سبيل المبتدئين في شرح البدايات من منازل السائرين | باب التذكّر | أ.د علي جمعة - تصوف, منازل السائرين

سبيل المبتدئين في شرح البدايات من منازل السائرين | باب التذكّر | أ.د علي جمعة

47 دقيقة
  • باب التذكر هو السادس من الأبواب العشرة التي تمثل قسم البدايات، ويأتي بعد اليقظة والتوبة والمحاسبة والإنابة والتفكر.
  • التذكر يمثل ثمرة التفكر، فالتفكر بحث وطلب، والتذكر وجود ورفع للحجاب.
  • بنية التذكر ثلاثة أشياء: الانتفاع بالموعظة، والاستبصار للعبرة، والفوز بثمرة الفكرة.
  • ينتفع الإنسان بالموعظة بشدة الافتقار إليها، والعمى عن عيب الواعظ، وتذكر الوعد والوعيد.
  • الاستبصار للعبرة يكون بحياة العقل الذي يحسِّن ما حسَّنه الشرع ويقبِّح ما قبَّحه، ومعرفة أن الأيام التي تذهب لا تعود، والسلامة من الأغراض.
  • ثمرة الفكرة تُجنى بقصر الأمل، والتأمل في القرآن، وقلة الخلطة والتمني والتعلق والشبع والنوم.
  • المؤمن عليه أن يجعل الدنيا في يده وليس في قلبه، فلا يفرح بالموجود ولا يحزن على المفقود.
محتويات الفيديو(45 أقسام)

مقدمة الدرس وبيان موضع باب التذكر من أقسام البدايات العشرة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

قال المصنف رحمه الله تعالى ونفعنا الله بعلومه في الدارين، آمين: باب التذكر.

يعني هذا باب التذكر، فبعد أن ذكر [المصنف] من قسم البدايات: باب اليقظة، باب التوبة، باب المحاسبة، باب الإنابة، باب التفكر، يذكر السادس من الأبواب العشرة التي تمثل قسم البدايات.

وقسم البدايات واحد من عشرة [أقسام]، وكل باب واحد من مائة. فنحن الآن في الطبقة الأولى في الخطوة السادسة، وهناك مائة خطوة مقسمة إلى عشر مراحل أو طبقات أو أقسام، وكل واحدة من العشرة فيها عشرة أبواب أو خطوات.

حقيقة اليقظة ومعرفة زوال الدنيا وعبودية الإنسان لله تعالى

تيقظ الإنسان من غفلته وعَرفَ حقيقة الدنيا وأنها إلى زوال، هذه حقيقة الدنيا؛ لم تَبقَ لأحدٍ من قبله. هذه حقيقة اليقظة؛ فيَقِظَ وعَرفَ أنه لا حولَ ولا قوةَ إلا بالله، وأنه لا حولَ ولا قوةَ به، ولا يستطيعُ أن يُحدِثَ في الكونِ إلا ما أرادَ الله وبإذنِ الله، فلا يكونُ في كونِه إلا ما أراد.

تيقظ فعرف أنه عبد مكلف يجب عليه أن يأتمر بأمر ربه سبحانه وتعالى، فيقف عند أوامره ويفعلها، وعند نواهيه فينتهي عنها، وعند حدوده فلا يتعداها.

اليقظة بمعرفة اليوم الآخر والحساب والثواب والعقاب

تيقظ فعرف أن هناك يومًا آخر نعود فيه إلى الله، وليست المسألة دنيا فقط، والحساب يكون في الدنيا وينتهي الأمر، وكما نشأنا من تراب نعود إلى تراب. أبدًا، هناك يوم آخر للحساب، للثواب، للعقاب، يحقق فيه ربنا سبحانه وتعالى وعده بالجنة ووعيده بالنار والعياذ بالله.

يقظة عرف حقيقة الأمر، عندما يعرف الإنسان حقيقة الأمر فإنه يجب عليه أن يبادر بالتوبة. التوبة من المعاصي حتى يدخل دائرة التكليف، التوبة من السوى حتى يصل إلى التوكل الصادق على الله.

حقائق التعامل مع الله والنفس والخلق بين التسليم والهمة والرحمة

فإن الله سبحانه وتعالى حقيقة الأمر معه التسليم والرضا، وحقيقة الأمر مع العباد الرحمة، وحقيقة الأمر مع النفس الهمة.

إذن، فيجب عليك أن تعرف حقائق الأشياء: مع ربك سلِّم وارضَ بما قد كتبه الله عليك ولك، ومع نفسك كن عندك همة للعمل الصالح وللتصديق الصحيح. مع الخلق يكون لديك رحمة مع الشرع، ويكون لديك سمع وطاعة.

﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ ٱلْمَصِيرُ﴾ [البقرة: 285]

يتوب ويرجع عما هو عليه، فيتوب من حقوق الله، ويتوب من حقوق الناس، ويهيئ نفسه للحياة الجديدة مع الله، ويترك ما قد مضى وكان.

مراحل المحاسبة والإنابة وتنفيذ العهد مع الله بعد التوبة

فإذا فعل ذلك [التوبة والرجوع]، فعليه أن يحاسب نفسه وأن يتذكر خطاياه، وأن يعد نعمة الله حتى يعجز عن عدها فيخضع له سبحانه وتعالى، وهو باب المحاسبة.

فإذا فعل ذلك فلا بد عليه من تنفيذ ذلك العهد الذي عاهده مع الله في التوبة؛ فالتوبة عهد، والإنابة عمل تنفيذ للعهد. فليبدأ في تنفيذ عهده، فينخلع من دائرة المعصية إلى دائرة الطاعة، ومن دائرة الظلمات إلى دائرة النور، ومن دائرة التعلق بالسوى - أي سوى الله - إلى أن يكون قلبه ليس فيه إلا الله.

الفرق بين التفكر والتذكر وعلاقتهما بالبصيرة والبصر

بعد الإنابة يأتي دور التفكر.

﴿لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: 176]

وقلنا في التفكر أن البصيرة ترى كما يرى البصر، ولكن البصيرة من عيون القلب والبصر من عيون الجوارح. البصر ينظر ويتلفت ويطلب مراده حتى يراه، والبصيرة أيضًا تطلب مرادها حتى تراه.

فالبصيرة تحاول أن تفعل شيئًا لله تصل به إليه، هذا هو التفكر؛ جالس يتفكر. التذكر الذي معنا اليوم وصل للشيء، يعني كالعلاقة بين الإنابة والتوبة؛ فالتوبة نظر والإنابة عمل. سنبدأ الآن في الجدية، وكذلك التفكر عبارة عن بحث يتفكر، لكن التذكر جني الثمرة؛ يدور على ثمرة يأكلها فوجدها كلها، هذا هو التذكر.

التذكر يأتي بعد اليقظة والتفكر ولا فائدة فيمن هو في غفلة

إذ يكون التذكر بعد التفكر وبعد اليقظة؛ إذ لا فائدة فيمن هو في غفلة، فكيف تتحدث إلى نائم؟ لا تكليف على غافل، لا تكليف على غافل.

توجد قصص يسمونها قصص المجذوبين، لكننا لا نحب أن نذكرها كثيرًا حتى لا يسيء الناس فهمنا خطأ. إنما هؤلاء المجذوبون أيضًا أخذوا الحكمة من أفواه المجانين؛ ما دام العالم الذي نعيش فيه مجنون ليس له أصل ولا فصل، فمن المناسب أيضًا أن نأخذ الحكمة من أفواه المجانين.

الشيخ الشوني وإنشاء مجالس الصلاة على النبي في الجامع الأزهر

كان لدينا هنا شيخ عظيم جدًا في القرن التاسع الهجري اسمه الشيخ الشوني، والشيخ الشوني هذا هو الذي أنشأ مجالس الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في الجامع الأزهر، حتى أصبح حافلًا بذكره صلى الله عليه وسلم مع ذكر ربه.

ثم بعد ذلك صارت سنة إلى أن تناساها الناس، وبعد ذلك انقطعت في أوائل القرن الذي نحن فيه. يعيدها على يديك يا مولانا، ما أنتَ مُحِبٌّ فتُرجِع مجالسَ الصلاةِ على النبيِّ صلى الله عليه وسلم في الأزهرِ حتى يعودَ إليه نورُه ويعودَ مُشعلًا كما كان.

فضل الصلاة على النبي وقبولها حتى من المنافق لتعلقها بالجناب الأعظم

فإنَّ الصلاةَ على النبيِّ صلى الله عليه وسلم مقبولةٌ حتى من المنافقِ؛ لأنها تَعَلَّقَتْ بالجنابِ الأعظمِ صلى الله عليه وآله وسلم. وبها تزدادُ الجنةُ سَعَةً، وبها تُغفَرُ الذنوبُ وتوسع الأرزاق وتنور القلوب وتثبت المعلومات في الأذهان.

الصلاة على النبي لا تقل عنها إنها شيء آخر، وإذا كان المرء عاصيًا ويريد [التوبة] ولكنه لا يستطيع التغلب على معصيته، فليصلِ على النبي عليه الصلاة والسلام ويداوم على الصلاة عليه، فستُقبل حتمًا، فلا بد أن تُقبل.

مكانة النبي بين البشرية والتعظيم الإلهي وفتح بوابة الصلاة عليه

يعني لو سبّح [الإنسان] مع عظمة وجلال الله، إلا أن الله سبحانه وتعالى يردها عليك؛ لا يحتاج إليه. ولكن النبي صلى الله عليه وسلم جمع بين أمرين: أنه بشر وأنه قد عظم من قبل ربه فرفع شأنه.

﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح: 4]

فصلى الله عليه وسلم، فتح الله له هذه البوابة أنه سيقبل كل من يصلي عليه لكي يأخذ درجات كثيرة يوم القيامة.

طيب، والنبي نقص درجات؟ قال له: الشرف لا ينتهي، درجات الشرف لا تنتهي. هل العدد ينتهي؟ طيب، هذا عدد، وآخر الأعداد ديشليون، يبقى ديشليون هو واحد؟ لا، لا ينتهي العدد، لا ينتهي. فدرجات الرفعة لا تنتهي.

النبي يتقلب في الدرجات العلى بالمصلين عليه ولا منّة لأحد عليه

فلا يزال النبي صلى الله عليه وسلم يتقلب في الدرجات العلى إلى يوم القيامة بالمصلين عليه صلى الله عليه وآله وسلم، يزداد عظمًا عند الناس ويزداد عظمًا عند الله مع عظمه وجلال قدره وعدم احتياجه إلينا.

فقد فاقنا بكثير لدرجة أننا لا ينبغي أن نلتفت عندما نصلي عليه أننا نفعل له شيئًا، نحن نفعل لأنفسنا.

قال العلماء أهل الله: لا تلتفت عند الصلاة عليه أن تقدم له شيئًا، فإن الله يردها عليك عشرًا ويزيد، حتى لا تكون لك مِنّة على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

البصيرة تبحث في التفكر عن مطلوبها بالصلاة على النبي للانتقال من الضلالة إلى الهدى

إذن فلا بد علينا، والبصيرة تبحث في التفكر عن مطلوبها، ولها أن تبدأ بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم حتى تنخلع من الضلالة إلى الهدى، من الاستغناء إلى الافتقار إلى الله، من المعصية إلى الطاعة.

تبدأ بالصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام وتُكثر منها. بعض أهل الله قال: أقلها ألف في اليوم، بعضهم قال: ثلاثمائة وخمسين مراعاةً للناس الكسالى، حتى الكسالى يراعونهم.

حتى لو لم يكن لك شيخ، فالمتقي الهندي يؤلف كتابًا يسميه «هداية ربي عند فقد المربي». لما ليس لنا شيخ نعمل ماذا؟ نصلي على النبي فهو شيخ الكل وإليه المنتهى وهو نهاية السلسلة، فإذا حركتها تحركت، فالصلاة والسلام عليه.

الشيخ الشوني والشيخ صالح الجعفري وحب رسول الله وتعليم الأولاد حبه

فالشيخ الشوني لما أنشأ الصلاة على النبي هنا في هذا المسجد صار بها من كبار أولياء الله الصالحين، علا جدًا من حبه في سيدنا رسول الله.

كمن رأينا من مشايخنا، كان إذا ذُكِر رسول الله صلى الله عليه وسلم دمعت عيونهم من شدة حبهم وتعلقهم. كان منهم الشيخ صالح الجعفري يجلس وهذا المجلس في هذا المكان المبارك، وكان محبًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم يذكره بين كل كلمات، يقول له: يا سيد اسقني.

صلِّ على النبي عليه الصلاة والسلام يا سيدي، لا تنسَ رسول الله ولا حب رسول الله. أحبوا رسول الله وعلِّموا أولادكم حبه.

قصة عزيزة المجنونة مع الشيخ الشوني ورؤيتها لأنوار الصلاة على النبي

فالشيخ الشوني نزل قرية، هذه القرية كان فيها امرأة اسمها عزيزة المجنونة.

ما هي قصة عزيزة المجنونة هذه؟ عزيزة المجنونة كانت تمشي عارية في الشارع، والذي يضع عليها عباءة أو يُعطيها ثوبًا يسترها، تضربه وتخلع هذا الثوب أو تقطعه.

وفي يوم من الأيام، انتهى الأمر واكتشفوا حقيقتها. ماذا سيفعلون؟ الأمر لله، لا يوجد تكليف؛ فالعقل قد ذهب. مثل عقولنا سنُصاب بالجنون مما يحدث، سيجعلوننا مجانين، اللهم احفظنا.

وجدوا عزيزة المجنونة منتقبة في أحد الأيام! ما هذا! ماذا عزيزة؟ ماذا جرى لكِ؟ قالت: دخل القرية اليوم رجل. قالوا: دخل رجل! أمّا نحن فماذا؟ قالت لهم: أنتم بهائم.

عزيزة المجنونة تصف أهل القرية بالبهائم وترى أنوار الشيخ الشوني

أنتم واحدة قلعت [ثيابها] أمام البقر، هل حدث شيء شرعًا؟ قالوا لها: لا. قالت لهم: أنتم بهائم.

فبحثوا: من الذي دخل اليوم؟ الغريب الذي دخل البلد. هل رأيتِه؟ قالت له: أبدًا، رأيت أنوارًا.

عزيزة مجنونة لأنها غير مكلفة، فهي كالأطفال عند الله. أراها الله الأنوار التي للشيخ الشوني بالصلاة على النبي التي أتى بها، فهو طوال النهار جالس يصلي على النبي سيدنا محمد.

فدخلت وقالت: رأيت أنوارًا طافحة! والله طافحة! أنت تعرف أن تقول لي طافحة؟ قالت: هو الذي أراه هو هكذا، أغرق فيها، ستغرق في النور. بحثوا فوجدوه الشيخ الشوني الذي دخل البلد.

عزيزة المجنونة تكشف غفلة أهل القرية وتسألهم عن حقيقة الجنون

عزيزة وهي تقول: أنتم غير مكلفين. لماذا؟ لأنكم نائمون! أنتم عرفتم حقيقة الدنيا، أنتم عرفتم أنها إلى زوال، أنتم عرفتم الأسرار والأنوار، أنتم عرفتم شيئًا؟ هذا شيء يدفع للجنون!

أأنا المجنونة أم أنتم المجانين؟ قلنا لها: لا، نحن المجانين.

حسنًا، هي مجنونة في نظر الشرع فيما بيننا، ولكن ربنا نوّر قلبها. فإذن ينبغي عليك أن تعود إلى الله وأن تتيقظ وتتوب وتحاسب نفسك، ثم تنيب إليه وتبحث ببصيرتك عن الحق، ثم تتذكر وتأكل الثمرة.

حكمة ترتيب باب التذكر بعد التفكر والفرق بينهما في القرآن

قال [المصنف]: باب التذكر، رضي الله عنه. انظر إلى الترتيب، الترتيب فيه الحكمة ما كانت ترتيبًا هكذا [عبثًا].

﴿وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَن يُنِيبُ﴾ [غافر: 13]

التذكر فوق التفكر، إذن هو لم يكتبها هكذا اعتباطًا، بل إنه يفهم أن التذكر فوق التفكر، ولذلك جاء بها، جاء بباب التذكر بعد التفكر.

التفكر تبحث فيه عن ثمرة الجوافة أو المانجو أو انظر ماذا تحب. التذكر تأكلها. انظر الفرق! بحثنا ووجدنا الشجرة وقطفنا. قال: لا، التفكر حدث شيء، فهو مثل ما قبلها، لكن عندما تأكلها فعلًا تكون قد سددت جوعك وتلذذت بها.

التفكر طلب والتذكر وجود ورفع للحجاب بين العبد وربه

والذي يسمونه هنا مع الله رفع الحجاب، فيكون التذكر سيؤدي بك إلى ماذا؟ إلى رفع الحجاب. فإن التفكر طلب والتذكر وجود، إذن هكذا يكون الشيخ فاهم، الشيخ فاهم جيدًا جدًا.

التفكر طلب، والتذكر وجود. تطلب أن تبحث بالبصيرة، الآن لا، هذا أنت جلبته وأصبح في يدك وأكلته.

التفكر بحث وطلب، والتذكر رفع للحجاب، تنفيذ لما حصلته من طلب، مثل المثال الذي ضربناه.

العناصر الثلاثة المكونة لباب التذكر وأهمية الانتفاع بالموعظة

وبنية التذكر ثلاثة أشياء، العناصر الخاصة به - اللغة القديمة تقول الأبنية، الأبنية، أي العناصر الخاصة به، المكونات الخاصة به:

  1. الانتفاع بالعظة: عندما يعظك يجب أن تنتفع بالعظة، إذا لم تنتفع بالعظة فأنت نائم، أي أنك لم تستيقظ بعد.

الموعظة تؤثر في أهلها تأثير السحر.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن من البيان لسحرًا»

كان الناس قديمًا متيقظين بشدة، لن أقول أكثر من اللزوم لأن ليس هناك زيادة عن اللزوم؛ لأن كلما تيقظت كلما كنت أقرب إلى الله، ليس هناك زيادة عن اللزوم. فهناك تيقظ شديد جدًا.

أثر الموعظة في المتيقظين وشوقهم للقاء الله حتى الموت

كانوا متيقظين بشدة فيسمعون الموعظة فيموتون! يقول: فشهق فمات. غير قادر الآن من شدة شوقه لربه، يريد أن يخرج من ثيابه هكذا، يريد أن يخرج من جسمه، يريد أن يخرج من هذا الكون من شدة اشتياقه للقاء ربه، غير قادر على البقاء.

ألا إن هؤلاء هم الذين جاهدوا في سبيل الله، هم الذين عندما سمعوا أن محمدًا قد مات قالوا: ماذا نفعل بعده؟ هيا بنا ننهض ونقضي عليهم تمامًا. لم يقل لهم محمد قد مات فقالوا: حسنًا، استسلمنا رفعنا الراية. لا، قالوا إن محمدًا في أُحُد، إن محمدًا قد مات. قال: والله مات، نريد أن نلحق به. هيا أنت وهو اعملوا معنا، دعونا نضرب هؤلاء الناس ونقضي عليهم. إن محمدًا قد اشتاق للقاء ربه، موقن متيقظ صاحٍ.

الموعظة لا تؤثر في النائم والميت والغائب وشروط الانتفاع بها

فكانت الموعظة إذا جاءت له أثرت فيه. وهذه الموعظة تؤثر في مَن هو نائم لا يسمع، ومَن هو ميت لا يستجيب، ومَن هو غائب لا يرى أبدًا؟ لا تؤثر فيه.

فلكي تُؤكل الثمرة ويُرفع الحجاب، يجب أن تهيئ نفسك للاستفادة بالموعظة، بحيث أن الموعظة تنزل عليك، فإذا بها تثيرك لله وتدفعك إلى الأمام وتغير حالك.

والاستبصار للعبرة: يجب أن يكون عندك طلب لأن تبصر العبرة التي وراء كل شيء.

وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد

الاستبصار للعبرة عند الابتلاء ومعرفة أن الله هو المسلط والممتحن

عندما يشتمك أحد، تعلم أن الله قد سلطه عليك لاختبارك. إنه مسكين، هو لم يفعل شيئًا، هو شتمك فقط. أما أنت فتقول: الله سبحانه، تبت إليك. ليس لك شأن به، هل تسمعه أو تراه، ليس هو الذي شتمك، بل إن الله سلَّطه عليك ليشتمك.

يا سلام لو فهم الناس ذلك، لكن الناس نسوا الله واعتمدوا على حولهم وقوتهم، ويظنون أن قوتهم من أنفسهم، وبمجرد أن يُشتموا يعتبرونها إهانة ويرون أنه يجب عليهم رد الشتيمة بشتيمتين.

والله قال: حسنًا، هدِّئ نفسك ورُدَّ الشتيمة بشتيمة واحدة فقط، لكن إذا صبرت فهو خير للصابرين.

﴿وَٱصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِٱللَّهِ﴾ [النحل: 127]

يأخذك واحدة واحدة.

حقيقة الابتلاء أنه امتحان من الله وسعة رحمته في تكرار الفرص

لكن الحقيقة ماذا؟ أن الرجل لم يشتمك ولم يفعل شيئًا، إنما الله يمتحنك وأنت تسقط في الامتحان كل مرة يا فاشل، وستُطرد هكذا في النهاية.

لقد سقطت كم مرة؟ قال لي: ولا مرة، ولا مرة، لأنه أخذها على الفور وأخذ البكالوريوس والليسانس، وأخذ لم يسقط ولا مرة. وهو يفشل مع الله كل يوم! سقطت كم مرة؟

هذا هم يعطون، انظر إلى ساعة رحمة الله! يعطون في الكليات سنتين أو ثلاثة ثم يفصلوك، ولا في المدارس أو غيرها. فكم عدد الفرص التي يمنحها لك الله؟ وهذه الفرص مفتوحة حتى لحظة الموت يا واسع! يا إخواني، الله واسع الرحمة.

الفوز بثمرة الفكرة هو رفع الحجاب وكيفية الانتفاع بالموعظة

والفوز بثمرة الفكرة يتطلب منك أن تأخذ المانجو لنأكلها، وهي ما نسميه رفع الحجاب. انتبه، فالثمرة عندنا هنا هي رفع الحجاب.

حسنًا، ماذا نفعل؟ علينا أن ننتفع بالموعظة. كيف أريد أنا أن أنتفع بالموعظة؟ دلني! ما هو هذا دليل، هذا دليل مثل الذي يوزعونه مع الثلاجات: كيفية الاستعمال والآلات. لقد عملوا لنا أدلة لكي نسير عليها في طريق الله.

يقول لي: أين؟ ماذا أفعل؟ يعني بالتفصيل: التذكر لن يأتي إلا بثلاثة: واحد، اثنان، ثلاثة.

رقم واحد: الانتفاع بالموعظة. كيف أعملها إذن؟ هو يجيب لك بالتفصيل كيف تفعلها.

شروط الانتفاع بالموعظة: شدة الافتقار إليها وعدم الاستغناء عنها

قال له: نعم، إنما ينتفع بالموعظة بعد حصول ثلاثة أشياء لازم تعملها أولًا حتى تصل إلى الموعظة والانتفاع بها وتحصيلها:

أولًا: بشدة الافتقار. تقول: أنا أريد شخصًا يعظني، وليس أول ما ترى الوعظ في التلفزيون تأتي وتغلقه وتحوَّل على الفيلم العربي.

لا تتأخر في البيت وتتعلل كي لا تسمع الرجل الذي يُلقي الخطبة، فتأتي مع الصلاة مباشرةً كأداء فرض وتسلم بالكاد وحذاؤك بين قدميك تجري. ليس هذا افتقارًا للموعظة بل هو استغناء، في حين أنه لن ينفع إلا بالافتقار إلى الموعظة. يجب أن تشعر أنك تحتاج أن تريد سماع أول شيء.

عدم الالتفات لعيب الواعظ وأخذ الموعظة بصرف النظر عن قائلها

وبغض النظر عن عيب الواعظ، يا بُني إن عيب الواعظ يصد الموعظة كلها. حتى قال: خذ بفتواه ولا تأخذ بتقواه، اسمع كلامه.

فسيدنا علي رضي الله تعالى عنه كان يقول: لا يضرك من يقول، اسمع ما يُقال. لا يضرك من [يقول]، فنكون من هي المشكلة؟ ليس لنا شأن بمن [يقول]؛ ربنا الذي يُجري على لسانه ما أراد أن يبلغه للناس.

لا يضرك من يقول، انتفع بما يُقال. ما يُقال هو الأساس، هو هذا الذي وصلك أنت. أما هو فأصبح بعد ذلك فاسقًا أو طيبًا أو شريرًا، فليس لنا شأن به، مخطئ أو مصيب، فعليه وزر نفسه.

تدبر الموعظة وعدم الانشغال بعيوب الواعظ في النحو والعلم

لكن الموعظة نفسها تدبرها ولا يمنعك عيب الوعظ. وهذا يخطئ في النحو، وهذا يخطئ في القرآن، وهذا ليس عارفًا شيئًا في الحديث، وهذا بينه جاهل، ونحن لا نعرف كيف أحضرت وزارة الأوقاف هؤلاء الناس، ولا نعرف كيف خرّجهم الأزهر، وكلام من هذا القبيل.

اسمع فقط ماذا يقول، إنه يقول لك: اتقِ الله فقط. امسكها إذن هذه واجعلها حدوتة (قصة)، ولا يضرك أنها خرجت من أي شخص. ولا تنظر من الذي قالها؛ ربما قالها شخص صغير، وربما قالها شخص كبير، وربما قالها شخص صالح، وربما قالها شخص فاسد. لكن اتقِ الله، فهذه شيء جميل جدًا، خذها إذن وانظر وابحث عنها كيف تعملها.

شدة الافتقار للموعظة تعني الإصغاء إليها والعمى عن عيب الواعظ

فتكون شدة الافتقار أي اصغِ إلى الموعظة وكن أعمى عن عيب الواعظ، لا ترَ الوعظ [أي الواعظ] أبدًا وسمّاها العمى، أي أنك لا تراه مطلقًا، بل تسمعه فقط. انظر كم هذا مهم!

وتذكر الوعد والوعيد: يجب أن تتذكر وعد الله بالجنة فيدفعك إلى الرجاء في الله وتكون في حالة رجاء. لكن هذا الرجاء لا تستهين معه بالمعصية، فهذا ليس صحيحًا. ربنا غفور رحيم، وتتنقل يمينًا وشمالًا بين الوعد والوعيد.

الوعيد يُحدث رهبة، والرهبة تولد خوفًا، فتعبد ربنا بين الرجاء والخوف.

الحكمة في العبادة بين الرجاء والخوف دون يأس ولا استهانة

هذه هي الحكمة: لا تخف إلى درجة اليأس من رحمته لأنه رحيم وواسع المغفرة، ولا تقل: لقد غضب علي وليس هناك فائدة. احذر، من أنت حتى يغضب منك أو لا يغضب؟ عليك ولا كذا، أنت أتفه من أنه يغضب عليك. ولكن لا تستهين بالمعصية، اضبط نفسك.

بين الرجاء والخوف، هذه هي الحكمة.

﴿وَمَن يُؤْتَ ٱلْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِىَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: 269]

حسنًا، هذه عرفناها. والآن عرفنا كيف سنصل إلى الانتفاع بالموعظة: أكون مشتاقًا إليها، لا آخذ بالي من الواعظ ولا شأن لي به، أكون دائمًا متذكر الوعد والوعيد الذي من الله ومصدقه حتى يجعلني أعبده بين الرجاء والخوف. بهذه الطريقة ستجد الموعظة تؤثر فيك.

العنصر الثاني: الاستبصار للعبرة بحياة العقل ومعرفة التحسين والتقبيح

قلنا رقم اثنين: الاستبصار للعبرة بثلاثة أشياء. إنه يشرح لي كيف تفعل كل شيء:

أولًا: بحياة العقل. اجعل لديك عقلًا تعرف به الحسن والقبيح؛ فالحسن ما حسّنه الله لك، والقبيح ما قبحه الله عليك.

فيبقى الحسن: الواجبات كالصلاة والصوم والحج وما إلى ذلك، والمندوبات والمباح، كل هذا حسن. لماذا؟ لأن الله سبحانه وتعالى حسنه.

هذه هي حياة العقل؛ حياة العقل تتم بالتحسين والتقبيح، ولكن ليس من ذاته وإنما من الشرع. لا تستلطف أبدًا المعصية: السرقة والزنا والربا، هذه القاذورات كلها استقبحها. هذا هو العقل، والعاقل خصم نفسه.

إعمال العقل بالتحسين والتقبيح الشرعي يُنير البصيرة ويكشف المقياس

بحياة العقل، عندما تُعمِل عقلك يصبح في حياة هكذا، ويعرف التحسين والتقبيح، ويعرف أن ذلك من الشرع، فيُحسِّن ما حسّنه الشرع ويُقبِّح ما قبّحه.

ستجد روحك وبصيرتك قد أنارت، وعرفت ماذا تفعل. أول شيء عرفت المقياس الذي ستسير عليه.

ثانيًا: ومعرفة الأيام والالتفات إلى أن اليوم الذي يذهب لا يعود. الالتفات إلى أننا نريد أن نعمر أوقاتنا ونعمر أيامنا. الالتفات إلى كلام الإمام الشافعي: صحبت الصوفية فتعلمت منهم كلمتين: الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك، ولا تحزن على شيء فاتك. هذه هي الكلمة الثانية.

أهمية الحفاظ على الوقت وعدم التسويف والتسليم والرضا مع الله

خلاص، إنه كل شيء صحيح. الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك، فتُصبح تجري كأنك تُطارَد بقطار. ليس وعدك الساعة العاشرة لتأتيني الساعة الثانية عشرة وتقول لي: معلهش.

ما معنى معلهش؟ يعني ما عليه شيء، يعني ولا يهمك، فاختصروها وصنعوا منها كلمة واحدة: معلهش. مثل بلاش التي تعني بلا شيء. بلاش يا أخي، بلاش هات ببلاش، يعني بلا شيء. مثل ولاش في الصعيد. مَن منكم في الصعيد؟ لا أحد، أنا الصعيدي. يقول لك: هات ولاش بقدونس، يعني ولا شيء، يعني حبة صغيرة أو لا شيء.

لا بأس، ويضيع الأوقات! إذن انظر: حافظ على الوقت.

عدم الحزن على الفائت والتسليم والرضا مع الله والهمة في التعامل مع الأكوان

لا تحزن، عدم الحزن هذا الذي نحن قلناه الآن: التسليم والرضا مع ربنا. وكيف نتعامل مع الأكوان؟ كيف نتعامل معها؟ بالهمة، الهمة، والتسليم والرضا هما الأساس كله.

معرفة الأيام والسلام من الأغراض، سمّوها التخلية والتحلية؛ أن تُخلي قلبك من القبيح وتُحلّيه بالصحيح، وأن تُخرج من قلبك التعلق بالدنيا وتملأه بالتعلق بالله.

صفات الله جمال وجلال، فقم لتتخلق بالجمال وتتعلق بالجلال. احذر أن تكون منتقمًا ومتكبرًا وجبارًا، لا! كن رحيمًا ورؤوفًا وعفوًا تتخلق. وادعُ ربنا أن ينتقم من أولئك السفلة ويخسف بهم الأرض، ويجعل ثأرنا على من ظلمنا، ويجعل الدائرة عليهم، ويشفي صدور قوم مؤمنين، ويذهب غيظ قلوبهم.

العنصر الثالث: جني ثمرة الفكرة بقصر الأمل والعمل للآخرة

وإنما تُجنى ثمرة الفكرة - التي هي القسم الثالث - بثلاثة أشياء:

أولًا: بقصر الأمل. فكل واحد يخطط الخطة الخمسية والخطة العشرية والخطة التي له لعشرين سنة، وهو لا يعلم أنه سيموت غدًا. طول الأمل!

لكن كما يقولوا: اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدًا، واعمل لآخرتك كأنك تموت غدًا.

فقال أحدهم: معنى هذا الحديث أنه يجب عليّ أن أعمل لحياتي وأبني بيتًا جيدًا لأعيش فيه الثلاثين أو الأربعين سنة القادمة. اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدًا، أسس هكذا واعمل، واعمل لآخرتك كأنك تموت غدًا.

المعنى الصحيح لحديث اعمل لدنياك وآخرتك وعدم التعلق بالدنيا

لا، بل بالعكس: اعمل لآخرتك كأنك تموت غدًا، فتقوم بالليل، فهذه آخر فرصة لأنك ستموت غدًا. واعمل لدنياك كأنك تعيش أبدًا، يعني ما ضاع منك اليوم ستدركه غدًا، وإذا ضاع غدًا فسيكون بعده أيام أخرى.

يقول لك الله: انظر إلى المشايخ يقولون لنا اتركوا الدنيا. أنتم أصلًا لا تملكون دنيا حتى تتركوها! نحن نقول لكم: لا تتعلقوا بالدنيا، اجعلوها في أيديكم ولا تجعلوها في قلوبكم. هناك فرق كبير.

كن قويًا!

﴿ٱلَّذِينَ إِن مَّكَّنَّـٰهُمْ فِى ٱلْأَرْضِ أَقَامُوا ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُا ٱلزَّكَوٰةَ وَأَمَرُوا بِٱلْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ ٱلْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَـٰقِبَةُ ٱلْأُمُورِ﴾ [الحج: 41]

مكناهم أي قوة.

المؤمن القوي خير من الضعيف والمطلوب عدم التعلق بالدنيا لا تركها

قال رسول الله ﷺ: «المؤمن القوي خير وأحب عند الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير، فاحرص على ما ينفعك»

انظر إلى الحديث ها هو، فأنت المؤمن القوي خير. ولكن القضية ليست هنا، لا أقول لك اترك الدنيا، أقول لك: لا تتعلق بالدنيا. انظر إلى الفرق الكبير بين الاثنين!

اجعل الدنيا كلها في يديك، لا تفرح بالموجود ولا تحزن على المفقود. يمكن أن تتركها في لحظة لله من غير تأويل ولا تردد، وأن تحاول أن تبدأ في تحصيلها مرة أخرى لله أيضًا.

مدح الله للمهاجرين والأنصار الذين جعلوا الدنيا في أيديهم لا في قلوبهم

انظر إلى الناس الذين خرجوا من ديارهم مهاجرين ينصرون الله ورسوله، خرجوا من أموالهم وديارهم. فماذا كان في شأنهم؟ أن مدحهم الله:

﴿لِلْفُقَرَآءِ ٱلْمُهَـٰجِرِينَ ٱلَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَـٰرِهِمْ وَأَمْوَٰلِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضْوَٰنًا وَيَنصُرُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُٓ أُولَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلصَّـٰدِقُونَ﴾ [الحشر: 8]

أهم هؤلاء الصادقون حقًا؟ لماذا؟ كانت [الدنيا] في أيديهم.

﴿وَٱلَّذِينَ تَبَوَّءُو ٱلدَّارَ وَٱلْإِيمَـٰنَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِى صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّآ أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: 9]

هكذا وصل الناس إلى هذا المدح والثناء من رب العالمين. كيف؟ بأن جعلوا الدنيا في أيديهم لكنهم لم يجعلوها أبدًا في قلوبهم.

إخراج الدنيا من القلوب لا من الأيدي وضرورة امتلاك القوة للتخويف

فإذا تعلقت القلوب بالدنيا أذلتكم، فلا بد أن تخرج الدنيا من القلوب لا من الناس. لا، إننا نريد الآن أن نلحق بالعالم كله، خاصةً في امتلاك القنبلة الذرية وأسلحة الدمار الشامل. نريد أن نحصل عليها، ولكن بأيدينا وليس في قلوبنا.

وبعد ذلك:

﴿ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ

⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [الزمر: 16]

ما هو العراق لم يكن لديه دمار شامل فغزوها، أما كوريا فلم يغزوها لأن لديها ذرية. نقول لهم: لا، عندنا أيضًا، استحي اجلس مكانك. لكننا لا نستخدمها مثلهم في هيروشيما وناجازاكي وما إلى ذلك. لا، إنما للتخويف والنكال لأنها تحت يد المسلمين. هذا ما نريده.

كيفية الوصول إلى قصر الأمل بتذكر الموت ثلاث دقائق بعد العشاء

كيف نصل إلى قصر الأمل؟ اجلس بعد العشاء ثلاث دقائق فقط، لا تجعلها خمسًا فتتعب رأسك. وأغمض عينيك هكذا وتخيل أنك في القبر، مت!

ياه، ستجدها صعبة جدًا: سأموت! يا للمصيبة! في اليوم التالي لن تكون مصيبة ولا شيء، ستصبح خبرًا عاديًا هكذا. اليوم الثالث: أها. اليوم الرابع: ما المشكلة أن أموت؟

فلماذا لا نزيد؟ شخص آخر يجلس نصف ساعة في القبر يفقد عقله! لأن الله يريدك، يريدك أن تعمر الدنيا ويريدك أن تعبد الله. إنما هذا دواء تأخذ منه الجرعة المناسبة له فقط لأجل أن تفيق، ولا تزد الجرعة وإلا تختل معك الأمور.

التأمل في القرآن يرفع الحجاب ويؤسس الصلة بين العبد وربه

وعلى قدر والتأمل في القرآن، كلما تأملت فيه كلما خرجت بمعنى جديد، وكلما تدبرت فيه كلما تربط الأمور وتجد شيئًا جميلًا وتؤسس به تأسيسًا وينفتح معك. لا يوجد كتاب هكذا أبدًا.

وهذا يجعلك ترفع الحجاب، وهذا يجعل بينك صلة بينك وبين الله.

قلة الخلطة والتمني والتعلق والشبع والنوم توصل إلى رب السلام

وقلة الخلطة والتمني والتعلق والشبع والنوم. فيقول لك:

قلة النوم وقلة الطعام وقلة المنام وقلة الكلام توصلك إلى رب السلام، وتُخرج من قلبك الحطام. يقولون هكذا.

يقولون ماذا إذن؟ قلة الأنام - أي الناس - وكونوا مع وليس من.

﴿وَكُونُوا مَعَ ٱلصَّـٰدِقِينَ﴾ [التوبة: 119]

فالقرآن ماذا يقول؟ مع وليس من. هذا يتحدث عن الصحبة الطيبة.

قال رسول الله ﷺ: «المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل»

أي اختر الصحبة؛ لأن البيئة تؤثر في الإنسان.

قصة قاتل المائة نفس وأهمية تغيير البيئة والصحبة الصالحة

والرجل الذي قتل تسعة وتسعين نفسًا ثم سأل عابدًا فقال: لا توبة لك، فقتله فأتمّ به المائة. ثم سأل عالمًا، قال: من ذا الذي يتألى على الله؟ لكني أراك ببلدة قوم سوء، تركوك تقتل مائة شخص يا ظالم وتركوك دون أن يقتلوك، لابد أنهم موافقون على ما تفعله.

اذهب إلى أرض فلان وليس أرض كذا، فإن فيها قومًا صالحين... إلى آخر الحديث.

يُؤخذ منه أن باب التوبة مفتوح حتى بعدما قتل المائة، وأنه يجب عليه أن يُغير البيئة، أي الصحبة. أي أن الصحبة لها درجة كبيرة.

ألقاه في اليم مكتوفًا ويقول له: إياك إياك أن تبتل بالماء! هل ينفع؟ لا ينفع، سيبتل بالماء. هذا تكليف بما لا يطاق.

الله أمر بالصحبة الحسنة بلفظ مع لا من وأهمية الجلوس مع الصادقين

فيجب الصحبة الحسنة الطيبة لأن الله أمر بها عندما قال «مع» ولم يقل «من».

«من» تعني أن أكون صادقًا، لكن «مع» يعني أنه يجب أن أجد الصادقين وليس الكاذبين وأجلس معهم.

تقلل الأنام، تقلل الكلام، تقلل الطعام، تقلل المنام. قم، تخرج - أو يخرج - من قلبك الحطام لكي يأتي مع الميم أيضًا. نعم، يخرج من قلبك الحطام ويتجلى فيه السلام سبحانه وتعالى.

والسلام هنا جميلة لأنه سلام في النفس وسلام بمعنى الله. فهو قال هاتين الكلمتين.

قلة الخلطة والتمني والتعلق بسوى الله وطلب الله وحده

أين إذن؟ إنها قلة الخلطة التي تحدثنا عنها، قلة الأنام والتمني والتعلق: أن تتمنى الحطام وتتعلق بما سوى الله. نحن نريد الله فقط.

والشبع الذي هو الطعام، والمنام. هذه الستة ها هي: قلة الأنام، والطعام، والمنام، ونحن أضفنا عليها الكلام.

وبعدين لا للحطام، دعها سلامًا. ستة: واحد، اثنان، ثلاثة، أربعة، خمسة، ونحن أضفنا من عندنا ماذا؟ السادس.

خاتمة الدرس والدعاء بالمغفرة والاعتذار عن الإطالة

فاللهم اغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا. لا بأس، لقد أخرناكم اليوم وأكثرنا من الكلام، إنما [نسأل الله القبول والنفع].