقد ظلموا اليهودي هكذا. فوقف الحاكم بجيشه وقوته وشرطته مع اليهودي ضد المسلمين، وقبض على العلماء الذين أيَّدوا حركة العصيان والذين أيَّدوا العدوان.
بقاء معابد البوذيين والهندوس والمجوس دليل على أن الإسلام لم يهدم معابد الآخرين
[الشيخ]: وهكذا، وهذه حدثت مرة في القرن الرابع عشر. فيأتي ويصف التاريخ الإسلامي كله من أوله إلى آخره بأننا كنا نضطهد الناس ونهدم معابدهم وهكذا.
فلماذا إذن بقي تمثال بوذا حتى اليوم؟ فلماذا إذن معابد النار للمجوس، أو معابد فيشنو وكريشنا ومانو باقية حتى اليوم؟
إذن لماذا أغلب الهنود هندوس حتى اليوم؟ لأن المسلمين تركوا الناس وما يدينون.
فيجب أن نقرأ. فالقضية الأولى: تعميم الخاصة. والقضية الثانية: القراءة ابتداءً من الأصول — القرآن والسنة.
القراءة المغرضة لحديث أمرت أن أقاتل الناس وتفسيره الصحيح في سياقه التاريخي
[الشيخ]: يعني عندما يأتي حديث مثلًا ويقول لك:
«أُمِرتُ أن أُقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله»
إذن فنحن أناس عدوانيون نريدها دمًا ونذهب لنرفع السيف على رقاب الناس ونقول لهم: إما أن تسلموا وإما أن تموتوا.
وعندما نذهب لنقرأ الحديث عند المسلمين نجد غير ذلك: أن الناس هنا معناها المشركون الذين قاتلوه في بدر، وبدر في المدينة على بعد مائة وستين — مائة وستون كيلومترًا — ثم ضربوه في أُحد أيضًا في المدينة، ثم ضربوه في الخندق أيضًا في المدينة.
والله يعني أنا جالس في حالي وأُنضرب! فتكون هذه قراءة ثانية. وبعد ذلك قال: أُمرنا أم قال أُمرت؟ أنا أُمرت، فيكون هو [النبي ﷺ]، لأنه جالس يُنضرب طوال النهار، فربنا قال له: لا تخف، دافع عن نفسك، دافع عن دينك، دافع عن قومك، ودافع عن حقوقك وعرضك وكذا إلى آخره.
مشروعية الدفاع عن النفس في الإسلام والجهاد مفهوم راقٍ لا سفك دماء
[الشيخ]:
«من مات دون ماله فهو شهيد، من مات دون عرضه فهو شهيد، من مات دون أهله فهو شهيد»
ولذلك النبي عليه الصلاة والسلام لا يريدنا أن نجبن أمام هذا وننزوي ونُسلِّم لهم ما يريدون كما يريدون. لكن لا، جاهد في سبيل الله.
هذا المفهوم الراقي للجهاد هو لا يريده؛ هو يريد أن يصمنا بأننا سفاكون للدماء وأننا سفاحون.
عندما أُبيِّن هذه القضية أقول: أُمرت وليس أُمرنا، أقول: المشركين — راجع أي كتاب ستجدها — التي هم العرب. أن الناس هنا معناها ماذا؟ قال: لا، الناس إذن جميع الناس الذين على وجه الأرض. تكون هذه قراءة مغرضة متحيزة، فيها بالإنجليزية يقال لك: متحيز، أي تحيز، أي ضدية، أي أنت تتحيز. لماذا في هذا الرأي وأين الموضوعية وأين الأكاديمية؟ وهكذا إلى آخره.
القراءة المغرضة لعشرات الأحاديث وكتاب حاكم الحب لتصحيح فهم النصوص
[الشيخ]: قس على هذا إذن في عشرات الأحاديث، عشرات الأحاديث. أنا مرة أخرجت كتابًا اسمها على غير معناها أو آه حاكم الحب، قلت لهم بالمناسبة: أنتم لا تفهمون كيف كان هؤلاء الناس يحبون بعضهم البعض.
وهذه نقطة ثالثة وهي أن يقرأ النصوص القديمة بالثقافة التي أنشأها الآن. أنت لا تفهم لماذا الحديث الذي أمامك هذا، لأنك لم تعرف كم كانوا يحبون بعضهم البعض. لا تستطيع أن تتصور لأنك قسته بناءً على فهمك أنت وحالتك أنت وبيئتك أنت.
فحديث سعد بن الربيع وهو يقول لعبد الرحمن بن عوف:
«انظر أنا متزوج من اثنتين، اختر إحداهما أطلقها لك لتتزوجها، لأنك رجل جئت غريبًا وهكذا»
فقال له: بارك الله لك فيهما.
حب الأخوة الإيمانية بين سعد بن الربيع وعبد الرحمن بن عوف وزوجتيه نموذج لفهم النصوص
[الشيخ]: وكذلك الكلام الخاص بسعد بن الربيع وهو يقول له قائلًا أمام الاثنتين من النساء اللواتي تزوجهما. فهو يقول لك: إن هذا النص يتحدث عن أن رجلًا متزوج من اثنتين — والعياذ بالله — فيكون ذلك تعددًا، والتعدد هذا جريمة، وفي أنه يريد أن ينقل المرأة مثل الشطرنج يُخرجها من عصمته ويُدخلها في عصمة الآخر، أنه يعرض عليه النساء التابعات له ويجعل القصة سوداء.
في حين أن الذي حدث بين الأربعة هؤلاء أن النبي عليه الصلاة والسلام لما آخى بين عبد الرحمن بن عوف وسعد بن الربيع وزوجتيه، الأربعة أحبوا بعضهم البعض، الأربعة كانوا ذائبين في بعضهم البعض. البنتان هاتان يُحببن سعدًا، والبنتان يُحببن عبد الرحمن أيضًا حبًا آخر لم يجربه هؤلاء، وهو حب الأخوة الإيمانية.
وهم لا يعرفون، لم يجربوه. هو مسكين، هو معذور أنه لم يجرب شيئًا يسمى كذلك. عبد الرحمن يحب الثلاثة والثلاثة يحبون عبد الرحمن، وأصبحوا كأنهم جميعًا أسرة واحدة، كأنهم ذابوا في بعضهم البعض.
الحب الإيماني الحقيقي الذي لم يفهمه المنتقدون وضرورة فهم البيئة لفهم النصوص
[الشيخ]: هؤلاء الناس لم يفهموا هذا الأمر لأنهم لم يفهموا معنى الحب، وأن الحب عطاء. الرجل يتكلم بصراحة أمام الجميع:
«اختر لي امرأة منهن وسأطلقها لتتزوجها. حسنًا، لكنها كانت قد قالت: لا، هل أنا ألعوبة؟ حسنًا، أنا طلقتها، فمن قال لك إنها ستتزوجه؟»
بعد العدة ستذهب لتتزوجه، من الذي قال لك إنها ترضى أن تتزوجه؟ فيمكن أن تغضب مني. لكنهم كانوا يعيشون في الجنة مع سيدنا رسول الله، جعلهم يعيشون في الجنة، جعل كل واحد يحب الآخر.
هو يسأل: هل يوجد حب كهذا؟ أنت محروم منه. لكن يوجد حب كهذا، حب حدث حقيقي وواقعي. يجب أن تفهمه لكي تفهم النص، وإلا ستكون دائمًا محجوبًا عن هذا النص.
هذا الذي يحدث في العشرة آلاف كتاب التي تحدث عنها الدكتور خالد، بأنه لا يفهم البيئة، لا يفهم المعاني، لا يفهم، يُعمِّم، يُفسِّر هذا.
كتاب الهداية لزويمر وأربعة مجلدات لتشويه الإسلام وكيف يُرد عليها بالأسانيد
[الشيخ]: نحن كان لدينا هنا أشخاص مجهولون لم يذكروا أسماءهم، ولكنهم كانوا تقريبًا تابعين لمبشِّر يُدعى زويمر. وفي سنوات ألف وتسعمائة وثمانية وتسعة وعشرة وإحدى عشرة جلبوا أموالًا كثيرة وأعدوا أربعة مجلدات تسمى الهداية.
قرؤوا القرآن حرفًا حرفًا، والسنة حرفًا حرفًا، والفقه حرفًا حرفًا، والتاريخ حرفًا حرفًا، واستخرجوا كل شيء مما يُتعب هذه المسألة، وألَّفوا كتاب الهداية في أربعة مجلدات من أجل تشويه الإسلام.
الآن عندما نأخذ العشرة آلاف كتاب نجدهم هم أنفسهم لم يخرج منهم شيء. الأربعون ألفًا الذين نحن صانعوهم، هؤلاء هم أنفسهم المذكورون في الأربعة مجلدات سطرًا بسطر، كلمةً بكلمة.
غياب الكفاءات وترشيد الإنفاق وضرورة البيان لا الهجوم لمواجهة الإسلاموفوبيا
[الشيخ]: كل الأكاذيب التي فيه وتفسيرات رائعة فائقة، ولكن ليس لدينا يا عزيزي من يوصل هذا الأمر؛ لأننا فقدنا الكفاءات ليست بالحجم المطلوب، وفقدنا ترشيد الإنفاق، نذهب لننفق في أشياء أخرى، ننفق في أشياء أخرى.
نحن أمة محروسة، ويجب علينا أن نتخذ للإجابة الآن على سؤالك طريق البيان وليس طريق الهجوم والرد. يجب علينا أن نُكمل أدواتنا، ويجب علينا أن نصبر.
والله سبحانه وتعالى بكلمة واحدة يُلقي بالحق على الباطل فيزهقه:
﴿بَلْ نَقْذِفُ بِٱلْحَقِّ عَلَى ٱلْبَـٰطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ [الأنبياء: 18]
سؤال المذيع للدكتور خالد عمن يقف وراء الآلة الإعلامية للإسلاموفوبيا
[المذيع]: إذا الحديث يتواصل عن الإسلاموفوبيا، يعني الآلة الإعلامية وتشويه الإسلام في الغرب أو ما يسمى بالإسلاموفوبيا. وبعض دعاة الإسلاموفوبيا مثل ستيفن إيفرسون وجان لوبين، أنت تعيش مع الأمريكيين ومقيم هناك وأستاذ في الجامعات الأمريكية.
من يقف وراء هؤلاء وراء هذه الآلة دكتور خالد؟ وإذا كان لديك أيضًا تعقيب على كلام فضيلة المفتي؟
[الشيخ خالد أبو الفضل]: الحقيقة أن التعقيب على كلام فضيلة المفتي يرتبط بجزء من المؤسسات التي تقف أمام — وراء — الإسلاموفوبيا تمامًا. إذا هو سؤال واحد يجب أن نُفرِّق في الإسلاموفوبيا بين أمرين:
الإسلاموفوبيا تعبير يعني حالة خوف لا عقلاني، لا عقلاني يعني أنه لا يستجيب للحجج العقلانية.
الإسلاموفوبيا حملة ممنهجة بسوء نية لتصوير المسلم خارج الحضارة الإنسانية
[الشيخ خالد أبو الفضل]: يعني الناس الذين ألَّفوا أو الذين استخدموا وأنشأوا تعبير الإسلاموفوبيا كانوا يريدون أن يصفوا ظاهرة أن هناك طبقة تُصرُّ على مهاجمة الإسلام وترديد ادعاءات معينة. وكما تفضل فضيلة المفتي، ادعاءات ما هي بجديدة، يعني ادعاءات من أيام زويمر وكتابه المعروف الهداية.
ولكن هؤلاء الناس لا يتفاعلون مع الحجة ولا الدليل ولا حسن النية. فلذلك من الأشياء التي دائمًا يريدون أن يُصوِّروا المسلم على أنه حيوان آخر، يعني هو لا ينتمي للحضارة الغربية ولا ينتمي للحضارات الإنسانية أصلًا.
وأن هؤلاء في الإسلاموفوبيا يتكلمون كثيرون، من ضمنهم وفاء سلطان التي في كتابها تقول: إن الإسلام مرض يجب أن تشفى منه الإنسانية. وعندما تأتي واحدة مثل نوني درويش والتي تدَّعي أنها مصرية — لا أعرف ما أصلها وفصلها — في كتابتها تقول: إن العقيدة الإسلامية مشوِّهة للضمير الإنساني.
طبقتان في الإسلاموفوبيا: الجاهلون القابلون للإقناع والمتعمدون الرافضون للحجة
[الشيخ خالد أبو الفضل]: حسنًا فهل هؤلاء الناس يفكرون بعقولهم؟ بالحجج وبالعلم، لا، قطعًا لا. ولأنه يعني أنا كم كتبت من ردود، وفي يعني وغيري في مصادر علمية معروفة وكذلك في صحيح.
طبقة مشكلتها الجهل: أنهم عندما تشرح لهم، عندما يجدون الذي يُظهر لهم الحقيقة فيتجاوبون معه. وأنا أستطيع أن أقول إن الأغلبية العامة من عامة الناس في أمريكا نستطيع أن نقول إنهم هذه الطبقة، يعني هو إذا أخفته بالإسلام فسيكرهه، إذا شرحت له الإسلام بشكل صحيح يتفهم ربما، وبعد ذلك يزيد أيضًا لو شرحت له الإسلام بشكل صحيح جدًا يمكن أن [يُسلم].
وهذا هو المنهج الذي كان مناهج فضيلة المفتي: البيان بالضبط. ولكن هذه البؤرة، هذه المجموعة، ما أهدافها يعني؟
أهداف الإسلاموفوبيا: إجهاض القوة السياسية للمسلمين وارتباطها بالحركات الصهيونية
[الشيخ خالد أبو الفضل]: لقد كانت في عصر الاستعمار كانت أهدافها تبشيرية واستعمارية واضحة. التطور الذي حدث له عدة أطراف:
أولًا: أنهم فهموا معادلة خطيرة جدًا أنه إذا تمكَّن المسلمون من التأثير على القرار السياسي في الدول الغربية يكون أول شيء سيتأثر هو السياسة الخارجية لأمريكا والدول الغربية.
لذلك نجد تقريبًا بلا استثناء جميع من ينتمون للإسلاموفوبيا أيضًا ينتمون لحركات صهيونية، وفي الوقت نفسه هم يهاجمون الإسلام ويدافعون عن إسرائيل. وإذا انتقد أحد إسرائيل من قريب أو من بعيد فورًا يُتَّهم بأنه معادٍ للسامية وأنه كذا وكذا، بما فيهم أنا وغيري كثيرون هم مقتنعون.
هانتنغتون وصدام الحضارات وضرورة إجهاض أي مشروع حضاري إسلامي
[الشيخ خالد أبو الفضل]: صاموئيل هانتنغتون يطرح أطروحة متطرفة مستمدة من منهج صاموئيل هانتنغتون، لكن صاموئيل هانتنغتون يتطرف بشدة في قوله إن الحضارة الغربية لا مفر من أن تتصادم مع الحضارة الإسلامية إذا قامت حضارة إسلامية، وأنه يجب إجهاض مشروع أي حضارة إسلامية أو أي احتمال.
طبعًا نحن هذا الكلام بالنسبة لنا يعني الإنسان الذي يرى يقول في هذا الوقت إن أوضاعنا وأحوالنا تجعلنا أبعد ما نكون عن الفكر الحضاري. يعني أنتم تفكرون في أن المسلمين سيجتمعون ويصبحون أمة ويصبحون حضارة ويبقون.
لكن هم ينظرون إلى هذا البعد، وأدبياتهم التي يقرأ فيها بإسهاب وتأنٍّ يتحدثون فيها بصراحة شديدة. ولهذا في الوقت نفسه الذي يهاجمون فيه على الإسلام، لديهم من المهم جدًا توجيه الخطاب، وهذه نقطة في غاية الأهمية.
توجيه الخطاب لإجهاض القوة السياسية للمسلمين في الغرب والدول الإسلامية
[الشيخ خالد أبو الفضل]: لأن توجيه الخطاب ليس فقط للمواطن الغربي الذي في أمريكا أو في ألمانيا، كذلك لإجهاض احتمالات القوة أو نشوء قوة سياسية في يد المسلمين في الغرب.
وإنما الأدبيات تقول: الأهم من ذلك إجهاض أي محاولة لمشروع حضاري ينشأ في الدول الإسلامية. الادعاء أن الشريعة هذه أبواب الاجتهاد انغلقت في القرن الرابع الهجري، وأنها لم يحدث فيها أي تفكير، وأنها شيء متحجر وشيء من العصور الوسطى.
وفيه دراسات كثيرة تُثبت أن القول بأن أبواب الاجتهاد قد أُغلقت هو قول غير علمي. لكن هذا ليس ما يهتم به؛ إنه يهتم جدًا بأن يفهمه صاحب القرار وأصحاب الرأي في الدول الإسلامية: أنك لو قلت إنني أحترم الشريعة أو إنني لا أرى الشريعة مشكلة أو أنني لا أعتبر الشريعة مخالفة بطبيعتها للقيم الحضارية، إنك يجب أن تعرف أنك ستصبح معاديًا لنا بالضرورة.
الإسلاموفوبيا تمدح مثقفين مسلمين يهدمون أسس الحضارة الإسلامية وتستخدمهم
[الشيخ خالد أبو الفضل]: لذلك مثلًا هذا إرهاب، إرهاب فكري. يعني هذا هو الواقع أنهم يمدحون، مثلًا في أدبيات الإسلاموفوبيا تجدهم يمدحون مفكرين عندنا هنا، يقولون: هؤلاء انظروا إلى هؤلاء المصلحون، هؤلاء المجددون في الإسلام. يعني ولأنني أتحدث بصفة أجنبية، من ضمن الناس الذين كثيرًا ما يتحدثون عنهم شحرور ومحمد عرفون، ويقولون: لا، هؤلاء مجددون، هؤلاء جيدون في العلوم.
يعني يهدمون الأسس وقيم حضارتنا الإسلامية من أسسها. تجد مثلًا في كتاب قرأته حديثًا هجوم شرس جدًا على الأستاذ محمد عمارة والشيخ محمد الغزالي. حسنًا، ما شأنكم بالشيخ محمد الغزالي؟
لدرجة أنه يطعن فيه، الكاتب وضع فصلًا كاملًا يريد أن يُثبت فيه أن أهل محمد الغزالي لا يحبونه وأولاده لا يحبونه. يعني ذكر كلامًا قبيحًا لا يصح.
استغلال المثقف العربي المسلم لترويج أفكار الإسلاموفوبيا بدافع الأناقة الفكرية
[الشيخ خالد أبو الفضل]: فلماذا؟ لأنه مدرك للأسف أن المثقف العربي والمثقف المسلم يعتبر قيمة الفخامة والعظمة والموضة والتحضر بأنك تقرأ كتابًا أجنبيًا باسم أجنبي، وأنك تردد هذه الأفكار، وأنك تصبح بذلك ما نسميه أنيقًا، يعني رجلًا عصريًا أنيقًا، أصبح شيئًا مهمًا وفخمًا.
كذلك مع المثقفين المسلمين بوجه عام. الشيء العجيب أن روبرت سبنسر وجيرت ويلدرز في خطاباته دائمًا يقول: هذا أنا أعز أصدقائي مثقفون مسلمون، هذا أنا المسلمون أنفسهم يشكون لي أن الإسلام مشكلة.
وهو واحد من دعاة الإسلاموفوبيا، طبعًا ويلدرز هذا من الغلاة، ويقول: هذا أنا المسلمون يجلسون يقولون لي مشاكل الشريعة في بلدانهم وكم أنها تضغط عليهم بشدة.
الهدف الأخير للإسلاموفوبيا: إشغال المسلمين وإجهاض المشروع الحضاري الإسلامي لصالح إسرائيل
[الشيخ خالد أبو الفضل]: والهدف الأخير، وهذا جزء من المنظومة الحضارية التي تسير الكثير من ليس من فكرهم فحسب، ولكن من تمويلهم حتى الطريقة التي يضبطون فيها الميزانية. وهناك دراسة لي في هذا الموضوع عن كيف تُعطينا الميزانية قراءة دقيقة جدًا عن أهدافهم الأيديولوجية، فيما ينفقون وكيف ينفقون.
يريدون أن يكون شغل المسلمين الشاغل دائمًا، ألا يتفرغوا أبدًا لشيء مثل خطر إسرائيل ولا ما تفعله إسرائيل. وبصراحة وفي أدبياتهم: المشروع الحضاري الإسرائيلي، المنظومة التي تتصور بها أن تصبح القوة الحضارية في الشرق الأوسط وأنها هي التي تبقى وتبقى امتدادًا للحضارة الغربية.
طبعًا بالصورة التي يقولها، وهذا معناه إثارة ليس فقط الفتنة والفتن بين الأديان ولكن الفتن بين العرقيات؛ فمثلًا أول من ألَّف وألَّف مؤلفات مستفيضة أن العرب هؤلاء طوال حياتهم يتهضون الأكراد ولم ينصفوهم قط في حياتهم، بل أكثر من ذلك أن المسلمين في عقيدتهم يكرهون الأكراد.
لماذا تُترجم كتب الإسلاموفوبيا للعربية وتوزع مجاناً في الدول الإسلامية؟
[الشيخ خالد أبو الفضل]: طبعًا بالنسبة لنا هذا الكلام مردود عليه بمائة ألف وخمسة ملايين شيء. ولكن يجب أن ننظر: ما الهدف؟ لماذا هم؟ المداخل التي يسلكونها، لماذا بالضبط؟ لماذا نشروا هذه الكتب ليس فقط في أمريكا؟
لماذا هذه الكتب تُرجمت إلى العربية؟ ولماذا تم إرسال مائة ألف نسخة تتوزع في العراق؟ ولماذا ألَّفوا في مسائل الشيعة والسنة؟ ولماذا يوزعون الكتب ويقومون بترجمات بالفارسية والعربية والتركية والماليزية والإندونيسية ويوزعون النسخ مجانًا على المثقفين والسياسيين؟
لماذا يهتمون جدًا؟ وواحدة مثل مينا شيو التي هي من أشنع الإسلاموفوبيا، لماذا هي تستطيع أن تقابل رؤساء وسياسيين — أنا أتكلم قبل الثورة المصرية على أي حال — أنها تستطيع أن تقابل سياسيين وقادة في العالم الإسلامي؟ أنا كأكاديمي مسلم ولو جلست على بابهم بقية العمر لا يعطونني نظرة.
هدف الإسلاموفوبيا إقناع قادة الدول الإسلامية بأن الشريعة عبء سياسي
[الشيخ خالد أبو الفضل]: لأنها تعرف أنهم سينظرون إليها على أنها يعني، ولكن الأمل أنه لو ألقوا هكذا نظرة في الكتاب ليتأكدوا فعلًا أن الشريعة هذه أقل ما يقال عنها إنها صداع مع الغرب، ستسبب لنا مشاكل مع السياسة الأمريكية ومع الشعوب الغربية، فلننتهِ من هذا الأمر.
والجميع ينزعج من غضب الأمريكيين يا دكتور خالد والغرب يبعد عنك.
[المذيع]: إذا الإسلاموفوبيا وحرب لا هوادة فيها على الإسلام، فضيلة المفتي، والختام مع فضيلتك في كلمة أخيرة، تتكلم بكلمة الحق وأنت برنامجك اسمه كلمة حق، وهذه كلمة الحق تهدم أمامها ما شاء الله، لا قوة إلا بالله.
الكلمة الأخيرة: دعاء المظلوم والأمل الواسع بانتشار الإسلام ومواجهة الإسلاموفوبيا
[الشيخ]: آلاف الصفحات وآلاف وملايين ومليارات الدولارات التي أُنفقت لتشويه الإسلام والمسلمين، فإن للمظلوم دعوة عند الله. نحن مظلومون، ونحن ندعو الله سبحانه وتعالى ونلجأ إليه، مع عمل صحيح وأمل فسيح.
يعني نحن لدينا أمل كبير وواسع أن الله قد أكرمنا وجعلنا الآن وفقًا لآخر إحصاء المسلمين أكثر أهل الديانات عددًا. وفي الوقت نفسه يجب علينا أن نُكلِّف أنفسنا بالعمل الصحيح. العمل الصحيح والأمل الواسع أرى أننا سنكون في مواجهة الإسلاموفوبيا إن شاء الله.
[المذيع]: شكرًا جزيلًا لفضيلة مفتي الديار المصرية الأستاذ الدكتور علي جمعة، نشكر دائمًا فضيلتكم أي هذه المشاركة وهذه الإطالة. شكرًا لكم، شكرًا لكم، ولضيفنا الكريم الأستاذ الدكتور خالد أبو الفضل، أستاذ القانون الدولي والشريعة بجامعة UCLA في الولايات المتحدة الأمريكية. شكرًا جزيلًا دكتور خالد.
ونشكركم على حسن المتابعة مشاهدينا الكرام، وكما تابعتم معنا كنا نتحدث عن الإسلاموفوبيا: ما هو مفهوم الإسلاموفوبيا هذه المشكلة وتعريفها وكيف نشأت وكيف يستخدمها بعض غلاة التطرف الذين يحاربون الإسلام في الهجوم الشرس على الإسلام والمسلمين، مستخدمين بعض الثغرات وأيضًا للأسف الشديد بعض التصرفات القليلة من المحسوبين على الإسلام. نتحدث عن كيفية مواجهة هذه المشكلة في حلقة قادمة بإذن الله. نلقاكم على خير، دمتم في أمان الله ونعمته، وإلى اللقاء.
