برنامج مفاهيم إفتائية (22) - الزكاة وحد الكفاية
- •تعريف الغني شرعًا هو المالك القادر الذي ليس عليه ديون وموفٍ لحاجاته، وبهذا المفهوم لا يستحق الزكاة.
- •الفقير هو من تكون موارده أقل بكثير من حاجاته الأساسية، بينما المسكين أحسن حالًا لكنه يظل محتاجًا بفارق بسيط عن حاجاته.
- •يوجد ثلاثة مستويات للمعيشة: حد الكفاف الذي يمنع المجاعة، وحد الكفاية، وحد الكفاءة.
- •أجاز الإمام الشافعي إعطاء الفقير من الزكاة ما يكفيه طيلة عمره الغالب، كما استحسن شراء ما يُدر عليه دخلًا مستمرًا.
- •كان السلف يعطون الزكاة حتى يغنوا المحتاج ويخرجوه من دائرة الفقر إلى الغنى.
- •لا يجوز دفع الزكاة للأغنياء إلا للعاملين عليها بحد أقصى الثُمن.
- •يفضل توفير وسائل الإنتاج للفقير بدلًا من إعطائه المال المباشر لترشيد استهلاكه.
- •ينبغي تصحيح المفاهيم المغلوطة حول الزكاة لأنها أرقى مظاهر التكافل الاجتماعي.
تقديم البرنامج والتساؤل عن إعطاء الزكاة للفقير حتى إغنائه
[المذيع]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمةً للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته.
حلقة جديدة من حلقات برنامجكم مفاهيم إفتائية، يسعدنا ويشرفنا أن نكون معكم في ضيافة فضيلة الإمام العلامة الدكتور علي جمعة، مفتي الديار المصرية. أهلًا بك يا مولانا.
في الحلقة الماضية يا مولانا، تحدثنا عن الهبة وعن الفرق بينها وبين الوصية. نريد أن نتحدث اليوم عن الزكاة يا مولانا.
الناس متصورة أنني لا أعطي زكاتي إلا للفقير، ويعطونه بكميات محدودة. هل يمكن أن أعطيه حتى أُغنيه؟ وهل في حالات يمكن أن أعطي زكاة المال للأغنياء؟
تعريف الغني شرعاً ومفهوم الفقير المستحق للزكاة
[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
تعريف الغني شرعًا هو ذلك المالك القادر الحاضر الذي ليس عليه ديون، وأيضًا هو مُوفٍّ لحاجاته؛ وبهذا المفهوم هو لا يستحق الزكاة.
ولكن لعلك تقصد أن الزكاة لا تُعطى للمعدم فقط؛ أي أن بعض الناس يشترط أن يكون هناك إعدام، أي أن بعض الناس ليسوا من [المستحقين] الشرعيين، بعض الناس من الأغنياء.
نعم، مرةً جاءني شخص يشكو أنه لا يجد فقيرًا يعطيه الزكاة، لا حول ولا قوة إلا بالله! وطبعًا هذا في بلدنا أمر مستغرب حقًا؛ فهناك كثير جدًا من الناس يحتاجون الزكاة الشرعية.
الشيخ عبد الحميد كشك والمدير العام الذي يستحق الزكاة
لدرجة أنه مثلًا، أنا مرةً قديمًا سمعت الشيخ عبد الحميد كشك رحمه الله تعالى يقول في زمنه في خطبة من الخطب، وكان رجلًا أولًا تقيًا، وثانيًا عالمًا، وثالثًا كان رجلًا ظريفًا لديه اتصال بالجمهور، هكذا الشيخ عبد الحميد الله يرحمه.
فسمعته يقول أن المدير العام الذي لا يرتشي ودخله محصور في راتبه يستحق الزكاة. صحيح! يعني كان لديه هذا الظرف.
القضية لها حقيقة، وهي أن الدخل قد يكون محدودًا بالنسبة لمستوى الإنسان؛ فيصبح الإنسان بذلك فقيرًا أو مسكينًا، يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف، وبعد ذلك هؤلاء لا يسألون الناس إلحافًا، وبالرغم من ذلك هو في إطار الفقر أو المسكنة.
التعريف الشرعي للفقير والمسكين والفرق بينهما
التعريف الشرعي للفقير الذي يستحق الزكاة هو أن موارده لا تكفي حاجاته، أي حاجاته الأساسية.
والفرق بين الفقير والمسكين أن الفقير أقل من المسكين في الاحتياج؛ الفقير موارده ثلاثة وهو يحتاج عشرة. فالفرق الذي أريد أن أغطيه حتى يعيش عيشةً إنسانية سبعة.
أما المسكين فأحسن حالًا؛ فإن الدخل الذي يحصل عليه ثمانية أو تسعة وهو يحتاج إلى عشرة، فهو أيضًا محتاج ولكن بفارق بسيط.
ولذلك لما جاءت آية التوبة تُبيّن المستحقين:
﴿إِنَّمَا ٱلصَّدَقَـٰتُ لِلْفُقَرَآءِ وَٱلْمَسَـٰكِينِ﴾ [التوبة: 60]
فلماذا ذُكر المساكين؟ لأنه يقول: ليس للفقراء فقط، يعني إذا ليس للمعدمين فقط، بل أيضًا للمساكين.
قاعدة إذا اجتمعا افترقا وإذا افترقا اجتمعا في الفقراء والمساكين
وكلمة فقراء وكلمة مساكين فيها قاعدة في العربية لطيفة تقول: إذا اجتمعا افترقا، وإذا افترقا اجتمعا.
يعني ماذا يعني؟ لو أنني في تعبيري للمحتاج قلت «الفقير»، فهو في الحقيقة تمامًا كما لو أنني لا أقول «المسكين»؛ فهما مترادفان من ناحية الاستعمال، كل واحدة منهما بعيدة عن الثانية. «للفقراء» ستُعطى لمن؟ للمساكين.
ولكن إذا اجتمعا في سياق واحد كما في الآية ﴿لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾، فإن لكل من الفقراء معنىً وللمساكين معنىً آخر، وهو المعنى الذي قدمناه؛ وهو أن الفقير يحصل على أقل كثيرًا من احتياجه، وأن المسكين يحصل على ما يقارب احتياجاته، ولكن في كل من الأمرين يحتاجان إلى الزكاة.
حد الكفاف وحد الكفاية وحد الكفاءة في الشريعة الإسلامية
[المذيع]: هل نستطيع أن نقول يا مولانا بعد إذن فضيلتكم أن هذا الذي نسميه حد الكفاية وحد الكفاف؟
[الشيخ]: نحن لدينا ثلاثة حدود.
الحد الأول هو حد الكفاف، وحد الكفاف هذا معناه أن الذي يدخل أقل منه أقل من حد الكفاف فهو في مجاعة؛ ولذلك يُحسب الكفاف بالسعرات الحرارية التي يحتاجها الإنسان لطعامه. فيقولون إن الرجل يحتاج في حدود ثلاثة آلاف سعرة حرارية، والمرأة في حدود ألفين ومائتي سعرة حرارية أو نحو ذلك.
أي ما الطعام الذي يعطي الجسد ما يحتاجه حتى لا تحدث مجاعة، وحتى لا يفقد وزنه أو يفقد صحته أو يفقد مناعته؟
«ما أكلات تُقيم أود الإنسان، بحسب ابن آدم أكلات يُقمن صلبه، أو لُقيمات يُقمن صلبه» [رواه الترمذي]
فما هذا الحد الذي يُقيم أود الإنسان؟
كيفية حساب حد الكفاف بالمجموعات الغذائية وتقدير علماء الاقتصاد
سنعرف أن هناك مجموعات غذائية، والمجموعات الغذائية نختار منها وجبات ثلاث على الأقل أو خمس، يمكن بحيث أن الإنسان يحافظ على صحته ومناعته وجسده في حالة صحية تقيه من الأمراض، تقيه من أنيميا الدم أو فقر الدم إلى آخره.
ما هذا المقدار؟ علماء التغذية يحددونه لنا، بكم نشتري هذا من الأسواق؟ فليقم علماء الاقتصاد فيقولوا لنا عنه، ويقولوا لنا إن هذا الذي يكفي الإنسان مثلًا في مصر عشرة جنيهات في اليوم، فيكون إذن الإنسان الواحد يحتاج ثلاثمائة جنيه، فيكون هذا حد الكفاف خاصته.
يُضرب إذن في عدد أفراد الأسرة، اثنين ونصف في اثنين ونصف.
مثال تطبيقي لحساب حد الكفاف وتحديد مستحق الزكاة
يعني مثلًا نفترض أن حد الكفاف هذا ثلاثة جنيهات، يذهب يشتري بها شطيرة فول في الصباح وشطيرة فول في الليل مع قليل من المخلل هكذا، أو شيء ثلاثة جنيهات في اليوم، فيكون تسعين جنيهًا في الشهر، تسعين جنيهًا للطعام فقط.
ولكن أين الملابس؟ وأين السكن؟ وأين كذا وكذا؟ فيقول لك إن التسعين هذه تمثل أربعين في المائة من احتياجات الإنسان؛ إذن تضرب في اثنين ونصف لكي نعرف.
فإذا كان التسعون في اثنين ونصف فيكون مائتين وخمسة وعشرين جنيهًا للفرد الواحد. حسنًا، هو وزوجته فيكون خمسمائة وخمسين جنيهًا. حسنًا، لديهم ابن صغير وهذه نسميها الأسرة النووية، فيكون بهذا الشكل دخلنا فيه سبعمائة وخمسين جنيهًا.
الحسابات الاكتوارية لقياس الفقر ومعايير الأمم المتحدة
حسنًا، الولد كبر قليلًا، هو الولد واحد فقط، فيكون إذن هذا ألف جنيه. حسنًا، هو دخله ثلاثمائة جنيه من عمله، أم ثلاثمائة وخمسون، وما زال في بداية حياته؛ فيكون هذا الرجل يريد سبعمائة جنيه كل شهر من الزكاة، فهو يعمل وليس عاطلًا، وهو يعمل وكذلك، وقد يكون موظفًا محترمًا أو قد يكون عاملًا بسيطًا، لكن المهم أن دخله لا يكفي احتياجاته بناءً على الحسابات.
هذه الحسابات بدأها علماء التغذية منذ زمن، وفيها مقاييس وضعتها الأمم المتحدة لقياس المجاعة وقياس الفقر في المجتمعات.
ولكن كما نحن نتصور الآن، هذا يأكل ويشرب ويلبس ويسكن فقط، يعني من غير أي آمال، من غير أي طموحات، من غير أن يتعلم الطفل لأن الطفل ما زال مولودًا حديثًا، من غير أن يحسب حسابات أخرى مثل المواصلات، مثل الصحة، مثل الترفيه، مثل ذلك إلى الآن. نُعطي هؤلاء، نعم نُعطي هؤلاء قطعًا.
هل يستحق الأغنياء الزكاة وحكم العاملين عليها
[المذيع]: السؤال الذي بدأنا به الحلقة: هل هناك أغنياء يستحقون الزكاة؟
[الشيخ]: ليس هناك أغنياء يستحقون الزكاة إلا العاملين عليها؛ يعني أولئك الذين ينظمون أخذ الزكاة من أصحابها وتوصيلها إلى المستحقين. هي إدارة وتحتاج لمصاريف، وهذه المصاريف هي سهم من أسهم الزكاة نفسها.
فالزكاة تُصرف على نفسها لتصل من يد الدافع إلى يد المستحق؛ ولذلك عندما تأتينا الجمعيات الخيرية تتحدث وتقول عن المصاريف الإدارية وما إلى ذلك، نقول لهم: احذروا أن تزيدوا عن اثني عشر ونصف في المائة من دخل الزكوات، الذي هو الثمن، أي الثمن؛ لأنه سهم من ثمانية، وهم العاملون عليها.
السهم من ثمانية أصناف هم الذين يحققون تطبيق الزكاة في الواقع؛ لأنه من دونهم لا يستطيع الغني أن يبحث عن كل فقير، ولا يستطيع كل فقير أن يصل لكل غني؛ ولذلك هم الذين يطبقون شرع الله، والله أعطاهم الحق في هذا المجال.
العودة من الفاصل وتوضيح نسبة العاملين على الزكاة
[المذيع]: إذن هو هذا الوحيد الذي يمكن أن يكون غنيًا وفي الوقت نفسه يستحق الزكاة. حسنًا، نخرج يا مولانا بعد إذن فضيلتكم للفاصل، ونعود نستكمل. نعم، فاصل ونعود إليكم فابقوا معنا. السلام عليكم ورحمة الله.
عدنا إليكم من الفاصل، الجزء الثاني من حلقة اليوم من برنامجكم مفاهيم إفتائية مع فضيلة الإمام العلامة الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية.
قبل أن نخرج للفاصل يا سيدي، كنا قد وصلنا إلى أن العاملين عليها هم الثمن الذي يستحق أن يكون غنيًا ويأخذ من مال الزكاة.
[الشيخ]: يمكن له أن يأخذ من مال الزكاة إلى الثمن، إلى الثمن. ولذلك في إدارات الجمعيات الخيرية للمجتمع المدني نقول لهم هكذا: أنه لكم إلى الثمن، اثنا عشر ونصف؛ لأنه ربما القانون يعطيهم أكثر من ذلك، يعطيهم حوالي عشرين في المائة باعتبار أنها مسألة معقولة.
يعني الناس كذلك يعني هم يعطون أكثر من نسبة الزكاة، لكن نحن نقول لهم: لا، اتقوا الله في هذه الزيادة، وخذوا في حدود الثمن إن شاء الله يكفيكم، وصاحب الزكاة يكون مطمئنًا إلى أن زكاته تصل إلى مواردها الصحيحة تمامًا.
مستويات الكفاية والكفاءة فوق الكفاف وتجربة عمر بن عبد العزيز
هنا نتحدث عن الكفاف، هناك مستويان آخران فوق الكفاف وهما الكفاية والكفاءة.
في الكفاءة، لا، هذا يُربي ابنه على ركوب الخيل والسباحة والحاسوب واللغات وما إلى ذلك. نحن نريد كل المجتمع هكذا، نحن نتمنى لكل أفراد المجتمع المسلم أن يكونوا في حد الكفاءة.
ولكن هذا يعني أمر الله أنه في الفقر والغنى، وفيه الفقير والغني حتى يتدافع الناس بعضهم مع بعض. ولكن حدث في فترات إسلامية أنهم وصلوا إلى حد الكفاءة، وظل عمر بن عبد العزيز يسعى بالزكاة ويقول: من الذي يحتاجها؟ فلم يجد؛ لأن الجميع وصلوا إلى حد الكفاءة مع زيادة القناعة والزهد في الدنيا وترشيد الموارد ووضع الأمور في مكانها المناسب في ظل التقوى وفي ظل العمل الصالح، وصلوا إلى حد الكفاءة في جميعهم.
قصة عمر بن عبد العزيز وبلوغ المجتمع الإسلامي حد الكفاءة
عمر بن عبد العزيز كان رجلًا ثريًا، وكان يضع العطور في ملابسه لدرجة أن الناس وهم ذاهبون إلى المغسلة يقولون للرجل: الله يحفظك، خذ درهمًا زيادة وضع ثيابنا مع ثياب عمر بن عبد العزيز لكي تكتسب من عبيرها.
أي أنهم كانوا أناسًا متمكنين في الأرض والدنيا في أيديهم، وبالرغم من ذلك وصلوا بالترشيد، ووصلوا بالتقوى، ووصلوا بالزهد في الدنيا، ووصلوا بالشفافية وبالصدق، ووصلوا بالبذل والعطاء.
الجميع دفع لبيت المال زكاته وليس متهربًا أو متشككًا، وهكذا وصلوا إلى مرحلة الكفاءة، وإلى كسر البطالة، وإلى محو الأمية، وإلى مرحلة عالية جدًا في القرن الأول الهجري. نرجو الله أن يُمكّننا منها؛ لأنهم بنوا حضارة وشاركوا في العالم.
ملخص المستويات الثلاثة وحكم إعطاء الزكاة حتى حد الكفاية
حسنًا، الآن ثلاثة مستويات: كفاف، وما دون الكفاف حتى يصل إلى الكفاية، أي يأخذ من الزكاة.
لأن يأخذ من الزكاة، هناك كلام كثير جدًا في الزكاة ينبغي علينا أن نتكلم فيه؛ لأن مفاهيم الناس قد تكون في بعض الأحيان ليست مفاهيم كاملة شرعية لقضية الزكاة، وهي ما أشرت سيادتكم إليه في بداية الحلقة وقلتم: نُعطي لهذا إلى أي حد؟
الإمام الشافعي نص على أننا نُعطيه الزكاة إلى حد عمره الغالب، إلى حد عمره الغالب. نُعطي له ما يكفي عمره كله؛ يعني أنا أرى واحدًا فقيرًا محتاجًا، بحسب احتياجه، أنت محتاج كم؟ قال: أنا محتاج ألف جنيه في الشهر. رأيت الاحتياجات وحسبتها وفعلًا تبيّن أنه ألف جنيه في الشهر.
حساب الإمام الشافعي لإعطاء الفقير زكاة تكفي عمره الغالب
الألف جنيه هذه في اثني عشر شهرًا تكون باثني عشر ألفًا. حسنًا، كم أُعطيه إذن؟ قال: كم عمره؟ قلت له: كان عمره ثلاثين سنة. قال: العمر الغالب للإنسان هكذا يقول الإمام الشافعي اثنان وستون سنة، اثنان وستون سنة.
إذن هذا الرجل غالبًا سيعيش غالبًا حوالي اثنين وثلاثين سنة أخرى. جميل، اثنان وثلاثون سنة، هذا ليس ضربًا بالغيب، وإنما أخذًا من الجداول الاكتوارية الذهنية التي كانت موجودة. الآن طبعًا الجداول الاكتوارية أصبحت موجودة فعلًا على الورق، لكن حينها في تجربة أن العمر الغالب للبشر هو اثنان وستون سنة.
من ثلاثين إلى اثنين وستين يكون اثنان وثلاثون سنة؛ إذن نضرب اثني عشر في اثنين وثلاثين سنة. اثنا عشر ألفًا التي أحتاجها في السنة، في اثنين وثلاثين سنة تمامًا يصبحون ثلاثمائة وأربعة وأربعين ألف جنيه.
الحد الأقصى لإعطاء الفقير من الزكاة وفق مذهب الشافعي
أجل، الثلاثمائة وأربعة وأربعون ألف جنيه هؤلاء، هذا مبلغ كبير طبعًا، ليس أربعين وخمسين جنيهًا.
يجوز لي أن أُعطيه في حدود هذا المبلغ؛ أي يجوز لي أن أُعطيه ألفًا، ويجوز لي أن أُعطيه عشرة، ويجوز لي أن أُعطيه مائة، ويجوز لي أن أُعطيه ثلاثمائة، ويجوز لي في أقصى ما يجوز أن أُعطيه ثلاثمائة وأربعة وأربعين ألفًا، وهذا الحد الأقصى.
نعم، فإذا زاد فقلت له: أريد أُعطيه ثلاثمائة وخمسين حتى لا أكسر الشيء، لا ينفع. نعم، الستة عشر ألفًا الزيادة هذه لا تنفع. نعم؛ لأنني أُعطيته ثلاثمائة وأربعة وأربعين وهو ما يكفي عمره الغالب.
رأي الإمام الشافعي في عدم رشادة الفقير وضرورة التوجيه
جميل. النقطة الثانية يأتي سيدنا الإمام الشافعي بنور بصيرته عليه رضوان الله، يقول: أي أن هذا يا إخواننا، هذا كلام من عندي وليس من عند الإمام الشافعي، الفقير ليس رشيدًا.
نعم، عندما أُعطيه مبلغًا كبيرًا لا يُحسن التصرف فيه؛ لأنه ما هو هذا المبلغ لم يره من قبل، ليس معتادًا عليه. صحيح، ولذلك تجد الفقير يميل إلى الاستهلاك المحض.
وهذه التجربة التي عندما خضنا تجربة العمل المدني واتصلنا بالطبقة الفقيرة وغير ذلك، وجدنا أن الكلام سليم أنه غير رشيد في الاستهلاك؛ يعني لو أُعطيته شيئًا من هذا قام مثلًا يذهب يتزوج امرأة أخرى على زوجته، يعني زوجته لا تكفيه. نعم، وأولاده الذين أنجبهم وأحدث بهم شيئًا كبيرًا هكذا في الأرض لا تكفيه، فيقوم ليذهب ليتزوج امرأة أخرى. هذا هو التصرف، هذا تصرف غير رشيد.
الفكر التنموي للإمام الشافعي في إخراج الفقير من دائرة الفقر
لأن هذه الأموال التي رزقه الله بها كان ينبغي أن يُنمّي بها أبناءه ويبني بها بيته ويوسّع بها على أهله. تجد أنه يذهب هذا المذهب، لو أُعطيته مبلغًا معينًا هكذا، قم يذهب يشتري به فيتيو.
ما هذا الفتيو؟ هذا اتضح أنه الفيديو. هذا هو الفيديو. نعم، طيب أنت الآن محتاج إلى الفيديو أم محتاج أن تُعلّم أبناءك وأن تُحسّن مستوى معيشتهم، أن توسّع مرافق البيت تُصلحها؟ يكون الحمام معطلًا ويذهب يشتري فيديو. نعم.
يكون إذن نحن نتعامل مع غير رشيد. الشافعي أحسّ بهذا، شعر بهذا الكلام فقال: ويُستحسن أن نأتي له بالمبلغ شيئًا يُدرّ عليه مالًا كي نُخرجه من نطاق الفقر إلى نطاق الغنى وعدم الحاجة.
فنذهب نشتري له بيتًا والبيت يُؤجَّر والإيجار [يعود عليه]، نذهب نشتري له بستانًا والبستان يأتي بثمرة والثمرة تعود عليه بالخير، نذهب نشتري له المتجر ونجعله يتاجر فيه، نذهب نشتري له سيارة أجرة ونجعله يعمل عليها.
الفكر التنموي للزكاة إعطاء الصنارة لا السمكة وإخراج الفقير من الفقر
والله هذا الشافعي يفكر تفكيرًا الذي نحن نطلق عليه الفكر التنموي. نعم، أن تُعطيه الصنارة وليس أن تُعطيه السمكة. نعم، أن تُعطيه ما يُنتج به وليس أن تُعطيه ما يستهلكه فقط.
نحن نضطر لإعطاء السمكة لبعض الناس غير القادرين، العاجزين الذين قُطعت أيديهم، لا يعرفون كيف يمسكون بالصنارة، معاقون؛ فهؤلاء نقف معهم ويصبحون أصحاب احتياجات خاصة، نُعطيهم من عندنا وهذا هو الأمن الاجتماعي يتضح بذلك.
فأنا لدي أشياء كثيرة في الزكاة يجب علينا نحن أن نُصحح المفاهيم فيها. كان السلف إذا أعطوا أغنوا، ليجعلوا هذا بزكاة المال أصلًا، أي أنه يُطوّر بزكاة المال بعد ذلك.
خلاصة مفاهيم الزكاة والإسلام دين إغناء لا إفقار
جميل، إذن هناك حد أقصى للعطاء وهو العمر الغالب، وهناك أيضًا فكرة مساعدة الفقير على ترشيد استهلاك ما يملك، وهذا نصوص الفقهاء في هذا، وهناك أيضًا قضية أي أو فكرة إخراج الفقير من دائرة الفقر إلى دائرة الغنى حتى يدفع هو نفسه الزكاة بعد ذلك.
فهذه إطلالة عامة على قضية الغنى والفقر وكيف نتعامل مع الفقير في إعطاء الزكاة.
[المذيع]: نحن يا مولانا لدينا تساؤلات كثيرة، عند أناس كثيرون أو مفاهيم مغلوطة عند الناس نريد أن نُصحّحها، ومن ضمنها موضوع الزكاة، لكن تبقى حوالي دقيقة أو دقيقة ونصف، فبعد إذن فضيلتكم يمكن أن نعمل جزءًا ثانيًا من هذه الأشياء.
في مقولة الناس جميعها تعرف أن الذكاء لا يُعطى للابن وما نزل وللأب وما علا. نعم، فنحن نريد أن نعرف أحيانًا يكون الأب مدينًا، يعني أن والدي يمكن أن يدخل السجن والعياذ بالله، كاتب شيكات أو عليه وضع، ويقول لك: لا تُعطيه من زكاة مالك وأنا لا أستطع أن أتصدق عليه بهذا المبلغ. هذا أحيانًا يكون الابن أو الحفيد.
فنحن نريد أن نعرف الابن وما نزل والأب وما علا، ولكن نُؤجّلها إن شاء الله للحلقة القادمة إن شاء الله.
ختام الحلقة والإسلام دين إغناء والزكاة أرقى مظاهر التكافل الاجتماعي
ولكن فضيلتكم، نحن وصلنا اليوم إلى أن الدين الإسلامي ليس دين إفقار بل دين إغناء، وليست فلسفته فلسفة الفقر أو حكمته، وإنما هي حكمة العمارة.
الزكاة ليست جباية أو ضريبة، ولا هي تسلط على الناس. الزكاة أرقى مظهر من مظاهر التكافل الاجتماعي.
[المذيع]: ما شاء الله، الله يفتح عليك يا مولانا. اسمحوا لي باسم حضراتكم أن نشكر فضيلة الإمام العلامة الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية على وعده باللقاء مع فضيلته في الحلقة القادمة والحلقات القادمة إن شاء الله من مفاهيم إفتائية. فإلى ذلك الحين نستودع الله دينكم وأماناتكم.
