برنامج مع رسول الله | الحلقة التاسعة | عدم تمني الموت | أ.د علي جمعة
- •النبي محمد صلى الله عليه وسلم أمرنا بكل ما يقربنا إلى الله ونهانا عن كل ما يبعدنا عنه.
- •أوصانا أن تكون الدنيا في أيدينا لا في قلوبنا، وأن نحب الحياة ونرضى بأمر الله.
- •نهانا عن الانتحار وتمني الموت أو الدعاء به على النفس أو الأولاد.
- •في حديث أنس بن مالك: "لا يتمنين أحدكم الموت من ضر أصابه، فإن كان لا بد فاعلاً فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيراً لي وتوفني إذا كانت الوفاة خيراً لي".
- •هذا الحديث يعلمنا الأدب مع الله، وتفويض الأمر إليه، وعدم فرض شيء عليه.
- •علينا عند نزول الضرر الصبر والاحتساب والرضا، مع معرفة أن المصائب تكفر السيئات وترفع الدرجات.
- •الإمام البخاري استعمل هذا الدعاء حين ضُيق عليه، فاستجاب الله له وتوفاه بعد أيام قليلة.
- •النبي صلى الله عليه وسلم هو إمام الحضرة القدسية ومعلمنا في التعامل مع الله تعالى.
مقدمة اللقاء والتحية والترحيب بالمشاهدين في لقاء متجدد مع سيرة النبي
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
أيها الإخوة المشاهدون، أيتها الأخوات المشاهدات في كل مكان، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلًا ومرحبًا بكم في لقاء متجدد مع سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
رسول الله لم يترك شيئًا يقرب إلى الله إلا أمر به ولا يبعد إلا نهى عنه
رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يدع لنا شيئًا يقربنا إلى الله ويبعدنا عن النار وعن غضب الله إلا وقد أمرنا به، ولم يدع لنا شيئًا يبعدنا عن الله ويقربنا من النار ومن غضب الله إلا وقد نهانا عنه، وقال:
قال رسول الله ﷺ: «ما نهيتكم عن شيء فانتهوا، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم»
مما أوصانا به رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تكون الدنيا في أيدينا وأن نقبل ما يريده الله فينا، وأن نحب الحياة.
تحريم الانتحار وتمني الموت والدعاء على النفس والأولاد بالهلاك
ولذلك حرّم علينا [النبي ﷺ] الانتحار ونهى عنه نهيًا شديدًا؛ لأنك كأنك أخذت نفسك وألقيتها في وجه الملأ الأعلى، والعياذ بالله تعالى، ما هذا!
ونهانا أيضًا عن أن نطلب الموت وأن نتمناه، ونهانا أيضًا عن أن ندعو على أنفسنا أو على أولادنا بهذا [أي بالموت والهلاك].
الأمر بالرضا والتسليم لأمر الله وحب الحياة مع عدم التعلق بها
إذن هي مجموعة [من الأحاديث والتوجيهات النبوية] تبين لنا أنه [النبي ﷺ] يأمرنا بالرضا والتسليم لأمر الله وبحب هذه الحياة، وإن كانت ليست في قلوبنا ولا نتشوق إليها تشوق العبيد، بل إنها في أيدينا.
فإن رزقنا الله بها فبها ونعمت، وإن فقدناها أبدًا فالصبر والرضا والتوكل والالتفات إلى عمارة الدنيا وإلى عبادة الله، لدينا برنامج [في الحياة] فلسنا فارغين.
حديث أنس بن مالك في النهي عن تمني الموت وما يقال عند الضيق
ومن هنا نفهم حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال:
قال رسول الله ﷺ: «لا يتمنين أحدكم الموت من ضرٍّ أصابه، فإن كان ولا بد فاعلًا فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرًا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرًا لي» رواه البخاري ومسلم
فإن كان ولا بد فاعلًا، فقد ضاق ذرعًا ولم يعد يطيق ولا يستطيع أن يقول له [أي لربه]: يا رب اكفنا، فقال له: ماذا؟ أنا أحب لقاءك، والدنيا لا تجلب [إلا] همومها، الدنيا أصبحت بمثابة خدعة، أنا تعبت.
فإن كان لا بد فاعلًا فليقل، انظر إلى الأدب مع الله: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرًا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرًا لي. رواه البخاري ومسلم، متفق عليه.
النبي إمام الحضرة القدسية يعلمنا الأدب العالي في مخاطبة الله تعالى
ما هذا؟ إنه [النبي ﷺ] يعلمنا الأدب العالي في خطاب الله سبحانه وتعالى، وهذا الذي جعل أهل الله يسمون النبي صلى الله عليه وسلم إمام الحضرة القدسية.
ما معنى إمام الحضرة القدسية؟ يعني أننا عندما نتعامل مع الله وندخل في حضرة الله القدسية، فإن إمامنا الذي يؤمّنا ويعلمنا كيف نتعامل مع الله هو النبي صلى الله عليه وسلم.
ننظر إليه، هكذا نرى: هو قائم نقوم، يقرأ نقرأ، يركع نركع، يسكت نسكت. ما الأدب مع الله الذي يعلمنا إياه؟ هو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
تعليم نبوي في مسألتين: حب الحياة والصبر على الضرر مع الرضا بقضاء الله
فهذا تعليم عالٍ جدًّا في مسألتين: أنه لا يتمنى أحدكم الموت لضررٍ نزل به أو أصابه.
طيب، يبقى هذا في حب للحياة، فماذا حين ينزل بي الضرر أعمل [أفعل]؟ أبدأ أصبر.
طيب، وماذا حين ينزل بي الضرر أعمل [أفعل]؟ أعرف أن ربنا يحبك، أعرف أنه هذا [الابتلاء] من أجل تكفير السيئات والخطايا وإعطاء ورفع الدرجات ومنح الهبات وتنوير القلوب وفتح من عند الله سبحانه وتعالى.
طيب، والضرر الذي يأتي بعد ذلك يشتد؟ فاصبر واحتسب وارضَ وسلّم وتوكل.
ماذا يفعل المسلم إذا ضاقت به الحال وخاف الفتنة على نفسه
طيب يا جماعة، ما هو قد ضاقت عليّ الحال ولست قادرًا، انتهى الأمر. وبعد ذلك في نقطة أخرى، قلنا له ماذا؟ قال: أنا خائف من الفتنة، يعني أنا خائف على نفسي.
قلنا له: حسنًا، فإن كان ولا بد فاعلًا فليقل: اللهم أحيني ما دامت الحياة خيرًا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرًا لي.
ماذا تفعل هنا؟ تركتها لله، أي يا رب، أنا لا أعرف الغيب ولا أعرف خيرية الحياة ولا خيرية الموت.
التوكل على الله وتفويض الأمر إليه في الحياة والموت دون فرض شيء عليه
يمكن أن تكون الحياة خيرًا من الموت حيث أنها تتيح لي العبادات والاستغفار والعودة والأوبة إلى الله، يمكن أن تكون الحياة فتنة ونكدًا وكدرًا. أنا لا أعرف، لا أعرف أيهما أحسن.
ولذلك توكلت عليك وألقيت إليك حمولتي، فافعل فيها سبحانك ما تشاء: أحيني ما دامت الحياة خيرًا لي، وأمتني إذا كانت الوفاة خيرًا لي.
يبقى هنا في حسن أدب مع الله؛ لم تفرض على الله شيئًا [كأن تقول]: أنا الآن أودّ الموت. طيب، حسنًا، ماذا لو مات الآن وذهب واستُجيب دعاؤه وذهب فوجد ما ينتظره بعد الوفاة أسوأ من الحياة؟ فيكون أننا لم نفعل شيئًا [نافعًا].
تعلم الأدب مع الله والسعي لفتوح العارفين نوع من أنواع المعرفة بالله
نحن نريد أن نحصل على الخير، ونريد أن نتعلم الأدب مع الله سبحانه وتعالى، ونريد أن يفتح الله علينا فتوح العارفين به. هذا نوع من أنواع المعرفة مع الله سبحانه وتعالى.
قصة الإمام البخاري مع أمير البلاد ودعاؤه بحديث تمني الموت
الإمام البخاري الذي أخرج هذا الحديث في صحيحه، مرة دعاه أمير البلاد وحدثت بينهما مشادة، وبدأ أمير البلاد في ترتيب أمور سيئة للقبض على الإمام البخاري، ولا يعرف [البخاري] ماذا سيحدث.
الإمام البخاري ربما كان في ذلك الوقت عنده ستون سنة تقريبًا، فدعا ربه بهذا الحديث.
الإمام البخاري رجل موفق منور أعطاه الله القبول والذاكرة والإخلاص
الإمام البخاري هذا تشعر أن ربنا — هو رجل موفق منوّر — ربنا أعطاه ذاكرة وأعطى له عقلًا وأعطى له نفسية هادئة ومنحه الحقيقة، يعني القبول.
أعطانا الآن، أعطى ألفًا ومائتي سنة ويزيد، يعني ألفًا ومائة وخمسين، يعني دخلنا في ألف ومائتي سنة، ألف ومائتا سنة ونحن نقول البخاري والبخاري. هذا هو صحيح البخاري؛ لأنه مخلص، لأنه عمل وهو مخلص.
دعاء الإمام البخاري بالحديث النبوي واستجابة الله له بالوفاة بعد أيام
فالإمام البخاري لما ضيّق عليه الأمير ذهب فاستعمل هذا الحديث ودعا ربه أن يقبضه إليه غير مفتون، وقال:
«اللهم أحيني ما دامت الحياة خيرًا لي، وأمتني إذا كانت الوفاة خيرًا لي»
استعمل هذا الحديث واستجاب الله له، فأماته بعد يومين أو ثلاثة من الدعاء.
خاتمة اللقاء والدعاء بأن تكون الحياة والوفاة خيرًا لنا
إذا كان هؤلاء الناس رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم يعيشون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان يستجيب الله سبحانه وتعالى لهم.
اللهم ألحقنا بهم على الخير، واجعل الحياة خيرًا لنا والوفاة خيرًا لنا.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
