برنامج مفاهيم إفتائية (23)- النفقة على الأصول والفروع - مفاهيم إفتائية

برنامج مفاهيم إفتائية (23)- النفقة على الأصول والفروع

24 دقيقة
  • لا تجوز الزكاة للأصول (الآباء والأمهات) والفروع (الأبناء والأحفاد) تحت عنوان الفقر والمسكنة؛ لأن نفقتهم واجبة على المزكي أصلاً.
  • يجوز إعطاء الزكاة للأصول والفروع إذا كانوا من مصارف الزكاة الأخرى مثل العاملين عليها أو الغارمين.
  • يمكن للشخص دفع الزكاة لوالده المدين أو ابنه الغارم لسداد ديونهما، لأن تسديد الديون ليس واجباً على المزكي.
  • يجوز إعطاء كامل مبلغ الزكاة للغارم لتسديد ديونه إذا احتاج لذلك.
  • الزكاة مصممة لتدوير عجلة الإنتاج في المجتمع ولتحريك الاقتصاد من خلال الاستهلاك.
  • لا يصح بناء مصانع من الزكاة، بل من الأوقاف والتبرعات، لأن الزكاة يجب أن تصل إلى مستحقيها ليستهلكوها.
  • تجوز الزكاة لابن السبيل ولو كان غنياً في بلده إذا انقطعت به السبل.
  • تجوز الزكاة للزواج عند مالك ومنصوص عليه في الشافعية.
  • عالج الإسلام الفقر بوسائل متعددة: الزكاة والصدقات والأوقاف والكفارات والنذور والعمل.
محتويات الفيديو(32 أقسام)

مقدمة الحلقة والتساؤل عن إعطاء الزكاة للأصول والفروع

[المذيع]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته، حلقة جديدة من حلقات برنامجكم مفاهيم إفتائية، يسعدنا ويشرفنا أن نكون مع حضراتكم في ضيافة فضيلة الإمام العلامة الدكتور علي جمعة مفتي الديار. أهلًا بك يا مولانا.

[الشيخ]: أهلًا وسهلًا بكم، مرحبًا.

[المذيع]: أهلًا بك يا مولانا، في اللقاء السابق يا مولانا تحدثنا عن الزكاة، وفضيلتك أوضحت لنا أن فلسفة الإسلام فلسفة إغناء، وكنا تساءلنا عن الابن وما نزل والأب وما له، هل يمكن أن أعطيهم زكاة أم لا؟

[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. هذه القضية مبنية على وجوب النفقة في ذمتي للأصول والفروع عند احتياجهم لها.

عدم جواز إعطاء الزكاة للأصول والفروع تحت عنوان الفقر والمسكنة

نعم، يعني معنى أن ابني فقير، معنى أن أبي فقير، أنهم يحتاجون إلى النفقة، وهذه النفقة معلقة بي أنا أصلًا، فكيف يكون عندي مال مدخر عليه الحول وأخرجت فيه الزكاة وأنا مقصر في حق من أعول؟

فإذا أنا عندما أخرج الزكاة أخرجها للفقراء، ولا يجب أن يكون أبي وأنا معي مال أن يكون فقيرًا. ولذلك فلا يجوز إعطاء الفروع وهي الابن وإن نزل [حفيد، ابن الحفيد]، ولا الأصول وهو الأب وإن علا أو الأم وإن علت، تُصرف من الزكاة تحت عنوان الفقر والمسكنة.

جواز إعطاء الزكاة للأصول والفروع تحت عنوان العاملين عليها

نعم، ولكن إذا كان تحت عنوان العاملين عليها مثلًا، فالعاملون عليها يأخذون من الزكاة. يعني أبي هو الذي يأخذ مني أنا الزكاة، سيكون له سهم يأخذه مني لكي ينفقه في سبيل الله أو ينفقه في مصاريف.

فهو موظف من الحكومة، أبي هو موظف الحكومة التي تأخذ منا الزكاة، مني أنا أيضًا الزكاة، فهي لها اثنا عشر ونصف، لها اثنا عشر ونصف في المائة من الزكاة.

نعم صحيح، لأنها من العاملين عليها، لكنها أخذتها بموجب عنوان آخر، عنوان الفقر والمسكنة [لا يجوز تحته إعطاء الأصول والفروع].

جواز إعطاء الأب من الزكاة تحت عنوان الغارمين إذا كان مديونًا

ما شاء الله، والدي رجل كبير في السن، والكبار في السن يحبون أن يُسلّون وقتهم بأي شيء، فذهب واشترى دكانًا ودخل في تجارة لا يُتقنها لأنه لم يكن تاجرًا، وجلس يتسلى.

وأصبح من المديونين، عليه شيكات وإيصالات أمانة وغير ذلك. وأنا هل أنا متفرغٌ؟ أنا مسؤول عن أبي وهو يعيش متسليًا ثم يفقد [ماله].

هذا الشرع لم يكلفني بسداد ديونه، فأعطيه من الزكاة تحت عنوان الغارمين. يعني من الممكن أن أخصص له [نصيبًا] من حساب الزكاة الخاص بي على أنه غارم.

الفرق بين إعطاء الزكاة للأب تحت عنوان الغارمين وعنوان الفقر

[المذيع]: يعني هل يمكنني أن أعطيه اثني عشر ونصف في المائة [من الزكاة]؟

[الشيخ]: لا، ليس له علاقة باثني عشر ونصف في المائة، هنا لا يوجد فيها اثني عشر ونصف في المائة، هو ليس مثل العاملين [عليها]. يعني أعطي زكاة لهذا الشخص، هذا الأب، أسدد بها ديونه.

نعم، لأنه من الغارمين، عليه شكوى. حسنًا، أسدد ديونه وأخرجه من ورطة الغرم الذي هو فيه.

لماذا أدفع له تحت عنوان الغارمين ولا أدفع له تحت عنوان الفقر؟ أي لأنني لست مسؤولًا عن غرمه، لكنني مسؤول عن فقره. يجب ألا يكون فقيرًا، ويجب أن أصرف عليه إذا احتاج ولا يكون فقيرًا فلا يحتاج.

جواز إعطاء الأب كل الزكاة لسداد دينه وثواب صلة الرحم

لكن في الغُرم لا يجب عليّ أن أسدّ الدين أصلًا. صحيح، ولذلك فلست مخطئًا ولا مقصرًا في حقه، فحينئذ يجوز لي أن أعطيه من الزكاة.

ويكون للزكاة هنا في الحقيقة ثوابان: ثواب الإعطاء والإخراج، وثواب صلة الرحم.

[المذيع]: جميل، يصبح إذا هذا الأمر واضح تمامًا أن أبي الذي عليه شكوى أعطيه من الزكاة. هنا يا مولانا بعد إذن فضيلتك، هل يمكنني أن أعطيه مبلغًا كبيرًا جدًا حتى لا يُسجن؟

[الشيخ]: له زكاة كلها، أعطِ له زكاة كلها، أعطِ له زكاة كلها لأنه تحت عنوان الغارمين.

الإفتاء بالمذاهب الأربعة وعدم وجوب التوزيع على الأصناف الثمانية

ما شاء الله، طبعًا مذهب الشافعي في تفاصيل أخرى ليس لنا شأن بها، لكننا نفتي الآن للناس مباشرة بالمذاهب الأربعة، وتخيرنا من المذاهب من لا يفرض على المزكي أنه يوزع على الثمانية [أصناف الزكاة].

لا، ليس كذلك، سنفعل هكذا، سنعطيه كل المبلغ الذي أملكه [من الزكاة].

صورة إعطاء الابن الغارم من الزكاة لسداد ديون المدارس

جميل! الصورة الخاصة بالأب [انتهت]، هي [الآن صورة الابن]: ابني تزوج وأنجب وأدخل الأولاد المدارس، واستدان من أجل هذه المدارس. أدخل الأولاد مدارس بأموال ليست مجانية، فتورط فيها.

في السنة الأولى استطاع [الدفع]، وفي السنة الثانية استطاع الدفع، وفي السنة الثالثة تورط فيها، فقمت أنا بدفع هذا الدين له. لماذا؟ لأنه ابني، ليس دين الفقر والمسكنة، بل هو دين ترتبت عليه التزامات أخرى فأصبح من الغارمين، فادفع له.

الرد على من يقول أخرج أولادك من المدرسة الخاصة بدلًا من أخذ الزكاة

[المذيع]: هذا الكلام ممكن، أود أن آخذ من فضيلتك يا مولانا بعد إذنك تساؤلًا، وسأستخدم لفظًا شائعًا للأسف. بعض الناس يقولون: الذي ليس معه لا يلزمه، عندما ابني أو ذلك الشخص الذي يدّعي أنه فقير أو أنه غارمٌ، ما يُخرج أولاده من هذه المدرسة الأجنبية أو مدرسة اللغات ويُدخلهم المدرسة الحكومية يا أخي، يأخذ زكاة لهم؟ نرد عليهم نقول لهم ماذا يا مولانا؟

[الشيخ]: الأمور ليست بهذه البساطة في الحياة. أي قضية، يعني مثلًا القانون المصري ينص مثلًا - وهذا على سبيل المثال - ونحن نتكلم للمسلمين في كل أركان الأرض، يُنص على أنه لا يجوز لمن هو في مدرسة خاصة أن يتحول إلى مدرسة حكومية، لا يجوز قانونًا.

فكأنني أقول له: اترك الأطفال في المنزل، وهذه مصيبة كبرى وبلية عظمى، وتتعارض مع كل مبادئ الشرع الشريف.

مثال عملي على خطورة النظرة الجزئية في منع الزكاة عن المتزوجين

[المذيع]: نعم، بعض الناس ينظرون إلى الأمور بصورة جزئية ضيقة.

[الشيخ]: نعم، ويتكلم من خلال هذا الضيق. وأعني أضرب لك مثالًا قد يكون في هذا المقام. مثلًا يأتيني شخص، هذا الكلام ابتلينا به يعني مارسناه عمليًا مع الناس.

يأتيني شخص ويقول لي: والله أنا ذاهب إلى الزواج وأريد أن أتزوج ونريد أن نشتري كذا وكذا وكذا بعشرة آلاف جنيه. فأقول: لا، ليست هذه هي الزكاة، لا تصلح للمتزوجين كما يقول بعض العلماء.

نعم، فيقول لي: حسنًا. هذا حدث فعلًا، فيأخذ بعضه ويذهب ويشتري هذه الأشياء بالتقسيط. نعم، وأصبحت العشرة خمسة عشر على مدار سنة، وهو محدود الدخل أصلًا وسيتزوج.

تحول الشخص من طالب زكاة للزواج إلى غارم بسبب منع الزكاة عنه

سيتزوج، فيأتي شخص ليقول لي: لا، لا تُعطِ للمتزوجين. أي، حسنًا لا تعطِ للمتزوجين، حسنًا، موافق لن أعطي للمتزوجين.

وبعد ذلك، وبعد ذلك يأتي إليّ بعد سنة ويقول لي: ادفع خمسة عشر ألفًا، إنني مديون وسأدخل السجن، أنقذني! أصبح من الغارمين! ها هو أصبح من الغارمين! تزوج وعليه كمبيالات وشيكات وديون.

فأدفع له خمسة عشر ألفًا بدلًا من عشرة. أليس هذا صحيحًا؟ والخمسة التي أخرتها إنما دخلت في جيب التجار حقًا، الذي باع له بالتقسيط، كان أولى بها شخص فقير آخر يأخذ عليها خمسة أخرى ويتزوج أيضًا.

الإفتاء بجواز إعطاء الزكاة للزواج على مذهب الإمام مالك

قال لي: لا، بل عليك أن تسأله وتقول له ما سبب هذا الدين؟ فإذا وجدت أن الدين سببه الزواج فلا تعطه شيئًا، وحاول أن تعرف لماذا فعل ذلك. قلت له: طيب حاضر نفعل هكذا.

فعندما لم تعطِ له، هذا الكلام فرضًا افتراضي، لكنني والحمد لله أفتي بجواز إعطاء الزكاة للزواج، وهذا مذهب الإمام مالك، وهو منصوص عليه في البرزلي، وهو منصوص عندنا في كتب الشافعية ومستقر، والحمد لله رب العالمين.

إنما أنا أرد على بعض التوجهات التي قد تصدر من بعضهم، يظن أنه يطيع الله، أي أنه يريد أن تصل الزكاة إلى من أراد الله، وهذا أمر مشروع، لكنني أشرح لهم كيف تسير هذه المسألة.

نتيجة منع الزكاة عن المحتاج وتراكم الديون والغرامات عليه

فعندما كان عليه خمسة عشر ألفًا، سُجن - لا حول ولا قوة إلا بالله - وبدأوا يحسبون عليه فوائد وغرامات تأخير حتى أصبحت خمسة وعشرين ألف، أي وهو في السجن.

ماذا تفعل؟ قال: لا، أدفع له حينئذ. أي، حسنًا، ادفع له خمسة وعشرين والأصل عشرة! صحيح أن الخمسة عشر هذه التي ذهبت من الزكاة كان يُمكن أن تخدم الفقراء مرة أخرى.

صحيح، ولذلك فنحن نُطمئن الناس بأنه لا مانع من دفع الزكاة من أجل الإعفاف ومن أجل الزواج، حتى لا نصل إلى هذه الصورة العجيبة الغريبة التي يرفضها الشرع ويرفضها كل المتشرعين.

الزكاة مصممة لتدوير عجلة الإنتاج ولا يصح بناء المصانع بها

[المذيع]: جميل، فالآن نحن نعلم أن الزكاة في الحقيقة مُصممة لمعنى تدوير عجلة الإنتاج في المجتمع.

[الشيخ]: جميل، ولذلك بعض الناس يقول: حسنًا، ألا نبني بها مصانع؟ لا يصح. الذي نبني به مصانع هو الوقف وليس الزكاة، وليس الزكاة التي نبني بها مصانع. التبرع والصدقة وما إلى ذلك، لكن الزكاة لا، لا يصح.

يجب أن تصل الزكاة إلى مستحقيها لكي يصرفوها.

[المذيع]: حسنًا، دعنا بعد إذنك يا مولانا نتوقف عند الفرق بين الوقف وبين الزكاة، ونذهب إلى الفاصل ونعود لنستكمل إن شاء الله. ربنا يفتح عليك يا مولانا. اسمحوا لنا أن نخرج لفاصل ونعود إليكم فابقوا معنا، السلام عليكم ورحمة الله.

أهمية الاستهلاك في تدوير عجلة الإنتاج ودور الزكاة فيه

[المذيع]: عدنا إليكم من الفاصل، الجزء الثاني من حلقة اليوم من برنامجكم مفاهيم إفتائية. فضيلتكم يا مولانا قبل أن نخرج للفاصل كنا وصلنا إلى أن الزكاة تُستخدم لتدوير عجلة المجتمع، ولا نبني بها مصانع.

[الشيخ]: لأن هذا الاستهلاك مهم، يعني لنفترض أننا لم نستهلك السلع، فستبور في الأسواق وتمتنع المصانع عن الإنتاج. أهذا صحيح؟ لا، بل يجب علي أن أستهلك هذه السلع حتى يطلبها التجار ويصنعها الصناعيون وتستمر عجلة الإنتاج.

من الذي يشغّل المصانع؟ إنه العامل الذي يتقاضى أجره، ثم ينفق هذا الأجر على الطعام والشراب والملبس والعلاج وغير ذلك، فتدور العجلة.

حكمة ألف ليلة وليلة ونظرية كينز في تشغيل الاقتصاد

سبب الأزمات الاقتصادية الكبرى كما يقول لورد كينز في تحليله الكلي وهكذا هو هذا. ولذلك كانت حكمة الناس في ألف ليلة وليلة موجودة تقول لك: احفر بئرًا واطمر بئرًا ولا تُعطِّل أجيرًا، ولا تُعطِّل أجيرًا.

جميل! العجلة تدور! انظر هذا الكلام الذي في ألف ليلة وليلة، إن حكمة السنين هي أنها اخترعت العمل لكي يحصل الناس على المال، ويتداول هذا المال بين الناس ويُستهلك، فينتج عن ذلك معدل دوران للإنتاج.

الزكاة ليست خسارة بل هي لصالح الغني والفقير والمجتمع

فالزكاة تقوم بهذا الدور دون أن ينتبه من يقول ليس من الخسارة أن نعطيها للفقير. لا، ليست خسارة أن نعطيها للفقير، بل يجب علينا أن نعطيها للفقير. أتعلم لماذا؟ من أجل الغني!

يعني الغني سيستفيد والفقير سيعيش والمجتمع سيستمر ودورة الإنتاج ستستمر.

[المذيع]: جميل، اطمر بئرًا واحفر بئرًا آخر ولا تعطل أجيرًا ولا تعطل أجيرًا.

[الشيخ]: هذه مقولة اللورد كينز، يقول لك: والله هيا نخترع، الحكومة عندما تدخل في أزمة تقوم ببناء جسر.

نظرية كينز في بناء الجسور وهدمها لتحريك الاقتصاد

نعم، الجسر (البريدج)، وتهدمه وتهدمه، لأنها وهي تبنيه تحتاج إلى الحديد وأسمنت وعمال وما إلى ذلك، فيكون كل هذا عمله.

وهي تهدمه، وتريد أيضًا مقاولين وما إلى ذلك، فيكون تبنيه وتهدمه لكي تفك الأزمة؛ لأن الأزمة عندما تستحكم، تشتد على الناس والعباد.

إذن النظام الرباني في الحقيقة فتحها بمنتهى السهولة واليسر، وعلمنا أننا يجب أن نؤديها [الزكاة]، وفرض وركن من أركان الإسلام.

معجزة النبي في تيسير الأمور والانبهار بعمق الدين الإسلامي

وبمنتهى البساطة هذه معجزة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، أن يجعل الأمور تسير بسهولة دون الدخول في التعمقات.

ولو تعمقت فستنبهر من هذا الدين، وتنبهر من ذلك النبي، وتنبهر من هذا الوحي ومن إرادة الله فيه، وتعلم أنه من عند الله، لا حول ولا قوة إلا بالله.

إذن فالزكاة هي نوع من أنواع تدوير عجلة الإنتاج في المجتمع، ولذلك لا بد أن تُستهلك ولا بد أن تُعطى لمن يستهلكها حتى تتم الدورة.

الفرق بين فكر الاستثمار وفكر الاستهلاك في الزكاة وتمليك المصانع للفقراء

أما الفكر الذي دائمًا ينحصر في أن نستثمر نستثمر نستثمر، لا، ليس هكذا فكر. ولذلك إذا أردنا أن نفعل مثل هذا في المجتمعات بعد أن تتطور وتخرج من حزام الفقر، يمكننا حينئذ أن نقيم مصنعًا نملكه للفقراء.

نعم، نقيم مصنعًا يكون ملكًا لهم. أجل، نخرجهم من الفقر إلى الغنى عن طريق تمليكهم مصنعًا يعملون هم أنفسهم فيه أيضًا، يعملون في هذا المصنع ويملكونه.

أفكار من هذا المستوى وهو مستوى مبني على أن الزكاة لا بد فيها أساسًا من التمليك.

علاج الإسلام للفقر بأساليب متعددة وليس بالزكاة وحدها

ما دامت [الزكاة] متعلقة بالأشخاص، هذا أي فرد. يعني كلام حول الفقر والغنى، والفقر في الحقيقة عالجه الإسلام بأساليب مختلفة وليس بالزكاة وحدها.

ليس بالزكاة وحدها، ليس بالزكاة، بل جعل هناك ما يسمى بـالصدقة، وجعل هناك ما يُسمى بـالوقف، وجعل هناك ما يُسمى بـالكفارات، وجعل هناك ما يُسمى بـالنذور.

ثم إنه عالج الفقر بـالعمل، أي بأنك تُخرج الإنسان من فقره بالعمل.

حديث الرجل الذي علمه النبي الاحتطاب بدلًا من السؤال

أي إذا تذكرت الحديث الذي جاء فيه الرجل يسأل رسول الله [صلى الله عليه وسلم]:

فقال [النبي ﷺ]: «أليس عندك شيء؟» فباع فراش بيته وجاء له بقدوم، وقال له: «اذهب واحتطب»

فذهب واحتطب وأدار العجلة، وأصبح الرجل، أي ماذا حدث له؟ حدث أنه تلقى تدريبًا. نعم، دُرّب بهذه الوسيلة وأصبح هناك إنتاج.

هذا هو الفكر الذي ينبغي أن نتبناه، وهو فكر ليس مبنيًا على الفقر، وإنما هو ليس فكر المساعدة فحسب، بل هو فكر مبني على الإنماء والتقوية.

الزكاة ليست إغاثة بل تنمية بشرية وبناء للإنسان

قال النبي ﷺ: «المؤمن القوي خير وأحب عند الله من المؤمن الضعيف»

مسألة واضحة جدًا أن الزكاة ليست من باب المساعدات الإنسانية والإغاثة، لا، بل هي من باب تنمية البشرية ومن باب بناء الإنسان ومن تقديم ذلك الإنسان على البنيان.

فإذن هذه هي ملامح الزكاة في مبادئها العليا.

هل يجوز إعطاء الزكاة لشخص قوي قادر لكنه عاطل عن العمل

[المذيع]: أي حسنًا يا مولانا، لدينا طبعًا الحديث الشريف:

قال النبي ﷺ: «لا تحل الصدقة لغني، ولا لذي مِرّةٍ سويّ»

إنما نرى في مجتمعاتنا أن هناك شخصًا مثلًا ظروفه سيئة ويطالبونه بالعمل ويقولون له: يا أخي، أنت كبير وقوي وتبدو بصحة جيدة، اذهب واعمل، مع أن هناك بطالة ومع أن هناك فقر. فضيلتك أوضحت لنا: احفر بئرًا واردم بئرًا ولا تعطل أجيرًا.

نحن في مجتمعات الآن ليس فيها عمل وتوجد بطالة، هل يمكن أن أعطي هذا الشخص زكاة مع أنه قوي، طالما أنني متيقن أنه لا يملك عملًا؟

[الشيخ]: في الحقيقة تختلف الأمور باختلاف الزمان والمكان والأشخاص والأحوال، وأن كل حالة من هذه الأحوال يجب أن تُدرس.

الفقير ليس فقط غير القادر على الكسب والزكاة تعالج البطالة

ولكن الفكر الأساسي للزكاة لا يأبى أن نعطي المعدمين، ولا يأبى أن نعطي هؤلاء الناس ما داموا مستحقين للزكاة.

الفقير ليس هو المعوق أو ليس هو غير القادر على الكسب فقط، لا، الفقير هو من ليس عنده حاجة وقوت يومه.

فالبطالة إذا شاعت في مجتمع، فالزكاة تدور مرة أخرى لتحرك العجلة وتقضي مرة أخرى على تلك البطالة.

وظيفة الزكاة العليا في القضاء على البطالة والفقر والأمية

ولذلك فنحن مع الذين يضعون الخطط، لا مانع أن يضعوا برامج التدريب، لا مانع. ولكننا لسنا مع أولئك الذين يكفون أيديهم عن ضخ الزكاة من أجل القضاء على البطالة، من أجل القضاء على الأمية، من أجل القضاء على الفقر، من أجل القضاء بخصوص الركود والأزمة.

لا بد علينا أن نفعل هذا، وهذه هي وظيفة الزكاة العليا.

حديث أعطِ السائل ولو كان على فرس وابن السبيل يُعطى ولو كان ابن ملك

وفي ذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم:

قال النبي ﷺ: «إذا جاءك الرجل يركب فرسًا وسأل منك الصدقة فأعطه»

نعم، كما يقولون: أعطِ السائل ولو كان على فرس. نعم، حتى لو كان الشخص راكبًا سيارة فخمة ويقول لي أنا في ضائقة، لا يوجد بنزين في السيارة، أدركني، لا أرفض ولا أقول لا فأنت تستقل سيارة.

ولذلك من الثمانية الذين هم أصناف الزكاة، ابن السبيل. نعم، وابن السبيل يُعطى ولو كان ابن ملك، ولو كان ابن ملك.

قصة الشيخ الدردير وإعطائه الزكاة لابن سلطان المغرب

نعم، يعني تخيل أن ابن الملك نزل وانقطعت به السبل. نعم بالطبع، هذه الأحوال غير موجودة الآن بعد بطاقات الفيزا وبعد لا أعرف ماذا وغير ذلك، هذه الكروت يستطيع أن يستخدمها في أي مكان.

لكن كان من ضمن هذا أن ابن سلطان المغرب المالكي، جاء بعد الحج، نعم، فنزل مصر وأدركه وأدرك أنه ليس معه مال. الشيخ الدردير، نعم ما شاء الله.

فلما عرف ذلك أعطاه من الزكاة، أعطاه من الزكاة وهو ابن سلطان المغرب، وهو ابن سلطان المغرب. نعم، وأعطاه من الزكاة الشيء الكثير حتى يكفيه هو وحاشيته وخدمه وما إلى ذلك.

فهم الشيخ الدردير المستنير للإسلام وتقدير سلطان المغرب له

هذا هو الإسلام، فهمه مستنير. نعم، لأنه هذا الشيخ الدردير، الشيخ الدردير عندما كان فاهمًا للإسلام فعل هكذا.

نعم، عندما وصل ابن سلطان المغرب إلى البلاد وحكى لأبيه، أرسل [السلطان] للشيخ هدية كبرى. طبعًا ما شاء الله، يعني أرسل له ليس لأنه تعويض عن الزكاة، بل لفهمه.

نعم، ما شاء الله، لفهمه. كيف يمكن لابن الملك أن يمد يده؟ صحيح أنه لا يستطيع ذلك، فقد انقطعت به الحال، ولكن الإسلام يبين لنا أن الزكاة مسألة راقية جدًا، وإنسانية جدًا، ولها معنى، وليست مبنية على الفقر [فحسب].

خلاصة الحلقة وتوسيع مفهوم الزكاة لتشمل الغارم وابن السبيل والمتزوج

فهم الشيخ الدردير وتصرف الملك لأنه ملك ابن ملك، صحيح، كانت تصرفات تتوافق مع روح الإسلام ومع المذاهب.

[المذيع]: إذن يا مولانا في نهاية الحلقة، المفاهيم فعلًا - مفاهيم الإفتاء - مهمة جدًا للناس كي تبدأ تغيير مفاهيمها. فكما تفضلتم، ليست المسألة أن شخصًا نُحسن إليه لأنه فقير، بل يمكنني أن أعطي إنسانًا غنيًا إذا انقطع به السبيل، أو لو كان غارمًا لو حصلت له مشاكل معينة أعطه، وفضيلتك أفتيت بأننا يمكن أن نعطي الشاب كي يتزوج.

قول الشيخ الباجوري في إيصال الزكاة لأبناء البيوتات العريقة

[الشيخ]: يقول الشيخ الباجوري في نهاية الحلقة هكذا بسرعة: وتصل الزكاة إلى أبناء الناس [الذين ضاق] بهم الزمان.

[المذيع]: اتصل [أي أوصلها] إلى أبناء الناس، يعني وصّلها أحد عندهم أيضًا.

[الشيخ]: نعم، لن تجعلهم يأتون ليأخذوها. يعني يا أبناء البيوتات العريقة، ما شاء الله، حيث إنهم لم يقولوا بِع الأصول واخرج من بيتك واسكن في كوخ لأنك تسكن في قصر.

نعم، أبدًا، هذا تصل إليه الزكاة.

ختام الحلقة والوعد بمناقشة مسألة الخروج من القصر في الحلقة القادمة

[المذيع]: سنناقش مسألة أن يخرج من القصر ويسكن في كوخ في الحلقة القادمة إن شاء الله بعد إذن حضرتك.

إن شاء الله، اسمحوا لي باسم حضراتكم أن نشكر فضيلة الإمام العلامة الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية على وعده باللقاء إن شاء الله في الحلقات القادمة من مفاهيم إفتائية.

فإلى ذلك الحين، نستودع الله دينكم وأماناتكم وخواتيم أعمالكم.