سبيل المبتدئين في شرح البدايات من منازل السائرين | باب الفرار | أ.د علي جمعة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. من الباب الأول وفي الخطوة الثامنة من عشر خطوات، يقول المصنف رضي الله تعالى عنه ونفعنا الله بعلومه في الدارين آمين، من قسم البدايات من عشرة أقسام، فنحن في الخطوة الثامنة من مائة خطوة للوصول إلى الله سبحانه وتعالى، باب الفرار، ذلك أنه نبه أولاً على باب اليقظة، لأنك إذا لم
تستيقظ وتعلم حقيقة الحياة فلا فائدة، لأنك كما يقال (لا حياة لمن تنادي"، فلا بد من اليقظة. واليقظة هي أن تعرف أن هذه الدنيا إلى فناء، وهي حقيقة لا يختلف فيها اثنان ولا يتناطح فيها كبشان، نرى الموتى أمامنا كل يوم في كل الأعمار، وفي كل زمان ومكان، وبكل الوسائل والطرق، فمنا من يكرمه الله سبحانه وتعالى بالشهادة، ومنا من يموت حتف أنفه، وكلهم بأجله لا يتقدم ولا يتأخر، "لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ" [الرعد: ٣٨]. وهذه حقيقة ينساها الناس بالرغم من وضوحها وحضورها. لا بد أن يتيقظ
الإنسان، ويعلم أنه لا حول ولا قوة إلا بالله، وأنه لا حول له ولا قوة، وأنه لا يكون في كون الله إلا ما أراد، فعليه بالتسليم والرضا، وعليه بالتوكل حق التوكل، بأن يعمل بما أمره الله وألا يقف عند الرسوم. هذه اليقظة ما دام الإنسان قد تيقظ فإنه لا بد عليه. من التوبة، حيث يرى نفسه في عصيان ومخالفة، ويقول سيد المرسلين حتى يكون أسوة حسنة للعالمين كما أنه رحمة لهم صلى الله عليه وآله وسلم: حديث:"إني أستغفر الله في كل يوم مائة مرة"، وهو قد غُفِرَ له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وحاشاه
أن يصدر عنه ذنب، فإنما (حسنات الأبرار سيئات المقربين) وهو سيد المقربين. شعر: (يا سائلي عن رسول الله كيف سها، والسهو من كل قلب غافلٍ لاه قد غاب عن كل شيء سره، فسها عما سوى الله فالتعظيم لله) فغاب عن هذا الكون لأن قلبه قد تعلق بربه أبداً، وغيابه عن الكون استوجب الاستغفار، لأنه مكلف بالتبليغ، وبفتح الباب الذي بينه وبين الخلق، فلما أغلقه من شدة أنوار تعلقه بالحق سبحانه وتعالى استوجب ذلك منه أن يستغفر ربه، حيث أمره بالدعوة إليه، فقال صلى الله عليه وسلم، حديث:
"إنه ليغان على قلبي"، ورأى أبو الحسن الشاذلي في المنام سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: (يا علي غين أنوار لا غين أغيار)، فمن شدة الأنوار التي دخلت قلب المصطفى صلى الله عليه وسلم من باب الحق أُغلق باب الخلق، فاستوجب عليه أن يقول: (أستغفر الله أن أغلقت باب الخلق)، فيفتحه مرة أخرى. أما غين الأغيار فهو الذي يُغلق - والعياذ بالله - باب الحق، فيشعر الإنسان بتعلقه بالدنيا وأنها في قلبه، كل ذلك استلزم أن تكون الخطوة الثانية هي التوبة، ثم بعد ذلك المحاسبة. حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسَبوا. "يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرُۢ بِمَا تَعْمَلُونَ"[الحشر: ١٨]
ثم الإنابة وهي تطبيق التوبة، فالتوبة نظر، والإنابة عمل، ثم التفكر، والتفكر هو السعي إلى المطلوب، ومطلوبنا ومقصودنا هو الله، وفي طريقك إلى الله تكثر اللوافت، من الأنوار، ومن الأسرار، ومن اللذات، ومن الشواغل، ومن المشاغل، ومن الدنيا ومن الآخرة، فينبغي عليك ألا تلتفت إلى شيء من ذلك، وإنما يكون مقصودك هو الله، فالله مقصود الكل، (وملتفت لا يصل)، فلا تلتفت عما يشغلك في يمينك ولا في يسارك، إنما وجّه وجهك في طريقك
إلى الله، وخلِ قلبك من الدنيا، بما فيها من أنوار وأسرار وملك وملكوت، فالمقصود هو الله وليس المقصود هو التلذذ. فالإنابة، والتفكر، ثم التذكر. والتذكر تطبيق للتفكر، لأنك إذا تذكرت فقد رفعت الحجاب الذي بينك وبين الله سبحانه وتعالى، وحينئذٍ تستحي منه، وحينئذٍ تتعلق به، وحينئذٍ فهو سبحانه وتعالى حسيبك وكافيك، ثم بعد ذلك الاعتصام، وقلنا: "وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ" [الحج: ٧٨] "وَٱعْتَصِمُوا۟ بِحَبْلِ ٱللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا۟ " [آل عمران: ١٠٣].
أما الاعتصام بحبل الله فيكون في أول الطريق، وأما الاعتصام بالله فيكون بعد أن تعدى حتى حبل الله. وحبل الله فيكم هو القرآن، يعني كأنه وصل لمراد الله سبحانه وتعالى من قرآنه، وعرف أن الله هو الذي يشغل قلبه، درجة عالية، يتلوها بعد ذلك الفرار. والفرار إلى الله سبحانه وتعالى، قال تعالى: "فَفِرُّوٓا۟ إِلَى ٱللَّهِ" [الذاريات: ٥٠]، الفرار فيه انتقال، وفيه سرعة، الانتقال لا بد أن يكون انتقال هرب من ناحية، وطلب من ناحية أخرى.
يصبح الفرار يشتمل على ثلاثة عناصر، العنصر الأول أن يهرب كأنه فزع وخائف ويأبى ما هو فيه، إلى، إذن هذا طلب، فإنه يطلب الله، وأظهر الله مطلوبنا فقال: "إِلَى ٱللَّهِ" [الذاريات: ٥٠]، هذه مسألة كبيرة جداً أن يأذن لنا بالمعرفة، فالمعرفة هي الأساس. "ففروا" فيها هرب، "إلى" فيها طلب، وفيها سرعة، لو كان قال لك: انتقل إلى الله، امشِ إلى الله، اسعَ إلى الله، سِرْ إلى الله،
كان ربما فيها يعني هوينة هكذا، أى رويدًا، الذي لا تحصله اليوم تحصله غداً، فنحن جالسون مع بعضنا، ولكن "فرُّوا"، لا، هذه فيها سرعة، فالهرب يشتمل على سرعة، والطلب يشتمل على سرعة، فأنت تهرب من الردي إلى الرضي سبحانه وتعالى. من الردي إلى ماذا؟ إلى الرضي، "فَفِرُّوٓا۟ إِلَى ٱللَّهِ إِنِّى لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ" [الذاريات: ٥٠﴾] الفرار هو الهرب، الشيخ يقول هكذا: الفرار هو الهرب. يقول لك: عبّر بالبداية، الهرب، بدايتك هكذا مما لم يكن إلى
ما لم يزل، من الخلق إلى الحق، لكي تزنها. إنما هو قال ماذا؟ مما لم يكن. وصفَ الخلق، وهل الخلق لم يكن؟ على الحقيقةً نعم، أي إننا أوهام؟ نعم، ما معنى أننا أوهام؟ لقد قلناها عدة مرات، إننا حادث، فانٍ، محتاج في قيامك إلى غيرك، لا حول ولا قوة بك، فأنت إذن كائن غير ثابت، لا تساوي جناح بعوضة، كل هذا بإذن الله، إننا قائمون. باللهِ سبحانه وتعالى أولُ الشهود هو الكلامُ الذي أقولُه هذا. أولُ الشهود ترى الحقيقةَ هذه، إنني
أمشي وأمري ليس بيدي، ولا أعرفُ كيف أُشغّل قلبي ولا أجهزتي، ولا أعرفُ كيف أحافظُ على حياتي ولا على صحتي، ولا أعرفُ كيف أموت. حتى الموتُ لا أعرفُ كيف أموت، والشخصُ الذي يُلقي بنفسهِ منتحرا من فوق لكي يغرق، فيقوموا بإنقاذه من تحت، لا توجد فائدة، لم يأتِ الأجل. عندما شخص كهذا لا يعرف كيف يعيش، ولا يعرف كيف يموت، ولا يعرف كيف ينهض بنفسه، وأيضاً حادث، يا حادث، يا مخلوق، فأنت لست كائنٌ بذاتك. "وَلَا تَمْشِ فِى ٱلْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ ٱلْأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ ٱلْجِبَالَ طُولًا * كُلُّ ذَٰلِكَ كَانَ سَيِّئُهُۥ عِندَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا" [الإسراء:٣٨،٣٧] إياك أن
تفعل هكذا، عيب. "وَٱقْصِدْ فِى مَشْيِكَ وَٱغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ ٱلْأَصْوَٰتِ لَصَوْتُ ٱلْحَمِيرِ" [لقمان: ١٩] استحي، هذه هي التربية. من أنت الآن؟ يا للعجب! فيه حول وقوة، ويظن نفسه أن بيده القرار، يقول لك: أنا أريد أن أتخذ قراراً الآن، أنا أتيت إليك لأناقشك يا سيدنا الشيخ كي اتخذ قراراً، يا سبحان الله، تتخذ، حسناً، هيا اتخذ قراراً. أما الذي تعلق قلبه بالله، فيقول يا رب، ويتخذ القرار أيضاً، لكن من خلال الله ولله وبالله. متذكر غير ناسٍ، مرفوع عنه الحجاب، متذكر غير غافل، غير محجوب. فالفرار
هو الهروب من الخلق، وهذا الخلق عبّر عنه بقوله ماذا؟ مالم يكن، وما لم يكن ماذا تفعل معك؟ تفعل معك أشياء كثيرة جداً. يعني أنت كنت هربت من ماذا يا أخي؟ أنت هربت من شيء بثلاثة صاغ. والله ولا يساوي ثلاثة صاغ، ثلاثة مليمات فقط. لكن المليمات مُنِعت، أُلغيت. فأنت هربت من ماذا يعني؟ من قلة مكسورة، لمن؟ إلى ما لم يزل، الله. هذا فخار مكسور، وهذا ذهب مصوغ، في مثال الدنيا ولله المثل الأعلى، ماذا يفعل العاقل؟ قُل له: خُذ قطعة فخار طينية
أو خُذ كنز ذهب. وطالما القلوب متعلقة بالدنيا، نضرب الأمثال بالدنيا وليس هناك فائدة. دائماً الجميع يضحك ويقول لك: لا، كنز ذهب! حسناً، ليكن. خذ الكنز الذهبي إذن، فأنت عندما ترمي قطعة الفخار المطينة التي لا قيمة لها، وجودها يضر ولا يسر، وتأخذ الكنز، ماذا يحدث في نفسك من الداخل؟ "إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ" [آل عمران: ١١٨]، "يَٰٓأُو۟لِى ٱلْأَلْبَٰبِ" [البقرة: ١٩٧] يعني إذا كنت تفكر بشكل صحيح، وتحسبها بشكل صحيح، وتتصرف كأنك من أهل الدنيا وأنك أنت الناجح الذي فيهم، فلتحسبها صحيحة مع الله. فماذا
عن هذه الخيبة مع الله بالويبة؟ الخيبة بالويبة، بالويبة. كم تساوي الويبة؟ ما قدرها؟ إنها تعادل اثنين كيلة. يعني كيلتين. إذن الخيبة بالويبة، والويبة مكيال يعادل اثنين كيلة، الأردب اثنا عشر كيلة، فيكون في الأردب كم ويبة؟ ست ويبات. فالخيبة بالوَيْبَة، وهناك أناسٌ خيبتها السبت، وأناسٌ خيبتها الأحد، وهناك أناسٌ خيبتها لم ترد على أحد. أي أنه لم يستطع أن يحسبها مع الله، وليس من لا يعرف كيف يحسبها مع الله. هو الهرب ممن لم يكن إلى ما لم يَزَل. هذا هو الفرار، من الخلق إلى الحق، من الفاني إلى الباقي، من الدنيا
إلى الآخرة، من الضيق إلى السعة، من الظلمات إلى النور. أنا لست أدري ما الحكاية، أنا لست أدري يعني لو فهم الشخص مراد الله. ألم يقل الله تعالى: "لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ" [البقرة: ٧٣] "إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ" [آل عمران: ١١٨] والعقل على ثلاث درجات. يعني عندما تجلس وتقول لنفسك الحقائق، قم واسأل نفسك: ما هي القصة إذن أنا لماذا متعلق بها هكذا بيدي وأسناني؟ هذه عادة. حسناً، كيف نلغي العادة؟ بالتعود. عوّد نفسك على تركها، كما عودت نفسك على التمسك بها. وهل تركها يعني أن نخرب الدنيا والأعمال؟ لا، فالزهد لا يكون إلا فيما في يدك،
وليس فيما هو في وهمك. يعني الفقير لا يكون زاهدا. الزاهد هو هذا الغني الذى يكون معه المال وليس في قلبه، ومعه الدنيا ولم تدخل قلبه، ولا يحزن على مفقود ولا يفرح بالموجود، هذا هو الزاهد. أما الفقير فاسمه الصابر، لأنه لا يملك شيئاً فهو صابر على البلاء الذي هو فيه. أما الزاهد فهو شيء آخر، فهو يملك، ولكنه يتعالى على ما معه لله. وهو على ثلاث درجات: فرار العامة، وفرار الخاصة، وفرار خاصة الخاصة. العامة، من الجهل إلى العلم، يتعلم، لأن أول
السعي الوعي، أول السعي الوعي. كيف ستسعى؟ إلى أين ستذهب؟ لا بد أن تحدد طريقك، لأن الإنسان في مفترق الطريق بين الخير والشر، "وَهَدَيْنَٰهُ ٱلنَّجْدَيْنِ" [البلد: ١٠]. إذن لا بد أن تعي وأن تعلم، ماذا تعلم؟ تعلم كل ما قلناه من أوله إلى آخره. والجهالة، أن تنام، منذ البداية، من أول ما قلنا حتى الآن. فالفرار من الجهل إلى العلم، ماذا نسمي هذا؟ الوعي. تصبح واعياً، عقداً وسعياً، أي تصبح عقيدتك مثل عقيدة أهل العلم، وعملك يصبح مثل
عمل أهل العلم. إذن الوعي والسعي في العلم، ونريد العمل، ومن الكسل إلى التشمير.التشمير هذه كناية في اللغة العربية معناها أُشمّر (أى رفع الثوب عن الساعدين أو الساقين استعدادًا للعمل) إذن معناها الاستعداد للعمل وإزالة العوائق، ومن الكسل إلى التشمير. والنبي عليه الصلاة والسلام كان يستعيذ ويقول حديث: "اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، وأعوذ بك من العجز والكسل".
لا أرى في عيوب الناس نقصاً كعجز القادرين على الكمال)، يعني القادرين على الكمال وغير راضين أن يَكْمَلوا، إذن فنهايتهم سيئة. لماذا أنت غير راضٍ إذن؟ أهو عاجزٌ هكذا، ليس لديه همة، مثل المسلمين. ما هو العائق؟ لقد خلقك الله مسلماً، نعمةٌ ليس بعدها نعمة، لأنه لو كان خلقك يميناً أو شمالاً، نصرانياً أو يهودياً، بوذياً أو ملحداً، لكنتَ في وضعٍ غير جيد، فإذا به خلقك مسلماً وهداك للإسلام، دخلت فيه
الحمد لله أنه هداك. فهو هداك، ولم يهدِ غيرك. "وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِى ٱلْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ" [الأنعام: ١١٦]، "وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِاللَّهِ إِلَّا وَهُم مُّشْرِكُونَ" [يوسف: ١٠٦]، "وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ" [هود: ١١٨]، "إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَٰلِكَ خَلَقَهُمْ" [هود: ١١٩] فهذه الكثرة لا معنى لها، وقد هداك الله للإسلام، إما بالميراث، وإما بالدخول فيه منة ونعمة، لماذا ترفض أن تعمل؟ رقم اثنين معك القرآن، رقم اثنين مكّنك من الفهم عن الله ورسوله، فما بالك؟ ما الحكاية؟ فيستعيذ بالله من الكسل، من العجز
والكسل، جداً وعزماً، النية صادقة، حديث: "إنما الأعمال بالنيات"، ويكون في جد، والجد هذا عبارة عن ماذا؟ قالوا عبارة عن مراعاة الأوقات، ما معنى مراعاة الأوقات هذه؟ سيدنا عمر يقول: [ما من نَفَسٍ دخل وكنت آمل أن يخرج، وما من نَفَسٍ خارج وآمل أنه يدخل مرة أخرى]. مراعاة الأوقات معناها أنني أحاسب نفسي مع ربي باللحظات، وليس بالسنوات. لا أنتظر نهاية كل سنة لأجلس مع نفسي، بل الآن والآن ما هذا؟ هذا مثل الجندي المستعد دائماً، هذه كأنها قضية يدافع عنها وهو كذلك.
حديث: "بلّغوا عني ولو آية", إن المؤمن مستعد دائماً ومتيقظ دائماً وفي حالة جهاد دائم دائماً، جزء منه القتال، هذا القتال يستمر شهراً، يستمر شهرين، وجهاد النفس يستمر على الدوام، ولو وصلنا به إلى المرحلة العليا تعني أننا فعلاً قد فعلنا مثلما قال رسول الله: حديث: "رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر"، وهو جهاد النفس، أخرجه البيهقي في الزهد مرفوعاً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. لأن الجهاد الأصغر يشتمل على بذل النفس لله، لكنه أصغر في الوقت وليس في الغاية. "وَقَٰتِلُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يُقَٰتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوٓا۟ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ" [البقرة: ١٩٠] نبل وجهاد، عندما رجع من
الحرب منتصراً لم يبحث عن إخوانه ولم يتسلط عليهم. لم يقتل المسلمين، لأنه أصبح قتَّال، بل عاد وضبط نفسه، وهذا هو الجهاد الأكبر أليس كذلك؟ لأن جهاد القتال يستمر شهراً أو شهرين أو سنة أو سنتين، لكن هذا (جهاد النفس) هو جهاد العمر، إذن الأكبر والأصغر هذا ليس في القيمة، لأن الجهاد في سبيل الله أعلى شيء، وإنما هذا في المدة، هذا قصير في المدة أو في الحالة. نحن لسنا دائماً نقاتل، فالسلم في حياة البشر أكثر من الحرب. الحرب تستمر حالة طارئة وتنتهي، بعد عشر سنوات ستنتهي، لا توجد فائدة، الناس تريد أن تعيش سلامٌ، فالجهاد الأكبر هو جهاد النفس. جهاد النَفَس، ما هو جهاد النَفَس هذا؟ أننا يجب أن نراعى أوقاتنا، شعر: [الأنفاس لحظات فمراعاة الأوقات].
احذر أن يغيب عنك الوقت وإلا ستجد روحك قد كبرت في السن ولم تفعل شيئاً، في صراع مع الوقت. والوقت الذي يذهب لا يعود، فلا بد أن يجدك الله حيث أمرك. هذا هو الجد، محافظة الأوقات، وإتقان العمل، وهذه هى عناصر الجد. يجب عليك أن تتقن عملك ولا تهمله، خاصةً ما كان لله. ولذلك يقول لك: عندما تأتي لتتصدق، تصدق من أحسن مالك، ولا تنظر إلى المعيب وتتصدق به. لا، "وَآتَى الْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِۦ" [البقرة: ١٧٧] ليس المال الذي هو الكسر، بل هو المال
الذي يحبه. لماذا؟ لأن الصدقة تقع في يد الله قبل أن تقع في يد الفقير. استحِ الآن، أتُقدم لربنا هكذا هذه الصدقة المعيبة؟ قدم له الأفضل، لوجه الله فلا ترى الفقير ،ولكن تفعلها خاصةً لوجه الله تعالى. ومن الضيق إلى السعة، ثقة ورجاء، فيصبح شيئاً تعلق بالفكر وبالعقيدة، أى من الجهل إلى العلم، وأمر يتعلق بالعمل، وأمر يتعلق بالأخلاق، فهناك عقل، وسلوك بالأركان والجوارح، وهناك قلب وهو الأهم. ودائماً يضع أهل الله القلب فى منزلة عالية، فى القمة، فهو الضابط للعقل، والعقل
هو الضابط للسلوك، ولا تعكس الأمر وإلا تكون علمانياً، سلوكك يحكم عقلك، وعقلك يحكم قلبك، وتنحى قلبك جانبًا، فهذا القلب هو الذي يحكم العقل عند الأشخاص الأسوياء نفسيًا، ومن ليس لديهم أمراض نفسية، وفرار الخاصة من الخبر إلى الشهود. الخبر الذي هو القرآن والسنة، يأتي الإنسان ويسمع "صلِّ"، فيقول: "حاضر، كيف أصلي؟ أربع ركعات الظهر كذا"، فيقوم ويصلي. هذا خبر وعمل، ما معنى الخبر؟ التلقي، سمعت "أَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِدُلُوكِ ٱلشَّمْسِ" [الإسراء: ٧٨]، صدقت، نفذت،
حسنٌ هكذا. قال: لا، هذا كله محصور في الخبر، وهل هذه درجة؟ نعم، هذه درجة أنك تسمع الخبر وتعمل به جيداً، هكذا أصبحت مسلمًا. هل هناك شيء أعلى من هذا؟ قال [ أى المصنف]: أن تفهم ماذا تعني الصلاة. تعني صلة بينك وبين ربك. يعني مكان للخشوع، وصلاة، أي دعاء ورباط. قال [أى المتعلم]: حسناً سأفعل ذلك. هل هناك شيء أعلى من ذلك؟ قال: نعم، هناك ما هو أعلى. قال له: ما هو؟ قال: أن تعيش الصلاة. ما هذا! فيصبح هناك تلقٍ وفهم ومعايشة. وقس على ذلك كل شيء مثلاً في الزكاة،
التلقي أن تذهب وتضع يدك في جيبك وتدفع الزكاة. الفهم أنك تدرك أن هذا طهارة لك، وحماية وبركة وتعاون على البر والتقوى وأداء حق الله. هكذا تفهم دينك، أما الآخر فلا يفهم بل يقوم بها لأن العبادة أصبحت عادة. فرض علينا وانتهى الأمر. فرض لماذا؟ لم يفكر. الله قال هكذا، خبرٌ. الله قال هكذا، فإذن هي خبرٌ. فمثل هذا الشخص غير مستعد للتفكير، لا، فكر وفهم الثالث. عاش أى شاهد الله وراء الزكاة، شاهد الله وراء غناه، شاهد الله وراء الفقير،
شاهد الله وراء الحياة. كيف أتتني هذه الأموال؟ هل لأنني من أسرة غنية، أو لأنني نجحت في تجارتي، أو لأنها أتت لي عن طريق الهبات أو ما شابه أصبحت غنياً، من الله، وبعد ذلك كيف تعرض لي هذا الفقير؟ من الله، وكيف أخرج هذه المسألة ولماذا؟ الله هو الرزاق أراد أن يرزقه الآن فجعلني سبباً، أعطاني المال وجعل قلبي يرق وأفهم الزكاة وأوافق على إخراجها لكي يعطيني أنا الثواب. ويَفُكُّ أزمتَه هو، شهود، فيقول لك: الخاصة تنتقل من الخبر إلى الشهود. الخبر
الذي هو تلقي الكتاب والسنة، هذا جيد. هل هذا سيئ؟ لا، لكن هذه درجة وراءها درجات أعمق منها، كلما فهمنا عن ربنا، وانتقلنا من الرسوم إلى الأصول، والرسوم هي الصلاة والصوم والزكاة والجهاد والبيع والشراء والتفكر والأمريكان والعراقيون، كل هذه رسوم، الأصول الله، لابد أن نفهم أن الله وراء كل هذا، يُعِزّ من يشاء ويُذِلّ من يشاء، بيده الملك وبيده الخير، "فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ" [البروج: ١٦] "لَا يُسْـَٔلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْـَٔلُونَ" [الأنبياء: ٢٣] ومن
الحظوظ إلى التجريد، الواحد يصلي ويرى نفسه هكذا أنه صلى. الحمد لله، هذا حسن، ولكن هناك درجة أعلى من ذلك أن تدرك أن الله هو الذي وفقك للصلاة، فتقول له: الحمد لله أنك وفقتني لأن أصلي. ثم يصل بك الحال إلى أن تدرك أنه هو الذي فَعّل الصلاة فيك، أي أنك أنت أيضاً لم تفعل شيئاً، فيزداد خضوعك لله. تقول له: كيف أحمدك؟ أنا كيف أحمدك؟ أنت كما أثنيت على نفسك، لا نحصي ثناءً عليك. لقد أُغلق باب الثناء على الله، يعني أنت عاجز عن أن تحمده، فتقول له: أنت كما أثنيت على نفسك، لا نحصي ثناءً
عليك. "وَإِن تَعُدُّوا۟ نِعْمَةَ ٱللَّهِ لَا تُحْصُوهَآ" [النحل: ١٨] لا تستطيع، فأنت عاجز أمامه، فلا تعرف ماذا تقول له، تقول له كيف أحمدك، كيف أحمدك فقط؟ أنا سأصمت، الحمد لله كما ينبغي لجلالك. انظر إلى هذه الكلمات "كما ينبغي لجلالك"، إنها تأتي من القلب عن شهود وتجريد. "كما ينبغي لجلالك" تعني أننا عاجزون عن الكلام، والله لا أعرف ماذا أقول. لأنني لو قلت الحمد لله فهذا شكر، والشكر طاعة، والطاعة نعمة، والنعمة تستوجب الحمد، فالحمد يستوجب الحمد. وعندما أقول الحمد لله، أصبح أريد أن
أقول الحمد لله لأنك وفقتني على كلمة الحمد لله. إذن والحمد الثاني هذا، أليس يحتاج إلى حمد ثالث؟ إذن لن ننتهي. إذن وماذا بعد تختصر الكلام و تظهر العجز وتقول له: أنت كما أثنيت على نفسك، لا نحصي ثناءً عليك، الحمد لك كما ينبغي لجلالك أن يكون. ولذلك قالوا إنه في حمد القديم للقديم: حمد الله لنفسه، ونحن نلجأ إلى حمد الله لنفسه: "أنت كما أثنيت على نفسك"، يعني في الأصل لن يوفيك إلا حمدك لنفسك، ولا نعرف ولا نحير ولا ندير، يكافئ نعمتك أو
يوافي نعمتك ويكافئ مزيدها. والذي هو ماذا؟ الحمد، افعله أنت يا رب، لأنني قد عجزت تماماً، عجزت. ماذا يعني؟ لا حول ولا قوة إلا بالله. هذا هو، عجزت، أى وضعت الحول والقوة عند ربي واعترفت بعجزي أمامه سبحانه وتعالى، وفرار خاصة الخاصة مما دون الحق إلى الحق. خلاصة الأمر أن أول شيء يفروا مما دون الحق إليه، فيصبح يفر من الخلق ويفر من عبادته ويفر من حوله
وقوته ويفر من كل شيء إلى الله. سيطر عليه ربنا فلا يفقه ولا يسمع أحدا من الناس، ولا يعيش ولا يتحرك في الكون إلا لله، ثم مِن شهود الفرار إلى الحق - وهذه صعبة - فهناك أولاً خلق، وهناك حق، فأول شيء لن ينتبه إلى الخلق الذين هم ما دون الحق، بما فيهم الأعمال والأحوال والأشخاص والزمان والمكان وكل شيء، فذهب الخلق تماماً، فلا يرى أحداً إلا الله ونفسه، لأنه هو الذي ينتقل، هو الذي يفر. فهو
لم يرَ الخلق، إذ هو أحد ثلاثة: الخلق وهو والله. ينتقل هو من الخلق إلى الله، فأول شيء أنه لا يرى الخلق، فالخلق أصبحت من خلفه لا يراهم، لقد ذهبوا تماماً وانتهى، لكنه ما زال يرى نفسه، أما الثانية ألا يرى نفسه، هذا الذي يسمونه السُكر، أهو سُكر بالخمرة؟ يسمونها الخمرة الأزلية. ما هي الخمرة الأزلية هذه؟ إنها تجعل الإنسان منهم سكراناً في حب الله، أي أن عقله لم يعد موجوداً، عقله
يرى الله فقط. وفي الثانية أنه لا يلتفت الى الفرار، الفرار مما دون الحق إلى الحق، ثم من شهود الفرار إلى الحق، وفي شهود الفرار إلى الحق، لو سقط سقط ماذا؟ شعوره بنفسه. ثم الفرار من الفرار إلى الحق بعد ذلك الخلق ذهبوا، وهو ذهب لكن ما زال الطريق أمامه إلى الله في فرار هكذا فهذا يذهب أيضا فلا يبقى في عقله ووجدانه إلا أنه ينظر إلى الله، أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فهو يراك. فاللهم يا ربنا نوِّر قلوبنا، واغفر ذنوبنا، واستر عيوبنا، وأعنا
على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، وارزقنا العفو والعافية في الدين والدنيا، يا أرحم الراحمين.