برنامج مفاهيم إفتائية (21) - الفرق بين الهبة والوصية
- •تناقش الحلقة موقف داعية أساء في الرد على سائلة استفتت بخصوص رغبة أمها في إهداء ذهبها لها، وبدلاً من إجابتها دعا عليها بالموت قبل أمها.
- •النبي صلى الله عليه وسلم كان رفيقاً ولطيفاً في الإجابة، وشبَّه نفسه بالوالد للولد، بينما أظهر هذا الداعية قسوة وعنفاً مخالفاً لمنهج الإسلام.
- •أخطأت السائلة بتشككها بعد أن أفتتها دار الإفتاء، إذ ينبغي الالتزام بفتوى المؤسسة المختصة المعتمدة.
- •التصرف في الممتلكات الخاصة كالذهب هو حق للمالك، والهبة مباحة حال الحياة.
- •في موضوع تفضيل بعض الأبناء في الهبة، بيّن المفتي أن الإمام الشافعي رأى جوازها، واستقرت فتوى دار الإفتاء المصرية على أن التصرف في المال بالهبة صحيح.
- •ينصح الإنسان بالتوازن والعدل في تصرفاته مع أبنائه لتجنب المشاكل والخلافات.
مقدمة الحلقة وتقديم فضيلة الإمام الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية
[المذيع]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.
حلقة جديدة من حلقات برنامجكم مفاهيم إفتائية مع فضيلة الإمام العلامة الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية. أهلًا ومرحبًا بك.
[الشيخ]: أهلًا بكم.
قصة داعية دعا على سائلة بالموت بسبب سؤالها عن هبة الذهب من أمها
[المذيع]: ظهر مولانا في الآونة الأخيرة كثير من الدعاة والإفتاء على الهواء. أحد هؤلاء الدعاة سُئل على الهواء مباشرة؛ إن امرأة سألته أن أمي تريد أن تعطيني ذهبها لأنني البنت الوحيدة بين مجموعة من الإخوة الذكور، فسألنا دار الإفتاء فأجازوا بأنه يمكن أن يجوز أن تعطيني الذهب.
وبعد ذلك ظهر داعية أو أحد الدعاة على القنوات الفضائية قال إن هذا لا يجوز، فماذا أفعل؟ فما كان منه إلا أن ظل يدعو عليها بأن من ضمن لها أن أمها ستموت قبلها، يا رب تموت قبل أمها، ولم يُجِب عليها.
أن هذا العالم الذي يفتيها إن كان عالمًا أو أخًا أو غير ذلك، فهو يدعو. قال لها: إن من ضمن لكِ أمك ستموت قبلك، اللهم يا رب أن تموت قبل أمك! لا إله إلا الله! فقالت له: يا رب حتى أستريح. قال: هكذا إذن! وابتدأ يدعو عليها أكثر من ست أو سبع مرات.
هذا مسجل يا مولانا، يا رب أن تموت قبل أمك، ويمر الوقت فيكون المعنى أنه يقول للأخت التي سألتنا قبل قليل: أسأل الله أن تموت قبل أمها، ولم يُجِبها. فلا حول ولا قوة إلا بالله العظيم، لا حول ولا قوة إلا بالله.
رد الشيخ على الداعية الذي دعا على السائلة وبيان مخالفته لمنهج النبي ﷺ
[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
أي أن هذا أنه لم يكن على نهج سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
«أنا منكم مثل الوالد للولد»
ولو تصور هذا الرجل المتحدث — ولا أقول مفتيًا ولا أقول عالمًا، وإنما أقول هذا الرجل المتحدث — لو تصور أن هذه السائلة إنما هي ابنته، أعتقد أنه لم يكن يفعل هذا.
وإنما فعل هذا من قسوة في القلب، وخطأ في المنهج، وسوء في السلوك، سوَّل له العدوان على الناس.
تجاوز الداعية لجفاء الأعراب ونهي النبي ﷺ عن العنف والحث على الرفق
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: وأنه لعله يعتقد أنه لما دعا هذه الدعوات وطلب هذه الكرامات المزعومة أن تموت هذه السائلة، أن يكون ذلك يعني تعليمًا، ولكن بنوع من الأنواع. يعني أظن أنه قد تجاوز جفاء الأعراب وقسوة القساة.
والنبي صلى الله عليه وسلم نهى عن العنف في الحديث هكذا، والعنف هو العنف. إننا نقول هذا العنف، وقال:
«يا عائشة، إن الرفق ما دخل في شيء إلا زانه، ولا نُزع من شيء إلا شانه»
وربنا عندما واجهنا وكلمنا واتصل بنا عن طريق قرآنه وكلامه القديم القائم بذاته، قال بسم الله الرحمن الرحيم:
﴿تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ﴾ [الرعد: 28]
ونعم بالله.
خطأ الداعية وتردد السائلة وافتقاد الناس لأسس المرجعية الدينية
فهذا خطأ وقع فيه هذا الرجل. أما السائلة فأشمُّ منها التردد، يعني كأنها مترددة حيرانة. وهذا شأن كثير من الناس أنهم لا يسألون مرة واحدة، بل إنهم يسألون السؤال مرات كثيرة.
كما أنهم يفتقدون أسس المرجعية.
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: يعني سمعتك وأنت تقول إنها اتصلت بدار الإفتاء، ودار الإفتاء هذه مرجع نهائي وانتهى الأمر، وقد أفتوا لك نهائيًا، فما الذي يجعلها تسأل مرة أخرى؟
[المذيع]: صحيح.
[الشيخ]: مثل هذا الرجل الذي يدعو على الناس، ما الذي يجعلها تفعل هذا؟ تقول لي إنها سمعت في القنوات الفضائية، وإذا سمعت في القنوات الفضائية فلتعلم أن الذي أمامها هو الخطأ.
مكانة المؤسسة الإفتائية المصرية وتأهيل علمائها للإجابة على الأسئلة الشرعية
المؤسسة المصرية هي مؤسسة أُنشئت من أجل هذا الغرض، وفيها علماء كرَّسوا أوقاتهم للعلم؛ أي يقرؤون ويكتبون ويبحثون ويجيبون ويتدربون، حتى أوقات النوم ما شاء الله.
فمن الصغر يحفظون القرآن، وبعضهم يحفظ القرآن بالقراءات العشر ما شاء الله. وهذا هو الذي تسألينه، كما أنه نوع مدرب على أن يدعو للسائلة ولا يدعو عليها.
[المذيع]: صحيحًا.
[الشيخ]: إذا كانت هناك أخطاء في طريقة الاستفتاء فهو محلها فعلًا.
مفاهيم إفتائية أربعة يجب على السائل اتباعها عند الاستفتاء
وأحسنت أن أتيت بمثل هذا المثال في مفاهيم إفتائية. مفاهيم إفتائية تعني:
- أولًا: أن السائلة يجب أن تسأل المختص، هذه النقطة الأولى.
- ثانيًا: ألا تسأل بعد ذلك أبدًا.
- ثالثًا: ألا تتشكك إذا سمعت مخالفًا.
- رابعًا: أن تعمل بفتواها وهي مطمئنة.
[المذيع]: صحيح ما شاء الله.
[الشيخ]: هذا من ناحية السائلة.
دعوة المسؤول للهداية وبيان المردود السيء لدعائه على السائلة
أما المسؤول فنحن ندعو الله له بالهداية، وندعو الله له أن يفهم أن ما يفعله له مردود سيء. وأول مردود سيء حدث معك أنت [أيها الداعية]، أي ليس مع السائلة.
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: ربما السائلة بكت، ربما السائلة احتقرت نفسها، ربما السائلة أي أنها أحدثت لها مشكلة في حياتها من هذا الدعاء، أو أنها رأت في نفسها أنها أقل، فكانت خيرًا منه.
ولكن من الذي فزع؟ سامع خارجي، وهكذا حدث لعشرات ومئات ممن سمعوا هذا.
[المذيع]: بالتأكيد أكيد صحيح.
جرائم الداعية الأربع من الدعاء على السائلة إلى تعليم الناس العنف باسم الدين
والعشرات والمئات الأخرى التي سمعت ولم تعترض ولم تتعجب ولم تُنكر، أنه يعلمها العنف. هذا الرجل يرتكب جريمة أخرى غير جريمة الدعاء على هذه المسكينة، غير جريمة عدم إحسان إجابة السائل، يرتكب جريمة ثالثة وهي أنه يعلم الناس العنف.
[المذيع]: جميل صحيح.
[الشيخ]: الجريمة الرابعة أن العنف الذي يعلمه للناس يأخذ شكلًا دينيًا، يأخذ شكلًا دينيًا.
[المذيع]: صحيح، هو يدعي.
[الشيخ]: نعم، وداعية إذن ويعلمها الخطأ. أي أن "داعية" هنا أي يدعو على الناس، أي أن هذا ليس داعية إلى الله، هذا داعية أي يدعو على الناس، يدعو عليهم.
[المذيع]: نعم، لا يدعوهم، تدعو على الناس!
تشويه صورة الإسلام دين الرحمة بالعنف والدعاء على الناس
لماذا؟ أي فالصورة النهائية أن الإسلام دين عنيف، دين قاسٍ، وهو ليس كذلك. الإسلام والحمد لله دين رحمة، ونبيه [صلى الله عليه وسلم نبي رحمة]. ما يقوله عليه المفترون والكذابون والأعداء هو يحاول أن يؤكدها!
فإنا لله وإنا إليه راجعون. نسأل الله له أن يفهم الإسلام، وأن يتوب عليه مما فعل، وأن يرجع إلى الله سبحانه وتعالى.
نصيحة للداعية بتعلم أدب الإفتاء أو الانسحاب إن لم يكن متخصصًا
وأن يكون في باقي أيامه إن كان من المتخصصين يتعلم أدب الإفتاء، وإذا كان من غير المتخصصين — سبحان الله وتعالى — يعني يهديه وينسحب بسلام من هذه المعمعة، ومن هذا المقام، ومن هذا الثغر؛ لأنه ليس أهلًا له.
[المذيع]: ما شاء الله!
[الشيخ]: نحن ندعو له ولا ندعو عليه.
[المذيع]: صحيح.
[الشيخ]: وإن كان مخطئًا، ولكن:
«كل ابن آدم خطَّاء، وخير الخطَّائين التوَّابون»
ولو أنه حاسب نفسه قبل أن يُحاسَب لعله أن يرجع. وإذا بهذه الكلمات وصلت إلى قلبه فاهتدى بها بإذن الله ومنه وكرمه، يكون لنا ثواب؛ لأن:
«يهدي الله بك رجلًا واحدًا خير لك مما طلعت عليه الشمس وما غربت»
حكم هبة الأم ذهبها لابنتها وتصرف المرأة في ملكها في حياتها
يعني على كل حال، هذا الحال الذي في السؤال: السائلة يجب عليها أن توقن. الإجابة إذن على السؤال نفسه: هذه هبة، والمرأة في حياتها تتصرف في ملكها كيف شاءت، وليس هناك شيء اسمه ماتت قبلها أو بعدها.
ليكن ماتت يا سيدي قبلها أو بعدها، فلو هذه المرأة أعطت ابنتها الذهب — هي تريد أن تفعل هذا — تعطيها الذهب، تعطيها الذهب، تعطيها جزءًا وتعطي زوجات أبنائها جزءًا، كما تشاء تتصرف فيه كيف تشاء.
حكم وفاة البنت الموهوب لها الذهب قبل أمها وتحول الهبة إلى تركة
فنفترض أعطتها الذهب كله.
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: ثم هذه الفتاة التي أخذت الذهب توفيت في حياة أمها، هذا الذهب سيصبح تركة ويصبح ملكًا لها، وتعود هذه الأم التي ترث فيه السدس، والباقي لأبنائها وزوجها وهكذا.
من قال لأخانا هذا أن يتحكم في خلق الله وفي تصرفاتهم؟ أنتِ تموتين قبل، طيب توفيت قبل، ماذا سيكون؟ يعني ماذا سيكون؟ أن هذا الموهوب لها سيصير تركة، سيصير ملكًا لها وتركة عنها.
[المذيع]: وتركة صحيح.
[الشيخ]: تركت من تركت؛ زوجًا سيأخذ إن لم يكن هناك ولد النصف، وهذه الأم تأخذ — أمها ستأخذ — لا، الأم ستأخذ، أمها هي التي وهبت لها ستأخذ السدس أو الثلث أو هكذا حسب الحال.
بيان أن الذهب الموهوب يصير تركة في كل الأحوال سواء ماتت البنت أو الأم أولًا
ومن الباقين، ما هو هذا قاعد يموِّت في الناس! فما نحن عارفون من الباقي وبين الذي ليس باقيًا، ولكن المهم أن هذا الذهب يصير تركة لها.
[المذيع]: سيدي أم لا يجري شيء.
[الشيخ]: صحيح. وإذا ماتت الأم قبلها فما في ذلك تثريب، وهذا الذهب لم يكن من تركتها [تركة الأم]؛ لأنه قد وهبته وتخلت عنه وخرج من ملكها وهي حية.
[المذيع]: نعم، هذه هي القضية.
الفرق بين الهبة في الحياة والوصية بعد الموت ولا وصية لوارث
[المذيع]: هو يا مولانا بعد إذن فضيلتكم، يمكن أن يكون اللبس حدث عند الأخت السائلة من الفرق بين الهبة كحكم فقهي وبين أن الأم تقول بعد ذلك: أنا عندما أموت يصبح الذهب هذا ملك...
[الشيخ]: الوصية، لا وصية للوارث. الوصية هي عبارة عن تصرف موقوف لما بعد الموت.
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: يعني ملكت الذهب هذا في حياتها.
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: وملكت الذهب هذا، تقول عندما أموت. فإن افترضنا أن الأم احتاجت هذا الذهب فباعته [فهذا حقها لأنه لا يزال في ملكها إن كانت وصية].
أمثلة على تصرف الأم في ذهبها لأبنائها في إطار المباح وصلة الرحم
فلنفترض أنه ما دام داخلين في الموت على هذا الشخص الظريف الذي دعا على البنت المسكينة.
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: أفرض أن رجلًا من أولادها زوجته ماتت وأراد أن يتزوج مرة ثانية، فقالت له: خذ يا ابني هذا الذهب واعطه شبكة للجديدة. أفترض هذا، الناس يفعلون أشياء كثيرة، وكلها في إطار المباح، وفي إطار صلة الرحم، وفي إطار العطف والود، وفي إطار ذلك.
كم من أم منحت زوجة الابن الخاتم متعلق بالزواج، وخاتم أصبح عتيقًا موروثًا، وتقول لها: يا ابنتي لقد أصبحتِ من عائلتنا، فهذا الخاتم ورثته من جدتي وورثته كذلك.
حق الإنسان في التصرف في ملكه في الشرع الشريف دون مانع
وتحتفظ الفتاة به، ربما تكون موضته قد انتهت أو كذلك، لكنها تحتفظ به على أساس أن هذا خاتم العائلة، وفيه أشياء جميلة ومعانٍ جميلة رائعة.
ما هذا؟ ما الذي يعني في الشرع الشريف أن يتصرف الإنسان في ملكه؟ ليس هناك ما يمنع إطلاقًا.
[المذيع]: الله يفتح عليك يا مولانا! اسمحوا لي أن نخرج لفاصل ونعود لنستكمل الحوار والتساؤلات الخاصة بحضراتكم لكي نزيل الالتباس مع فضيلة مولانا الإمام العلامة الدكتور علي جمعة، فاصل ونعود.
سؤال عن حكم كتابة الأب جزءًا من المصنع لأحد أبنائه دون الآخرين
[المذيع]: السلام عليكم ورحمة الله، عدنا إليكم من الجزء الثاني من حلقة اليوم من برنامجكم مفاهيم إفتائية مع فضيلة الإمام العلامة الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية.
يا مولانا نحن تحدثنا في الجزء الأول عن الأخت السائلة. نريد أن نعرف يا مولانا في نفس السياق أو في نفس الموضوع: هناك أناس يتصورون أنني لو كتبت قطعة أرض لأحد الأبناء، أو كتبت المصنع — أنا أعمل لدي مثلًا ثلاثة أولاد، واحد يعمل معي في المصنع فكتبت له جزءًا من هذا المصنع — فيقولون هذا يؤثر ابنًا من الأبناء على الآخرين وأن هذا حرام. فما حكم الشرع في مثل هذه التصرفات يا مولانا؟
[الشيخ]: هو في حديث ورد وكان له سبب، والإمام الشافعي رأى أنه مسبَّب، ولذلك يُفهم في نطاق سببه، يُفهم في نطاق سببه.
قصة حديث النبي ﷺ مع الرجل الذي أراد إشهاده على هبة لابنه بتدبير زوجته
الحديث أن رجلًا كان يتزوج امرأتين.
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: وكان له ولد من هذه [الزوجة الجديدة] وأولاد من القديمة.
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: وكانت المرأة الجديدة تتصف بشيء من التدبير ووضعت الخطط.
[المذيع]: نعم، آه.
[الشيخ]: فقالت له: اكتب لابنك هذا مني شيئًا — حديقة — وأشهِد عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم. هذا الكلام، فهذه الآية [أي العلامة] التي فيها نوع من أنواع الحكمة والتدبير؛ لكي يكون هذا الرسول نفسه موافقًا ولا يتكلم أحد.
ولكي يكون في الخفاء وفي النفس البشرية الداخلية إغاظة لضرتها.
[المذيع]: سبحان الله، صحيح.
[الشيخ]: فيه إغاظة لضرتها، أنه أنا رسول الله اعتمد كلامنا وسمح أن تذهب هذه الهبة.
تربية النبي ﷺ لأصحابه على درء الفتنة وفطنته في كشف التدبير
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: كان رسول الله يربي أصحابه ويريد أن هذه المشاعر — وإن كانت هي مشاعر بشرية وموجودة وستبقى — لكن كان يدربهم على محاولة درء الفجوة بمثل هذه المشاعر.
فذهب الرجل، والرجل يبدو أنه لم يكن ينتبه إلى هذه الخطط أو هذا التدبير أو هذا المعنى العميق. أن النبي فطِن، وهو من صفات الأنبياء الكياسة والفطانة والذكاء، الذكاء العالي.
والذكاء العالي هذا عندما تواجه شخصًا ذكيًا ذكاءً عاليًا تجد أمورًا منكشفة أمامه. فما بالك إذن بنور النبي صلى الله عليه وسلم! يعني الأمور منكشفة بالوحي، ومنكشفة بالصفاء، ومنكشفة بالذكاء، ومنكشفة بالخبرة ومنكشفة. الإنسان الكامل يا الإنسان الكامل شيء آخر.
سؤال النبي ﷺ للرجل أأعطيت كل أولادك مثل هذا وموقف الإمام الشافعي
فالنبي عليه الصلاة والسلام لما عُرض عليه الأمر قال:
«أأعطيت كل أولادك مثل هذا؟»
ما شاء الله عليه الصلاة والسلام! انظر إلى الذكاء، انظر إلى الفطنة. كل واحد من أولادك مثل هذا أعطيته؟ كل واحد أعطيته مثل هذا؟
فقال: لا يا رسول الله. قال:
«فأشهِد عليه غيري»
[المذيع]: نعم جميل.
[الشيخ]: أشهِد عليه غيري. والإمام الشافعي ذهب متمسكًا بهذه النقطة: "أشهِد عليه غيري"، إذن التصرف صحيح.
[المذيع]: ما شاء الله جميل.
دلالة قول النبي أشهد عليه غيري على جواز التصرف وإن وصفه بالظلم
يعني لو كان الرسول قال له: لا أقبل هذا الأمر، هذا يقول له ممنوع.
[المذيع]: نعم حرام.
[الشيخ]: الذي ستفعله هذا "أشهِد عليه غيري"، هذا معناه أنه جائز، أنه يجوز، ولكن لسنا نحن الذين نشهد عليه، ولكن لسنا نحن نشهد عليه. غيري، ما شاء الله.
أنني لا أشهد على ظلم. فذهب الناس ووقفوا عند كلمة "أنني لا أشهد على ظلم"، ووضعوها في دائرة وقالوا: إذن هذا ظلم، إذن لا يصلح، إذن حرام. وهكذا فُهم هكذا.
الإمام الشافعي لا، ليس فاهمًا كذلك. فاهم أن هذا جائز، وأن النبي صلى الله عليه وسلم وصفه بالظلم لما كان هناك من تدبير الزوجة له ومحاولة إغاظة الضرة الأولى — زميلتها، امرأته الثانية، ضرتها.
الظلم في الحديث هو التفرقة بين الأبناء بقصد الإغاظة لا مجرد التصرف
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: وأن هذا هو التفرقة بين الأبناء الذي يحدث في العائلة، والمحن والأخذ والرد. أي وهب، إنه قال: نعم يا رسول الله أعطيت لكل ولد شيئًا.
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: كان انتهى، ألا يكون فيه ظلم وليس فيه إغاظة. فالظلم هنا ليس هو مجرد التصرف، وإنما هو محاولة الإغاظة وإحداث الفتنة في العائلة.
[المذيع]: نستطيع أن نقول الملابسات التي حول الموضوع.
[الشيخ]: الملابسات التي حول [الموضوع].
[المذيع]: نعم جميل.
مذهب الشافعي في جواز تخصيص أحد الأبناء بالهبة مع مراعاة التوازن الأسري
فالشافعي قال: إذا كان هذا التصرف [خاليًا من قصد الإغاظة] وينبغي أن تُكتب للولد وتُخصَّه أيضًا.
نحن قد جئنا في مجتمعاتنا وواجهنا هذا الكلام: الرجل لديه دكان وهو تاجر، والذي وقف معه يتاجر ويفهم التجارة — مصادرها ومواردها وكيفيتها وحساباتها — هو ابن من الأبناء، وقد يكون قد حُرم من التعليم.
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: وهذا الولد أصبح ضابطًا، وهذا أصبح طبيبًا، وهذا أصبح شيخًا. الذي معه وحاصل على الشهادة الإعدادية يعرف كيف يقرأ الخط [أي الحسابات]، فيرى في هذه الحالة أنه يعطيه المتجر التجاري.
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: ويعطي الأولاد الآخرين بقية التركة.
[المذيع]: جميل.
العدل في توزيع الأب لأملاكه بين أبنائه ومراعاة جهد كل واحد منهم
قد تكون هذه التجارة هي التجارة [الأساسية]، ويقول لي ماذا؟ واحد ما يقول لي: هذا هو الذي عملها.
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: هذا بُني على كتفيه، هذا بُني على — ساهمتُ بنصف الجهد وهو ساهم بنصف الجهد، أو أنا بالربع وهو بثلاثة أرباع.
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: إذن في معنى ما، ليس هناك ظلم هنا، ليس هناك أحداث [ظلم]. يأتي إذن الآخرون يريدون التجارة ويريدون هذا، ويريدون التعلم الذي تعلموه، ويريدون الزواج الذي تزوجوه، ويريدون كل هذا، وأخونا هذا خادمهم! فما هذا؟ ظلم من الناحية الأخرى.
[المذيع]: صحيح، إذن أنتم بذلك ظلمتموه.
قضية الكتابة للأبناء مباحة في أصلها مع وجوب مراعاة التوازن في الأسرة
يبقى إذن قضية الكتابة هذه قضية مباحة في أصلها، وينبغي على الكاتب أن يراعي التوازن في الأسرة، التوازن في الأسرة.
فتوى الشيخ بخيت المطيعي في جواز تخصيص أحد الأبناء بالهبة واستقرار الفتوى عليها
لما كثرت هذه الحالات قام الشيخ بخيت المطيعي مفتي الديار المصرية — والشيخ بخيت من كبار العلماء، منذ سنة أربعة عشر لسنة عشرين كان مفتيًا ست سنوات ما شاء الله — وكتب فتوى واسعة في جواز هذا.
لأنه طبعًا هذا كما قلنا الآن: إن بعضهم ركَّز على "أشهِد عليه غيري"، وبعضهم ركَّز على "أني لا أشهد على ظلم"، فاختلف كلام الأئمة في هذه الصورة.
فمال الشيخ بخيت — وهو حنفي وكان مالكيًا قبل ذلك — مال إلى مذهب الإمام الشافعي وحرَّره ونقَّحه، وبيَّن من الذي ذهب معه فيه. واستقرت الفتوى في دار الإفتاء المصرية على هذا المذهب: أن الإنسان حر في تصرفه في أمواله، ويُنصح [بالعدل].
الفرق بين صحة التصرف الشرعي والنوايا التي وراءه واستعمالها لإيذاء الناس
يعني إذا لم يفعل وتصرف تصرفًا حتى ولو كان في هذا التصرف ظلم، فإنه يكون التصرف صحيحًا. في الفرق بين الصحيح وفي الفرق بين النوايا التي وراء الصحة واستعمالها كأسلحة لإيذاء الناس.
هو التصرف الصحيح، ويأتيني الولد بعد أن يموت أبوه يقول: أبي كتب لي البيت وأخواته ينازعونني فيه. أقول له: لا، البيت حقك وخارج التركة، مكتوب باسمك لأنه مكتوب باسمك وفي حياته، ومن غير لا استغلال مرض الموت ولا شيء.
ليس هناك شيء كهذا، مرض مخيف أو غيره، كذلك يقول لك عن حياته هو حي يُرزق.
جواز توزيع الأب أملاكه بين أبنائه وبناته كيفما شاء في حياته
فإذا كانت هذه الصورة لا تُعجب ناسًا كثيرين وهناك ناس يفعلونها، يأتي يقول ماذا: تعالوا أيها الصبيان، أنا سأعطيهم المصنع.
[المذيع]: نعم.
[الشيخ]: والبنات سأعطيهم المزرعة.
[المذيع]: طيب يا مولانا، الوقت يمضي سريعًا مع فضيلتكم، يمكن أن نأخذ هذه الصورة ونستكملها في الحلقة القادمة إن شاء الله.
[الشيخ]: إذا كان لنا عمر.
[المذيع]: إذا كان لنا عمر إن شاء الله، نستكمل أن يعطي المصنع للأولاد والمزرعة للبنات.
[الشيخ]: نعم.
ختام الحلقة وشكر فضيلة الإمام الدكتور علي جمعة والدعاء للمشاهدين
[المذيع]: ربنا يحفظك يا مولانا. اسمحوا لي باسم حضراتكم أن نشكر فضيلة الإمام العلامة الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية على هذا الجهد وعلى هذا العلم. ربنا يزيد علمه يا رب وينفعنا بعلمه.
وعلى وعد باللقاء في الحلقات القادمة إن شاء الله من مفاهيم إفتائية. إلى ذلك الحين نستودع الله دينكم وأماناتكم وخواتيم أعمالكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
