سبيل المبتدئين في شرح البدايات من منازل السائرين | باب السماع | أ.د علي جمعة
- •المحبة الحقيقية للنبي محمد صلى الله عليه وسلم ركن أساسي في الإيمان، وهو خاتم النبيين وإمام المرسلين.
- •طريق السالك إلى الله يبدأ باليقظة ثم التوبة والإنابة والتفكر والتذكر، حيث يتخلص المؤمن من الحجب بين العبد وربه.
- •النفوس سبع مراتب: الأمارة واللوامة والملهمة والراضية والمرضية والمطمئنة والكاملة، وبكل مرتبة تسقط حجب.
- •التمسك بالظاهر واجب لكن المراد هو القلب، فالصلاة مطلوبة والخشوع فيها هو المقصود.
- •الاعتصام بحبل الله يسبق الاعتصام بالله، ويجب الموازنة بين الخوف والرجاء.
- •السماع مرحلة متقدمة يسمع فيها المؤمن الحق في كل شيء، وله ثلاث درجات: سماع العامة وسماع الخاصة وسماع أهل الخصوصية.
- •طريق المؤمنين مقيد بالكتاب والسنة، ولا يُقبل العمل إلا بالإخلاص والصواب.
- •يجوز الاستدلال بالقرآن خارج السياق لأنه كلام الله المتين لا تنتهي عجائبه.
الصلاة والسلام على سيد الكائنات وإمام المرسلين وخاتم النبيين
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
اللهم صلِّ على سيد الكائنات وأفضل المخلوقات، وإنسان عين الحضرة القدسية، الذي لا يستطيع الأنبياء والأولياء إلا أن يقلدوه وأن يتبعوه، فهو إمام المرسلين وخاتم النبيين وقرة عين الموحدين، عليه الصلاة والسلام.
وأُغلقت الأبواب إلا من قِبله، فلا يقبل الله دينًا سوى دينه، ولا طريقًا سوى طريقه، ولا سنة سوى سنته، صلى الله عليه وآله وسلم. ولا يُسمع أحد من الناس به ويُقبل عند ربه إلا به، ولا يدخل الإنسان الإسلام إذا ما شهد شهادة أن لا إله إلا الله إلا بأن يُثني ويقول: وأشهد أن محمدًا رسول الله.
حب النبي ﷺ ركن الإيمان ولا يكتمل إلا باتباعه وتقديمه على كل أحد
فهو ركن الإيمان، وحبه ركن الإيمان، ولا يدخل الإيمان قلب أحد حتى يكون هواه تبعًا لما جاء به صلى الله عليه وسلم، وحتى يكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين.
فاللهم يا ربنا يا كريم، ثبت حبك وحب نبيك في قلوبنا، واجعل ذلك ظاهرًا في أعمالنا في الحياة وإلى الممات، واحشرنا تحت لوائه يوم القيامة، واسقنا من يده الشريفة شربة ماء لا نظمأ بعدها أبدًا.
باب اليقظة ومعرفة حقيقة الدنيا وأنها إلى زوال وأن الباقي وجه الله
قال [صاحب كتاب المنازل] رحمه الله تعالى في قسم البدايات، باب اليقظة: بأن يعلم الإنسان حقيقة الدنيا وأنها إلى زوال، ويعلم الإنسان بأنه لا حول ولا قوة إلا بالله، ويعلم الإنسان أنه لا يكون في كون الله إلا ما أراد.
ويعلم الإنسان بأنه يبقى وجه ربنا سبحانه وتعالى ذو الجلال والإكرام بعد الفناء. فإذا تيقظ الإنسان وعرف هذه الحقائق، فإنه يكون متهيئًا للتوبة بأن ينخلع عن المعصية، ثم ينخلع عن السوى، يعني ما سوى الله، وينظف قلبه حيث لا يرى في الكون إلا الله.
مراحل السلوك من محاسبة النفس إلى الإنابة والتفكر في آلاء الله
ثم بعد ذلك يحاسب نفسه، فيشعر بمنّة الله عليه، ويشعر بأنه مقصّر، فيدخل في باب الإنابة ويطبق مقتضى التوبة. فالتوبة نظر والإنابة عمل، ويخلع نفسه من دائرة سخط الله ويدخل في دائرة رضوانه، ويعمل بمقتضى الوعد والوعيد، ثم بمقتضى الشهود.
وكذلك يبدأ في التفكر في آلاء الله ولطائف صنعه. ثمَّ التذكُّر والتفكُّر نظرٌ، والتذكُّر عملٌ كالتوبةِ والإنابةِ. فإنه يتفكَّر بمعنى أنه يريد المطلوب، ويتذكَّر بمعنى أنه يصل إليه. والتذكُّر رفعُ الحجاب، والحجاب إنما يحجبك أنت لا يحجب الله؛ لأن الله ليس بمحجوب، أنت المحجوب عن الله بتلك الحُجُب التي تذهب بالذكر وبالتدبُّر وبالتفكُّر وبالعبادة وبالاستمرار عليها، كل ذلك يوصلك إلى رفع الحجب حتى تصل إلى التذكر.
الحجب السبعون ألفاً ومراتب النفس السبع في الطريق إلى الله
قال أهل الله: بينك وبين الله سبعون ألف حجاب، والنفوس سبعة:
- النفس الأمارة
- النفس اللوامة
- النفس الملهمة
- النفس الراضية
- النفس المرضية
- النفس المطمئنة
- النفس الكاملة
وفي كل مرحلة من هذه المراحل السبع تسقط الحجب، إن أذن الله لك أن تنتقل من نفس إلى نفسٍ وتترقى من درجة إلى أخرى، حتى تسقط الحجب كلها فتعبد الله كأنك تراه، كما أوصى سيد الخلق في مرتبة الإحسان بأن قال:
«أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك»
إرشاد النبي ﷺ إلى البدء بالظاهر لإصلاح الباطن والتبسم والبكاء عند القرآن
ودائمًا يرشدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أننا إذا لم نحصل الشيء بقلوبنا فنحصله أولًا بظواهرنا، فينعكس الظاهر على الباطن ويساعده إلى أن يمنَّ الله علينا به فنصل إليه.
فقال [النبي ﷺ]: «إذا قرأتم القرآن فابكوا، فإن لم تبكوا فتباكوا»
وقال [النبي ﷺ]: «التبسم في وجه أخيك صدقة»
فإذا لم تستطع أن تعفو بقلبك وأن تصفح عن أخيك، فتبسم في وجهه، فبالتبسم تحصل على العفو في قلبك. أترى؟ أن هذا أمر سهل بعد أن كان صعبًا. فدائمًا رسول الله صلى الله عليه وسلم يرشدنا أيضًا إلى المحافظة على الظاهر.
الرد على من يقول إنما الأمر أمر القلب ويهمل الظاهر والتمسك بالشريعة
فالبطالون الكذابون المنافقون الذين يقولون إنما الأمر أمر القلب، هؤلاء مبطلون؛ لأنهم لا يعلمون سنة رسول الله. فالتمسك بالظاهر واجب، ولكن ليس هو المراد، إنما المراد القلب.
فإذا صليت فقد سقط عنك التكليف في الصلاة وسقطت عنك هذه الصلاة، لا نطالبك بها مرة ثانية، لكن ليس المقصد الركوع والسجود، إنما المقصد الخشوع والتذكر والتدبر في الصلاة.
فماذا يكون إذا صليت بلا خشوع؟ فقدت مراد الله فيك. أفنقول له إذن لا تصلِّ، أم نقول له لا، استمر في الصلاة إلى الخشوع؟ لا، يستمر في الصلاة إلى الخشوع؛ لأنه مطالب بها سواء خشع أو لم يخشع. أما الخشوع فهو شيء آخر؛ [فالله] حاضر ناظر يا إخواني. أما الغفلة فهي شيء آخر؛ يكون ربنا حاضرًا وناظرًا لنا، أما قضية الغفلة فهذا أمر آخر.
الاعتصام بحبل الله ثم بالله والفرار إليه سبحانه والمسارعة في الخيرات
بعد ذلك تكلم [صاحب الكتاب] لنا عن الاعتصام: إما أن يكون الاعتصام بظاهر الشرع، وإما أن يكون الاعتصام بالله.
﴿وَٱعْتَصِمُوا بِحَبْلِ ٱللَّهِ﴾ [آل عمران: 103]
﴿وَٱعْتَصِمُوا بِٱللَّهِ هُوَ مَوْلَىٰكُمْ فَنِعْمَ ٱلْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ ٱلنَّصِيرُ﴾ [الحج: 78]
الاعتصام بحبل الله يكون أولًا، ثم بعد ذلك يترقى الإنسان فيعتصم بالله. ثم أمرنا أن نفر إليه:
﴿فَفِرُّوٓا إِلَى ٱللَّهِ إِنِّى لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ [الذاريات: 50]
فالفرارُ إلى الله والمسارعةُ في الخير، ثم بعد ذلك تكلم عن الرياضة وأننا نحاول أن نقدم إليه سبحانه وتعالى ما نقدم وقلوبنا وجلة وخائفة على حد الخوف منه؛ لأن الإنسان ينبغي أن يوازن بين الخوف وبين الرجاء.
باب السماع آخر خطوة في البدايات وأن المقصود من كل شيء هو الله
ثم قال [صاحب الكتاب] رضي الله تعالى عنه في الخطوة العاشرة والأخيرة من كتاب البدايات: باب السماع. فإن الإنسان إذا أكثر من الذكر بدأ في الدخول في السماع، فهي آخر خطوة في أول باب من أبواب المسير إلى الله.
والسماع ينبغي ألا يلفتنا عن مقصودنا، فمقصودنا كلنا هو الله، الله مقصود الكل. السماع نعمة ومنحة من الله، والنعم ينبغي أن نواجهها بالشكر ولا نواجهها بالانشغال بها عن الله.
النعم كالصحة والمال والالتزام لا ينبغي أن تشغل العبد عن الله
نعمة الصحة، ونعمة المال، والجاه، والسلطان، والعلم، والقوة، كل هذه نِعَمٌ يرزق الله بها الكافر والمؤمن. فإذا ما رزق الله بها المؤمن، فإنه ينبغي عليه ألا يشتغل بها عن الله؛ فإن الله هو المقصود.
كذلك نعمة الالتزام، حتى الالتزام هذه نعمة من عند الله. كذلك من فتح على أهل الله في طريقهم إليه من الأسرار وتفجر الأنوار، فإنه أيضًا ينبغي ألا يشغلك عن الله. وهو أمر دقيق يساعدك عليه المرشد إلى الله بأن يجعلك تتعدى هذا ولا تلتفت إليه ولا تقف عنده، إنما تستفيد منه.
حقيقة باب السماع والواردات القلبية وعدم الوقوف عندها في الطريق إلى الله
فباب السماع هو أن ذاكر الله يبدأ يسمع إما بأذنه وإما بقلبه، وهذا ما يسمى عندهم بالواردات التي ترد إليّ. فينبغي علينا ألا نقف عندها، وإلا فقد دخلنا في حارة فرعية وتركنا الطريق السريع، فننشغل ونلتفت، وملتفت لا يصل إلى الله.
ثاني حاجة - حسنًا - أنا بالفعل سمعتها، فينبغي أن نستفيد منها في طريقنا إلى الله. يعني يجب على المؤمن يكون كيّسًا فطنًا ذكيًا، يحتال ويستغل، لكن لله لا للدنيا، إنما حتى يتقدم في طريق الله سبحانه وتعالى.
الفرق بين الأدعياء والأولياء والابتلاء بالأعداء والأدعياء في طريق الله
هذا هو الفرق بين الأدعياء وبين الأولياء. ابتلينا في طريق الله بطائفتين: الأعداء والأدعياء.
الأعداء ينكرون الطريق إلى الله ويقولون أنهم لم يروا شيئًا، وتقرر عند العقلاء أن فقد الوجدان لا يلزم منه فقد الوجود. يعني أنك إذا لم تذهب إلى مكة فهي غير موجودة، وإذا لم تر حسنين فهو غير موجود، وهذا ما لا يقول به العقلاء.
وفي نفس الوقت، فإن من جاء وسلك الطريق، ثم تشعبت به الطرق، وذهب يمينًا ويسارًا، وانشغل باللافتات عن الله، فهذه مصيبة أيضًا، لا يصل أيضًا. فمنكر الطريق الذي لا يريد السير لا يصل، والذي سار فضلّ وذهب لا يصل، فكلاهما اشترك في عدم الوصول، فتنبه!
تحرير النفس من الأعداء والأدعياء وتقييد الطريق بالكتاب والسنة
فنحن بين الأعداء والأدعياء، ينبغي علينا أن نحرر أنفسنا من هذا ومن أولئك، من هؤلاء ومن هؤلاء. نحن نريد الله ونريد تنفيذ أوامره في أنفسنا.
قال الله عز وجل: ﴿وَلَوْ عَلِمَ ٱللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَّأَسْمَعَهُمْ﴾ [الأنفال: 23]
انظر ماذا قال: طريقنا هذا مقيد بالكتاب والسنة، لا يوجد حركة ولا سكون ولا كلمة ولا ذهاب ولا مجيء إلا وله دليل. إنما أنت الذي لا تريد أن تفهم.
كان الشيخ صالح رحمه الله يقول: أغلقوا على أنفسهم، واحد أغلق على نفسه ثم يقول: ما الأمر أيضًا؟ لا يوجد شيء يا أخي، نم واسترح، لا يوجد شيء. أغلقوا على أنفسهم، ماذا سنفعل لهم؟
جواز الاستدلال بالقرآن بغير ما في السياق عند أئمة أهل السنة والجماعة
حسنًا، وهل يجوز الاستدلال في القرآن بغير ما في السياق؟ قالوا: نعم، الشافعي فعل هكذا، وأبو حنيفة، ومالك، والإمام أبو الحسن الأشعري، والإمام الباقلاني، على مر العصور من لدن عهد الصحابة وإلى يومنا هذا.
وأهل السنة والجماعة يستدلون بالقرآن بشكل مطلق بغض النظر عن السياق. حتى سيدنا رسول الله [صلى الله عليه وسلم]، من أين أخذوا هذا المنهج؟ وكلهم من رسول الله:
ملتمسٌ غرفًا من البحر أو رشفًا من الديمِ، وواقفون لديه عند حدهمُ من نقطة العلم أو من شَكلةِ الحِكمِ، فهو الذي تم معناه وصورته، ثم اصطفاه حبيبًا بارئ النسم.
تنزيه النبي ﷺ عن الشريك في محاسنه وتفوقه على جميع الأنبياء
منزه عن شريك في محاسنه، فجوهر الحسن فيه غير منفصمِ أو منقسم. فاق النبيين في خَلْق وفي خُلُق، ولم يدانوه في علم ولا كرم أبدًا.
إنه أمر عظيم جدًا: كالزهر في ترف، والبدر في شرف، والبحر في كرم، والدهر في همم، عليه الصلاة والسلام.
كل شخص يؤخذ من قوله ويُرَدُّ إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقيِّدوا طريقهم حتى يكون لله، وحتى يرضى عنه الله، وحتى يقبله الله بالكتاب والسنة.
شرط قبول العمل عند الله الإخلاص والصواب كما قال الفضيل بن عياض
قال الفضيل بن عياض: لا يقبل الله العمل إلا بالإخلاص والصواب. الإخلاص أن يكون لله، والصواب أن يكون على سنة رسول الله.
فسيدنا رسول الله لما دخل على سيدنا علي [بن أبي طالب] وهو وجده نائمًا، غمزه في رجله هكذا هو والسيدة فاطمة، وقال لهما: استيقظا. وبعد ذلك عندما بدأ سيدنا علي يجادل قال له: أنا لم أكن نائمًا، بل كنت مستريحًا قليلًا فقط.
فقال [النبي ﷺ]:
﴿وَكَانَ ٱلْإِنسَـٰنُ أَكْثَرَ شَىْءٍ جَدَلًا﴾ [الكهف: 54]
هل استدل بالآية في سياقها أم خارج سياقها؟ سياقها [في سورة الكهف] يكون [في موضوع آخر]، أن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يُعلمنا هكذا [الاستدلال بعموم اللفظ].
أمثلة على استدلال العلماء بالقرآن خارج السياق كالقياس والإنفاق وخلق الأفعال
ولذلك تجد العلماء عندما استدلوا بالقياس قالوا استنادًا لقوله تعالى:
﴿فَٱعْتَبِرُوا يَـٰٓأُولِى ٱلْأَبْصَـٰرِ﴾ [الحشر: 2]
حسنًا، هل ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾ وردت في سياق القياس أم وردت في قضايا تتعلق بأهل الكتاب وأنهم مهزومون وأننا سنهزمهم وسنفعل بهم كذا إلى التهلكة؟
طيب، ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى ٱلتَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: 195] هذه ما يقولها أحدهم لك، نعم يعني لا تَمُت. يذهب هو: هل جاءت هكذا أم جاءت في سياق الإنفاق؟ جاءت في سياق الإنفاق.
قال [الله تعالى]: ﴿خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: 96]، استدل به أهل السنة على خلق أفعال العباد. طيب، وهل جاءت هكذا أم جاءت مع الأصنام؟ وهكذا.
الرد على من يريد تقييد القرآن بالسياق وأن عجائبه لا تنتهي
فيجوز الاستدلال في خارج القياس [أي خارج السياق]؛ لأنه كلام ربنا.
﴿وَمَا قَدَرُوا ٱللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِٓ﴾ [الأنعام: 91]
الذين يريدون تقييد الكتاب بالسياق، هؤلاء يريدون أن يجعلوا القرآن محصورًا تنتهي عجائبه، وهو لا تنتهي عجائبه ولا يَخلَق عن كثرة الرد، حبل الله المتين.
هذا هو الفرق بين العلماء وبين الجهلاء. كل واحد يقول: دليلك! ويعمل لك هكذا وفمه لتحت. لماذا؟ لا أعرف ما له. دليلك في هذا، ها هو الدليل، ها هو. يقول لك: لا، هذا ليس دليلًا. إذن ماذا تريد؟ أنا أريد دليلًا. لا، أنت لا تريد دليلًا، أنت تريد عصا، لست تريد دليلًا أنت.
القرآن كلام رب العالمين لا تنتهي عجائبه ويُستدل بكل جزء فيه
﴿وَلَوْ عَلِمَ ٱللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَّأَسْمَعَهُمْ﴾ [الأنفال: 23]
نعم، كل شيء من ضمنها هذا. أصل كلام رب العالمين، هو هذا قصيدة أنشأها امرؤ القيس؟ المقصود هو أن هذا كلام أنشأه بشر؟ هذا كلام رب العالمين من فوق سبع سماوات، هذا كلام متين.
﴿لَّا يَأْتِيهِ ٱلْبَـٰطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾ [فصلت: 42]
ولذلك استدلوا بكل جزء فيه ما دام ليس مخالفًا [لأصول الدين]: أن الله واحد، وأنه أرسل الرسل وأنزل الكتب، وأنه في يوم آخر سنعود فيه إلى ربنا للحساب للثواب والعقاب، وأنه أمرنا بعبادته وبعمارة الدنيا، وأنه سبحانه وتعالى إلى آخره. هذه هي الأصول التي لا أحد يخالفها، فهي ممنوعة [من الاستدلال على خلافها].
قصة القسيس باسيلي وادعاؤه أن القرآن يدعو إلى التثليث والرد عليه
لو أتى أحد بالقرآن وقال لي: أصل قال الله وكذا. واحد مرة اسمه باسيلي قسيس، كان هناك في القُللي كده. كان اسمه باسيلي، قال لك: إن القرآن يدعو إلى التثليث.
لماذا يا باسيلي؟ قال: قال تعالى: الله! أنتم تعرفون أنه قال تعالى. انظر كيف يجعلهم الله ينطقون! هل انتبهت لهذا الجزء؟ قال لك: قال تعالى: الله. هذا خطأ منك يا باسيلي.
قال تعالى عندما علمت أنه قال تعالى، قال تعالى:
﴿بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: 1]
وبعد ذلك انتهى الأمر، فها هم ثلاثة [عنده]: الله والرحمن والرحيم!
الرد على شبهة التثليث بسورة الإخلاص وبيان أن أسماء الله لا تعني التعدد
ثم تضحك، أي ترد عليه قائلًا: تضحك فقط، ولكن بعد قوله:
﴿قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ * ٱللَّهُ ٱلصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 1-4]
تتكلم يا باسيلي، أليس عيبًا؟ بعد ذلك والله وبهذا الشكل أن يكون الله ستة عشر، ستة عشر؛ لأنها ستة عشر صفة في آخر سورة الحشر.
نعم، عندما تأتي لتعدد: الملك، القدوس، السلام، المؤمن، المهيمن، العزيز، الجبار، المتكبر، الله، وقبل ذلك الرحمن الرحيم، وفي الآخر العزيز الحكيم، والله أصبحوا ستة عشر يا رجل! يكون اسم ربنا ستة عشر يا باسيلي، أليس كذلك؟ عيب! من أين أتى هذا؟
قصة أبي لهب وتخفيف العذاب عنه لفرحه بمولد النبي ﷺ
﴿وَلَوْ عَلِمَ ٱللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَّأَسْمَعَهُمْ﴾ [الأنفال: 23]
والله لكان أسمعهم. ولو علم الله خيرًا في أبي لهب لأسمعه كلام رسول الله، وسمعه هكذا بأذنيه. قال: لأنه لم يرَ رسول الله. فواحد يقول لك: لماذا، كان ضريرًا؟ لا، لم يكن ضريرًا. لم يراه إذن؟ لا، رآه يا بني، لكنه رأى فيه يتيم أبي طالب، لم يرَ النبي. رأى جسدًا هكذا كان قد تربى عند أبي طالب. لو كان رأى النبي لكان آمن.
وهو نزل فيه قرآن نتلوه ونظل نسبه حتى يوم الدين في المحاريب. أتعرفون هذا الكافر؟ تُخفف عنه النار كل يوم اثنين كما أخرجه البخاري.
فرح أبي لهب بمولد النبي وعتقه ثويبة وتخصيص القرآن له بالذم دون غيره
لماذا [يُخفف عنه]؟ لأنه فرح بقدوم النبي المصطفى والحبيب المجتبى صلى الله عليه وسلم، حتى وهو لا يعلم أنه نبي، فأعتق ثويبة. الكافر عندما فرح، سيخفف الله عنه النار.
وهو موجود في القرآن حيث توجد سورة تذمه. وعلى فكرة، لا توجد في القرآن هكذا، يعني حتى عندما شتم النمرود لم يذكر اسمه، وحتى عندما شتم فرعون لم يخبرنا ما اسم هذا الفرعون.
ولكن عندما ذكر هذا الرجل قال:
﴿تَبَّتْ يَدَآ أَبِى لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد: 1]
ذكر اسمه! فهذا أمر شديد جدًا، يعني هذا ضائع تمامًا لا فائدة منه.
الفرح بالنبي ﷺ في ربيع الأول وسماع المديح وأثره على القلوب
فلماذا يخفف عنه؟ قال لك: لأنه فرح باسم النبي. عندما أفرح بالنبي هكذا في شهر ربيع الأول الذي نحن فيه، ونستمع إلى المديح، ونسعد هكذا، ويحدث لنا انشراح القلب.
هل مثل هذا الكلام يعني أننا لن ندخل الجنة؟ أهلك الله من يقول ذلك! أي أن هذا الكلام يمنعنا من دخول الجنة يا إخواننا! يعني خُفف عن أبي لهب الكافر العُتُّل الزنيم، الذي مذكور في القرآن تتلوه تسبه هو وزوجته لأجل حبه للنبي وسروره وفرحه وعتقه لثويبة.
فماذا سيحدث لنا عندما نفرح بسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وبمقدمه الشريف؟ ألن يفرح بنا ربنا؟
الرد على منكري المولد النبوي وأن النبي ﷺ ذكر يوم مولده في صيام الاثنين
هذا هو معنى أغلقوا على أنفسهم. ثم يظل الشخص يقفز ويتحرك: هل هذا المولد ورد في النصوص؟ أنتَ الذي أوردتَ، يعني أنتَ أوردتَ عقليتك هذه وأوردتَ.
نعم، المولد ذُكِرَ. أين؟ النبي عليه الصلاة والسلام سُئِلَ:
لِمَ تصوم يوم الاثنين؟ قال:
«هذا يوم وُلِدتُ فيه»
الله ذكرَ يا أخي! قال لي: ليس بالضرورة أن يفعل النبي كل شيء يا أخي. النبي لم يُصَلِّ الضحى؟ واللهِ أنتَ غير عاقل! ظهر أن النبي لم يصلِّ الضحى. قال: إذن صلاها، حديث أم هانئ يا أخي. ويجلس يتشدق هكذا. هو لا، هذا كان صلاة الفتح، لم تكن صلاة الضحى.
سعة الدين وأن من سن سنة حسنة فله أجرها وأمثلة على ذلك
فهو الذي سيجادلنا، فنقول إذن: أنتم تظنون أن النبي لم يصلِّ ركعتا الوضوء التي صلاها بلال، والنبي لم يقل:
«ربنا لك الحمد حمدًا كثيرًا طيبًا طاهرًا مباركًا فيه ملء السماوات والأرض وملء ما شاء الله»
لم يقل هكذا، وكل هذا يُثاب. رأيت بضعًا وثلاثين ملكًا يتسابقون إليها أيهم يصعد بها إلى السماء.
الدين واسع:
قال النبي ﷺ: «من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من اتبعها إلى يوم الدين»
هذا هو الدين، هذه هي الديانة التي في تكبير العيد، فإن كبّر بما يكبر به الناس الآن فحسن. هذا فهم الأئمة؛ لأن النبي لم يأتِ لنا بصيغة محددة للتكبير، لكن الله تعالى أمرنا بالتكبير:
﴿وَلِتُكَبِّرُوا ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَىٰكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: 185]
حسنًا، ما دام هناك تكبير، فما المشكلة؟
حب المصريين للنبي وأهل البيت وحديث الثقلين في التمسك بالكتاب والعترة
وَرَدَ ما يتعلق بسلمان الفارسي، فعندما جاء المصريون وصاغوا هذه الصيغة الجميلة، فالمصريون دائمًا ما يتميزون بهذا الجمال. فسيدنا يحبونه، سيدنا النبي وأهل البيت:
قال النبي ﷺ: «تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدًا: كتاب الله وعترة أهل بيتي»
الذي في الكتب الستة. هذه هي القصة، ما بالكم؟ لا يوجد أنوار.
﴿وَلَوْ عَلِمَ ٱللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَّأَسْمَعَهُمْ﴾ [الأنفال: 23]
نعم والله، نعم والله، إلا أنهم كانوا سمعوا الكلام وفهموه حقيقة.
حقيقة الانتباه والسماع وبداية فهم الإنسان لحقائق القدر والرضا
ما هو الانتباه؟ الحقيقة أن ينتبه هكذا فيحصل له انتباه. السماع هو حقيقة الانتباه، فيقول: يا سبحان الله! هذا بهذا الشكل! إن ربنا على كل شيء قدير.
أو بدأ يفهم: فهذا لا يكون في كونه إلا ما أراد. بدأ يفهم هذا، فهذا يعني أن نُسلِّم ونرضى. بدأ يفهم أنني عندما أصابني بالنِعَم فذلك من فضله، وعندما أصابني بالمِحَن فهذا يعني أنه يريدني أن أفعل شيئًا جميلًا جدًا.
يا سلام! لقد أخذ العزيز الذي لدي، وهذه منحة، فيبدأ يرى كل شيء على حقيقته. بدأ يفهم هكذا.
درجات السماع الثلاث وسماع العامة في الإجابة وزجر الوعيد والنفرة من المعاصي
وهو على ثلاث درجات: الدرجة الأولى سماع العامة وهو ثلاثة أشياء:
- إجابة
- زجر الوعيد
- دعة [أي سكينة]
إجابة، زجر الوعيد من الورع. صححوها، هذه خطأ. ماذا لديك؟ رعى أم دعة؟ هنا رعى، إنها خطأ، اجعلها دعة.
تصبح: يصبح يجلب زجر الوعيد، يسمع هكذا أن ننتهي عن المعاصي، يسمع تقبيح للمعاصي، يحصل له هكذا نفرة من المعاصي، فيصبح لا يطيق أن يعصي ربنا.
انظر إلى الحلاوة، يعني يستقذر القذارات، واتضح له أن المعصية مغلفة بالشهوة وهي سيئة، قبيحة، نتنة. إنه يدرك حجمها هكذا. هذه حقيقة، هذا انتباه.
انكشاف حقيقة المعصية والشهوة وبداية حب الطاعة عند العامي في قسم البدايات
هذه هي شهوة ونريدها ونحصل عليها لكي نتمتع بها. قال له: أخيه، وحشة! سمع كده. أترى السماع الحلو؟ أخيه، هذه سماع جيدة؛ لأنها تعرض الأشياء القبيحة والسيئة. قال له: أخيه، هذه أشياء سيئة جدًا، أيعقل أن الإنسان يريد هذه القذارة؟ كيف يريد هذه الأشياء السيئة؟
قال: استمع هكذا، كل هذا العامي. انتبه! قال: هذا العامي يعني نحن. ربنا يلطف بنا، هذا الرجل الذي لم يدخل بعد. نحن ما زلنا في أي شيء؟ في قسم البدايات، ما زلنا في قسم الأبواب.
قسم البدايات يعني أنه ذهب من هنا حتى البوابة، لم يفتح الباب بعد ولم يقل بسم الله الرحمن الرحيم توكلنا على الله. كل هذا هو اليقظة والتوبة، يُهيئ نفسه أي يُهيئ نفسه كي يذهب إلى الباب، كل هذا وهو ما زال في داخل الدنيا.
كراهية المعصية وحب الطاعة والتلذذ بالمشقة في سبيل الله
فبدأ يكره المعصية تمامًا، واستجابت دعوة الوعد جهدًا، وصار يحب الصلاة يا أخي، وقيام الليل، والذكر، ومجاهدة النفس، يحبهم كثيرًا. وبدأ هذا الحب يسيطر عليه ويشعر به أنه يفعل شيئًا جميلًا، وأنه يفعل شيئًا جميلًا.
وكلما صلى، كلما وجد نفسه يصوم كذلك، ويتصدق أيضًا. تصدق بكل ما في جيبه فاضطر للمشي حيث لم يجد ما يركب به الحافلة. وبينما هو يمشي، ضربت الشمس رأسه، فبدأ يشعر بتلذذ هكذا، وبدأ يعيش في الجهد والمشقة، وأصبح يحب المشقة.
وهذه المشقة سيئة؟ لا، هذه حلوة، وهذا هو السيئ (المعصية)، أما المشقة فهي حلوة.
انكشاف الحقائق وخروج الدنيا من القلب ورؤية النعمة والنقمة كخير من الله
ما هذا؟ إنه انكشاف حقيقة. الانتباه بدأ ينتبه لمعانٍ لم يكن منتبهًا لها في البداية. وبلوغ مشاهدة المنة استبصارًا، ويبدأ الآن يرى الحقيقة، وأن كل ما نزل به فهو خير.
نعمة مفهومة، وخير. نقمة، خير أيضًا. ممتازة لأخذ ثوابًا، لأصبر ولأتربى ولألتفت ولأجل كذا وهكذا.
ما هذا؟ هذه الدنيا خرجت من قلبه تمامًا، وبدأ يرى الأمور ببساطة هكذا. فأصبح مستعدًا مثلما يستعد المرء عندما يتهيأ للخروج فيذهب ليرتدي ملابسه، فهو يرتدي هكذا. فالشخص دخل دورة المياه ثم توضأ ثم لبس وهكذا، كل هذا ما زال في داخل البيت.
الدرجة الثانية سماع الخاصة وشهود المقصود في كل رمز من رموز الكون
الذي توجد فيه هذه العشرةُ داخلَه حتى الآن، وبعد ذلك سيأخذ بعضَهُ ويذهب سيمضي في الأبواب.
وهذه الدرجة الثانية، أما الدرجة الأولى [فقد مرت]. فهي سماعُ الخاصّة، ثلاثة أشياء: شُهود المقصود في كل رمز.
يسمع عصفورةً تُزقزق فيقول: انظر إلى الجمال، انظر إلى الحلاوة، انظر إلى قدرة ربِّنا! انظر كيف أسمعني هذه العصفورة ليقول لي: كن رقيق هكذا مع الخلق، لا تكن عنيفًا، كن رحيمًا، لا تكن قاسيًا.
فهناك عصفورة صغيرة تزقزق بجمال، وتمضي طوال النهار تسمع كل شيء، وتخبر ربنا بكل شيء.
تعليم النبي ﷺ الصحابة قراءة الرموز في الكائنات وقصة الحمامة وابنها
فإذا رأت [الخاصة] امرأة تصرخ، تقول: يا سلام! انظر، كيف جعل ربنا هذه المرأة تصرخ لأجل ولأجل الله.
سيدنا رسول الله كان يعلمنا هكذا، عندما مرَّ بعصفورة تبكي على ابنها، حمامة هكذا تبكي على ابنها أخذوها منها، فقال:
«أرأيتم؟»
انظروا، ابتدأ الرمز، ها هو يعلمنا: خذوا بالكم من الكائنات وافهموا. أرأيتم هذه في شدة وَلَهِها على ابنها، يعني يريد أن يأخذ منا رمزًا. ها هو يعلمنا، كل شيء عند رسول الله.
احذروا أن تصدقوا من يقول لكم: لا يوجد دليل، ويلفظها هكذا، ويُبدل الدال بالجيم هكذا: ما فيش جليل. لا، دعكم من هؤلاء الصبية، لا يوجد جليل ويحب الجيم. دعكم من هذا الكلام كله.
الوقوف على الغاية في كل حس ورؤية آيات الله في كل شيء والخلاص من التفرق
طيب، والوقوف على الغاية في كل حس: ما المقصد؟ ما الغاية التي يريدها ربنا؟ هذه تبدأ تدريبًا، فيرى الله وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد. أبو العتاهية يقول هكذا، فاغتاظ منه أبو نواس.
والخلاص من التلذذ بالتفرق: يجعله يشعر بأنه مجتمع مع الله، أي أن الله ليس غائبًا عنه. ويبدأ الإنسان بالتخلص من تلذذه بأن يكون مع نفسه دون أن يطلع.
خاصية وخصوصية: لا تبدأ هذه المرحلة في المضي، والذي يحل محلها أنه مع الله دائمًا. أفضل من أن تكون مع نفسك، لا أحد يراك، لا أحد يراك من البشر.
الشعور بمعية الله بعد التخلص من النزوات والخجل من الله الذي لا ينسى عبده
لكن بعد أن تخلصت من النزوات وتلذذت بالمجهودات، يأتيك شعور حينها بأن الله موجود. حسنًا، إن الله معي.
أجمل ما في الأمر أنني عندما أفعل شيئًا سيئًا وأشعر بالخجل من الله، فأنساه، فهو لا ينساني بسبب خجلي منه، بل يتذكرني لأنني حبيبه، ومراد المحبوب مطلوب.
سماع أهل الخصوصية يغسل العلل عن الكشف، يعني هؤلاء كأنهم في الحضرة الإلهية، فتذهب منهم كل الأمور الدنيوية.
الصلاة والصيام لا تصبح حجاباً بل يفعل فعل العبد الرباني الذي يتجلى الله فيه
لا صلاة ولا صيام ولا أي حاجة. لا، صلاة والصيام يعني يتركونها، هذا لا يصح. سيدنا رسول الله قال:
«أفلا أكون عبدًا شكورًا»
لا صلاة ولا صيام تصبح حجابًا، ولا علم ولا تقوى تصبح حجابًا. إنه ينتهي الأمر بأن يفعل فعل العبد الرباني.
الله يتجلى فيه للكائنات، وهذا إذا رأيته يسير في الشارع تذكرت الله. تنظر إليه هكذا فترتاح وتذكر ربنا. لا تنظر إليه فتنزعج وتقول: أعوذ بالله، ما له هكذا؟ وما شأن لحيته؟
الفرق بين من يكون وردة تذكر بالله ومن يكون فتنة تنفر الناس من السنة
أنا لا أعرف، كلما أراه بلحيته هذه تُحدث في نفسي شيئًا غريبًا. نعم؛ لأن داخله لم يُشحن بالطاقة الإيمانية، فأصبحت اللحية لا تتناسب معه، وصارت فتنة؛ لأنه أصبح يعترض على سنة رسول الله.
انظر الفرق بين إنك أنت تكون وردة وبين إنك تكون فتنة. ينظر له الآخر، الشخص الذي في الداخل أصبح سليمًا، يرتاح ويقول: يا سلام يا دي النور، يا دي النور! يقول: أعطِ النور. لكن الثاني لا يقول شيئًا.
اكتمال الدائرة ورد النهايات إلى البدايات وقصة أبي يزيد البسطامي مع البحر
ويصل الأبد إلى الأزل، كل شيء خلاص استوى عنده، وعرف أن الدائرة قد تمت، وظل يمشي في الدائرة. لم يبقَ في البداية سوى شخص عادي تمامًا يقول: آه يا جنبي.
الله، لقد كنت منذ قليل تتظاهر بأنك متوكل على الله ولا تتناول الدواء. فيرد: لا يا شيخ، سآخذ الدواء وأشرب الدواء؛ لأن الله أشعرني بما يستوجب أخذ هذا، فنزولًا على إرادة الله فيّ آخذ الدواء، لا من أجل أن يشفى، بل من أجل تنفيذ مراد الله.
يعني هو الآن أمرضني لماذا؟ لكي أذهب إلى الطبيب، والطبيب يجلس يتفلسف ويقول لي: خذ الدواء الفلاني، فأذهب إلى الصيدلية فأدفع النقود التي حصلت عليها اليوم من الكلية لصاحبنا صاحب الصيدلية.
الإرادة الربانية في المرض والشفاء والرضا بقدر الله في كل شيء
فستتحسن! أليس هو الذي يخفف؟ أليس هذا هو أصل كل هذه قضية أخرى، فهذه إرادة ربانية، ولكن الرزق مُقدَّر، وأنا موافق وراضٍ بذلك.
آخذ الدواء فيزول المرض، وأنا أضحك. من الذي أذهب المرض؟ أهو الدواء أم الله؟ هذه هي الحكاية.
فالمسألة تكون بالضبط كما ترى في الفيديو: الشخص يرسم وتجده عاديًا تمامًا من عامة الناس، وهو في الحقيقة من الكبار. كما قالوا: إن النهايات تُرَد إلى البدايات، أي أن الدائرة تكتمل، بمعنى أنه يصل إلى النقطة التي بدأ منها.
قصة أبي يزيد البسطامي وبحر الأنبياء والعوام وتوضيح مقصوده الحقيقي
وهذا ما قاله أبو يزيد البسطامي، وأخذوه على رأسهم وطاروا: وقفنا عند بحر، أو خضنا بحرًا وقف الأنبياء على شاطئه.
قالوا له: الله! أستصبح أعلم من الأنبياء أم ماذا؟ فقال: لم تأخذوا بالكم. الأنبياء ذهبوا وجاؤوا، الأنبياء ذهبوا حتى إيطاليا وعادوا مرة أخرى سباحةً، ووقفوا. العوام لم يذهبوا ولم يعودوا.
فيكون مثل الأنبياء، مثل الأنبياء في أي شيء؟ في الوقوف على الشاطئ. قام صاحبنا هذا خاض قليلًا هكذا يسبح قليلًا في البحر، ووقف الأنبياء على ساحله بعد الذهاب والعودة.
أبو يزيد البسطامي المجذوب وأسلوبه في إغاظة الإخوة بكلام ذي معنيين
أبو يزيد مجذوب، وكان يحب ماذا؟ يبدو أنه كان هناك إخوة في زمانه، فكان يحب دائمًا أن يغيظ الإخوة، أتفهم؟ كان يغيظ الإخوة هكذا ويقول الكلام له معنيان، فيقولون له هكذا، فيرد عليهم هكذا.
طبعًا هذا لعب، هذا ما لا نحبه. نحن نحب التعليم، لكن كان الشيخ أبو اليزيد هذا هو أيضًا في موضعين هكذا ثلاثة.
نعم، يصعد معهم في الخطبة ويقول لهم: وأشهد أن إلهكم إبليس! فأنزلوه وقالوا له: كيف تعبد إبليس؟ فقال: لا، أنتم أتعبدون ربنا؟ أنتم تعبدون إبليس. أنا ماذا قلت؟ وأشهد أن لا إله إلا إبليس، أنا قلت: إلهكم أنتم إبليس، حتى تخرجوا.
﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُٓ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِى وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّـٰلِمِينَ بَدَلًا﴾ [الكهف: 50]
إلى أن تخرجوا من هذا إلى الله، سأظل أقول لكم هكذا.
قصة أبي يزيد الثانية مع عبادة الدرهم والدينار وأصلها في السنة النبوية
وقف أيضًا مرة ثانية، كان يمشي في مكان فوجدوا عليه سمات الصلاح، فقالوا له: قم اخطب. فقال لهم: وأشهد أن إلهكم الدرهم والدينار؛ لأنهم فعلًا يعبدون الدرهم والدينار.
مثل ما النبي عليه الصلاة والسلام قال:
«تعس عبد القطيفة، تعس عبد الدرهم، تعس عبد الدينار»
بالمعنى هذا. ما من شيء يا إخواننا قالوه [أهل الله] إلا وتجد له أصلًا في الكتاب والسنة، لكن القلب المفتوح، وليس القلب الذي يريد أن يتصيد أخطاء الناس.
الختام بسماع مدح النبي ﷺ في آخر جمعة من شهر ربيع الأول
فلنسمع إذن مدح سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، خاصة أن هذه آخر جمعة في ربيع [الأول].
