برنامج مصر أرض الأنبياء - الحلقة الواحد والثلاثون | قصة السيدة مريم الجزء الأخير
- •ولادة المسيح عليه السلام كانت معجزة لبني إسرائيل الذين أسرفوا في المعاصي، وتجلت المعجزة الثانية في نطقه وهو في المهد دفاعاً عن أمه مريم العذراء.
- •خلال المخاض أمر الله مريم بهز جذع النخلة، وتساقط عليها الرطب في غير أوانه، مما يؤكد أن الاعتماد على الأسباب مطلوب مع الإيمان بقدرة الله.
- •عندما عادت مريم تحمل وليدها، اتهمها قومها، فأشارت إليه فنطق قائلاً: "إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبياً".
- •كان نطق المسيح في المهد معجزة أذهلت اليهود المتشبثين بالمادية، إذ أثبت عبوديته لله وبرّه بوالدته.
- •بسبب اضطهاد هيرودس، هاجرت العائلة المقدسة إلى مصر التي كانت أرض الأمان للأنبياء.
- •المسيح عليه السلام لم يمسسه الشيطان عند ولادته كما يحدث لسائر بني آدم، وكان مثالاً للنقاء والصفاء.
مقدمة الحلقة عن معجزة ميلاد السيد المسيح ونطقه في المهد
[المذيع]: ميلاد السيد المسيح عليه السلام كان أمرًا معجزًا لبني إسرائيل، الذين أغرقوا وأسرفوا في المعاصي وتناسوا قدرة الله سبحانه وتعالى.
اليوم سنشاهد المعجزة الثانية، وهي السيد المسيح وهو ينطق في المهد صبيًا؛ لكي يبرئ أمه الصديقة السيدة العذراء مريم عليها السلام. رحلة جديدة في مصر أرض الأنبياء مع نبي الله الكريم سيدنا عيسى.
﴿فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا * يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا * فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا * قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا * وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا * وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا * وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [مريم: 27-33]
عصمة سيدنا عيسى من الذنوب وموقفه في حديث الشفاعة يوم القيامة
سيدنا عيسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام لم يرتكب خطأً في حياته قط، لا قبل البعثة ولا بعدها. كان عنوانًا للنقاء والصفاء.
ففي حديث الشفاعة يوم القيامة، عندما يجتمع الأولون والآخرون في صعيد واحد، فيذهب الناس لآدم ويطلبون الشفاعة، فيقول: إني عصيت ربي بالأكل من الشجرة، اذهبوا إلى غيري.
وظل الناس يتقلبون في الذهاب إلى الأنبياء حتى وصلوا إلى عيسى، فكان رده: نفسي نفسي، ولم يذكر ذنبًا ارتكبه، [بل قال:] اذهبوا إلى محمد. فذهبوا إليه فتشفع في الأمم.
عيسى لم يمسه الشيطان كما يفعل مع بني آدم عند الميلاد، فلم يستهل صارخًا، عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام.
ترحيب المذيع واستكمال سيرة السيدة مريم والسيد المسيح عليهما السلام
[المذيع]: نرحب بحضراتكم مشاهدينا الكرام، وهذا اللقاء الطيب الذي يتجدد مع فضيلة الدكتور علي جمعة في مصر أرض الأنبياء. ونستكمل في هذه الحلقة إن شاء الله ما بدأه فضيلة الدكتور في الحلقة السابقة حول سيرة مريم الصديقة السيدة العذراء عليها السلام، وعلى السيد المسيح عليه الصلاة والسلام.
وكذلك سنبحر في كثير من التفاصيل والدروس في هذه القصة التي بكل تأكيد كلنا نهتم بها، وكلنا نُجِلّ هذه السيدة الصديقة وابنها عليه السلام.
فضيلة الدكتور، أهلًا بكم.
[الشيخ]: أهلًا وسهلًا بكم، مرحبًا، أهلًا بحضرتك.
لماذا أمر الله السيدة مريم بهز النخلة وهي نفساء رغم قدرته على رزقها بلا سبب
[المذيع]: نستكمل ما بدأت فضيلتك في الحلقة السابقة، وانتهينا عند مرحلة المخاض:
﴿وَهُزِّىٓ إِلَيْكِ بِجِذْعِ ٱلنَّخْلَةِ تُسَـٰقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا﴾ [مريم: 25]
فضيلة الدكتور، هنا الأخذ بالأسباب، يعني كان من الممكن أن تجد التمر وأن تجد الطعام كما وجدته في السابق [عندما كان يأتيها رزقها في المحراب]، فلماذا هذا الأمر الإلهي بهذا العمل الشاق وهي نفساء؟
[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. هذا من معتمد العلماء عندما صاغوا هذه القاعدة الجليلة: أن الاعتماد على الأسباب شرك، وإن ترك الأسباب جهل.
وقالوا إن السيدة مريم هي التي كانت تأتيها فاكهة الصيف في الشتاء وفاكهة الشتاء في الصيف، وهي التي تعجب منها سيدنا زكريا النبي حين سألها:
﴿أَنَّىٰ لَكِ هَـٰذَا﴾ [آل عمران: 37]
فقالت: هو من عند الله.
اختبار السيدة مريم الصعب ومجادلة يوسف النجار لها عن ولادتها بلا أب
إذ كانت [السيدة مريم] في هذه الحالة من الضعف والوهن والإجهاد الجسدي والنفسي؛ لأنها قالت:
﴿يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [مريم: 23]
اختبارٌ صعبٌ أن تكون التقية النقية الطاهرة الصديقة ومعها ولد، وهذا ليس من مألوف البشر. ولذلك هنا سنرى أنهم لما جادلوها على هذا، وكان أول من جادلها ابن خالها، وكان يُجلّها ويُعظمها، يوسف النجار رضي الله تعالى عنه وأرضاه.
خجلًا أن يقول لها، فأراد قائلًا: يا أختاه، هل رأيتِ زرعًا من دون بذر؟ قالت: الله يفعل ما يشاء. قال: حسنًا، وهل رأيتِ ولدًا من غير رجل؟ قالت: نعم، آدم من غير رجل.
ومن هنا نزل قول الله تعالى:
﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: 59]
حسنًا، هذا آدم أشد [في الدلالة على قدرة الله]؛ لأنه لا أب له ولا أم.
دور يوسف النجار كالمحامي الناصح ودفاع السيدة مريم عن نفسها
فإذا هنا بدأ سيدنا يوسف النجار يُؤخذ ويلتفت تمامًا، مثل المحامي الناصح عندما يلفت القاضي إلى زاوية معينة في القانون الذي يعرفه ويحفظه وكل شيء، لكن يعني يقول له: لا، ضع يدك على هذه، هنا في الحل.
فالسيدة مريم دافعت عن نفسها بهذا، ثم بشرته وقالت إن الله يبشرني بغلام وكذا وكذا وكذا.
ترجيح أن أول كلمة نطق بها سيدنا عيسى كانت تطمينًا لأمه مريم
طيب، عندما نرجع إذن، أول كلمة نطق بها [سيدنا عيسى] على الراجح:
﴿يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [مريم: 23]
﴿فَنَادَىٰهَا مِن تَحْتِهَآ﴾ [مريم: 24]
الراجح أن الضمير يعود على سيدنا عيسى أم على سيدنا جبريل؟ قيل وقيل، ولكن الراجح أنه سيدنا عيسى، ويكون هذا أول ما نطق.
لماذا نرجح سيدنا عيسى؟ لذلك عندما تضع يدها على النخلة هكذا، وهي من أهل الزراعة يعني ليست غريبة عن الزراعة وما شابه، فتساقط عليها رطبًا جنيًا.
معجزة تساقط الرطب في الشتاء وتطمين سيدنا عيسى لأمه وهو مولود
الحركة هذه [تساقط الرطب]، وبعد ذلك يقول لك: هو سيدنا عيسى، متى وُلِد؟ وُلِد في الشتاء، والشتاء ليس وقت البلح. فإذا كانت شجرة جرداء تتحول إلى حاملة بالرطب.
ثانيًا، تضع يدها عليها وهي نفساء، وهي [أي هزّ النخلة] لا يستطيعها إلا الرجال، أو الصعود إلى فوق لكي يعزقوا العزقة أو يأخذوا البلح. فإذا به يتساقط عليها رطبًا جنيًا؛ لكي يكمل الطمأنينة، يكمل [علاج] الجرح النفسي.
[فهي التي] يجعلها تقول: يا ليتني مت قبل هذا. فلا بد أن يكون هو الذي ينطق لكي تسمع هذا، فتكون معجزة بعد معجزة بعد معجزة بعد معجزة.
أول مظهر لسيدنا عيسى في الحياة الدنيا ومعجزة النداء من تحت أمه
﴿فَنَادَىٰهَا مِن تَحْتِهَآ﴾ [مريم: 24]
ويكون معنا أول مظهر لسيدنا عيسى في الحياة الدنيا هو هذا.
قيل إنه عندما وُلد، إبليس شعر بريبة، شعر بأن هناك شيئًا غير طبيعي. في أناس من المجوس أيضًا هناك، وكانوا أعداءً منذ أيام السبي البابلي لليهود، رأوا أيضًا نجومًا في السماء.
وهذا ما ذُكر في الأناجيل، في بداية إنجيل لوقا يقول لك: فجاء مجموعة من المجوس يسألون عن الملك، وأين هو الملك؟ الملك وُلِدَ اليوم. فبالرغم من أنهم أعداء وبالرغم أنهم كذا إلى آخره، إذن ففي شيء هزَّ الدنيا كلها.
حماية الملائكة لسيدنا عيسى من إبليس عند ولادته وحديث النبي في ذلك
وجعل إبليس يأتي بنفسه ليرى سيدنا عيسى، ما قصته؟ ربما يمارس ما يرسل أولاده لأجله؛ ليضربوا الطفل الصغير الذي يستهل صارخًا. فمنعته الملائكة، أحاطت الملائكة بسيدنا عيسى هكذا هو، ومنعت إبليس وجعلته أي كان واقفًا مغتاظًا.
فلم يمسّ سيدنا عيسى، وهذا ما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم:
قال رسول الله ﷺ: «ما من ولد يُولد إلا ويمسه الشيطان إلا عيسى، فإنه لما وُلد لم يمسسه الشيطان»
نعم.
أول مشهد لسيدنا عيسى في الحياة الدنيا ودخوله في المعجزات
فأول مشهد لدينا هو في الحياة الدنيا، وهو الكلمة التي قالها لها [لأمه مريم] وهو في هذا المجال:
﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا * وَهُزِّىٓ إِلَيْكِ بِجِذْعِ ٱلنَّخْلَةِ﴾ [مريم: 24-25]
ودخلنا في المعجزات:
﴿تُسَـٰقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا﴾ [مريم: 25]
إذن هذا ما كان من بداية سيدنا عيسى. نعم، نعم.
مشهد مجيء السيدة مريم بعيسى إلى قومها وتذكيرهم لها بتاريخ عائلتها
حسنًا، بعد ذلك سأنتقل لمشهد جلل، مشهد عظيم: جاءت قومها تحمله.
﴿فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَـٰمَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْـًٔا فَرِيًّا﴾ [مريم: 27]
تاريخ مريم، عائلة مريم السابقة من التقوى والورع والنبوة موجودة عندهم في زكريا وهكذا. منعوهم أن يفتكوا بها، فيريدون أن يسألوا. يعني هم في حالة من الذهول والحيرة.
بالإضافة إلى حماية الله لها، بالإضافة إلى ثبات جنانها وقلبها لما رأت هذه الآيات كلها من أولها لآخرها، واثقة من نفسها؛ لأنها لم تفعل شيئًا يغضب الله، بل فعلت ما أمر الله به.
تذكير قوم مريم لها بنسبها الطاهر وإشارتها إلى عيسى ليتكلم
﴿لَقَدْ جِئْتِ شَيْـًٔا فَرِيًّا * يَـٰٓأُخْتَ هَـٰرُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ ٱمْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ [مريم: 27-28]
يذكرونها بتاريخ العائلة ويذكرونها بها هي نفسها.
﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ﴾ [مريم: 29]
يقول لك: عندما ينتهي المشترك [أي ما يمكن قوله]، سكت الكلام. حسنًا، ماذا أقول لكم؟ لا شيء يُقال.
كانت في البداية لا ترد:
﴿فَقُولِىٓ إِنِّى نَذَرْتُ لِلرَّحْمَـٰنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ ٱلْيَوْمَ إِنسِيًّا﴾ [مريم: 26]
في البداية لم تكن ترد أيضًا. نعم، نعم.
نطق سيدنا عيسى في المهد وذكر من نطقوا في المهد من غيره
إذن لم يعد هناك ما أفعله:
﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ﴾ [مريم: 29]
وقالت له: كلّمه.
﴿قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِى ٱلْمَهْدِ صَبِيًّا﴾ [مريم: 29]
فرد عليهم على الفور. لقد نطق في المهد كثيرون غير عيسى، منهم صاحب جريج، ومنهم شاهد موسى، شاهد سيدنا يوسف:
﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَآ﴾ [يوسف: 26]
ومنهم [غيرهم]، وبعض العلماء جمعوا مَن نطق في المهد. فكان النطق في المهد هذا معجزة كبيرة، هم يسمعون عنها أيضًا.
مادية بني إسرائيل وكيف جاءت معجزات سيدنا عيسى لنسف هذه المادية
وليسوا يقولون: أنتِ تتكلمين من بطنك، أنتَ تعملُ حيلةً، أليسَ كذلك؟ ألستَ تعلمُ ماذا؟ لكنها المرة الأولى التي يَرَوْنَها. وهؤلاء أناسٌ ماديون، إنها المرة الأولى التي يروا فيها شيئًا كهذا.
هذه هي المادية التي أتحدث عنها، والتي كانت معجزات سيدنا عيسى عليه السلام متوافقة معها، أي مع مادية هؤلاء الناس التي انتشرت بينهم كثقافة عامة وسائدة.
لقد نسفت مبدأ المادية: أن كل شيء بحسابات وكل شيء بترتيب وكل شيء بالعلم والمنطق. جاء سيدنا عيسى عليه الصلاة والسلام خارج كل هذه الحسابات المنطقية، خارج هذه الحكاية كلها.
وكل حياته هكذا، كل حياته هكذا: وهو صبي، وهو كبير، وهو كذلك، إلى أن انتقل إلى الرفيق الأعلى مرفوعًا حيًا أيضًا.
استئذان المذيع للفاصل والترحيب بالمشاهدين واستكمال الحلقة
[المذيع]: حسنًا، أستأذن فضيلتك لنبدأ بعد الفاصل هذا المشهد، وسيدنا عيسى عليه السلام يتحدث إلى قومه من بني إسرائيل وهو في المهد صبيًا. إن شاء الله ابقوا معنا.
أرحب بحضراتكم مرة أخرى مشاهدينا الكرام أصدقاؤنا الكرام، ومازلنا مع فضيلة العالم الجليل الدكتور علي جمعة، نبحر في سيرة النبي الكريم السيد المسيح عليه السلام وأمه الصديقة السيدة العذراء مريم عليها السلام.
نطق سيدنا عيسى في المهد أسكت ألسنة بني إسرائيل وأصابهم بالحيرة
[المذيع]: فضيلة الدكتور، الآن هذا المشهد وسيدنا عيسى يتحدث إلى الملأ من بني إسرائيل، أسكت ألسنتهم، فلم يعرفوا ماذا يفعلون.
[الشيخ]: لقد كانوا مأخوذين تمامًا، فقد جاءتهم المادة [أي المعجزة المحسوسة] وأصابتهم بالحيرة.
وكان اليهود حينئذ سحرة، كانوا يمارسون السحر كثيرًا فيما بينهم وما إلى ذلك، حتى أُلِّفت في هذا المعنى بعض الكتب والأشياء. هذا ليس سحرًا، هذا شيء عجائبي غريب، معجزة.
﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِى ٱلْمَهْدِ صَبِيًّا * قَالَ إِنِّى عَبْدُ ٱللَّهِ﴾ [مريم: 29-30]
ومن هنا بدأت القصة.
كلام سيدنا عيسى في المهد عن العبودية والصلاة والزكاة وتقصير بني إسرائيل
﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا * وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَمَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [مريم: 30-31]
الأشياء التي لا يفعلونها [أي بنو إسرائيل]، التي قصروا فيها، التي تركوها من ماديتهم؛ لأنهم بعد ذلك كانوا يقولون: صمنا فلم ينفعنا الصيام، ذكرنا فلم ينفعنا الذكر، صلينا فلم يُستجب لنا، دعونا فلم يُجب دعاؤنا.
يعني نعبد لماذا؟ أيضًا بالمادة! والا نعبد الله لأنه حقيق بالعبادة، لأنه يستحق العبادة والشكر، لأنه صاحب النعم؟ لا، هو يريد أن يقدم لربنا شيئًا ويأخذ أمرًا آخر.
علاقة بني إسرائيل المادية مع الله وعبادتهم القائمة على المقابل
صلى فيصبح الله يكرمه، دعا فيستجيب الله له، أي أنه يريد أن يسير الكون وفق رغباته. كانت كل علاقته مع الله سبحانه وتعالى بمقابل: ما المقابل الذي سنحصل عليه من العبادة؟
نحن عبدنا ولم تنفع العبادة، لم تنفع. ما الفائدة؟ لم تنفع في [تحقيق] المقابل، لم نأخذ المقابل المناسب الذي نريده.
وصية سيدنا عيسى بالصلاة والزكاة والبر بوالدته والسلام عليه في المحطات الثلاث
﴿وَأَوْصَـٰنِى بِٱلصَّلَوٰةِ وَٱلزَّكَوٰةِ مَا دُمْتُ حَيًّا * وَبَرًّا بِوَٰلِدَتِى وَلَمْ يَجْعَلْنِى جَبَّارًا شَقِيًّا * وَٱلسَّلَـٰمُ عَلَىَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ [مريم: 31-33]
يبقى سيدنا عيسى له ثلاث محطات: في البداية يولد، ووُلد ولم يكن كسائر الأنبياء يُنبَّأ في الأربعين، بل نُبِّئ شابًا.
وهو في الشباب ساح في البلاد، وسياحته في هذه البلاد كانت لتبليغ ما هنالك، ولتصحيح المفاهيم، ولدعوة الناس إلى رب العباد.
كلمة إني عبد الله إعلان للقصة كلها وتوافقها مع ما في الأناجيل
يكفينا في هذا المشهد كلمة:
﴿إِنِّى عَبْدُ ٱللَّهِ﴾ [مريم: 30]
يكفينا في هذا المشهد إني عبد الله؛ لأن هذا إعلان للقصة كلها، وهو الموجود في كتب الأناجيل وغيرها إلى آخره.
«أبانا الذي في السماء»، «أبوكم الذي في السماء»، «أبي الذي في السماء»، يعني يدعو الله سبحانه وتعالى الذي هو أبو هذه البشرية، بمعنى الذي خلقهم وأنشأهم وهداهم.
هل قول أبناء الله في الأناجيل يتوافق مع النص القرآني ومشكلة الترجمة بين اللغات
[المذيع]: هل هذا فضيلة الدكتور يتوافق مع النص القرآني؟ يعني عندما كان بنو إسرائيل يقولون دائمًا:
﴿نَحْنُ أَبْنَـٰٓؤُا ٱللَّهِ وَأَحِبَّـٰٓؤُهُ﴾ [المائدة: 18]
هل جاء [سيدنا عيسى] يذكرهم بهذا الأمر؟
[الشيخ]: أنا من دراساتي في هذا المجال كله، القضية متعلقة بالترجمة. الترجمة من لغة إلى لغة إلى لغة إلى لغة تُحدِث فجوات.
والمثل اليوناني أظن، أو الإيطالي أو غيره، يقول: إذا أردت أن تكون كاذبًا فكن مترجمًا. فالترجمة طبعًا من المهم أن يُبذل فيها المجهود الكبير في محاولة الضبط والدقة، لكن ليس هناك لغة توافق اللغة الأخرى تمامًا.
ولذلك نجد معاني للتعبيرات أو لغيرها في اللغة العامونية تختلف عن الكلدانية، وفي اللغة الكلدانية تختلف عن العبرانية، وفي اللغة العبرانية تختلف عن السريانية.
لغة السيد المسيح الآرامية وعلاقتها بالعبرية ومشاكل الانتقال بين اللغات
المسيح كان يتكلم هو وقومه حينئذ بالآرامية، والآرامية لها علاقة ما بالسريانية وبالعبرية، فكانت مثل لهجة من لهجات العبرية.
ولذلك تجد المتخصصين الكبار في الآرامية يهودًا. فأنا أريد أن أقول لك أن الانتقال من لغة إلى لغة أحيانًا يسبب مشاكل.
فهذا هو الحال، ولكن طبعًا هناك ترجمات محترمة ومعتبرة وكل شيء، إنما تظهر فوارق وكلمات أحيانًا تكون محل نظر ومحل بحث ومناقشة.
حياة العائلة المقدسة في فترة الطفولة وتضييق بني إسرائيل وافتراء اليهود
[المذيع]: إذن كيف كانت هذه العائلة المقدسة تعيش في أثناء فترة الطفولة؟ هل كان هناك تضييق من بني إسرائيل الذين كانوا ما زالوا أيضًا غير مستوعبين لهذه القضية، وكانوا ينفرون منها أو يحاولون أن ينكروا هذه المعجزة التي تذكرهم بالله وبحقيقة الإيمان؟
[الشيخ]: اليهود بادروا، خاصة عندما تصدر لهم يوسف النجار وعرض الزواج بمريم، بأنه هو أبو الطفل الطبيعي. يعني وهذا من افترائهم ومن ضلالهم ومن قساوة قلوبهم ومن انهيار أخلاقهم.
تفرد السيدة مريم بذكر اسمها في القرآن الكريم دون سائر النساء
والله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم أيَّد هذه المرأة حتى جعلت سورة باسمها، وليس في القرآن وصُرِّح باسمها دون سواها. هي الوحيدة التي في القرآن تحمل اسمها.
يعني عندما جاء يتكلم مثلًا على امرأة أبي لهب لم يقل إنها اسمها أروى، ألم تنتبه؟ على ملكة سبأ، ملكة سبأ لم يقل أنها بلقيس. بالضبط، وإنما هي آمنت وكل شيء صحيح، تزوجها سيدنا سليمان.
نعم، يعني أروى لم تؤمن وحاربت وفعلت وحملت الحطب، لكن هذه [بلقيس] آمنت. لا هذا ولا ذاك، لم يُذكر امرأة أبدًا في القرآن إلا السيدة مريم، ولا زوجات النبي ولا بناته ولا عماته ولا أي شيء.
إنما نحن أمام ظاهرة فريدة، كما كانت فريدة في عجائبها التي ذكرناها، فهي أيضًا فريدة حتى في ذكرها في كتاب الله سبحانه وتعالى.
رفض بني إسرائيل والرومان لسيدنا عيسى وموقف الحاكم هيرودس من العائلة المقدسة
[المذيع]: نعم، فضيلة الدكتور، يعني المسيح عليه السلام كان يواجه حتى وهو في المهد برفض سواء من بني إسرائيل وهم قومه فيما بعد، أي أو أهل دعوته فيما بعد، وكذلك من حتى المستعمر الذي كان يتحكم في هذه البلاد وهم الرومان. كانوا يرفضون وجود هذا الصبي؟
[الشيخ]: كان الرومان وهم المحتلون حينئذ لا يهتمون بشيء إلا بالاستقرار والأمن والطاعة وجباية الأموال وما شابه ذلك إلى آخره.
وكان الحاكم حينئذ أظن كان اسمه هيرودس. هيرودس هذا كان يريد أن يؤذي هذه العائلة حتى لا يحدث فتنة، أو لا يتسبب في فتنة تحدث داخل المجتمع، ضجيج يحدث داخل المجتمع.
تحول أذية هيرودس إلى خير بتشريف العائلة المقدسة لأرض مصر
فكان هذا خيرًا لنا نحن كمصريين طبعًا، يعني ربنا حوله إلى خير بأن هذه العائلة المقدسة وهذه العائلة المباركة المحترمة شرفت أرض مصر.
[المذيع]: سبحان الله، رب ضارة نافعة.
[الشيخ]: يعني نعم، هذا الضرر وهذه الأذية والطغيان وما إلى آخره الذي كان من الحاكم الروماني، لكن هي التي جعلت مصر تتشرف بالسيد المسيح عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام.
الحكمة من نزول العائلة المقدسة إلى مصر دون غيرها ومكانة مصر عند الأنبياء
[المذيع]: الحكمة يا مولانا، يعني كان من الممكن أن تصعد شمالًا، كانت في الجليل، كان من الممكن أن تصعد شمالًا فيما بعد الجليل، كان من الممكن أن تذهب شرقًا مثلًا إلى الأراضي السورية فيما بعد أو العراق، ولكن الحكمة أن تنزل جنوبًا كل هذه المسافة وهي مسافة طويلة إلى أن تأتي إلى مصر وتعبر سيناء وهي رحلة شاقة؟
[الشيخ]: مصر هي التي دخلها يوسف، مصر هي التي دخلها يعقوب، مصر هي التي من قبل ذلك دخلها إبراهيم، مصر هي التي كانت فيها إدريس، مصر هي التي جلس فيها بنو إسرائيل كل هذه المدة إلى موسى إلى هارون.
مصر مبارك شعب مصر شعبي. مصر كانت تعلم بأن الأمان في مصر منذ أيام يوسف وموسى ومن قبلهم يعقوب عليهم السلام:
﴿ٱدْخُلُوا مِصْرَ إِن شَآءَ ٱللَّهُ ءَامِنِينَ﴾ [يوسف: 99]
الله الله! فإذا مصر معروفة، معروفة بأنها الأمان.
مصر أرض الأمان مقارنة بأماكن الخطر في الشمال والشرق
هنا سيذهبون هناك عند نبوخذ نصر في الشمال؟ سيذهبون هناك في أور الكلدانيين الذين أحرقوا سيدنا إبراهيم أو حاولوا ذلك فنجاه الله؟
الأمر الطبيعي أن ينزلوا إلى مصر أرض الخير.
ختام الحلقة والوعد باستكمال سيرة السيد المسيح في مصر أرض الأنبياء
[المذيع]: بارك الله فيكم فضيلة الدكتور، شكرًا جزيلًا لحضرتك.
[الشيخ]: شكرًا لك، شكرًا لحضرتك.
[المذيع]: والشكر موصول لحضراتكم، وفي الحلقات القادمة إن شاء الله نستكمل هذه السيرة العطرة للسيد المسيح عليه السلام، وفي أرض مصر أرض الأنبياء. إلى اللقاء.
