برنامج كلمة حق | أ.د علي جمعة | فقه السنة النبوية | بتاريخ 2011 - 09 - 09
- •السنة النبوية المطهرة هي الجناح الثاني للتشريع في الإسلام والتطبيق العملي للقرآن الكريم.
- •السنة والقرآن مصدران متلازمان للتشريع كالروح والجسد، وإنكار أحدهما إنكار للدين كله.
- •السنة تمثل وحياً من الله، إما حقيقة أو حكمة، وتعتبر بياناً للقرآن من ناحيتين: البيان النظري (التفسير) والبيان العملي (التطبيق).
- •النبي ﷺ كان القدوة العملية في تطبيق القرآن، والله تعالى أمر باتباع ما جاء به الرسول دون قيد أو شرط.
- •السنة النبوية شكلت العقل المسلم وأسست لمنهج التثبت والتحري وثقافة الإسناد التي تعد جسراً آمناً عبر الزمن.
- •إنكار السنة يؤدي إلى تشويه الدين وإنشاء دين جديد، كما حدث مع من سموا أنفسهم "القرآنيين".
- •تضم السنة منظومة أخلاقية متكاملة تمثل 97% من محتواها، وهي ضرورية لفهم قضايا التعامل مع الآخر.
- •المسلمون عبر التاريخ أجمعوا على أن السنة حجة وأساس مع القرآن في بناء الإسلام.
مقدمة الحلقة والتعريف بالسنة النبوية كجناح ثانٍ للتشريع الإسلامي
المذيع الأستاذ شريف فؤاد: السنة النبوية المطهرة هي الجناح الثاني للتشريع في الإسلام، وهي أيضًا التطبيق العملي للقرآن الكريم. جميع الآيات والنصوص التي وردت في القرآن الكريم وتواترت أو نُقلت إلينا من خلال آلاف الأحاديث التي رُويت ونطق بها المصطفى صلى الله عليه وسلم.
عن السنة النبوية والحاجة إليها في هذه الأيام، ومفهوم السنة النبوية، وحكم منكر السنة نتحدث الليلة في كلمة حق. نحن في رحاب الجامع الأزهر الشريف وفي حضرة كوكبة من علمائنا الأجلاء الذين يشاركوننا هذه الليلة في الحديث عن السنة النبوية المشرفة والحاجة إليها ومفهومها.
اسمحوا لي أن أرحب بالعلامة مفتي الديار المصرية فضيلة الأستاذ الدكتور علي جمعة، أهلًا وسهلًا بك فضيلة الدكتور. أشكركم جزيلًا على تلبية الدعوة. أستاذ أساتذة الحديث الأستاذ الدكتور الأحمدي أبو النور عضو هيئة كبار العلماء بمجمع البحوث الإسلامية والوزير الأسبق للأوقاف، بالطبع أهلًا وسهلًا بك. الدكتور أسامة الأزهري عضو هيئة التدريس بكلية أصول الدين جامعة الأزهر.
مفهوم السنة النبوية كمصدر ثانٍ للتشريع ووحي من الله عز وجل
المذيع: أبدأ مع فضيلة الأستاذ الدكتور الأحمدي أبو النور حول مفهوم السنة النبوية وحاجتنا إليها خاصة في هذه الأيام.
الأستاذ الدكتور الأحمدي: مفهوم السنة النبوية، دعنا نوضحه في كلمات موجزة: إن للمسلمين مصدرين رئيسيين؛ المصدر الأول القرآن، والمصدر الثاني السنة. وكلا المصدرين وحي من الله عز وجل، أما ابتداءً وأما حكمًا، أي أما حقيقةً وأما حكمًا.
بمعنى ماذا؟ ليس كل ما تحدث به النبي صلى الله عليه وسلم وحيًا [بالمعنى المباشر]، وإنما تحدث عن الله عز وجل من طريق الوحي.
الأحاديث القدسية كنموذج على الوحي غير المتلو في السنة النبوية
كما في نحو قوله صلى الله عليه وسلم:
«إن روح القدس نفث في رُوعي: إن نفسًا لن تموت حتى تستوفي رزقها، ألا فاتقوا الله وأجملوا في الطلب»
«إن روح القدس نفث في رُوعي» هذا ليس في القرآن. أو أن يقول النبي صلى الله عليه وسلم:
قال الله عز وجل: «كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به»
أو:
«يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرمًا فلا تظالموا» إلى آخره.
فأين كلمة «يا عبادي» في القرآن؟ ليست في القرآن، ولا يمكن أن يقول النبي صلى الله عليه وسلم «يا عبادي». إذن هذا الحديث وحي لكنه ليس وحيًا متلوًّا كالقرآن الكريم.
الدليل القرآني على أن الحكمة المنزلة هي السنة النبوية عند الإمام الشافعي
وآية أن الوحي أمران: قوله تعالى في أكثر من آية:
﴿وَٱذْكُرُوا نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَآ أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّنَ ٱلْكِتَـٰبِ وَٱلْحِكْمَةِ يَعِظُكُم بِهِ وَٱتَّقُوا ٱللَّهَ﴾ [البقرة: 231]
وكما نهج علماؤنا الأعلام، وفي من أشهرهم الإمام الشافعي: الكتاب هو القرآن العظيم، والحكمة هي السنة النبوية.
والحكمة [أي السنة النبوية] تعتبر بيانًا للقرآن الكريم من ناحيتين أو من زاويتين: البيان النظري إذا كان تفسيرًا، والبيان العملي إذا كان تطبيقًا عمليًّا.
بيان الله تعالى للقرآن من خلال السنة النبوية كما في سورة القيامة وسورة طه
وبالتالي فنحن نستطيع أن نقول عما جاء في سورة القيامة:
﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِٓ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْءَانَهُ﴾ [القيامة: 16-17]
إن علينا أن نجمعه في صدرك، والله هو الذي يتحدث للنبي عليه الصلاة والسلام. نعم، إن علينا أن نجمعه في صدرك محفوظًا، وعلينا أيضًا أن تقرأه كاملًا غير منقوص، فلا تعجل بالقرآن من قبل أن يُقضى إليك وحيه كما في سورة طه.
﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْءَانَهُ﴾ [القيامة: 17]
فإذا قرأناه بواسطة سفيرنا جبريل؛ لأن الله لا يقرأ وإنما جبريل يقرأ:
﴿فَإِذَا قَرَأْنَـٰهُ فَٱتَّبِعْ قُرْءَانَهُ﴾ [القيامة: 18]
أي فاتبع قراءته، اتبع فلا تتكلم أو لا تقرأ قبل أن ينتهي. ولذلك القراءة أو القرآن أو التلاوة سنة متبعة.
تولي الله تعالى بيان القرآن لفظيًّا وتفسيريًّا كما في آية سورة القيامة
﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة: 19]
وهذه نقطة مهمة جدًّا: أن الله عز وجل هو الذي يتولى بيان القرآن، سواء فيما تعلق بالبيان اللفظي وفي كيفية القراءة، أو في كيفية القراءات المختلفة التي أقرأ بها جبريل النبي صلى الله عليه وسلم، أو بيان بمعنى تفسيره وتوضيحه.
ثم ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُۥ﴾ هذا الأمر يتبين في أكثر من سورة وفي أكثر من آية.
بيان النبي لمعنى الظلم في آية الأنعام وتفسير الخيط الأبيض والأسود
ومن ذلك مثلًا قوله تعالى:
﴿ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوٓا إِيمَـٰنَهُم بِظُلْمٍ أُولَـٰٓئِكَ لَهُمُ ٱلْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: 82]
وقال الصحابة عندما نزلت هذه الآية: أيُّنا لم يظلم نفسه؟ كلنا ظلمنا أنفسنا، فأين لنا الأمن؟ قال صلى الله عليه وسلم بعد أن كان قد تلقى عن الله عز وجل:
«ألم تقرؤوا قول لقمان لابنه: ﴿يَـٰبُنَىَّ لَا تُشْرِكْ بِٱللَّهِ إِنَّ ٱلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: 13]»
ونحو قوله تعالى:
﴿وَكُلُوا وَٱشْرَبُوا حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ ٱلْخَيْطُ ٱلْأَبْيَضُ مِنَ ٱلْخَيْطِ ٱلْأَسْوَدِ مِنَ ٱلْفَجْرِ﴾ [البقرة: 187]
أن المقصود بياض النهار بعد سواد الليل، وأمور كثيرة فيما يتعلق به.
أهمية التطبيق العملي للنبي وكونه قدوة بشرية يمكن الاقتداء بها
لكن البيان العملي والتطبيق العملي وهذا هو أحسن ما يمكن أن يكون لأي نهضة. لماذا إذن؟ لأن الأستاذ في الجامعة أو المدرس في المدرسة أو الأب في البيت أو رئيس مجلس إدارة الشركة إلى آخره، ما لم يكن كل منهم قدوة لمن دونه فلا أثر له، أو لعل الأثر يكون عكسيًّا.
وبالتالي كان النبي صلى الله عليه وسلم هو أعظم من طبق القرآن تطبيقًا كاملًا وتطبيقًا يمكن لغيره من أتباعه من الأمة أن يطبقوه. وهذا فعلًا الهدف من بشرية الرسول؛ لأنه لو أن الله أنزل ملكًا لما استطعنا أن نجاريه، ولكن لأنه بشر فإننا نستطيع أن نفعل كما يفعل.
ولذلك قال تعالى:
﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: 21]
وجوب طاعة الرسول مطلقًا وقوة السنة في التشريع المستقل عن القرآن
وقال أيضًا:
﴿وَمَآ ءَاتَىٰكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَىٰكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُوا﴾ [الحشر: 7]
دون قيد أو شرط، أي سواء كان الذي آتاكم الرسول متفقًا مع ما جاء في القرآن أو غير متفق تمامًا. لماذا؟ لأن النبي صلى الله عليه وسلم له قوة [تشريعية مستقلة]. ما هي قوة السنة؟ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد يبين لنا أو قد يبلغنا حكمًا لم يرد في القرآن. لماذا؟ لأنه معصوم، أي أن الرسول صلى الله عليه وسلم صادق، والرسول صلى الله عليه وسلم مؤتمن على الوحي.
أمور كثيرة انفردت بها السنة كتحريم الجمع بين المرأة وعمتها أو بين المرأة وخالتها إلى آخره. الأمر في هذا كثير، ولكن الأمر مطلق في الآية الكريمة:
﴿وَمَآ ءَاتَىٰكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَىٰكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُوا﴾ [الحشر: 7]
دون تردد.
حكم من ينكر السنة النبوية ويدعي الاكتفاء بالقرآن الكريم وحده
المذيع: ما أوضحه فضيلة الأستاذ الدكتور الأحمدي أبو النور يدفعني لسؤال فضيلتكم أستاذنا الدكتور علي جمعة: بعض من ينكر وجود السنة، وإذا كانت هي الجناح الثاني للشريعة الإسلامية أي متزامنة أو متلاصقة مع القرآن الكريم، ما رأي فضيلتكم فيمن يتحدثون عن أن القرآن يكفي أو أن القرآن كافٍ بعيدًا عن السنة النبوية؟
الشيخ علي جمعة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. ما تفضل به الأستاذ الدكتور الأحمدي أبو النور يتبين لنا أن القرآن والسنة بمثابة الروح والجسد، إذا أراد أحد أن يفصل بينهما فإنه يريد موت الإسلام، وهو يريد موت الدين في حياة الناس.
إذا أراد أحدهما [الفصل بينهما]، وقد أجمعت الأمة على أن القرآن والسنة مصدران لهذه الشريعة ولهذا الدين: عقيدةً وشريعةً وأخلاقًا وفقهًا وسلوكًا وعملًا.
تشبيه القرآن والسنة بجناحي الطائر وإجماع الأمة على حجية السنة
وكما تقول هما جناحان أو كالجناحين، أراد أن يكسر أحد الجناحين أراد أن لا يطير الطائر. فإذن الطائر لا يطير بجناح واحد أبدًا، مكسور الجناح - العامة يقولون هكذا - مكسور الجناح أي لا يستطيع، انتهى، لا يستطيع التحليق في الفضاء.
وفي ثم أنه لا يستطيع أن يأكل ويشرب، هذا لا بد أن يأتيه الطعام والشراب عنده:
قال صلى الله عليه وسلم: «لو توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصًا وتروح بطانًا»
فالطير يغدو ويروح بالجناحين. أجمعت الأمة على أن السنة هي التفسير المعصوم والتطبيق المعصوم لكتاب الله سبحانه وتعالى.
كتاب حجية السنة وإجماع المسلمين على أن إنكار السنة يخرج عن دين الإسلام
ألف شيخنا الشيخ عبد الغني عبد الخالق كتابًا في رسالته العلمية «حجية السنة» أورد فيها أن المسلمين سلفًا وخلفًا، شرقًا وغربًا، بكل طوائفهم ومللهم وأحوالهم وفرقهم، لا بد عندهم أن السنة حجة.
ومن جعل السنة ليست بحجة أو أراد إنكارها أو أراد إقصاءها فسوف يصل بنا إلى دين غير دين الإسلام، إن كان صادقًا مع نفسه.
قصة محمد نجيب منكر السنة وكيف أوصله الإنكار إلى تشويه الصلاة والدين
لأن بعض الناس، كان عندنا شخص هنا في مصر كان رئيس هيئة الهواتف اسمه محمد نجيب، وعندما قامت ثورة يوليو سنة اثنين وخمسين عيّنوه وزير مواصلات لمدة نحو عشرين يومًا أو ستة وعشرين يومًا وتغيرت الوزارة.
هذا محمد نجيب أنكر السنة ولكن كان صادقًا مع نفسه في الإنكار، فإذا به قال: والله أنا لست أرى أن في القرآن - وهو المصدر الوحيد [عنده] - الصلوات الخمس، إنما فيه «والضحى» هذه صلاة، و«والفجر» هذه صلاة ثانية، و«والعصر» هذه صلاة ثالثة. جلس يعدّ من النصوص بهذا الشكل فأصبحوا عشرة.
عندما أصبحوا عشرة قالوا: إذن من الذي قال إن الركوع قبل السجود؟ هذا السجود هو الذي قبل الركوع!
﴿ٱرْكَعِي وَٱسْجُدِي مَعَ ٱلسَّاجِدِينَ
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [آل عمران: 43]
هذا لمريم، ولكن عندنا نحن السجود الأول وسجدة واحدة تكفي، و«اقرؤوا ما تيسر منه» فنقرأ أي شيء ليس ضروريًّا الفاتحة. وهكذا المهم، وألّف له هكذا ديانة أخرى، وألّف ثلاثة عشر أربعة عشر كتابًا، باع عليهم أربعين فدانًا في البحيرة لكي ينفق على الحكاية هذه.
كتاب الصلاة لمحمد نجيب وعجائبه الغريبة الناتجة عن إنكار السنة
المذيع: التي ستدفع به إلى النار ربما.
الشيخ: نعم، وألّف كتابًا كبيرًا كان اسمه «الصلاة»، هذا كتب فيه عجائب غريبة جدًّا مما تضحك منه الثكلى وتسقط منه الحبلى ويشيب منه الأقرع كما يقولون.
هذا الرجل صادق مع نفسه؛ لأن إنكار السنة سوف يؤدي إلى هذا المسخ ولا علاقة له بدين الله.
القرآنيون وخطورة إنكار السنة الذي يؤدي حتمًا إلى إنكار القرآن نفسه
ورأينا بعد ذلك من أسموا أنفسهم بالقرآنيين، ونشر أحدهم في الصحافة مقالة لدي تحت يدي أن: والله نحن لسنا مؤمنين بالسنة، ولذلك انظر إذن إلى عمى القلب: فالزنا حلال!
المذيع: حاشا لله!
الشيخ: هذا ما كتبه هذا الرجل. فالحقيقة أنه أنكر القرآن أيضًا، ولكنه ما دام إذا أنكرت السنة فالأمر سهل في إنكار القرآن؛ لأن بعض الناس يعتقدون أن إنكارهم للسنة سوف يجعلهم يلتزمون بالقرآن. أبدًا!
إن عين إنكار السنة هو عين إنكار القرآن، وإن عين إنكار القرآن هو إنكار السنة؛ لأنهما كالشيء الواحد، لأنهما يمثلان شريعة الإسلام.
بناء أهل السنة والجماعة إسلامهم على القرآن والسنة معًا أساس متين للهداية
الذي تفضل به الدكتور الأحمدي يبين لك أنه لا يمكن الفصل [بين القرآن والسنة]، وأن أهل السنة والجماعة عندما بنوا إسلامهم على القرآن وعلى السنة فإنهم كانوا على حق وكانوا على طريق هداية وعلى أساس متين.
إنكار السنة يجعلنا ننكر كمًّا هائلًا من الأخلاق النبوية التي نحتاج إليها. الذي وارد عندنا في السنة بالحديث الضعيف والصحيح والحسن وكله حوالي ستين ألف حديث، خمسين وقليل.
المذيع: رقم كبير جدًّا.
الشيخ: نعم، ألفان منهما فقط في كل الشريعة الإسلامية في الفقه كله. بلوغ المرام لابن حجر ألف وثمانمائة وقليل من حديث، قل ألفان. اثنان على ستين أي واحد على ثلاثين، يعني ثلاثة وثلث في المائة. يبقى ستة وتسعون في المائة وثلثين، قُل سبعة وتسعون في المائة في الأخلاق المرتبطة بالعقيدة.
خطورة تنحية السنة النبوية وأثرها في فقدان المنظومة الأخلاقية الإسلامية
التي نحن في أمس الحاجة إليها، نحن في أمس الحاجة إلى المنظومة الأخلاقية. تصور أننا قد نحّينا السنة ولم نجعلها مصدرًا للتشريع ولم نجعلها منبعًا للهداية ومعينًا نشرب منه القيم، تصور!
المذيع: الشريعة أصبحت منقوصة.
الشيخ: أصبحت لا معنى لها، أصبح أمرًا مروّعًا. هذه دعوة خبيثة وعجيبة وستؤدي بنا إلى غير دين الإسلام. دعونا نقول هكذا: إلى غير دين الإسلام. فنحن أمام خطورة بالغة.
محمد نجيب أول من أنكر السنة بفجاجة والفرق بينه وبين الملاحدة السابقين
لما شعر الناس بعد قضايا محمد نجيب، وكذلك لأن محمد نجيب هذا كان أول من دعا إلى قضية السنة وأنكرها بهذه الفجاجة. كان قبله أناس ملاحدة يدعون إلى ترك الكتاب والسنة، لا بأس بذلك، هذا مقدور [عليه]، هذا قد أصبح ملحدًا تمامًا.
المذيع: أما هذا فيدّعي الإسلام.
الشيخ: لكن هذا يدّعي الإسلام ويُضل الناس وينكر السنة. بدؤوا في التخفيف: فبعضهم ينكر الجزئي ويقول لا إلا العبادات، بعضهم ينكر البخاري، ينكر بعض الأحاديث التي تصادمت مع عقله هو دون أن يرجع حتى إلى تفسير المفسرين. وهكذا فنحن أمام بلاء شديد في قضية إنكار السنة.
إنكار السنة يؤدي إلى إنكار الدين وضياع منظومة القيم والأخلاق النبوية
لأن إنكار السنة سيؤدي إلى إنكار الدين، ولأن إنكار السنة سيضيع علينا منظومة القيم والأخلاق النبوية، ولأن إنكار السنة سيجعل الإسلام بلا جناحين يطير بهما.
المذيع: شكرًا فضيلة دكتور علي. وانتقل للدكتور أسامة الأزهري: إذن هو خارج عن الدين الإسلامي من ينكر السنة كما أوضح العلامة فضيلة الدكتور علي جمعة. يبين خطورة ما يدعو إليه القرآنيون للابتعاد عن السنة، دكتور أسامة كيف ترى ذلك وما حاجتنا في هذه الأيام إلى السنة النبوية المشرفة؟
التعامل مع السنة النبوية يدخل بصاحبه إلى بحار الأنوار ويقربه من حرم النبوة
الدكتور أسامة الأزهري: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، ثم أما بعد. الحقيقة أن التعامل مع السنة النبوية المطهرة يدخل بصاحبه إلى بحار الأنوار ويقربه دائمًا في كل تصرفاته وسلوكياته من حرم النبوة.
ويجعله دائمًا وهو يقرأ ويتصفح الأحاديث النبوية كأنه يشاهد الوحي والتنزيل وهو ينزل، ويربي في الإنسان قضية الإيمان بالغيب التي هي الفيصل الذي يفصل بين هذه الحضارة وبين الحضارات الأخرى، الفرقان الذي تميزت به حضارة أهل الإسلام.
تعظيم السنة يبني عشرات الملكات وإنكارها يغلق أبواب التلقي عن الله
الذي يتعلق بالسنة النبوية المشرفة ويقوم بحقها ويعظم قدر النبوة ويثبت المرجعية والمصدرية للسنة النبوية، هذه الهيئة الكاملة تربي في نفس الإنسان عشرات الملكات.
يقابلها في المقابل الإنسان الذي أنكر السنة فيكون قد أغلق عشرات الأبواب للتلقي عن الله ولفهم الشرع الشريف ولإدراك الصورة الكاملة للدين وللقيام بالحق الكامل لهذا الدين.
إذن نحن أمام صورتين في غاية البعد: صورة كاملة يسير صاحبها على النسق الذي سارت عليه أمة الإسلام على مدى ألف وأربعمائة سنة في سائر طبقاتها وأعيانها، من غير مخالف واحد أبدًا يُبعد السنة عن مجال الحجية والاعتماد والتشريع والمصدرية والركنية لهذا الدين.
الإمام السيوطي وكتابه مفتاح الجنة في الاحتجاج بالسنة للرد على منكريها
إلا فئة قليلة، فرد واحد في القرن العاشر الهجري أيام أن كان الإمام الكبير شيخ الإسلام وإمام أهل الحديث الإمام الحافظ جلال الدين أبو الفضل عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي الذي ألف ما يزيد على سبعمائة مؤلف، ألف مؤلفًا في أيامه وفي حياته المباركة.
خرج رجل يتحدث عن السنة بحديث يوهم بأنه يبتعد عن السنة أو ينكر السنة أو يدّعي إمكانه الاكتفاء بالقرآن الكريم. فوقف الإمام السيوطي بغيرة شديدة وألف كتابًا رشيقًا بديعًا اسمه «مفتاح الجنة في الاحتجاج بالسنة».
وكان الإمام السيوطي في ذلك الوقت علم الأعلام، كان شيخ الإسلام، شيئًا مثل سيدنا الشيخ الشعراوي عند المصريين، مرجعية كبيرة أمام أهل الزمان. فلما أن أخرج كتابه خمدت الفتنة ولم يعد أحد يتكلم بهذا الكلام.
عودة ظهور إنكار السنة في العصر الحديث وكتاب أضواء على السنة لمحمود أبو رية
ومضى القرن العاشر الهجري أيام الحافظ السيوطي والحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر والرابع عشر إلى نحو خمسين أو ستين سنة، بدأت تظهر مرة أخرى قضية إنكار السنة.
بدأت لدينا في مصر برجل من الباحثين اسمه الأستاذ محمود أبو رية وأخرج كتابًا طُبع عندنا في مصر اسمه «أضواء على السنة النبوية»، وأتى فيه بكلام غريب عجيب مريب يمتلئ بالشكوك والأوهام ويمتلئ بالحيرة ويمتلئ بالتردد والاضطراب.
فلما خرج كتابه «أضواء على السنة المحمدية» صدر في الرد عليه ما لا يقل عن عشرة كتب من كبار علماء الأزهر ومن كبار علماء الحديث في المشرق والمغرب. وكان من هذا الجيل المجيد أقران أستاذنا معالي الوزير سيدنا الشيخ الأحمدي، سيدنا الشيخ محمد أبو شهبة فألف كتابه «دفاع عن السنة» وطبعه سيدنا الشيخ عبد الحليم محمود الإمام الأكبر في المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية.
الأدلة التاريخية والعلمية على أن الدين مبني على مصدرين القرآن والسنة معًا
إذن نحن أمام تاريخ عملي علمي مبرهن ومدلل وعليه عشرات الحجج والبراهين، وتترتب عليها عشرات الآثار في تصور تركيبة الدين وأنه كتاب وسنة، وأنه ينبني على هذين المصدرين المنابع الكاملة لدين الله تعالى.
وأنني إذا ما أتيت لأحد المصدرين ونحّيته فقد أنكرت نصف الدين وأبعدته من المنظومة وأخذت الدين مشوّهًا مضطربًا.
خطورة دعوة الاكتفاء بالقرآن والتلبيسات التي تقلل من عظمة السنة في النفوس
إذن كانت قضية إنكار السنة أو دعوة الاكتفاء بالقرآن الكريم أو الكلام الذي فيه غمغمة وجمجمة ولفّ ودوران ومحاولة عدم صدم المسلم بإنكار السنة صراحة، فيأتي بشيء من التلبيسات والأوهام حتى يلقي في نفس الإنسان تقليلًا من عظمة السنة في صدره أو انصراف الخاطر عن السنة.
هذه في غاية الخطورة؛ لأننا أمام جناب النبوة المعظم الذي تلقى الوحي من الله تعالى، تلقى من الغيب المجرد حكمة بها أُمطرت في الآفاق سماؤه. هذا الجناب والحرم النبوي المعظم الذي صُبّت في قلبه المشرف أنوار الوحي فنطق بالحكمة من عند الله تعالى مجارية وموازية للقرآن ومبينة له وشارحة لمقاصده.
السنة النبوية تبني في المؤمن الإيمان بالغيب وتعظيم قدر الرسول وحمل أمانة الدين
هذا المعنى [أي معنى السنة النبوية] بنى في عقلية الإنسان المؤمن الغيب، وبنى فيه الارتباط بالمصدر، وبنى فيه تعظيم قدر سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وحملنا أمانة الدين كاملة، وحفظنا من أن نؤمن ببعض الكتاب وأن نكفر ببعض.
فأنا أرى خطرًا شديدًا ونارًا تحت الرماد في كلام من يسعى إنكار السنة صراحة أو تلميحًا.
المذيع: فضيلة الدكتور أسامة، أنا أشكرك. ومن خرج كما أوضح فضيلة المفتي وضيوفنا الكرام عن السنة النبوية المشرفة أو اكتفى بالقرآن الكريم فقد خرج عن الدين الإسلامي أو تديّن بدين غير الإسلام. فاصل، نواصل بعده الحديث عن حاجتنا إلى السنة النبوية.
سؤال عن كيفية استثمار السنة النبوية للأمة الإسلامية وفي الحوار مع الآخر
المذيع: مفهوم السنة النبوية والحاجة إليها حديثنا في كلمة حق. وسؤالي للأستاذ الدكتور الأحمدي أبو النور عن كيفية استثمار هذه السنة، هذا الجناح الثاني للتشريع، هذا الجناح الثاني للإسلام واستثماره للأمة الإسلامية واستثماره من قبل علمائنا في الحوار مع الآخر أيضًا؟
الأستاذ الدكتور الأحمدي أبو النور: هو الحقيقة لو خُيّرت لآثرت الاستماع إلى الكوكبين المنيرين.
المذيع: تواضع العلماء.
الدكتور الأحمدي: لأن الحقيقة كل منهما أمتع عقلي ووجداني فيما يتعلق بالذياد عن السنة والدفاع عن حرمتها.
المذيع: تواضع من فضيلتكم.
الدكتور الأحمدي: أشكر لهما وأسأل الله أن يجزي كلًّا منهما خير الجزاء.
عصمة النبي في جميع أقواله وأفعاله وسلوكه واستحالة وجود خطأ في سنته
السنة النبوية في تحدٍّ مهم جدًّا وهو أن ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم وما سلوكه وما عمله لا يمكن أن نعثر فيه على قُلامة ظفر من الخطأ إطلاقًا، سواء فيما يتعلق بما صدر عنه صلى الله عليه وسلم من العقيدة أو من الشريعة أو من الأخلاق أو من السلوك أو من التعامل، سواء في البيت أو في المجتمع.
انظر إليه زوجًا، انظر إليه أبًا، انظر إليه قائدًا، انظر إليه مصلحًا، انظر إليه قاضيًا. أي كلما نظرت إليه رأيت النبي صلى الله عليه وسلم، أي في جميع حركاته وفي جميع سكناته وفي جميع أقواله وفي جميع أفعاله.
لا تزال الدنيا تستضيء بأنواره، وخصوصًا مَن تزال قلوبهم مريضة من الإسلام يحاولون أن يروا ثغرة في كلامه فلا يجدون. ولذلك تجد الهجوم هجومًا إجماليًّا: «يكفينا القرآن» كما صدر من الكثيرين.
شهادة الدكتور الأحمدي لأستاذه محمد أبو شهبة ودوره في الدفاع عن السنة
وعلى فكرة فيما يتعلق بأستاذنا الدكتور محمد أبو شهبة، هذا أستاذي ولست قرينه، لا، هذا أستاذي ودرّس لي في كلية أصول الدين التفسير والحديث.
وقد استمعنا إليه كثيرًا في الإذاعات، وسجلنا أيضًا معه بعض الحلقات مع أحمد فراج رحمه الله. فأستاذنا الدكتور أبو شهبة من خيرة الأساتذة الذين دافعوا عن الإسلام وعن السنة النبوية، وكان إمامًا لنا في هذا المضمار.
نبوءة النبي بالأثرة وأهمية الإيثار كمنقبة عظمى ميز الله بها الأنصار
الفترة التي نعيشها حقيقة كأنما تنبأ النبي صلى الله عليه وسلم بها حيث قال:
«ستجدون بعدي أثرة فاصبروا» في هذا الخضم «حتى تلقوني - حتى ألقاكم - على الحوض»
أثرة! آه، كل إنسان يريد أن يكون هو الزعيم وهو الرئيس وهو القائد وهو... وما أحلى الإيثار وما أعظمه! وما أعظم الإيثار، هو المنقبة العظمى التي ميز الله بها الأنصار حين قال:
﴿وَٱلَّذِينَ تَبَوَّءُو ٱلدَّارَ وَٱلْإِيمَـٰنَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ [الحشر: 9]
أي من قبل المهاجرين:
﴿يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِى صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّآ أُوتُوا﴾ [الحشر: 9]
أي مما أُعطي المهاجرون:
﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: 9]
فالمحبة والإيثار، ولا يمكن أن تكون المحبة والإيثار ولا يمكن أن يكون معهما سلامة القلب من تتبع ما فضلهم به النبي صلى الله عليه وسلم - فضل المهاجرين به - إلا نتيجة إيمان غير عادي، أي إيمان استثنائي.
معنى تبوؤ الإيمان عند الأنصار وحاجتنا اليوم إلى تبوؤ الإيمان حقًّا
وهو ما أُشير إليه في الآية الكريمة:
﴿وَٱلَّذِينَ تَبَوَّءُو ٱلدَّارَ وَٱلْإِيمَـٰنَ﴾ [الحشر: 9]
دار الهجرة، تبوؤوا الدار وتبوؤوا الإيمان. كيف تبوؤوا الدار؟ أمر سهل وأمر واضح. لكن أن يتبوؤوا الإيمان بحيث يكون الإيمان هو الواضح البيّن وهو المستقر وهو المستطاب وهو ما أمامهم وما بين أيديهم وما خلفهم.
والمتبوَّأ هو المكان الذي اتخذوه دارًا ومستقرًّا بحيث تبوؤوه. الذين عاشوا فيه قد تبوؤوا الإيمان وتبوؤوا الدار والإيمان من قبله.
ولذلك نحن الآن في أمس الحاجة إلى تبوؤ الإيمان فعلًا.
ارتباط السنة النبوية بالإيمان وحقوق الجار في الإسلام بلا تمييز
ولذلك تجد السنة النبوية وثيقة الصلة بالإيمان:
«من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره، فليكرم ضيفه، فليقل خيرًا أو ليصمت»
فليكرم جاره أيًّا كان هذا الجار. لأن أنا قرأت الآن مثلًا في هذه الأيام: لا، الجار الكافر الآخر هذا له حق الجيرة فقط. لا! لقد واستشهدوا بحديث ضعيف من الأحاديث التي أشار إليها مولانا الأستاذ الدكتور المفتي: «جار له حق واحد وجار له حقان وجار له ثلاثة حقوق» إلى آخره.
هذا الحديث ضعيف من الأحاديث ضعيفة يا سيدي، وآية ضعفه أنه يتعارض مع الآية الكريمة:
﴿وَٱلْجَارِ ذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْجَارِ ٱلْجُنُبِ﴾ [النساء: 36]
والجار ذي القربى الجار القريب والجار الجُنُب والجار البعيد نسبًا أو سكنًا أو دينًا. من أين لهم أن نميز بين جار وجار؟ لم يكن صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه يميزون بين جار وجار.
نماذج من تعامل الصحابة والنبي مع الجيران اليهود بالإحسان والتسامح
وقد كان عبد الله بن عمرو وعبد الله بن عمر إذا ذبح أحدهما شاة، قبل أن يطعم منها يقول: أهديتم منها لجارنا اليهودي؟ فإذا لم يكونوا قد أهدوا، أهدى أولًا ثم طعم منها.
وكذلك أيضًا كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يرى حرجًا أن يقترض من يهودي، أي أن البيت ليس فيه شيء فيقترض منه شعيرًا أو ما إلى ذلك. وقد مات صلى الله عليه وسلم ودرعه مرهونة عند يهودي.
تسامح النبي مع اليهود في رد السلام وعيادة الغلام اليهودي المريض
ومن أجمل ما نُقل في السنة عنه صلى الله عليه وسلم أنه مرة مرّ اليهود على البيت فقالوا: «السام عليكم، السام عليكم». ففي بساطة وفي قوة وفي عزة نفس قال: «وعليكم».
السيدة عائشة تتميز غيظًا، قال لها: «يا عائشة أما سمعت ما قلت؟ لقد قلت وعليكم وانتهى الأمر». انتهى الأمر.
الرسول صلى الله عليه وسلم كان في خدمته غلام يهودي ومرض. فانظر إذن، النبي خاتم الأنبياء وصفوة المرسلين وصفوة الخلق يذهب إلى هذا الغلام ليعوده كواجب ديني، وأبوه كان هناك.
فقال له [النبي صلى الله عليه وسلم] - فرصة يعرض عليه الإسلام - لعله صلى الله عليه وسلم توقع، آه، فقال له: «أسلم». فالغلام نظر إلى أبيه هذه النظرة المليئة وكأنما يريد أن يقول لأبيه: أنا أستأذنك. قال أبوه: «أطع أبا القاسم».
وكلمة نطق بها [الغلام] من [بركة] النبي صلى الله عليه وسلم ومن تسامحه مع غير المسلمين أدخله الله بها الجنة.
تحريم الإسلام لقتل النفس بغير حق وارتباط ذلك بالسنة النبوية والقرآن
فأنا أريد أن أقول إن الذين استهانوا بالقتل والتدمير، بالقتل وبالتدمير، دعوني أصارحكم أن الإسلام حرّم قتل النفس بغير حق، قتل النفس. وفي سورة الأنعام وفيها الوصايا العشر وأيضًا السنة النبوية.
فقوله صلى الله عليه وسلم:
«لا يزال - أو لن يزال - المؤمن في فسحة من دينه حتى يصيب دمًا حرامًا»
أي دم! دمًا. فنقرن هذا بنحو قوله صلى الله عليه وسلم:
«المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده»
وفي رواية:
«من سلم الناس من لسانه ويده»
لأن المسلم يتربى في البيئة الإسلامية، فإذا ما استقر في وجدانه أن هذا الأمر لا يليق، استطاع أن يتعامل به مع العالم.
المؤمن من أمنه الناس والنبي رحمة للعالمين لا للمسلمين فقط
ولذلك يبدأ التوجيه في الآية النصيحة:
«المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده»
ثم:
«المسلم من سلم الناس من لسانه ويده»
ويتناسق مع هذا قوله صلى الله عليه وسلم:
«المؤمن من أمنه الناس على دمائهم وأموالهم وأعراضهم»
ولماذا ذلك؟ لأن النبي رحمة للعالمين وليس فقط للمسلمين، أي ليس فقط لأمة الإجابة وإنما لأمة الدعوة.
وبالتالي أعني أن أجمل شيء نتناصح به الآن أن نحرص أشد الحرص على مال الدولة وعلى عقارات الدولة. أنا يهولني أو يروعني أن أقف على أنه يوجد أربعة آلاف سيارة احترقت، أربعة آلاف سيارة! لحساب من هذا؟ عدا ماذا، عدا أعني الأبنية وعدا الحرائق.
أول آية أذن الله فيها بالقتال وحماية دور العبادة جميعًا في الإسلام
نحن عند أول آية أذن الله لنا فيها بالقتال:
﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَـٰتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾ [الحج: 39]
ثم:
﴿ٱلَّذِينَ إِن مَّكَّنَّـٰهُمْ فِى ٱلْأَرْضِ أَقَامُوا ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُا ٱلزَّكَوٰةَ وَأَمَرُوا بِٱلْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ ٱلْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَـٰقِبَةُ ٱلْأُمُورِ﴾ [الحج: 41]
﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَـٰتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * ٱلَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَـٰرِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّآ أَن يَقُولُوا رَبُّنَا ٱللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَٰمِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَٰتٌ وَمَسَـٰجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا ٱسْمُ ٱللَّهِ﴾ [الحج: 39-40]
دور العبادة دور محترمة ولها حصانتها ولها إيجاب الإسلام لصونها وحمايتها.
تاريخ الإسلام يشهد بعدم الاعتداء على الكنائس وموقف سيدنا عمر من الصلاة فيها
واقرأ تاريخ الإسلام هنا في مصر أو في العراق أو في فارس أو في أي مكان، إن وجدت أن المسلمين اعتدوا على كنيسة أو أحرقوا كنيسة!
المذيع: هذا حديث مهم جدًّا في هذه الأيام.
الدكتور الأحمدي: لم يحدث، لم يحدث على الإطلاق. فسيدنا عمر عندما دعاه الناس للصلاة في كنيسة...
المذيع: رفض.
الدكتور الأحمدي: لماذا؟ لأنه خشي أن يتنازع المسلمون عليها، وقد كان مدعوًّا من القساوسة.
فالذي أريد أن أقوله أنه ليس للمسلم أن يعتدي على غيره سواء كان مسلمًا أو غير مسلم. فهذا المسلم مؤتمن على دور العبادة الأخرى، عندما أُذن له في أن يدافع عن نفسه كأنه كان قد أُذن له أن يدافع عن نفسه ضد من يريدون أن يعتدوا على بيوت العبادة.
الإسلام يريد حرية الاختيار للناس جميعًا وإباحة الزواج من أهل الكتاب دليل على التعايش
لأن الإسلام يريد للناس جميعًا أن يختاروا ما يشاؤون من العقائد لكن دون إكراه، لكن دون تغيّظ ودون حقد. نحن نحب من يوحد الله ونتقارب.
ولذلك أنت ترى أن الإسلام كان واقعيًّا عندما أباح للمسلم أن يتزوج من أهل الكتاب:
﴿ٱلْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَـٰتُ وَطَعَامُ ٱلَّذِينَ أُوتُوا ٱلْكِتَـٰبَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ﴾ [المائدة: 5]
أين نحن من أولئك الذين يشتهون أن يكفّروا غير المسلمين؟ ألم يعلموا أن القرآن قال: «يا أهل الكتاب»؟ وأيضًا قال [أي] خاطب القرآن غير المسلمين بالإيمان:
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا ٱتَّقُوا ٱللَّهَ وَءَامِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ [الحديد: 28]
الدعوة إلى التعايش بمبدأ النصيحة والإخلاص لله ولرسوله وللمسلمين وعامتهم
لماذا لا نعيش بهذه الومضات؟ وأيضًا عذرًا أنا أعرف وقتك الآن. ما أجمل أن نتعايش معًا في هذه الفترة بمبدأ النصيحة.
مبدأ النصيحة ليس هو الأمر بالحقد وبالغيظ، لا. الأمر بالنصيحة هو الذي يذوب فيه الإنسان إخلاصًا لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم.
كلمة النصيحة، الكلمة التي تذوب إخلاصًا وغيرة:
«الدين النصيحة. قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم»
ولو أردنا أن نعيش السنة النبوية لما وسعتنا ساعات وساعات، بل أيام بل سنوات وسنوات يا مولانا.
الدستور الأخلاقي للسنة النبوية وسؤال المفتي عن كيفية استلهامه في هذه الأيام
المذيع: ما شاء الله عليكم دكتور الأحمدي، أعني هذا الدستور الأخلاقي الذي قدمه لنا فضيلة العالم الجليل الأستاذ الدكتور الأحمدي أبو النور. فضيلة الدكتور علي، كيف نستلهمه في هذه الأيام والنصيحة لأئمة المسلمين، وفضيلتكم إمام له باع طويل؟
الشيخ علي جمعة: في الحقيقة، دعني لا أعرف ماذا أقول، أعني يمكنني أن أقول إنني أغازل الدكتور الأحمدي.
المذيع: كلنا [نغازله].
الشيخ علي جمعة: ينظر الناس ونحن في رحاب الأزهر الشريف: ما الذي أنتجه الأزهر الشريف؟ أنتج الدكتور الأحمدي.
الدكتور الأحمدي حضر دروس الشيخ المراغي للملك فاروق في الجامع الأزهر
الدكتور الأحمدي الذي حضر دروس الشيخ المراغي وهو يلقيها على الملك فاروق.
المذيع: ما شاء الله.
الشيخ علي جمعة: الدكتور الأحمدي الذي معنا حضر هنا في الظلة الفاطمية وفي جوار المنبر، الشيخ المراغي وهو يقرأ درس التفسير في سورة لقمان وسورة الحجرات والملك حاضر.
الدكتور الأحمدي: على الأرض يا مولانا.
الشيخ: على الأرض، كان الشيخ يجلس.
المذيع: والملك على الأرض.
الشيخ: والملك على الأرض. لأن حضرتك تقول نستلهم هذا، كيف نستلهم؟ لا، أنا أريد أن نستلهم هذا الجو الذي حولنا، أنا أريد هذا.
هذه الحلقة دستور أخلاقي والأزهر الشريف ينقل سنة النبي لا أقوام سفهاء الأحلام
هذه الحلقة أن نفرغها ونرى كم الآيات التي ذكرها الدكتور الأحمدي أبو النور وكم الأحاديث التي ذكرها الدكتور الأحمدي أبو النور. كما قلت أنت ببساطة وعندما سمعت هذا معنا الآن، هذا دستور أخلاقي.
نعم، هذا هو الأزهر الشريف الذي ينقل سنة النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم، وليس أقوام أحداث الأسنان سفهاء الأحلام يقولون من كلام خير البرية لا يجاوز إيمانهم تراقيهم.
انظر تجد أن الإنسان [منهم] مثل الأسطوانة المشروخة هكذا، جالس يعيد ويزيد ويعيد ويزيد ولا تفهم منه شيئًا، وهو يقول: قال الله، قال الرسول، ولا يحفظ آية مستقيمة ولا يحفظ حديثًا كاملًا، وإذا حفظه تكبّر به على الناس.
النهج النبوي يعظم دم البشر والمسلمون لم يعتدوا على كنيسة قط عبر التاريخ
أين هذا من النهج النبوي في المعيشة الذي عظّم فيه في النهاية دم البشر؟ هذه الخلاصة.
وهو أننا لم نعتدِ على كنيسة قط، وسيأتي أحد ليقول: لكن يوجد رواية مذكورة بأننا اعتدينا على كنيسة في سنة كذا. هذا كلام تضحك منه الثكلى، كذلك تسقط منه الحبلة ويشيب منه الأقرع. والله أبدًا!
إن الذي يحدث أن إخواننا الأقباط وإخواننا المسيحيين يعيشون معنا هكذا، الهندوس يعيشون مع المسلمين وأصبح الهندوس هم الأغلبية.
المذيع: نعم في الهند.
الشيخ: البوذيون يعيشون مع كل جنوب شرق آسيا. المسلمون لم يهدموا معابد أحد ولم يفتحوا محاكم تفتيش ولم يعثوا في الأرض فسادًا. المسلمون عاشوا سنة النبي صلى الله عليه وسلم.
مراحل التعامل مع السنة من المعرفة إلى الفهم إلى العيش بها كبرامج عملية
على فكرة لأجل حكاية الاستلهام، نحن أمامنا معرفة السنة وأمامنا فهم السنة كيف نفهمها، لكن أمامنا مرحلة خطيرة جدًّا وهي أن نعيش السنة.
فهناك فرق بين أن نسمع، أن نصدق، أن نفهم، وبين أن نعيش؛ لأن معناها أننا قد حولناها إلى برامج عملية في حياتنا وأنها قد تغلغلت في خلايانا وفي قلوبنا حتى نستطيع أن نكون عبادًا ربانيين.
هذه هي العبادة الربانية. هذا هو الشيخ الأحمدي أبو النور كان يلبس وهو صغير الجبة والقفطان وهو يدخل على الملك حتى يسمع الشيخ المراغي، وكان الشيخ المراغي صاحب هيبة وصاحب حضور.
المذيع: إمام المسلمين نعم.
الشيخ: ولكن في بساطة فيمكن أن يكون ماشيًا هكذا فيأخذ الملك بيده والملك يترك له يده ويعزه بذلك. وهكذا إلى آخره.
استلهام لقطات من التاريخ للعودة إلى الأخلاق والوفاء والاحترام والدين والعلم
إذن هناك معانٍ، وأظن - أرجو ألا يُفهم أنني أمدح في العهد الملكي ولا أمدح في كذا - أبدًا. نحن نأخذ لقطات، هذه اللقطات هي عبارة عن عودة إلى الأخلاق، إلى الوفاء، إلى الاحترام، إلى الدين، إلى العلم، إلى التخصص، إلى المعاني هذه التي نعيش فيها.
ونحن في رحاب الأزهر نتذكر به ذلك.
المذيع: وأنا أشكر فضيلتكم لأنكم كنتم صاحب اقتراح أن يكون الدكتور الأحمدي ضيفنا في هذه الليلة مع فضيلتكم.
الشيخ: نعم، نحن نستزيد علمًا منه ونستفيد منه دائمًا.
إسهام السنة النبوية في تشكيل العقل المسلم من خلال الكلام النبوي وعلوم خدمته
المذيع: برؤية الدكتور أسامة الأزهري الفلسفية، أسأل عن كيفية إسهام السنة في تشكيل العقل المسلم؟
الدكتور أسامة: هذا في الحقيقة سؤال مهم؛ لأن السنة النبوية مع مرور الزمن تكونت من جزأين: الجزء الأول جوهرة ثمينة تسمى الكلام النبوي الوحي الشريف.
هذه الجوهرة التي ورثها النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى أصحابه، بدأ الصحابة الكرام رضي الله تعالى عنهم ومن بعدهم إلى طبقة علمائنا الكرام ينشئون منظومات من العلوم التي تخدم هذا المحتوى النبوي.
حتى ألفوا أنواعًا غريبة عجيبة من العلوم والمؤلفات وطرق الخدمة والمناهج العلمية البحثية المشبعة بالمنهجية والمقارنة والجمع والتحليل.
ظاهرة الإسناد الفريدة في تاريخ البشرية ودورها في نقل الكلام النبوي بأمانة
وبدأت تنشأ ظاهرة فريدة لا مثيل لها في ثقافات البشر عُرفت بظاهرة الإسناد: أن الصحابي سمع من سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يدرك أن هذا الكلام الذي يسمعه وحي إلهي مبلّغ عن الله.
ثم جلس بين التابعين وبين تلاميذه فنقل لهم الكلام النبوي، ثم تفرق التابعون في البلدان والأمصار فحدّثوا تلاميذهم. فبقيت كل طبقة من العلماء يسجلون اسم الأستاذ الذي سمعوا منه وأي سنة وُلد وأي سنة توفي ولقي من مشايخه وماذا سمع من كل شيخ وما مدى مطابقة هذه الرواية بتلك الرواية.
المذيع: هذا الإسناد الذي يُتخذ في الحديث وفي تواتره.
تشبيه الإسناد بالجسر العلوي الآمن الذي يخترق الوهم ويوصل إلى الكلام النبوي
الدكتور أسامة: وبدأت ظاهرة الإسناد. ظاهرة الإسناد أشبهها لحضرتك بفكرة الجسر العلوي، الجسر العلوي الذي يتجاوز بي إشارات المرور والازدحام ويوصلني مباشرة إلى الناحية الأخرى.
الإسناد جسر علوي وجسر آمن عبر الزمن وعبر الطبقات وعبر الأجيال، يخترق بي الوهم والخطأ والتدليس والدس والتحريف وينقلني مباشرة إلى الكلام النبوي من أقرب طريق.
وبدؤوا يؤلفون مؤلفات الصحاح: صحيح البخاري ومسلم والسنن والأمالي والمستدركات والأجزاء، وألفوا في الرجال.
أثر السنة النبوية في بناء ملكة التثبت والتحري ومحاربة الشائعات في المجتمع
إذن المحتوى النبوي الجوهر النبوي الكريم قامت الأمة بتلقيه وخدمته بمنظومات من العلوم أثرت في عقلية الإنسان المسلم بعدة مبادئ:
أولها: التثبت والتحري وثقافة التفتيش عن المصدر، التي يمكن لنا الآن أن نستخرج منها مواثيق شرف للعمل الصحفي، أن نستخرج منها قيمًا عملية تحارب الشائعات، التي يمكن لنا أن نستخرج منها الآن مجموعة من القيم التي تجعل المجتمع مجتمعًا لا ينقل الأكاذيب، التي تجعل المجتمع يبني معلوماته على يقين.
إذن السنة النبوية قد شكلت عقل الإنسان المسلم وصنعت في تاريخ المسلمين ملكة وأسلوبًا للنظر وطريقة لفهم المسائل.
قضية الجمع في السنة النبوية وخدمة ستين ألف عبارة نبوية بمليون إسناد
ثم بعد قضية التثبت والتحري بدأت قضية الجمع؛ لأن سيدنا النبي صلى الله عليه وآله وسلم تكلم بالوحي الشريف ثلاثًا وعشرين سنة. مجمل الكلام النبوي تقريبًا ستون ألف عبارة وسطر وجملة من الكلام النبوي، خُدمت بما لا يقل عن مليون إسناد.
كل عبارة حولها ثلاثون أو أربعون إسنادًا. فماذا أي لدي ذلك؟ يعني سجلات للرجال، لدي معرفة بطبقات أعيان الأمة، لدي ترابط، لدي ارتباط بالأجيال.
الإمام مرتضى الزبيدي نموذج لأثر السنة في إنشاء فن الرحلة والترابط العلمي
كان الإمام الحافظ الكبير مرتضى الزبيدي سيد حفاظ الحديث في زمانه، وكان هنا في الجامع الأزهر. نشأ في بلاد الهند وتلقى العلم على الشاه ولي الله الدهلوي، ونزل إلى بلاد زبيد في اليمن، ثم جاء إلى مصر وعاش هنا بين علماء الأزهر واستقر معهم حتى توفي في مصر.
انظر من أثر السنة النبوية أنها أنشأت فن الرحلة في سماع الحديث الشريف، حتى ألف الحافظ الخطيب البغدادي كتاب «الرحلة في طلب الحديث». فأجد هذا الهندي يخرج من الهند وينزل اليمن ويعيش ويتوفى في مصر ويُعدّ من كبار أعيان مصر.
ثم ماذا يقول؟ يقول: «وقلّ أن ترى كتابًا يُعتمد عليه». انظر إلى أثر السنة في الشخصية التي تمتلئ ارتباطًا بمصدر الدين: «وقلّ أن ترى كتابًا يُعتمد إلا ولي به اتصال وسند، أو عالمًا إلا وله إليه وسائط توقفني عليه».
السنة النبوية صنعت جدارًا مترابطًا من العلماء وأثرها في تشكيل شخصية المسلم عبر التاريخ
إذن صنعت السنة النبوية من المسلمين جدارًا صلبًا مترابطًا، كل عالم يعرف أعيان العلماء من قبل. صنعوا عقلية تحرٍّ وتثبت.
ولذلك حتى الدكتور خلدون الأحدب العالم المحدث الجليل ألف كتابًا اسمه «أثر علم أصول الحديث في تشكيل عقلية المسلم» ورصد مظاهر ومعالم في بناء الحضارة وفي بناء شخصية الإنسان.
تلك الشخصية التي نلاحظ أنها بدأت تتغير هذه الأيام، ونحن في هذا المجلس نعيد تذكير الإنسان المسلم بهذه المعاقد والعُرى التي شدّت شخصية الإنسان المسلم عبر التاريخ وصنعت منه إنسانًا وعاءً للدين حافظًا للسنة صانعًا للحضارة.
خاتمة الحلقة والتأكيد على أن السنة النبوية نبراس نهتدي به كما أوصى النبي
المذيع: الحديث عن السنة النبوية المطهرة بالتأكيد لا ينتهي، فقد كان لدي بعض الأسئلة أود أن أطرحها على فضيلتكم دكتور الأحمدي لكن الوقت أدركنا. فإن شاء الله سيكون هناك فرصة أخرى نتحدث عن السنة النبوية ربما من زاوية أخرى.
إذا سمح أيضًا وقت فضيلة المفتي. الأستاذ الدكتور الأحمدي أبو النور أستاذ أساتذة الحديث وعضو مجمع البحوث الإسلامية ووزير الأوقاف الأسبق، أنا شاكر لفضيلتك تشريفك. شكرًا جزيلًا دكتور أسامة الأزهري عضو هيئة التدريس بكلية أصول الدين جامعة الأزهر، شكرًا دكتور أسامة.
شكرًا أنا شاكر أيضًا للعالم الجليل فضيلة مفتي الديار المصرية الأستاذ الدكتور علي جمعة، شكرًا جزيلًا.
الشيخ: شكرًا لك.
المذيع: ونشكركم أيضًا مشاهدينا الكرام على حسن المتابعة، وكنا نتحدث في كلمة حق عن السنة النبوية المطهرة وما أحوجنا إليها في هذه الأيام، فهي نبراس نهتدي به كما قال المصطفى صلى الله عليه وسلم:
«تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدًا»
نشكركم على حسن المتابعة، وسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.
