برنامج مفاهيم إفتائية (26) - الفرق بين الحلال والحرام - مفاهيم إفتائية

برنامج مفاهيم إفتائية (26) - الفرق بين الحلال والحرام

24 دقيقة
  • شرح العلامة علي جمعة الفرق بين الحسابات البنكية وأنواعها، حيث الحساب الجاري يُزكى بنسبة 2.5% من أصل المال.
  • أما الوديعة الاستثمارية فتُزكى بنسبة 10% من الأرباح فقط وليس من أصل المال، لأنها تشبه الأرض في طبيعتها الاستثمارية.
  • استند في ذلك لرأي الشيخ عبد الله المشد الذي طبق قياس غلبة الأشباه، ووضح أن الأموال المستثمرة لا تبقى نقداً بل تتحول إلى مشاريع واستثمارات.
  • بيّن قاعدة "الحرمة إذا لم تتعين حلت" وتطبيقاتها على المعاملات اليومية كبيع الملابس والأجهزة.
  • أوضح أن العبرة بالمستعمِل وليس بالبائع، فالأشياء ذات الاستخدامات المتعددة حلال بيعها.
  • فرّق بين الورع المحمود والورع المتكلف الذي يؤدي إلى الوسواس، ونبه أن التشدد قد يُفضي إلى تعطيل المصالح وترك الواجبات.
  • حذر من الانسياق وراء الفتاوى المتشددة التي تحرم ما أحل الله.
محتويات الفيديو(23 أقسام)

مقدمة الحلقة والترحيب بالشيخ علي جمعة في برنامج مفاهيم إفتائية

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد، فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته. حلقة جديدة من حلقات برنامجكم مفاهيم إفتائية، يسعدنا ويشرفنا أن نكون مع حضراتكم في ضيافة فضيلة الإمام العلامة الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية.

[المذيع]: مرحبًا بك يا مولانا.

[الشيخ]: أهلًا وسهلًا بكم.

سؤال عن زكاة الوديعة البنكية والفرق بين الحساب الجاري وحساب الوديعة

[المذيع]: الحلقة الخاصة اليوم من المفاهيم الإفتائية، نريد أن نتحدث عن الورع والفرق بين الحلال والحرام والورع. نحن في الحلقة الماضية وصلنا مع فضيلتكم إلى أن البنوك ومعاملات البنوك مستحدثة، وأنها ليست محرمة وليست ربا. وكنا طرحنا سؤالًا عن الذي وضع وديعة في البنك واليوم وضع مائة ألف: سيخرج زكاة مالهم اثنين ونصف في المائة من المائة ألف، أو ما مقدار هذا من الحسابات التي تأتي له بأرباح؟ فنريد أن نعرف من فضيلتك.

[الشيخ]: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. هناك حسابان في البنك: حساب يُسمى بالحساب الجاري، وحساب يُسمى بحساب الوديعة.

أو حساب الوديعة يأخذ البنك الأموال ويستثمرها في مجالات مختلفة؛ بعضها تجاري وبعضها صناعي وبعضها زراعي وبعضها يُخصَّص للاستيراد والتصدير وللخدمات وهكذا. فهذه الأموال لا تبقى في البنك، وإنما تُقسَّم بتقسيمات معينة يُنَصّ عليها في علم البنوك والنقود، وينص عليها علم إدارة البنوك؛ بأن بعضها يذهب إلى المركز وبعضها يُستثمر تحت أسقف معينة بطريقة معينة إلى آخره.

الفرق بين زكاة الحساب الجاري وزكاة حساب الوديعة في البنك

[الشيخ]: أي فالحاصل الآن أنها [الوديعة] لم تعد نقدًا. هذه الوديعة إنما هو [البنك] مستعد في الحساب الجاري لأن يعطيك مالك فورًا وبدون أي تأخير؛ ولذلك يحتفظ باحتياطي عنده لمواجهة هذا الصرف الذي هو تحت الطلب إن صح التعبير.

إذا كانت أموالك في الصورة الجاري [الحساب الجاري] هذا، فعليه اثنان ونصف في المائة؛ لأنه يُعتبر أمانة عند شخص آخر، أي كأنك وضعت أموالك في خزينة. نعم، فإذا كان الحساب الجاري عليه اثنان ونصف في المائة.

نعم، أما حساب الوديعة فهي لم تعد مالًا؛ إذ إنها دخلت في مشاريع كثيرة. نعم، ولهذا الوديعة قد تكون مدتها سنة وقد تكون مدتها أكثر من سنة إلى آخره.

تشبيه الوديعة البنكية بالأرض الزراعية وقياس غلبة الأشباه عند الشيخ المشد

[الشيخ]: وحينئذٍ يُشبّهها الشيخ عبد الله المشد رحمه الله تعالى، وأنا معه في هذا التشبيه، وكان رئيس لجنة الفتوى في الأزهر الشريف وعضو مجمع البحوث الإسلامية، [يُشبّهها] بالأرض. بالأرض، وهذا معروف عندنا في أصول الفقه بقياس غلبة الأشباه، أي أن فرعًا ما يتردد بين أصلين فنُلحقه بأكثرهما شبهًا.

[المذيع]: بأكثرهما شبهًا.

[الشيخ]: فأصبح الآن الرقم المودع في البنك هو رقم، واضع في البنك مليونًا ومائة ألف، هذا الرقم: هل هو مثل النقود فيحصل عليه مثل الحساب الجاري اثنين ونصف في المائة؟ أم هو مثل الأرض فيحصل على نتيجة العُشر، أي عشرة في المائة من الناتج؟

أي الواقع الذي نفهمه من البنوك أنه مثل الأرض؛ إنه أقرب شبهًا بالأرض. هو يُشبه النقود في العدد وقُدِّمت ستة أصفار، لكن في واقع الحياة هو يُشبه الأرض.

زكاة الأرض تكون على الثمرة لا على قيمة الأرض نفسها وتطبيقها على الوديعة

[الشيخ]: أي عندما فرض الله زكاة في شأن الأرض فرضها على الثمرة ولم يفرضها على قيمة الأرض ولا الأرض نفسها؛ لأن الأرض غير مقدور أن أُخرج منها شيئًا، لكن الثمر أُخرج منها شيئًا والزرع أُخرج منه شيء.

ولذلك فالزروع والثمار والزروع نُخرج منها إما عشرة في المائة أو خمسة في المائة. إذن سنعتمد عشرة في المائة؛ لأنه لا توجد تكلفة هنا تجعلني أدفع الخمسة في المائة. هذا فكر الشيخ عبد الله المشد رحمه الله، أوصى به بعد أن عُرضت عليه [قصة امرأة كبيرة في السن].

قصة المرأة التي أودعت مكافأة زوجها في البنك وكيف تآكلت وديعتها بسبب الزكاة

[الشيخ]: سيدة عندها ثمانون سنة، أنها كانت زوجة رجل عظيم وجيه أُحيل إلى التقاعد، وأخذ مكافأة من الجهة التي كان يعمل بها آنذاك في ذلك الزمن الأول مائة ألف جنيه. مائة ألف جنيه هذه كانت ذات قيمة كبيرة.

[المذيع]: وطيبة، وهم من علية القوم.

[الشيخ]: فوضعتها في الاستثمار، والاستثمار يدرّ عليها ربحًا. وحصلت على اثنين ونصف في المائة من مائتين وخمسة آلاف من المائة ألف. عمولة المائة ألف كانت عشرة آلاف، كانت تضعها مع المعاش.

عندما توفي زوجها أصبح لها معاش من الدولة، فتضع العشرة آلاف مع المعاش وتعيش. لديها خادم ولديها سيارة ولديها كذا، يعني تعيش حياتها.

إلا أنها لاحظت أن مصاريفها العادية التي طالما عاشت بها هي عبارة عن ألفي جنيه في الشهر. نعم، من أكل وشرب ولباس وعلاج، وبدأ العلاج كلما تقدمت في السن يعني تحتاج إليه، فتصرف في السنة أربعة وعشرين ألفًا. العشرة التي تأتي من الوديعة والاثني عشر أو ثلاثة عشر تأتي من المعاش.

كيف تآكلت الوديعة بسبب إخراج الزكاة وارتفاع الأسعار وتقدم السن

[الشيخ]: ولديها قدر وإمكانية بأن تضغط على نفسها قليلًا في ذلك. ولكنها عندما بدأت سنة تمر وجاءت لتُخرج الزكاة، لم يكن معها إلا أن تسحب من الوديعة.

[المذيع]: اثنين ونصف في المائة.

[الشيخ]: ألفان وخمسمائة، فسحبتهم فنقصت الوديعة إلى سبعة وتسعين ونصف. فنقصت الوديعة.

[الشيخ]: نقصت عشرة [آلاف من الأرباح] هذه أيضًا بطريقة بسيطة هكذا.

[المذيع]: سبعمائة تُتلف قليلًا.

[الشيخ]: سبعمائة وعدد قليلًا، مائتان وخمسون جنيهًا مثلًا. فأصبحت الآن الفجوة كبرت. أولًا نقص الأرباح كبَّر الفجوة، وكبَّر الفجوة أكثر وأكثر ارتفاع الأسعار، وكبَّر الفجوة أكثر وأكثر احتياجها إلى أدوية إضافية لتقدم السن.

فلما حصل هذا أصبحت الفجوة بدلًا مما هو مقدور على تغطيته أصبحت أوسع من هذا، مما اضطرها إلى أن تأخذ من المائة ألف.

تآكل الوديعة بالكامل حتى احتاجت المرأة إلى الصدقة عند بلوغها الثمانين

[المذيع]: نعم، السبعة وثمانية [وتسعين ألفًا] الذي وصلوا منه، تأخذ قليلًا أيضًا لتغطي الفجوة.

[الشيخ]: هذه الفجوة كانت ثلاثة آلاف إلى أربعة آلاف.

[المذيع]: نعم، سحبتهم.

[الشيخ]: فسحبت الأربعة آلاف منها، ثم بعد ذلك ظهرت اثنان ونصف في المائة في السنة الثانية، فازدادت الفجوة، فظهرت كذا وكذا إلى آخره. وعندما بلغت سن الثمانين، وهي من عائلة محترمة، لم يعد لديها مال.

[الشيخ]: وأصبحت تحتاج إلى صدقة، فتعرضت للضيق. فما معنى ذلك؟

[المذيع]: قُضي عليها خلال سنوات.

[الشيخ]: مضت عليها خلال السنوات.

فتوى الشيخ المشد بأن الوديعة كالأرض وزكاتها عشرة في المائة من الأرباح

[الشيخ]: فالشيخ [عبد الله المشد] قال: لا يوجد شيء خاطئ. نحن نظن أن هناك شيئًا خاطئًا في هذا [التطبيق]. الإسلام يؤدي بالزكاة إلى هذا؟! ما الذي يحدث؟ عندما قمت بفك الوديعة فكأنك بعت الأرض.

فالوديعة مثل الأرض، وليست مثل النقود. الوديعة كالأرض؛ ولذلك لا نفك الوديعة [لأننا] كأننا نبيع الأرض. هذا، هذا يقول: الأرض كالعَرض، يعني لا تُفرِّط فيها، يعني لا بد عليك أن تحافظ على أصولها.

إذن هذا الوضع هو الذي دفع الشيخ عبد الله المشد أن يبحث هذا البحث، وهو بحث جيد جدًا؛ لأنه متعلق بإدراك الواقع. دائمًا نحن نبحث عن إدراك الواقع، ومتعلق بفلسفة الزكاة في الإسلام وأنها ليست للإفقار، ومتعلق بأن هذا أيضًا فيما يتعلق بدفع الزكاة.

حكم من لا يستطيع دفع الزكاة وتطبيق تشبيه الوديعة بالأرض لحماية المال

[الشيخ]: فبعض الناس بعد ذلك قالوا: لا، ما دامت غير قادرة على دفع الزكاة فلا تدفع الزكاة مطلقًا. لا، هي لا تستطيع أن تدفع الزكاة ولا تفك الوديعة.

إذا قلنا إنه من نفس الإيراد تأخذ عشرة في المائة منه، تشبيهها لها بالأرض يعني أننا طبقنا كل الشريعة واستفاد الفقير، والمرأة لم تُضارّ أو الرجل أو أي شيء آخر.

فكثير جدًا من إخواننا الذين يكون لهم مكافآت نهاية الخدمة يسألونا: نودعها في البنك، فهل علينا اثنان ونصف في المائة أم عشرة في المائة؟ فنقول لهم: عشرة في المائة بفتوى الشيخ المشد؛ لأجل هذا الفهم وهذا الوضع، وإن شاء الله يكون وضعًا صحيحًا عند الله.

[المذيع]: الله يفتح عليك يا مولانا، عشرة في المائة من الأرباح التي تخرج وليس اثنين ونصف من قيمة الاستثمار، ما دامت وديعة.

[الشيخ]: وما دام الإنسان وضعها من أجل أن يأكل منها، فهي تُشبه الأرض؛ لأن واقعها أقرب إلى الأرض على سبيل قياس غلبة الأشباه.

[المذيع]: ما شاء الله، ونحن هكذا استفدنا من علم فضيلتكم في الحلقات الماضية من مفاهيم إفتائية عن القياس والمفاهيم الإفتائية.

الانتقال إلى موضوع الحلال والحرام والورع وتساؤلات حول العمل في أماكن تبيع محرمات

[المذيع]: وسننتقل لهذه النقطة. نذهب إلى الفاصل مولانا ونعود لنستكمل الفرق بين الحلال والحرام والورع؛ لأن بعض الناس لديهم تساؤلات كثيرة ولديهم أفكار ويسألون.

بعض من يدّعون العلم، من ضمنهم أنا [المذيع]، أعمل في سوبر ماركت وأحيانًا يبيع موادّ مثل الخمور أو البيرة، أو أعمل في فندق، هل عملي حرام؟ ولا نعرف الفرق بينهم. من هنا بعد الفاصل إن شاء الله، فقط نعود إليكم فابقوا معنا. السلام عليكم ورحمة الله.

قاعدة الحرمة إذا لم تتعين حلت وتطبيقها على بيع الملابس الداخلية وأدوات المكياج

[المذيع]: عدنا إليكم من الفاصل، الجزء الثاني من حلقة اليوم من برنامجكم مفاهيم إفتائية. قبل الفاصل وصلنا مع مولانا إلى أن إخراج زكاة المال على المال المستثمر في البنك هو عشرة في المائة من الربح، وليس اثنين ونصف في المائة من قيمة الاستثمار.

يا مولانا، هناك بعض الناس يتساءلون: أنا لدي محل أدوات منزلية وخردوات وما إلى آخره، وأبيع ملابس داخلية للمرأة أو بنطلونات ضيقة أو أدوات مكياج، في بعض الناس يقولون أن هذا حرام لا تتاجر فيه، نقول له: فضيلتك ترد وتقول له ماذا؟

[الشيخ]: هناك قاعدة وضعها الفقهاء، وهذه القاعدة تقول: الحرمة إذا لم تتعيّن حلّت.

[المذيع]: الحرمة إذا لم تتعيّن حلّت، أصبحت حلالًا، يعني أصبحت حلالًا لأنها لم يتعيّن. نعم.

[الشيخ]: وسأذكر أن هذه القاعدة تعلمتها من الشيخ سعيد اللحدي نعم، في الحرم المكي، وكان يُدرِّس في المدرسة السلطانية القواعد الفقهية.

تطبيق قاعدة الحرمة إذا لم تتعين حلت على بيع الملابس وكل ذي استعمالان

[الشيخ]: ما شاء الله، الحرمة إذا لم تتعيّن حلّت. تطبيقها يفيد إخواننا هؤلاء. نعم، الذين يأتون ويقولون: أنا أبيع الملابس الداخلية للمرأة، فهل هذا حلال؟ وليس حرامًا.

فما وجه الحرمة في ذلك؟ يقول: لعلها أن تخرج بتلك الملابس، يعني تستخدمها في شيء حرام، يعني لعلها... ما هذا؟ هذا هَتْر في اللغة العربية، والهَتْر هو الحُمق.

هي [الملابس وغيرها] كل ذي استعمالان، فالعبرة فيه بالمستعمِل.

[المذيع]: كل ذي استعمالان، فالعبرة فيه بالمستعمِل. يعني السكين يمكن أن نستعملها في أعمال المطبخ من تقطيع الزبد واللحم وما إلى ذلك، كلنا نستخدم السكين، ويمكن أن أقتل بها والعياذ بالله تعالى.

فإذن السكين لها استخدامان: صحيح وقبيح. إذن هذا الذي يستخدمها، فالعبرة بالمستعمل، ويكون هذا الذي أخذها وقتل بها مسؤولًا عن فعلته. هي هكذا.

تطبيق قاعدة كل ذي استعمالان على تأجير الشقق والفنادق والأدوات المختلفة

[الشيخ]: الشقة للإيجار، أن أُؤجر شقة: يجوز أن أعبد الله فيها، وأن أُحيي الليل بالركعات في الظلمات، ويجوز للإنسان أن يُفسد فيها. إذا كانت الشقة مسكنًا له استعمالات: استعمال قبيح واستعمال صحيح، فالعبرة بالمستعمل.

ما مسؤولية صاحب البيت؟ ليس له مسؤولية. صحيح؛ لأنني عندما استأجرتها له، استأجرتها على أساس أنها سكن، ولم أستأجرها على أساس أنها ملهى ليلي مثلًا أو بيت للدعارة أو ما شابه ذلك.

إذن فكل ذي استعمالان، والعبرة فيها بالمستعمِل؛ لأن الحرمة إذا لم تتعيّن حلّت.

شخص يقول لي: حسنًا، أنا أبيع أجهزة تلفزيون وأطباق استقبال فضائية وما إلى ذلك. التلفزيون إما أن أرى فيه الخير وإما أن أرى فيه الشر. أحدهم يقول لي: أنا أبيع القلم الذي يمكن أن يُكتب به المديح والثناء على الله، ويمكن أن يُكتب به الكفر أيضًا. فمن المسؤول إذن؟ بائع القلم أم الورّاق؟ لا، الحرمة إذا لم تتعيّن حلّت، بمعنى أن كل ذي استعمالات، فالعبرة فيه بالمستعمل، والمسألة في المستعمل.

متى يكون الاستعمال واحدًا فيحرم وحكم بناء ما لا يصلح إلا للحرام

[المذيع]: إذن فضيلتك، العبرة في الاستخدام. أعني أنا أبيع له قلمًا، أبيع له سكينًا، أبيع ملابس داخلية، أنا ليس لي ذنب في كيفية استخدامه لها، هو الذي سيُحاسب على استعماله، ما دام لها استعمالان. ما دام لها استعمالان.

جميل، فلو أن شخصًا جاء وقال لي: نحن نريد أن نبني ثلاجة لحفظ الخمور، وهي لا تصلح إلا لحفظ الخمور؟ الخمور فقط، هي مصنوعة بطريقة والآلية التي فيها لا تحفظ إلا الخمور فقط.

[المذيع]: يعني يكون حرامًا؛ لأنها ليست استعمالان كما علمتني فضيلتك.

[الشيخ]: ليس هناك استعمالان، استعمال واحد واستعمال حرام. طيب، والمصمم لها حرام؟ طيب، والباني لها حرام؟ حسنًا، والرجل الذي يقول إن الحرام خلاص صار حلالًا لأنه استعمال واحد، صحيح؟

حكم بناء المطاعم والفنادق التي لها استعمالان والرد على من يشوه الفتاوى

[الشيخ]: شخص قال لي: حسنًا، أنا سأبني مطعمًا، وهذا المطعم قد يُؤكل فيه الحلال وقد يُؤكل فيه الحرام. إذن المال الذي سأستعمله في بنائه يكون جائزًا؛ لأن له استعمالان.

وقال لنا شخص آخر: سأبني فندقًا، وهذا الفندق سيكون للسكن، لإقامة الناس، ولكن قد تُرتكب فيه الفاحشة. قلت له: حسنًا، بالضبط، يكون هناك استعمالان، يكون استعمال. إذا كان بناء الفنادق حلالًا [فلا إشكال].

أحد المجرمين كتب عنوانًا، ولم أقرأ ما تحته، إذا قال إن المفتي يبيح - أظن - الدعارة أو شيئًا من هذا القبيل. إذن هذا الرجل جاهل، جاهل عنده غباوة، لم يفهم الفقه، ولم يفهم الحياة، ولم يفهم كذا إلى آخره، فكتب ما كتب للأسف.

وأن الحمد لله هذا يعني مثل ما تقول لا يلتفت إليه أحد. نعم، والحمد لله رب العالمين. ولكن هذه العقلية هي العقلية التي أفسدت في الأرض؛ لأنها لم تكن صالحة.

قصة الطالب التركي مع الشيخ الضرير والدفاع عن العلم الشرعي ضد الجهل

[الشيخ]: أنا أتذكر أن زميلًا لنا كان في كلية الشريعة، أي وكان تركيًا، كان تركيًا. وكان الشيخ يشرح لنا شيئًا في الفقه ويُفصّله.

التركي رحمه الله وانتقل إلى رحمة الله تعالى، التركي عندما سمع الشيخ خطر في باله أن هذا يعني قد يكون ليس فيه ورع. والشيخ رحمه الله أيضًا كان ضريرًا، واعترض عليه وقال له: يا شيخ، ما هذا الكلام الذي تقوله؟

فثار الشيخ ثورة عارمة وقال له: نحن حفظنا الدين يا جاهل! من المتكلم؟ خاف الولد وسكت. سكت لأن الشيخ ثار ثورة عجيبة غريبة لا أنساها أبدًا في الدفاع عن الدين، وأن هذا الشرع الشريف مبني على العلم لا على الجهل.

ويقول له كذلك يقول: هذا علمٌ يا جاهل، هذا شرعُ الله يا فاسق! وقد تمادى في هذا من أجل غضبةٍ لله تعالى.

أثر موقف الشيخ في الطالب التركي وأهمية احترام حفظة الشريعة وعلمهم

[الشيخ]: هذا الموقف أثَّر في الولد جدًا، ودائمًا كان يرويه ويحكيه بالرغم من أنه كان ضده. ويقول: لقد تعلمت من الشيخ أن حفظة الشريعة يجب علينا [أن نحترمهم]، وأن نسمع كلامهم حتى يرضى الله عنا.

لا إله إلا الله، كان هذا الزميل يقول هذا وقد مات. أظن أنه قد مات شهيدًا؛ لأنه مات في حادث سيارة وما إلى ذلك.

أريد أن أقول إن العلم الذي تركه لنا العلماء لا ينبغي للسفلة والسفهاء أن يتلاعبوا به، وأن يُخرجوه عن حده.

مقاصد الفقهاء من تطبيق الشريعة وتسهيل الحياة والتحذير من التشدد والورع الكاذب

[الشيخ]: ما أراده الفقهاء الكرام أولًا من تطبيق الشريعة، وثانيًا من تطبيق سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وثالثًا من تعليم الناس أمر دينهم، وتسهيل الحياة عليهم، وتحقيق المقاصد الشرعية المرعية التي نصل إليها بالعلم، لا نصل إليها بالهوى وقلة الديانة.

والتشدد يُحسنه كل أحد، وتُحرِّم على الناس ما بين السماوات والأرض، ما هذا؟ يُتقنه كل أحد، وإنما العلم لا يُتقنه الجميع.

[المذيع]: هنا يا مولانا، فضيلتكم وضحتم لنا نقطة مهمة جدًا.

قصة المرأة التي اكتشفت أن حماها مرتشٍ وحكم استخدام جهازها المشترى من ماله

[المذيع]: فكانت هناك تساؤلات نريد أن نطرحها على فضيلتكم، وقد أجبتم عليها تقريبًا من غير أن نسألها. يعني كان هناك بعض الناس يتساءلون أو موضوع دائمًا يُثار: أن إحدى النساء جلب لها حموها الجهاز، وجلب لابنه الجهاز وزوّجها به، ثم اكتشفت أن هذا الموظف مرتشٍ وقُبض عليه متلبسًا ودخل السجن.

فأصبحت تفكر وتتساءل وتقول: لا أريد استخدام الأدوات المنزلية الخاصة بي وجهازي هذا؛ لأن حمي جلبه لي من مال حرام، لأنه موظف مرتشٍ.

هنا اتضح أن:

[الشيخ]: الحرمة إذا لم تُعيَّن حلّت. ما دام موظفًا فإذا كان يدخل له راتب، ثم أنه فاسق مرتشٍ، نعم، فيدخله حرام. فهذا الذي أتى [الجهاز] إنما هو من الحلال؛ لأن الحرمة لا نعرف هي من أين جاءت.

فالأموال التي دخلت له لا نعرف أنها من مكان معين. لا، هي مختلطة.

[المذيع]: فيها حلال وفيها حرام.

[الشيخ]: فيها حلال وفيها حرام، والمحرمات إذا لم تتعيّن حلّت.

باب الورع في عصر الفتن والتحذير من الوسواس والتنطع في الدين

[الشيخ]: وباب الورع أصبح بابًا آخر. نحن في الحقيقة في عصر فتن؛ ولذلك نتمسك بحدّ الحلال والحرام. أما باب الورع فهو واسع، لكن كثير من الناس لو أنهم ولجوه في هذه العصور لأُصيبوا بالوسواس.

كان الصحابة يتركون سبعين بابًا من أبواب الحلال خشية من الوقوع في باب من أبواب الحرام، أي أنهم كانوا يتركون الحلال الصافي. عندما نأتي الآن مع هذه الفتن وتسارع الأمور ونحاول أن نطبق هذا، لا يستقيم لنا.

ولذلك قد يصل بنا إلى أمور منها الوسواس، وهو منهي عنه، وهو حالة نقص لا ترضاها الشريعة. وأمرنا الرسول صلى الله عليه وسلم بألا نُدخل أنفسنا في الوسواس وقال:

قال النبي ﷺ: «هلك المتنطعون»

أي ولما مرّ أحدهم ونزل عليه ماء فقال: هل هذا نجس أو كذا؟ فقال عمر [رضي الله عنه]: بالله لا تُجِب هذا المتنطع! بالله لا تُجِب هذا المتنطع! لا، وقعت عليك، اعتبرها حلالًا طاهرًا وامضِ، أو ما شابه ذلك.

الورع المطلوب على قدر والتحذير من الورع الكاذب الذي يبطل الحلال والحرام

[الشيخ]: فإذا ما شاء الله، يعني باب الورع: الورع مطلوب ولكن على قدر، ليس أن تترك سبعين حلالًا كما كان يفعل سادتنا الصحابة الكرام؛ لأن هذا أمر يورث الوسواس في عصرنا الحاضر، ويورث تعطيل المصالح، ويورث العزلة، ويورث أشياء كثيرة جدًا.

ولذلك يجب علينا أن نتمسك بالحلال والحرام، وأن لا نُنكر على إخواننا إذا ما تمسكوا بالحلال والحرام. فإذا تورّع الإنسان في شيء أو شيئين، وإذا استطاع الإنسان هذا التورع من غير أن يترك فرائض دينه؛ من الدعوة إلى الله، من تصحيح المفاهيم، من العلم، من فروض الكفايات؛ لأنه لو ترك هذا يكون آثمًا.

أما لو أنه أكمل دينه وتورّع في الشيء والشيئين فلا بأس به. فالورع [مطلوب]، لكن كونه يُصدِّر الورع حتى يكرّ على الحلال والحرام بالبطلان، فهذا هو ما يُسمى الورع الكاذب الذي نُهي عنه.

ختام الحلقة والدعاء للشيخ علي جمعة والتوديع

[المذيع]: بارك الله فيك يا مولانا، الوقت مع فضيلتك يمر سريعًا. يعلم الله أننا نحبك في الله، وندعو الله أن يُبقيك لنا كي نستفيد من علمك مرات ومرات.

اسمحوا لي باسم حضراتكم أن نشكر فضيلة الإمام العلامة الدكتور علي جمعة. على موعد باللقاء في حلقات قادمة إن شاء الله من مفاهيم إفتائية. إلى ذلك الحين، نستودع الله دينكم وأماناتكم وخواتيم أعمالكم.