برنامج مع رسول الله | الحلقة العاشرة | فوائد كتم الغضب | أ. د علي جمعة - سيدنا محمد, مع رسول الله

برنامج مع رسول الله | الحلقة العاشرة | فوائد كتم الغضب | أ. د علي جمعة

11 دقيقة
  • يبين الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم بُعث ليتمم مكارم الأخلاق، ومنها هدوء النفس واجتناب الغضب.
  • ليس الشديد من يصرع الناس، بل الذي يملك نفسه عند الغضب، فالمرء إذا غضب لا يستطيع التعامل مع الآخرين بشكل سليم.
  • نهى النبي عن إصدار الأحكام حال الغضب، لذا "لا يقضي القاضي وهو غضبان" لما يحدثه الغضب من اختلال في الميزان.
  • أوصى النبي رجلاً طلب منه النصيحة بعدم الغضب وكررها ثلاثاً، إشارة لأهمية هذه الوصية.
  • من فضائل كظم الغيظ أن الله يدعو صاحبه على رؤوس الخلائق يوم القيامة ويخيره من الحور العين.
  • ذكر قصة أبي بكر الذي صمت أمام من شاتمه فكان ملك يرد عنه، فلما رد بنفسه انصرف الملك.
  • ينبغي التحلي بالحلم والأناة والابتعاد عن الغضب ليكون المرء محموداً عند الله.
محتويات الفيديو(10 أقسام)

مقدمة الحلقة والترحيب بالمشاهدين في برنامج مع سيدنا رسول الله

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

أيها الإخوة المشاهدون والأخوات المشاهدات في كل مكان، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلًا ومرحبًا بكم في حلقة جديدة من حلقات مع سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

بعثة النبي لإتمام مكارم الأخلاق وأهمية هدوء النفس والبعد عن الغضب

سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول عن نفسه:

«إنما بُعثتُ لأُتمِّمَ مكارمَ الأخلاق»

فكان كذلك [خُلقه ﷺ أعظم الأخلاق]. ومما أمرنا به وبيَّن أن ذلك مفتاح لكثير من الأخلاق الحميدة هو هدوء النفس، وذلك بأن نهانا عن الغضب وأمرنا بالأناة وبالحلم.

والنفس التي تبتعد عن الغضب لنفسها أو لمصالحها أو لطريقتها وأسلوبها في الحياة تكون أرجى عند الله؛ أن تبتعد عن الغضب تكون أرجى عند الله. أما من يقع في شهوة الغضب فإنه لا يسيطر على نفسه، ولا يستطيع أن يتعامل مع الإنسان ولا مع الحيوان ولا مع الكائنات.

حديث ليس الشديد بالصُّرَعة ومعنى القوة الحقيقية في ملك النفس عند الغضب

النبي صلى الله عليه وسلم يؤكد في جُلِّ أحاديثه وسنته وسيرته الشريفة صلى الله عليه وسلم أنه يوصل لنا هذا المعنى [معنى ضبط النفس والبعد عن الغضب]. نرى ما رواه أبو هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

«ليس الشديدُ بالصُّرَعة، وإنما الشديدُ الذي يملك نفسه عند الغضب» رواه البخاري ومسلم

صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم. والصُّرَعة معناها الرجل الذي يصرع الناس كثيرًا؛ ما يتصدر المصارعُ المشهدَ كما يقولون، لكن هذا ليس هو الشديد الحقيقي.

فالشديد يا رسول الله هو الذي يملك نفسه، الذي يستطيع أن يتحكم في نفسه. ومن يتحكم في نفسه هو الرجل بمعنى الكلمة، وليس الشديد أن تغلب غيرك جسديًّا، ولكن الشديد هو الذي يملك نفسه عند الغضب؛ فرصة للعقل أن يفكر. والقوي هو الذي يملك نفسه بحيث أنه قد كُلِّف بتبليغ الدعوة، فكيف يبلغها وهو غضبان؟

النهي عن القضاء حال الغضب واستنباط العلماء حالات التوتر المانعة من الحكم

ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

«لا يقضي القاضي وهو غضبان»

لأنه سيصدر منه اختلال في الميزان [ميزان العدل في الحكم]. العلماء استنبطوا من هذا الحديث «لا يقضي القاضي وهو غضبان» أنه أيضًا لا يقضي بين المتخاصمين وهو في حالة التوتر، وضربوا لهذا أمثلة:

يعني نفترض أنه لديه مصاب مثلًا، فلا يجلس للقضاء؛ يعتذر يقول: ليس اليوم، إنه لدينا عزاء. افترض أنه يريد أن يقضي حاجته، يذهب إلى دورة المياه مضطر، فلا يقضي بين الناس.

ولذلك قالوا: لا يقضي الحاقنُ والحاقبُ والحازقُ. ولماذا؟ قال: لأنه متوتر مثل الغاضب [فالتوتر يُخِلُّ بالحكم كما يُخِلُّ الغضب].

حديث الأشج في فضل الحلم والأناة ووصية النبي بعدم الغضب

النبي عليه الصلاة والسلام يريد الهدوء؛ كان يقول لأشجِّ عبد القيس:

«فيك خصلتان يحبهما الله ورسوله» قال: ما هما يا رسول الله؟ قال: «الحلم والأناة»

ولذلك فإن النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه أبو هريرة رضي الله تعالى عنه أن رجلًا قال للنبي عليه الصلاة والسلام: أوصني. قال:

«لا تغضب»

قال له: يا رسول الله أوصني — يعني كأنه يستسهل ألا يغضب — قال: «لا تغضب». قال: أوصني يا رسول الله. قال: «لا تغضب». رواه البخاري.

إذن «لا تغضب» هذه تعني مفتاحًا، وهي مفتاح للهدوء النفسي.

غضب النبي لانتهاك حرمات الله وحديث كظم الغيظ وجزاؤه يوم القيامة

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يغضب إلا إذا انتُهكت حرمات الله، فإذا انتُهكت حرمات الله يُظهر لهم رفضه لذلك [لانتهاك حدود الله].

وهناك رواية أيضًا عن معاذ بن أنس رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

«من كظم غيظًا وهو قادر على أن يُنفذه، دعاه الله سبحانه وتعالى على رؤوس الخلائق يوم القيامة يُخيِّره الله من الحور العين ما يشاء»

فيكون ذلك جزاءً عظيمًا، وهذا الحديث رواه الترمذي وأبو داود.

وجوب تدريب النفس على ترك الغضب وأثر الهدوء في التأييد الغيبي

إذن نحن في الحقيقة أمام خُلُق حميد يجب علينا أن ندرِّب أنفسنا عليه: ألا نغضب؛ لا نغضب على أبنائنا، ولا عشيرتنا، ولا على خادمنا، ولا على زملائنا، ولا في أنفسنا.

والهدوء يتيح لك التفكير، كما أن هذا الهدوء يكون مؤيَّدًا من عالم الغيب.

قصة أبي بكر مع الرجل الذي سبَّه وتأييد الملك له حين صبر وسكت

مرة كان سيدنا أبو بكر رضي الله تعالى عنه جالسًا، وجاء أحدهم يُشاحُّه — يعني يخاصمه هكذا — وجلس يسبُّه ويصفه بألفاظ ليست مناسبة، والنبي عليه الصلاة والسلام جالس وصامت، وأبو بكر صامت.

فلما زاد الرجل قليلًا ردَّ أبو بكر عليه؛ أي قال له: ماذا يا أخانا؟ هذه كلمة هكذا، أي ردَّ، تكلَّم فقط. فقام النبي صلى الله عليه وسلم [منصرفًا].

أبو بكر يعرف [مكانة النبي ﷺ]، سيدنا هو أول من أسلم. أبو بكر قام وراءه، قال له: يا رسول الله لِمَ انصرفت؟ قال: «رأيتُ ملكًا» — ما هو سيدنا [النبي ﷺ] مكشوف عنه الحجاب الذي بين [عالم] الشهادة والغيب — «رأيتُ ملكًا يدافع عنك ويردُّ عنك، حتى تكلَّمتَ فانصرف، فانصرفتُ».

بيان التأييد الغيبي لأبي بكر بالملك الذي كان يرد عنه دون أن يراه

كأن [ما حدث أن] أبا بكر كان في حالة تأييد غيبي؛ الملك يردُّ على الرجل: مثلًا يقول له [الرجل]: يا كذا، قُم. فيقول له [الملك]: كاذب. يقول له [الرجل]: أنت المخطئ. الملك هو الذي يردُّ.

أبو بكر لا يسمع الملك، والرجل لا يسمع الملك، سيدنا [النبي ﷺ] سمع الملك، فوجد أن الحالة الحقيقية عند الله هي هكذا. هذه فائدة النبوة: أنه يرى الحقيقة عند الله سبحانه وتعالى.

أبو بكر لما ردَّ، قال له [النبي ﷺ]: طيب، انتهى. ردَّ الآن أنت، الآن انظروا: اتساجلوا مع بعضكم البعض، وذهب الملك ومشى.

الدرس المستفاد من القصة وفضل الهدوء والحلم والأناة والبعد عن الغضب

فالإنسان لا يرى هذه الأشياء [من عالم الغيب]، لكن سيدنا [رسول الله ﷺ] أخبرنا أنها موجودة. فتخيَّل وأنت جالس هكذا:

﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ ٱلْجَـٰهِلُونَ قَالُوا سَلَـٰمًا﴾ [الفرقان: 63]

وإن الملك جالس يردُّ عنك، فما يوجد أحسن من هذا! إذن ما يوجد أولى من هذا.

ولذلك ربنا يكرمنا بأن نكون من الهادئين، ومن لدينا الحلم والأناة، ونبتعد عن الغضب بعونه تعالى.

إلى لقاء آخر، أستودعكم الله، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.