برنامج كلمة حق | أ.د علي جمعة | خطر الشائعات بتاريخ 2011 - 06 - 10
- •الشائعة خبر يُذاع وينتشر بين الناس يحتمل الصدق والكذب، لها آثار خطيرة على المجتمعات.
- •حذر الإسلام من الشائعات في القرآن الكريم والسنة النبوية، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: "كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما سمع".
- •أوصى الإسلام بالتثبت قبل نقل الأخبار كما في قوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا".
- •من أسباب انتشار الشائعات: ضعف الإيمان، البعد عن المنهجية العلمية، الفراغ، ولع الإنسان بالغرائب.
- •أدت الشائعات عبر التاريخ إلى فتن كبرى كحادثة الإفك وشائعات مقتل سيدنا عثمان.
- •علاج الشائعات يكون بتربية النفس وفق قوله صلى الله عليه وسلم: "من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه".
- •يجب غرس الوازع الديني، واتخاذ إجراءات قانونية رادعة، والتثبت من مصدر المعلومات.
- •ناقل الشائعة يتحمل إثم الشائعة كمطلقها ويتسبب في أضرار جسيمة للمجتمع.
مقدمة برنامج كلمة حق عن خطر الشائعات في الإسلام
[المذيع]: الشائعة مخلوق هلامي لا أصل له، تنشر الفتن وتشعل الحروب، تنتشر وتسري كالهشيم في النار، كما يتحدث علماء اللغة العربية، وتسبب أزمات ليس فقط للأفراد ولكن أيضًا للأمم والشعوب. نتحدث عن خطر الشائعات في الإسلام، وكيف حارب الإسلام الشائعات.
نتحدث ونذكر بحديث المصطفى صلى الله عليه وسلم:
قال رسول الله ﷺ: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه»
نتحدث في برنامج (كلمة حق) عن خطر الشائعات. أجدد لكم التحية مشاهدينا الكرام من رحاب الأزهر الشريف، ومعنا في هذه الليلة وكالمعتاد، كوكبة من كبار رجال وعلماء الدين الإسلامي، ليس فقط على مستوى مصر لكن على مستوى العالم الإسلامي ورجال الأزهر الشريف.
أرحب بهم في البداية، فضيلة مفتي الديار المصرية العلامة الأستاذ الدكتور علي جمعة، أرحب بك.
[الشيخ]: أهلًا وسهلًا بكم، مرحبًا.
[المذيع]: معنا أيضًا فضيلة العالم الجليل الأستاذ الدكتور أحمد عمر هاشم الرئيس الأسبق لجامعة الأزهر وعضو مجمع البحوث الإسلامية، أرحب بفضيلتك دكتور أحمد.
[الضيف د/ أحمد]: بارك الله فيك.
[المذيع]: ومن علماء الأزهر الشريف أيضًا، الدكتور أشرف المكاوي، أهلًا بك دكتور أشرف.
مفهوم الشائعة في اللغة والشرع وخطرها على الأمة
[المذيع]: إذا بدأنا مع فضيلتك دكتور أحمد، حديثنا عن الشائعات وخطرها على المجتمع، ما هو مفهوم الشائعة؟ وما هو معناها سواء في اللغة أو في الشرع؟ وما هو خطرها أيضًا على الأمة؟
[الضيف/ أحمد]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الشائعة هي مقولة أو خبر يُذاع ويردده البعض، ويتنقل من إنسان لآخر ومن مكان لغيره، ويكون فيه الكذب ويكون فيه احتمال الصدق، مما يوقع أحيانًا كثيرًا من الناس في بلبلة وحيرة، خاصة عندما يهدد خطر الحياة الاجتماعية أو الأمن الاجتماعي.
ومن أجل ذلك، عرّفنا الإسلام بخطورته [خطر الشائعات]، حتى أن القرآن الكريم عُني بذلك وبيّن وجوب مناهضة الشائعات لما لها من خطر داهم على حياة الأفراد والمجتمعات.
تحذير النبي ﷺ من الدجالين الكذابين الذين يصطنعون الشائعات
ولقد حذر رسولنا صلى الله عليه وسلم منها [من الشائعات]:
قال رسول الله ﷺ: «كفى بالمرء كذبًا أن يحدّث بكل ما سمع»
وقال ﷺ: «يكون في آخر أمتي أناس دجالون كذابون، يحدثونكم بما لم تسمعوا به، فإياكم وإياهم حتى لا يضلوكم»
حذّر الرسول صلى الله عليه وسلم من أقوام يصطنعون الشائعات. أحيانًا تكون الشائعة محتملة للصدق والكذب، لكن هناك أقوامًا يفتعلونها ويصطنعونها لأهواء مشبوهة.
ومن هنا كان القرآن الكريم في أشد التوجيه والتحذير:
﴿خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ [النساء: 71]
قصة إشاعة طلاق النبي ﷺ لنسائه وموقف سيدنا عمر منها
وبيّن [القرآن الكريم] في مناهضة خطرها [خطر الشائعات] ما كان يحدث مع النموذج الأول والأعلى وهو سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، عندما أُشيع أنه طلّق نساءه. ولما سمع سيدنا عمر بذلك ذهب إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وسأله، فقال: لم يحدث. فرجع إلى المسجد وكذّب الخبر.
ليعلّمنا بذلك [أن نتثبت من الأخبار]، وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف، نزلت هذه الآية تقول:
﴿وَإِذَا جَآءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ ٱلْأَمْنِ أَوِ ٱلْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى ٱلرَّسُولِ وَإِلَىٰٓ أُولِى ٱلْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ ٱلَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ﴾ [النساء: 83]
ولذلك كان سيدنا عمر يقول: أنا ممن علموا استنباطه.
منهج القرآن في التعامل مع الشائعات بالرجوع إلى الأصل والمنبع
والعودة [إلى المنبع] يعرّفنا القرآن بذلك؛ أن الذي يسمع إشاعة لا ينجرف فيها ولا يأخذها مأخذ الصدق، بل عليه أن يعود إلى الأصل وإلى المنبع.
فسيدنا عمر لما رجع إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وعرف أن هذا كذب، كذّب الخبر فورًا وأعلنها في المسجد؛ ليعلّم الأمة وجوب ملاحقة صنّاع الشائعات، وهم موجودون في كل عصر ومصر.
كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم:
«يحدثونكم بما لم تسمعوا به، فإياكم وإياهم»
وهذا تحذير من رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولكم نشاهد وطالما شاهدنا في مجتمعاتنا المعاصرة وعبر عصور التاريخ، إلى أي مدى صنعت الشائعات مخاطر جسيمة وكان لها أثرها المدمر بما تثيره من أحداث في المجتمعات وفي الأمم.
هل يقع على ناقل الشائعة نفس إثم صانعها وآية التبين في سورة الحجرات
[المذيع]: هل يقع على ناقل الشائعة نفس الإثم الذي يقع على صانعها أو مبتدعها؟
[الضيف/ أحمد]: بلا شك؛ لأنه بهذا إنما ساهم في نشر الباطل دون أن يتعلم ويتأنى ويرد الأمر إلى الصواب، كما علّمنا القرآن أن نرجع إلى المنبع نتأكد قبل أن ننجرف في الموضوع.
ويقول القرآن:
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا إِن جَآءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوٓا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَـٰلَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَـٰدِمِينَ﴾ [الحجرات: 6]
وكم من علماء وأئمة ودعاة وقادة، وكم من مصلحين، أصيبوا من جراء الشائعات المسمومة ما لم يخطر على بال أحد.
قصة نزول آية التبين بسبب إشاعة الوليد بن عقبة عن منع الزكاة
كانت الآية الكريمة ﴿يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا﴾ أيضًا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت الإشاعة لما قام الحارث بن أبي ضرار ودخل الإسلام ووعد الرسول أن يدفع إليه زكاة قومه.
وأرسل له الوليد بن عقبة، فادّعى وأشاع وأذاع أنه منع الزكاة. وإلى أن قابله في قصة طويلة وعلم أن هذه إشاعة لا أساس لها من الصحة، وأن الرجل أعدّ مال الزكاة وأراد وجاء بنفسه يقدمها.
فنزلت الآية:
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا إِن جَآءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوٓا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَـٰلَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَـٰدِمِينَ﴾ [الحجرات: 6]
خطر الشائعات على استقرار الأمم وأبيات شعرية في ذم العيوب
ونحن الآن في عصورنا الحاضرة وفي مجتمعاتنا في كل الأرض، طالما سمعنا ونسمع من الشائعات ما يزلزل الجبال وما يهز كيان الاستقرار في الأمم كلها.
ولو أننا ثُبنا إلى رشدنا وعاد الناس إلى حقيقة الأمر وصانوا أعراضهم وشرفهم ومجتمعاتهم، ما وقعوا في مثل هذا. كما يقول الشاعر:
نعيب زماننا والعيب فينا ... وما لزماننا عيب سوانا ونهجو الزمان بغير ذنب ... ولو نطق الزمان بنا هجانا وليس الذئب يأكل لحم ذئب ... ويأكل بعضنا بعضًا عيانا
هذا الخطر الذي يتهدد الأمة، كان القرآن الكريم قويًا في مناهضته وفي تعليم الأمة كيف تناهضه.
[المذيع]: لا فُضّ فوك فضيلة الأستاذ الدكتور أحمد عمر هاشم.
منهج النبي ﷺ في تربية الشخصية المسلمة على التوثيق والتثبت
[المذيع]: وانتقل إلى فضيلة الأستاذ الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية لاستطلاع رأيه أيضًا في الخطر الاجتماعي والاقتصادي والسياسي وحتى الديني من إطلاق الشائعات دون تحقق أو تثبت، كما تفضل دكتور أحمد، فضيلة المفتي.
[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. ترك لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم منهجًا واضحًا لتربية الإنسان المسلم في عقليته وفي نفسيته.
بالعقلية والنفسية تكون هناك الشخصية المسلمة. لقد تعلمت الشخصية المسلمة عبر التاريخ وتعودت، كذلك تربّت على التوثيق والتثبت.
﴿فَتَبَيَّنُوٓا﴾ [الحجرات: 6]
على التبيّن، وفي قراءة ﴿فَتَثَبَّتُوا﴾. فالتثبت والتبيّن والتوثيق جعل الأمة الإسلامية بتوفيق الله تبدع.
دقة تلقي القرآن والسنة ومنهج الإمام مسلم في التثبت من الأحاديث
يعني عندما نقول "والضحى" (يفخّم الشيخ نطق حرف الحاء) فيصححها لي الشيخ المعلم ويقول: لا، قل "والضحى" (ينطقها الشيخ بترقيق حرف الحاء)؛ لأن هناك فرقًا بين هذا وذاك. فلقد وصلنا إلى هذا المستوى من الدقة.
تلقّينا القرآن من أجل التوثيق. كذلك السنة، نرى الإمام مسلم وهو يعلّمنا كيف نبني منهج التثبت في مقدمة [صحيح الإمام مسلم]، يروي حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم:
قال رسول الله ﷺ: «كفى بالمرء كذبًا أن يحدّث بكل ما سمع»
[المذيع]: أنه ينقل الكلام الذي يسمعه.
الإشاعة مصنفة تحت الكذب وأثرها في انهيار المجتمع وثقافة الضجيج
[الشيخ]: نعم، ما الذي يجعلك تقوله هكذا؟ قال: والله لقد سمعت. والسؤال الذي سألته الآن سؤال جميل وهو: هل عليه إثم؟ من اختلق الإشاعة عليه إثم الكذب. أيكذب المؤمن؟ قال: لا.
انظر إلى سيدنا رسول الله وهو يربّينا، إنه يضع أمورًا في منتهى الخطورة والأهمية ويضعها في مكانها الصحيح؛ لأن الإنسان إذا اعتاد الكذب انهار المجتمع ولم نعد نثق في شيء.
وأصبحنا في ضجيج وثقافة الضجيج هذه، تُنشئ نفسية وعقلية هشّة ليس لها علاقة بالعلم ولا علاقة بالواقع. فالإشاعة مصنفة تحت الكذب.
مشكلة التسرع في نقل الأخبار والحرص على الصدق في زمن شاع فيه الكذب
وإذن نحن أمام مشكلة كبيرة جدًا في عصرنا وهي مشكلة التسرع في تحويل الخاطر إلى خبر. فإذا كان الأولون الذين كان الصدق يشيع فيهم كانوا حريصين هذا الحرص، فيجب أن نكون حريصين أكثر.
لماذا؟ لأن الأولين كانوا يعيشون في الزمن الأول والناس صادقة، وأيضًا أنا منتبه لنفسي. فما بالك بزمن شاع فيه الكذب وذاع وأصبح وكأنه هو الأصل!
الناس يفتخرون بأنهم يكذبون ويستهينون بالكذب. إن هناك من يكتب ويكذب في الصحيفة ثم يقول لك: فلتكذّب الخبر في اليوم التالي. فتقرأ الناس الصحيفة التي تصدر يوم السبت ولا تقرأ يوم الأحد، فيعلق في أذهانها أن هذا الخبر صحيح وهذا الخبر ليس بصحيح. فليكن الله في عوننا على هذا العصر.
الشائعات نوع من الانتحار ووجوب الابتعاد عنها أكثر من الأولين
فإذن لا بد علينا أن نلتفت إلى أنفسنا؛ لأننا نقتل أنفسنا. هذا نوع من أنواع الانتحار، الشائعات نوع من أنواع الانتحار.
ويجب علينا أن نبتعد عنها أكثر من الأولين؛ لأن الأولين كان يشيع الصدق في الناس، ولكن الآن يشيع الكذب.
[المذيع]: مع الأسف الشديد.
أسباب انتشار الشائعات من ضعف الإيمان وبُعد المنهجية العلمية
[المذيع]: حسنًا دكتور أشرف، كما أوضح فضيلة المفتي أن الشائعة منهي عنها في الشريعة أي في الكتاب وفي السنة، ولها خطر قد يدمر أي أمة، لماذا تجد الشائعة أذنًا صاغية إن صح التعبير ولسانًا ينطق بها؟
[الضيف/ أشرف]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. لا شك أن أسباب انتشار الشائعات أول شيء هو ضعف الإيمان، يا سبحان الله!
فالصادق والتقي والورع يتحرى دائمًا ما يخرج من لسانه، بل يكون مسؤولًا عما يتلقاه سمعه. فالله يقول:
﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ ٱلسَّمْعَ وَٱلْبَصَرَ وَٱلْفُؤَادَ كُلُّ أُولَـٰٓئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْـُٔولًا﴾ [الإسراء: 36]
فالإنسان مسؤول عما يصدر من لسانه، ومسؤول عما يتلقاه سمعه، ومسؤول عما يعتقده بقلبه، مسؤول عن كل ذلك. لذلك عندما يقوى الشعور بالمسؤولية بين يدي الله عز وجل، يحذر الإنسان من أن يتكلم فيما لا يتبيّن، ويحذر كذلك أن يتلقف بسمعه مثل هذه الشائعات.
بُعد المنهجية العلمية وقصة الراوي خالد بن إلياس في التثبت من الأحاديث
الأمر الآخر المنهجية العلمية، بُعد المنهجية العلمية. كلما كان الناس قريبين من المنهج العلمي الذي بيّنه لنا مولانا المفتي، إن ديانة الأمة قد قامت بالفعل على أساس التثبت والتبيّن في نقل القرآن الكريم وفي نقل السنة النبوية.
بل إنني مرة قرأت في ترجمة أحد الرواة اسمه خالد بن إلياس، قال أبو داود عنه: كان إمام المسجد النبوي ثلاثين عامًا، وأجد كل العلماء، علماء الجرح والتعديل، يقولون: لا يُكتب حديثه.
قالوا بالإجماع: لا يُؤخذ منه، بالرغم من أنه كان إمامًا لمدة ثلاثين عامًا؛ لأنه صالح ولكن ليس لديه قضية حفظ الأحاديث وحفظ السنة. فهذا مستوى وهذا مستوى.
ولع الإنسان بالغرائب والفراغ والتمني من أسباب انتشار الشائعات
ومن أسباب انتشار الشائعات أن الإنسان مولع بالغرائب، فكل غريب مرغوب فيه. فحين يسمع شائعة وتكون غريبة قليلًا ينشرها.
ومن أسباب انتشار الشائعات فراغ الإنسان. ومن أسباب الشائعات أن المرء أحيانًا يحب أن يحكي الأمر الذي يحبه والذي يتمناه.
فلو أن هناك مثلًا خوفًا من غلاء الأسعار، فإنه يأتيه خبر كذلك ليس صادقًا ولا شيء أو لم يتثبت منه، مثل أنهم سيخفضون الأسعار غدًا أو سيكون هناك منحة أي شيء، ولأنه يحب هذا الشيء ينشره.
وهكذا كذلك، موت أحد الظالمين، هو يتمنى أن يموت هذا الظالم، فيذيع الخبر وينشره وهو في الحقيقة لا أساس له من الصحة؛ لأن الظالم ما زال حيًا ومرفّهًا وليس هناك مشاكل، لكنه يتمنى ذلك. مسألة التمني تلك تساعده على نشر مثل هذه الأمور.
طبيعة الشائعة في السقط والترقيع والشحذ وانتشارها ككرة الثلج
إذن، هناك أسباب كثيرة لهذه الشائعة. طبيعة الشائعة أنها سريعة الانتشار.
[المذيع]: الانتشار كالهشيم في النار كما يقولون.
[الضيف/ أشرف]: بالضبط، يقولون إن طبيعة الشائعة السقط والترقيع والشحذ.
[المذيع]: نوضح للناس يا دكتور.
[الضيف/ أشرف]: أي أنه تسقط منها كلمات. القصة عندما تُحكى ربما لا أركّز في كل تفاصيلها، فيسقط منها جزء، فأقوم بترقيعها أي أكمل أنا من عندي، فأركّب لها جناحها وأزيد قليلًا من الأمور وهكذا كي تطير.
والشحذ أن أضع قليلًا من المثيرات وقليلًا من الأشياء التي تلهب الأمور، فأزيد وأبالغ وأهوّل كي تنتشر. وهكذا فطبيعة الشائعة هكذا.
ولذلك قالوا إن الشائعة تخرج ككرة الثلج كلما تدحرجت زادت، فيزيد الكلام ويصل في النهاية [إلى حجم كبير].
مصادر الشائعة بين الكذب غير المتعمد والمصدر الخبيث المتعمد للإرجاف
الشائعة في الحقيقة كما تفضل مولانا فضيلة مفتي الديار، وقال إن أحيانًا تصدر بلا تعمّد الكذب، وأحيانًا تصدر من مصدر خبيث يتعمد الكذب.
المصدر الخبيث الذي يتعمد الكذب هذا يمكن أن يكون دافعه الحقد على الأمة، بل بثّ الاضطراب في الأمة، وهم المرجفون في المدينة الذين وردوا في سورة الأحزاب، قصدهم الإرجاف:
﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَـٰلَكُمْ يَبْغُونَكُمُ ٱلْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّـٰعُونَ لَهُمْ﴾ [التوبة: 47]
هذا مصدر يمكن أن يكون سببه كذلك عند الإنسان انتقام شخصي، كالذي يطلق شائعة عن امرأة، الذي يطلق شائعة عن صديق وهو يعلم أنه كاذب وينشر الشائعة. هذا عنده أحقاد شخصية، هذا مدفوع بدافع الانتقام والتشفي.
عقوبة ناشر الشائعة في الدنيا والآخرة وحد القذف في الإسلام
[المذيع]: هل عقابه في الدنيا أم في الآخرة؟
[الضيف/ أشرف]: العقاب في الاثنين. إن القذف له حد، القذف له حد، والكذّاب يُعزَّر، فضلًا عن عقاب الله في الآخرة.
فالإنسان الذي يتعمد الكذب ويتعمد الشائعة هذه مصيبة. لكن هناك نوع آخر لا يتعمد الكذب.
شائعة اعتزال النبي ﷺ لنسائه وظن الصحابة أنه طلقهن
الصحابة لما سمعوا أن رسول الله اعتزل نساءه فظنوا أن هذا طلاق، فقالوا: إذن طلّق نساءه. ما دام قد مكث شهرًا كاملًا اعتزل نساءه في عُلّية [غرفة في طابق ثانٍ] عاش فيها وحده بعيدًا عن الزوجات التسع.
فهذا أمر غريب على رسول الله عليه الصلاة والسلام، أي يبدو أنه ضاقت نفسه بأحداث كثيرة في البيوت التسعة إلى أن وصل إلى أن يعتزل نساءه.
هذه الشائعة تفسير لموقف لكن ليس واقعيًا؛ ما طلّق رسول الله نساءه، وإنما فهم بعض الصحابة هذا. فأمر اسْتُنبط على غير أساس وانتشر بين الناس، ثم بعد ذلك كذّبه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فالشائعة لا يكون قصدها سيئًا دائمًا، ولكن بعض الناس كان قصدهم سيئًا.
حادثة الإفك والشائعات عن سيدنا عثمان وأثرها المدمر على الأمة
لو نظرنا مثلًا إلى حادثة الإفك التي لفّقها والتي دبّرها عبد الله بن أبي سلول عدو رسول الله صلى الله عليه وسلم.
إن الحادثة التي دمّرت وأثّرت في الأمة كثيرًا، كانت الشائعات عن سيدنا عثمان التي استغل فيها الغوغاء والدهماء وأصحاب ومن لا عقل له ولا دين له في الكوفة والبصرة ومصر. وبدأ اليهود وبدأ يعني السبئيون يدورون بها في كل مكان؛ أن سيدنا عثمان خارج عن السنة، لا يتبع رسول الله ولا ينهج نهج الخلفاء الراشدين أبي بكر وعمر بن الخطاب، وأنه يحابي أقرباءه إلى آخره.
فماذا أدى ذلك؟ انظر أثر هذه الفتنة: إلى مقتل عثمان، إلى موقعة الجمل، إلى موقعة صفّين، وأدى إلى خروج الخوارج وإلى ظهور الشيعة ثم القدرية.
كل هذه الأمور بسبب شائعة! انظر أثرها كان على الأمة، كيف إلى الآن نعاني ربما من هذه الشائعة عن سيدنا عثمان كذبًا.
الشائعات تدمر الأمة وتهتك الأعراض ولا يفعلها من عنده تقوى أو عقلية علمية
فالمسألة أن الشائعات في الحقيقة تدمر الأمة وتهتك الأعراض وتسبب الاضطرابات في البلد والاضطرابات في المجتمع. ولا يفعل ذلك في الحقيقة إنسان عنده تقوى أو عنده عقلية علمية.
نصيحة للمواطنين بتوخي الدقة وعدم الانسياق وراء الشائعات في ظل الأحداث
[المذيع]: حسنًا، فضيلة الأستاذ الدكتور أحمد عمر هاشم، الآن في العصر الذي نعيشه، المناخ مهيأ تمامًا خاصة في ظل الأحداث والظروف الأخيرة التي تمر بها مصر لانتشار الكثير من هذه الشائعات. كيف ترى هذا الأمر؟ ونصيحة فضيلتك للمواطنين ولأبناء هذا الوطن أن يتوخوا الدقة وأن لا ينساقوا وراء هذه الشائعات؟ لأننا فعلًا أتصور والكل مجمع على ذلك، أننا في أزمة الآن أو في مفترق طرق.
[الضيف/ أحمد]: في الواقع حينما تفضلتم بتحديد عنوان هذا اللقاء اليوم، يُعتبر عين البلاغة. إذا عرف العلماء البلاغة مطابقة الكلام لمقتضى الحال، فهذا اللقاء وهذا الموضوع هو عين البلاغة؛ لأنه كما أشرت يعيش عالمنا ومجتمعنا فوضى من الشائعات لا أول لها ولا آخر.
عقوبة من يشيع على مسلم ما ليس فيه وحبسه في النار حتى يأتي بنفاد ما قال
ولا بد أن يعلم الناس علم اليقين وبنصوص إسلامية صحيحة الذنب الذي يرتكبه من يذيع هذه الشائعات.
فرسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
قال رسول الله ﷺ: «من أشاع على امرئ مسلم ما ليس منه وهو منه براء، حبسه الله في النار حتى يأتي بنفاذ ما قال»
ومعنى هذا أنه من أهل النار ومن المخلدين في النار حتى يأتي بنفاذ [ما قال]، وأنّى له أن يأتي بنفاد ما قال!
نريد أن نحذّر الذين يشعلون الفتن بهذا الخطر الذي حذّر منه الإسلام، وأوضح أن خطر من ينشر الإشاعة أن ذنبه كبير كذنب المشرك الذي يخلد في النار؛ لأنه يقول: حتى يأتي بنفاد ما قال.
شدة عقاب الشائعة لما يترتب عليها من هدم بيوت وتصدع أسر وضياع مجتمعات
وإنما كان هذا العقاب شديدًا على هذا النحو لما يترتب على الإشاعة من هدم بيوت، ومن تصدّع أسر، ومن انهيار قيم، من ضياع مجتمع، من أمور لا يمكن أن تخطر على البال.
وبسبب ماذا؟ بكلمة شر أخذها غِرّ فنفخ فيها وصارت تتنقل بالويلات والكروب بين الناس.
ومن أجل ذلك كان رسولنا صلى الله عليه وسلم يواجه الفتن بصدّها وردّها وإخمادها، والدعوة إلى توثيق الصلة بالله سبحانه وتعالى؛ لأنه لا يُقدم على الشائعة الكاذبة إلا هذا الذي خلا قلبه من الإيمان ولا يراقب ربه.
موقف النبي ﷺ من إشاعة تجمع الأعداء وقولهم حسبنا الله ونعم الوكيل
فكان عليه الصلاة والسلام عندما يقولون ويشيعون [أن الأعداء تجمعوا]:
﴿إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَٱخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَـٰنًا وَقَالُوا حَسْبُنَا ٱللَّهُ وَنِعْمَ ٱلْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: 173]
الذين قال لهم إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم، بمعنى أنهم نقلوا عنهم ليخيفوهم وينقلوا [الرعب إليهم]. وهذا يحدث في كثير من المجتمعات وفي كثير من الدول وفي كثير من الأحيان.
لكن الخطر الداهم الذي يُشاهد في العصر الحاضر الآن من جراء الشائعات أمر يندى له الجبين.
واجب العلماء والدعاة في الدفاع عن الوطن وحمايته من خطر الشائعات
إنه أمر يستوجب علينا كعلماء ودعاة أن نمثل خطًا أول للدفاع عن حرمة الوطن وعن أمان الوطن، وعن انزلاق الناس في هذا المنزلق الخطير، حتى نحمي الوطن من الشائعات التي يتردى فيها كثير من الناس.
[المذيع]: أنا شاكر لفضيلتك دكتور أحمد، والحديث يتواصل مشاهدينا الكرام بعد هذا التوقف القصير. نحن معكم في رحاب الأزهر وفي (كلمة حق)، ما زلنا نتحدث عن خطر الشائعات على الأمة وأثرها. نعود بعد الفاصل.
أنشودة في مدح النبي ﷺ والصلاة والسلام عليه
(الشيخ): مولاي صلِّ دائمًا أبدًا ... على حبيبك خير الخلق كلهم
أكرم بخُلُق نبي زانه خُلُق ... بالحسن مشتمل بالبشر متّسم
(مطرب): مولاي صلِّ وسلّم دائمًا أبدًا ... على حبيبك خير الخلق كلهم.
مسؤولية مواجهة الشائعات ومنهج النبي ﷺ في تربية المسلم على ترك ما لا يعنيه
[المذيع]: إن مواجهة الشائعات تعتبر مسؤولية، من [يتحملها] وكيف نتخلص منها؟ هذا سؤالي لفضيلة مفتي الديار المصرية الأستاذ الدكتور علي جمعة.
[الشيخ]: في الحقيقة، اهتم رسول الله صلى الله عليه وسلم بتربية الإنسان، ولذلك فأنا أخاطب كل مسلم الآن أقول له: استمع إلى رسولك الكريم وهو يقول:
قال رسول الله ﷺ: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه»
أنا بعد ما أسمع هذا الحديث أريد أن أفهم: كيف يتكلم أحدنا فيما لم يشاهده ولم يتيقن منه؟ ولا يعنيه أصلًا أن يتكلم فيه، فيخوض في أعراض الناس ويخوض بما يصل إلى دماء الناس ويخوض في الكذب.
حديث أرأيت الشمس فاشهد وتحذير النبي ﷺ من الكلمة التي تهوي بصاحبها في جهنم
تذكّر قول رسولك الكريم:
قال رسول الله ﷺ: «أرأيت الشمس؟ فعلى مثلها فاشهد»
الكلام الذي تتكلم به من فمك هذا شهادة. هل رأيت شيئًا؟ لا. فلماذا تتكلم إذن؟ الكلام الذي تصفه بجانب بعضه البعض، من أين جئت به؟
النبي صلى الله عليه وسلم حذّرك من هذا وقال:
قال رسول الله ﷺ: «رُبّ كلمة من سخط الله لا يُلقي لها أحدكم بالًا، تهوي به سبعين خريفًا في جهنم»
فلماذا إذن؟ ولماذا هذه المشاكل؟ لماذا أُدخل نفسي في هذه المضايق عندما يكون الكلام كذبًا؟ ما المتعة في أن تتكلم أيها المسلم بالكذب فتهوي به سبعين خريفًا في جهنم؟
من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه وابدأ بنفسك في مواجهة الشائعات
إذا لم تر عيناك ولم تسمع أذناك الشيء من أصله، فمن حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه.
إذا بدأ كل منا بهذا، يقول سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم:
قال رسول الله ﷺ: «ابدأ بنفسك ثم بمن يليك ثم بمن تعول»
فالتربية هنا. وكيف نقضي على الإشاعات؟ ابدأ بنفسك، حاسب نفسك أنت. حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسبوا. ابدأ بنفسك أنت، قرّر من الآن أنك لن تتكلم فيما لا يعنيك.
هذا صعب؟ نعم صعب، ولكن عاقبته الجنة. والسهل الذي تفعله عاقبته النار. فلماذا يبيع الإنسان دينه وحياته وآخرته بهذا الثمن الزهيد؟
أثر الإشاعة على عثمان وإثم من بدأها ومن سنّ سنة سيئة
هذا هو السؤال الذي لو استحضره كل واحد منا لما وقع في هذا، ولعرف أن الكلمة الواحدة من سخط الله وهي هنا كذب وإشاعة تهوي به سبعين خريفًا في جهنم؛ لأنها كما قال مولانا الدكتور أشرف، إن الإشاعة التي خرجت على عثمان ما زالت الأمة تعاني منها الآن.
[المذيع]: انقسام.
[الشيخ]: على من يقع إثم كل هذا؟ على من بدأها وأشاعها. نعم:
قال رسول الله ﷺ: «من سنّ سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من اتبعها إلى يوم الدين»
حسنًا، لماذا هكذا؟ أنت تُدخل نفسك مع الله في تجربة صعبة، ثم بعد ذلك تقول: ماذا فعلت؟ لِمَ ضيّق ربنا علينا الأرزاق؟
كفران النعم يجلب النقم وآية القرية الآمنة التي كفرت بأنعم الله
﴿وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ ءَامِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ ٱللَّهِ﴾ [النحل: 112]
أي أن الناس كفرت بالنعم واشتاقت إلى النقم:
﴿فَأَذَٰقَهَا ٱللَّهُ لِبَاسَ ٱلْجُوعِ وَٱلْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [النحل: 112]
فيجب علينا أن ننتبه. إذا أردنا القضاء على الشائعات فلنبدأ بأنفسنا ثم بمن نعول، ولنربِّ أولادنا على هذا.
حفظ اللسان من الغيبة والنميمة والكذب وحديث من ضمن لي ما بين لحييه
الإنسان إذا جلس وسمع وقرأ وما إلى ذلك، ثم يقول: والله أنا لا يهمني كل هذا؛ لأنني لا أخوض في الغيبة والنميمة والكذب والبهتان وشهادة الزور. أنا لا أفعل هذا، أنا أبرئ لساني.
ولذلك قال [النبي ﷺ]:
«احفظ عليك لسانك»
وقال:
قال رسول الله ﷺ: «من ضمن لي ما بين لحييه وفخذيه أضمن له الجنة؟»
وقال: يا رسول الله، سيدنا معاذ سأل: أيُؤاخذ أحدنا بما يتكلم؟ فقال:
قال رسول الله ﷺ: «ثكلتك أمك يا معاذ، وهل يكبّ الناس على وجوههم في النار إلا حصائد ألسنتهم»
هذا هو الأمر الذي يجب أن تنتبه إليه، فمن اللسان الخير ومنه الشر، والشائعات شر مطلق وكذب مطلق.
تربية النفس على ترك الشائعات ولو كان الإنسان كبيرًا في السن
ولذلك إذا أردنا أن نتخلى عن الشائعات فليبدأ أحدنا في تربية نفسه، ولو كان كبيرًا يعني سنه كبير وانتهى فات وقت التربية، لا عليك حرج ولكنك تريد أن تدخل الجنة.
تريد أن تنزع نفسك من هذه الدائرة الخبيثة، فعليك إذن أن تبدأ بنفسك ثم بمن يليك.
فإذن هذه ليست قضية أن الناس تكذب كلها. لا يكون أحدكم إمّعة يقول: أنا مع الناس إن أحسن الناس أحسنت وإن أساءوا أسأت. وطّنوا أنفسكم على أنهم إن أحسنوا فأحسنوا، وإن أساءوا فلا تظلموا. تظلم من؟ تظلم نفسك وتظلم العالم كله.
الشائعات من الحرب النفسية وحرب اللسان كحرب السنان
ولذلك الشائعات معدودة من الحرب النفسية، حرب بمعنى أنه:
﴿كُلَّمَآ أَوْقَدُوا نَارًا لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا ٱللَّهُ﴾ [المائدة: 64]
هذه حرب، ولكن حرب باللسان، وهناك حرب بالسنان كما يقولون.
لماذا يستمرئ المسلمون الكذب بينما الغرب يحاسب عليه رغم غياب التقوى
[المذيع]: إذن حديث الحديث الضافي لفضيلة مفتي الديار المصرية. يا دكتور أشرف، يدفعني لأن أسأل فضيلتك: إن الأمم الغربية أو بعض المجتمعات تثور الدنيا وتقوم هناك ولا تقعد إن صح التعبير إذا كذب رئيس أو مسؤول وتُنصب له المحاكم، ونحن نستمرئ الكذب في مجتمعاتنا سواء كانوا مسؤولين أو جماعات أو حتى أفرادًا، إذن أين تقوى الله؟ ولماذا المسلمون بهذا الشكل؟
[الضيف/ أشرف]: إن الغربي أيضًا ليس لديه تقوى الله ولا شيء.
[المذيع]: لا، أنا لا أتحدث عن ما هو عليه، هذا هو المدهش، إنه ليس لديه تقوى الله. المفروض أن نحن لدينا تقوى الله فتكون رادعًا. ليس لديهم تقوى الله ولا شيء.
[الضيف/ أشرف]: حسنًا، إنه شعور بالمسؤولية. الشعور بالمسؤولية عن الكلمة هو الذي يجعلهم منضبطين بهذه الطريقة. فنحن لدينا ضعف في الشعور بالمسؤولية.
خطر الكذبة التي تبلغ الآفاق في زمن الإعلام والفضائيات وضرورة التحقق من المصدر
ولذلك ربما نكذب الكذبة وقد قال، جاء في الحديث:
«فيكذب الكذبة تبلغ الآفاق»
هذه الآفاق لا تكون إلا في زمن الإعلام والفضائيات والإنترنت، آفاق تبلغ الآفاق وتنتشر في كل مكان.
فهي الإشكالية في عدم الشعور بالمسؤولية، سواء كان عند بعض الإعلاميين أو الصحفيين كما أشرتم، أو عند أفراد الناس وعامة الناس.
أن يتعود الإنسان على منهج التلقي، أن يتعود الإنسان على البحث عن مصدر الكلام. من أين هو؟ من الذي قال هذا الكلام؟
افترض أن أحدًا سمع كلامًا، لا يصلح أن أنقله فقط. هناك حديث النبي عليه الصلاة والسلام قال:
قال رسول الله ﷺ: «إن بئس مطية الرجل زعموا»
يقولون: قال الناس. ولكن من أنت من الناس الذين نقلت عنهم؟ المصدر؟ لا يقول. فهذا خطأ، يجب أن أعرف مصدر الخبر أين.
منهج التحقق من الأخبار بالنظر في حال المصدر وعرض الكلام على العقل والقلب
بل في مرحلة ثانية وهي النظر في حال هذا المصدر.
[المذيع]: هل هو ثقة أم لا؟
[الضيف/ أشرف]: ثقة أم غير ثقة. ولذلك أقول إن منهج أهل العلم في نقل أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم كان النظر في معرفة الرجال وأحوال الرجال وضبط الرجال وعقلية الرجال. هكذا.
فالأمر لا بد أن أتعود عليه أن أسأل دائمًا: ما مصدر هذا الكلام؟ مصدره من أين؟ وما حال هذا المصدر؟
وبعد هذا كله، يقول لي: مرّرها على عقلك، مرّرها على قلبك. انظر:
﴿وَلَوْلَآ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُم مَّا يَكُونُ لَنَآ أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَـٰذَا﴾ [النور: 16]
انظر، يجب على القلب أولًا أن يفكر، يجب أن أتدبر بعقلي: هل هذا الكلام أقوله؟ وهل هذا الكلام أنقله؟ فليس كل ما يُعرف يُقال.
ليس كل ما يعرف يقال وآية تحريم إشاعة الفاحشة بين المؤمنين
حتى ولو كان صدقًا أيضًا لا نقوله. يعني لو رأى أحد، لو أن رجلًا رأى امرأة مع رجل في وضع مخلّ أو في فاحشة وغير ذلك، لا يصلح أن ينقله؛ سيحدث فتنة:
﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ ٱلْفَـٰحِشَةُ فِى ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلْـَٔاخِرَةِ﴾ [النور: 19]
ليس كل ما يُعرف أنه يُقال. يجب أن أمرّر الخبر على عقلي وعلى قلبي وأنظر في آثاره وما سيترتب عليه.
ضرورة الدقة في نقل الأخبار وعدم الزيادة أو المبالغة والتناصح بين الناس
وليس ذلك فحسب، فلنفترض أريد أن أنقل الخبر وتحققت منه، يجب أن نتقي الله في النقل، بمعنى ألا أزيد كلمة ولا أنقص كلمة ولا أبالغ ولا أهوّل، إنما أنقل الكلام كما هو.
[المذيع]: وما الداعي لنقله من الأساس؟
[الضيف/ أشرف]: لو أن الأمر احتاج إلى نقل، لو أنه مما يصح نقله، فنحن محتاجون إلى ضبط ودقة في النقل. اتقوا الله.
الأمر الآخر أننا محتاجون مرة أخرى أن نُرجع قضية التناصح فيما بيننا. أسمع أحدًا يتحدث والكلام مرسل على عواهنه، لا له زمام ولا خطام، ولا له أصل ولا مصدر ولا يتحدث بعلم، يجب أن أنصحه وأقول له: ماذا تقول؟ من أين جئت بهذا الكلام؟
نحن نستحي من بعضنا البعض، نحن نخجل من أن نُحرج بعضنا البعض على حساب الحقيقة وعلى حساب المجتمع.
آداب التعامل مع الأخبار ومحاصرة الشائعات بالتربية والتعليم والإعلام
لا بد أن نراجع أنفسنا مرة أخرى في هذه المسألة، أن نتناصح فيما بيننا لكي نقلل ولكي نعمل عملية محاصرة لهذه الشائعات.
فهذه كلها آداب ينبغي أن نتعود عليها:
- البحث عن مصدر التلقي.
- النظر في حال هذا المصدر.
- عرض الكلام على القلب والعقل.
- نقل الكلام بدقة.
كل هذه آداب ومنهج ينبغي أن نتربى عليه ونتعود عليه. ولو تعودنا عليه، ربما احتجنا فترة زمنية، ربما احتجنا تذكيرًا به، ربما احتجنا وضعه في مناهج التعليم، ربما احتجنا الإكثار من الكلام عنه في مناهج الإعلام، ربما، لكن في النهاية سيؤتي ثمرته إن شاء الله.
هل يحتاج الأمر إلى تشريع يجرم الشائعات وأهمية غرس الوازع الديني أولًا
[المذيع]: أنا أيضًا سآخذ من كلام فضيلتكم دكتور أشرف، وأسأل الأستاذ الدكتور أحمد عمر هاشم، إضافة إلى ما ذكره الدكتور أشرف، هل باعتقاد فضيلتكم وقد كان لكم باع طويل أيضًا في مجلس الشعب، هل عالج القرآن والإسلام بشكل عام عالج الشائعات وأوضح خطورة هذه الشائعات وأيضًا عقوبتها، هل الأمر بحاجة إلى تشريع يجرّم بعض هذه الشائعات خاصة إذا كانت تهدد الأمن والسلام الاجتماعي الذي تحدثت فضيلتكم عنه في مستهل الحلقة يا دكتور؟
[الضيف/ أحمد]: بلا شك، أنت عندما تنظر إلى ما تناوله القرآن والحديث والتحذيرات التي ألمحنا إلى أهمها وإلى العقوبات المترتبة على الشائعات، متى؟ في عصر كان أنقى العصور ومع قوم كانوا خير القرون.
ومع هذا، كان التحذير وكانت العقوبة وكان بيان الإسلام على النحو الذي تحدثنا عنه.
ضرورة غرس الوازع الديني قبل القانون لأن الناس تفلت من طائلة القانون
لكن انظر الآن وما نعانيه وما ينتشر بين الناس، خاصة أن وسائل الإعلام الآن اختصرت الزمن وأصبح العالم قرية، والمسموع والمرئي والمقروء والكلمة تشيع وتنطلق في لحظة إلى كل الدنيا.
هذا يستوجب علينا قبل أن نقول التشريع والقانون، وهذا أمر حسن لا أخالف اقتراح سيادتك فيه بل أراه ضرورة، ولكن قبله ولكن أهم منه أن نغرس الوازع الديني في نفوس الناس.
فلطالما أفلت الناس من طائلة القانون بأي وسيلة وبأخرى، لكن الوازع الديني الذي نغرسه في نفوس الناس فيعلم الإنسان أنه مسؤول عن كل ما يتحدث به:
﴿مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: 18]
المسلم من سلم المسلمون من لسانه ومن يطلق الشائعات ليس مسلمًا بمعنى الكلمة
والرسول عليه الصلاة والسلام حين عرّف المسلم وقال:
قال رسول الله ﷺ: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده»
أي أن الذي لا يسلم المسلمون من لسانه، أي أن الذي يطلق الشائعات، أي أن الذي يعمل على إذاعتها لا يكون مسلمًا بمعنى الكلمة.
وهذا ما نعانيه وتعاني الأمة من تناقل أخبار لا أول لها ولا آخر في جميع وسائل الإعلام، والناس لا يحذرون من هذا ولا يعلمون عقوبتها.
وجوب تنقية المجتمعات من الشائعات وغرس الوازع الديني لأن القانون وحده لا يكفي
ولذلك نحن حين نوضح الحقيقة وحكم الشرع، وأن المسلم لا يكون مسلمًا إلا إذا سلم الناس من لسانه، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم عندما بيّن لنا عقوبة بهذا النحو الذي قال: يُحبس في النار حتى يأتي ابن آدم بنفاد ما قال، يظل فيها أبد الآبدين.
هذا يستوجب علينا الآن أن ننقي مجتمعاتنا من الشائعات، وأن نجتهد ويجتهد الإعلام معنا، وينتفض الدعاة لغرس الوازع الديني في نفوس الناس حتى يحاسبوا أنفسهم وحتى ينتهوا عن هذه الشائعات.
لأن القانون وحده لا يكفي، ولأن عقوبة الدنيا هي وحدها لا تكفي، فطالما يفلت الناس منها. لكن الوازع الديني سيجعل الإنسان قبل أن يُقدم على مثل هذا الخطر يفكر ويفكر ويثوب إلى رشده.
خلاصة محاصرة الشائعات بالتربية واحترام القانون وفن التعزير في القضاء
[المذيع]: شكرًا جزيلًا فضيلة الدكتور أحمد عمر هاشم. وفي الختام مع فضيلة الأستاذ الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية، أي نؤكد خطر الشائعات في خلاصة من فضيلتكم في ختام هذه الحلقة.
[الشيخ]: إن الشائعات يمكن أن نحاصرها:
- •أولًا بالتربية كما قلنا؛ لتكون حصنًا من الوقوع فيها وقبولها.
- •وثانيًا باحترام القانون.
بمعنى أننا ندعو في الأيام المقبلة أن نحترم أحكام القضاء، وأن تكون لأحكام القضاء دور اجتماعي صحيح. أن القاضي ينبغي أن يحكم بما يراه وكذا، لكن لا بد أن يكون له ضمير يخاطب به المجتمع أيضًا.
إن العالم يجعل العقوبة والتعزير، وعندنا في الفقه الإسلامي يقول: التعزير فن القضاء. فيجعل هناك عقوبة موجعة.
أهمية العقوبة الموجعة في ردع ناشري الشائعات وقصة الغني الذي سب الفقير
فالقاضي يحكم عليه بثلاثة أو أربعة ملايين دولار فتُغلق الصحيفة، صحيح، فتخاف هي والصحف الأخرى. ولذلك نجد أن هذه القضايا ليست كثيرة وليست شائعة؛ لأنه قد ترسّخ في الذهن المجتمعي أن هذا لا يقاربه.
فعندما ترى حالنا، تجد أنه يُحكم عليك بعشرين ألف جنيه، فيقول [المعتدي: هذا لا يؤثر]. لدينا في الكتب القديمة التي لا تعجب بعض الناس يقولون: إن رجلًا سبّ، غنيًا سبّ فقيرًا بأبيه وأمه، فذهب [الفقير] يشكو إلى القاضي.
قال له [القاضي]: إذا كان عليك درهم، أي درهم يدفعه الغني. قال له: بساطة، خذ هذا، درهم رقم واحد هذا. وقال له كذا وكذا [أي سبّه مرة أخرى]، وخذ أيضًا درهمًا آخر وسبّه أمام القاضي، وأعطاه واحدًا ثالثًا من أجل القضية الجديدة.
التعزير فن القضاء والعقوبة يجب أن تتناسب مع حجم الخطأ لحماية المجتمع
هنا يقولون التعزير فن القضاء. القاضي عندما يرى هذا غنيًا وعندما يرى هذا فقيرًا وعندما أرى عدوانًا، فإن العقوبة تكون هزيلة لا تتناسب مع حد الخطأ. العقوبة يجب أن تتناسب مع هذه الحالة.
لن أتركه يعتدي على أخيه الفقير، وبهذا أكون قد بعت كرامة الفقير بالمال أو ما إلى ذلك. لا بد أن يكون حكمًا موجعًا بحيث أنه لا يفعلها مرة أخرى.
فهذا ما نفتقده في الحقيقة، وهذا ما نرجوه في قابل الأيام إننا نتعود عليه؛ أن الشائعة والتي تهدم الأمة، التي تتعرض للأفراد، التي تتعرض لأمن المجتمع والأمن المجتمعي، يجب علينا أن نتعامل معها بجدية.
مواجهة الشائعات بالحزم والتربية الدينية والأخلاقية ودور جميع المؤسسات
نتعامل معها ليس بلين وتطييب خاطر، لا، بل نحن نتعامل معها بحزم، كما قالوا: من شدة الحزم لا من شدة الحزم [أي بالحكمة والحزم معًا].
بالتربية، بالقانون. أعتقد أن التربية طبعًا أقصد أيضًا التربية الدينية والتربية الأخلاقية.
[المذيع]: بالتأكيد.
[الشيخ]: فإننا بهذا نتقي مسألة الشائعات. ولا بد لجميع المؤسسات وليس الإعلام فقط، بل جميع الوحدات كالأسرة والمدرسة والعمل وما إلى ذلك أن تجعل هذا في أولوياتها.
خاتمة الحلقة وتلخيص خطر الشائعات بحديث كفى بالمرء كذبًا أن يحدث بكل ما سمع
[المذيع]: الشائعة من الكذب كما أوضح ديننا وكبار علمائنا، ولها خطر كبير وجسيم على تماسك الأمة.
مشاهدينا الكرام، اسمحوا لي أن أشكر كبار علمائنا ومفكرينا في هذه الحلقة: فضيلة الأستاذ الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية، شكرًا جزيلًا.
[الشيخ]: شكرًا لك.
[المذيع]: شكرًا فضيلة الدكتور. وفضيلة الأستاذ الدكتور أحمد عمر هاشم الرئيس الأسبق لجامعة الأزهر وعضو مجمع البحوث الإسلامية، والدكتور أشرف المكاوي أحد علماء الأزهر الشريف، شكرًا جزيلًا دكتور أشرف.
ومرة أخرى مشاهدينا الكرام، إن جاز لي أن ألخص في عجالة ما سمعته من كبار علمائنا ومفكرينا، فلا أجد أفضل مما طرحوه من حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم عن خطر الشائعات:
قال رسول الله ﷺ: «كفى بالمرء كذبًا أن يحدّث بكل ما سمع»
فما بالنا أن ينقل الإنسان ويحدّث بكلام كذب.
نشكركم على حسن المتابعة ونراكم دائمًا على خير، دمتم في أمان الله ورعايته، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
