سبيل المبتدئين في شرح البدايات من منازل السائرين | باب المحاسبة | أ.د علي جمعة - تصوف, منازل السائرين

سبيل المبتدئين في شرح البدايات من منازل السائرين | باب المحاسبة | أ.د علي جمعة

38 دقيقة
  • اليقظة هي أول الخطوات الضرورية في طريق العبودية، لأن النائم لا تكليف عليه، وتتحقق بمعرفة حقيقة الدنيا وفنائها وأنها مخلوقة لله.
  • التوبة هي الخطوة الثانية، وتعني الانخلاع من دائرة الغفلة والذنوب إلى دائرة الله تعالى، وهي عبادة مستمرة وليست مرحلة تنتهي.
  • المحاسبة هي الباب الثالث، وتقوم على ثلاثة أركان: أولها المقارنة بين نعم الله وجناياتنا، وثانيها وزن ما لله علينا مما لنا عنده، وثالثها معرفة أن كل طاعة نرضاها من أنفسنا تحتاج إلى شكر.
  • نور الحكمة (الفقه) وسوء الظن بالنفس يساعدان على رؤية النعمة والجناية.
  • المحاسبة الصحيحة تهيئ المرء للإنابة التي يدخلها العبد ذليلاً خاضعاً لله.
  • القدرة على المحاسبة من فتح الله عليه، والله يحول بين المرء وقلبه.
محتويات الفيديو(38 أقسام)

مقدمة الدرس وبيان أن اليقظة هي أول مراتب السلوك إلى الله

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

قال المصنف رحمه الله تعالى ونفعنا الله بعلومه في الدارين، آمين: بعدما بيّن أن أول الأمر ولا بد من اليقظة؛ لأن النائم لا تكليف عليه، فإذا خاطبت النائم بشيء فقد خاطبت المحال، وخطاب المحال محال. فلا بد من اليقظة؛ لأن تكليف المحال محال وعبث، كيف تخاطب نائمًا تقول له: افعل وافعل وافعل وافعل وافعل، وهو نائم؟

فلا بد أولًا من اليقظة، واليقظة تتأتى بمعرفة حقيقة الدنيا وأنها فانية إلى زوال، وأن حقيقتها أنها مخلوقة لله رب العالمين، وحقيقتها أنها من خلق الله في خيرها وشرها.

حقيقة اليقظة في معرفة أن لا حول ولا قوة إلا بالله

فالله سبحانه وتعالى فعّال لما يريد،

﴿لَا يُسْـَٔلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْـَٔلُونَ﴾ [الأنبياء: 23]

والله هو صاحب الحول والقوة، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. فاليقظة هي أن تعرف معنى هذه الكلمة التي هي كنز من كنوز مخبوئة تحت عرش الرحمن: لا حول ولا قوة أبدًا، ونفيًا تامًّا من كل أحد في الكون، سواء كان بشرًا أو ملكًا، سواء كان نبيًّا أو وليًّا، سواء كان مؤمنًا أو فاجرًا، إلا الله.

فإنه كان قبل أن يكون الكون، وهو الآن على ما عليه كان، وكل شيء يهلك وفانٍ إلا وجهه سبحانه وتعالى، هو الذي يبقى فهو الباقي.

الله هو الحقيقة الوحيدة وشرط فهم اليقظة للمضي في الطريق

فالله سبحانه وتعالى هو الحقيقة الوحيدة وهو الواجب الوحيد، وما سوى ذلك إنما هو بأمره. هذه هي اليقظة.

إذا فهمت ذلك كلّمناك، وإذا لم تفهم أيقظناك، وإذا لم تستيقظ تركناك؛ لأنه لا فائدة من الكلام معك إذا لم تعلم هذه الحقيقة الأولى المبدئية التي هي باب الخير كله.

التوبة والانخلاع من دائرة الغفلة إلى دائرة الرحمن بعد اليقظة

ثم بعد ذلك، وإذا عرفت الحقيقة من اليقظة وكيف تصل إليها وتقاوم نفسك من أجلها، فاستيقظت، فأول ما تفعله هو أن تبادر بالتوبة إلى الله بالانخلاع من دائرة ما أنت فيه من غفلة ومن ذنوب ومن كِبر ومن تقصير، إلى دائرة الله سبحانه وتعالى الذي يفعل ما يشاء وما يريد.

تنخلع بالكلية، والانخلاع هو حقيقة التوبة. وبيّن [المصنف] بالتفصيل كيف يكون ذلك، وكيف أن التوبة ليست شيئًا ينتهي، بل هو شيء تفعله في كل درجاتك ومقاماتك مع الله.

التوبة مقام مستمر لا ينتهي والنبي ﷺ كان يستغفر مائة مرة في اليوم

فالعوام يتوبون، والخواص يتوبون، وخواص الخواص يتوبون. والنبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو الأسوة الحسنة وغاية المراد من رب العباد، وهو المصطفى الكريم وهو المجتبى صلى الله عليه وسلم، والمثل الأعلى والإنسان الكامل، كان يقول:

قال رسول الله ﷺ: «إني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة»

إذن فالتوبة في حد ذاتها عبادة لا يخلو منها أحد. والتوبة مقام، والتوبة بداية، لكنها ليست بداية ككل البدايات تنتهي، بل إنها بداية لتستمر. وعلى ذلك يتوب الإنسان كل يوم ويستغفر ربه كل يوم، فإنه لا بد عليه بعدد أنفاسه من إحداث التوبة.

النهي عن استكثار الطاعة والتكبر بها وعن تحقير المذنب

لا تستكثر طاعتك ولا تتكبر بها، ولا تتعالَ على أخيك إذا ابتلاه الله سبحانه وتعالى بالذنب. ولا تحقرنّ من المعروف شيئًا، ولا تحقر أخاك الذي أذنب، ولا ترضَ بالذنب.

واكره هذا الذنب ولا تكره صاحبه، فهناك فرق بين الذنب والمذنب، وبين الكفر والكافر، وبين الطاعة والطائع فرق. فرُبَّ طائع ليس له من طاعته شيء، يأتي يوم القيامة القارئ [للقرآن] فيكون أول من يدخل النار.

العالم الذي لم يعمل بعلمه يُعذَّب قبل عُبّاد الوثن يوم القيامة

وعالمٌ بعلمه لم يعمل معذَّبٌ قبل عُبّاد الوثن. إذن، فهذا الرجل الذي كان عالمًا قارئًا يُقال له يوم القيامة: إنما قرأت ليُقال عنك قارئ، وقد قيل، فيُؤخذ [إلى النار].

والشهيد يُقال عنه: قاتلت حتى يُقال عنك شجاع، وقد قيل، فيُؤخذ إلى النار. إذ رُبَّ طائع ليس له نصيب من طاعته.

ويقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:

«رُبَّ صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش»

لأنه لم يكن خالصًا لوجه الله تعالى.

قال رسول الله ﷺ: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى»

باب المحاسبة وأهمية النظر فيما قدّمت النفس لله تعالى

بعدما انتهى [المصنف] من هذه اليقظة ومن تلك التوبة، وأمر العباد أن يتوجهوا وأن يفروا إلى الله وأن ينخلعوا بالكلية من دائرة المعصية إلى دائرة الرحمن، فإنه تكلم عن الباب الثالث من العشر الأول فقال: باب المحاسبة.

حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسبوا.

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا ٱتَّقُوا ٱللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ [الحشر: 18]

إذا نظرت لغدٍ فإنك سوف تحاسب نفسك: ما الذي قدّمته لله؟ فيقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عندما جاءه أحدهم وقال: يا رسول الله، سَلْ لي الجنة، يعني اسأل ربك لي الجنة، قال: وماذا قدّمت لها؟ إذن هناك محاسبة.

حقيقة المحاسبة عند أهل الله وملاك الأمر في تجهيز الحجة لله

﴿ٱتَّقُوا ٱللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ [الحشر: 18]

النظر هو حقيقة المحاسبة: نفسٌ ما قدّمت لغد، كيف تعود إلى ربك؟

يقول أهل الله من السادة الصوفية: ملاك الأمر كله أن تُجهّز حُجّتك لله غدًا. الناس يسألون أهل الله ويقولون: أنا لا أريد كلامًا كثيرًا، صلِّ وصُمْ واذكُرْ واتلُ، أمرني بمائتي شيء، أنا أريد مفاتيح أمشي عليها.

ما هذه المفاتيح؟ قال له: هذه المفاتيح تتمثل في أنك كلما تأتي لتُقدِم على عملٍ تفكر: ماذا سأقول لربنا غدًا؟ ثم اعمل ما تريد أن تعمله، انظر ماذا ستقول له.

معنى تجهيز الحجة لله يتضمن الإيمان باليوم الآخر والحساب

ماذا يعني ماذا سأقول لربي غدًا؟ يعني أنك تذكره، هذا الأمر الأول. وتؤمن بأن هناك يومًا آخر، هذا الأمر الثاني. ومؤمن أن في هذا اليوم الآخر حسابًا للثواب والعقاب، الأمر الثالث.

ثم إنك سوف تحاسب نفسك قبل العمل: إذا ما كان هذا يُرضي الله أو لا يُرضيه.

أهمية الفقه في المحاسبة ومعرفة الحلال والحرام وطاعة أولي الأمر

ومن هنا تأتي الحاجة إلى الفقه، فالفقه مهم لأنه الحكمة، لأنه الذي يبيّن للناس معالم الحلال والحرام.

﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ

⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [النحل: 43]

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا أَطِيعُوا ٱللَّهَ وَأَطِيعُوا ٱلرَّسُولَ وَأُولِى ٱلْأَمْرِ مِنكُمْ﴾ [النساء: 59]

يعني الذين تولّوا استنباط الأحكام الشرعية من الأدلة التفصيلية من الكتاب والسنة. فالطاعة هنا تكون لله، وتكون لرسول الله، وتكون لمن نسب أحكام الله، موقّعين عن الله.

لمّا ابن القيم عمل كتابه سمّاه [إعلام الموقّعين عن رب العالمين]، فأولوا الأمر هم العلماء، وهذه هي الحكمة.

المحاسبة تحتاج إلى حكمة وشرف العلم فوق كل شرف في الكفاءة

فالمحاسبة تحتاج إلى حكمة، والحكمة إما أن تكون بالعلم. وشرف العلم فوق كل شرف.

في الكفاءة [في الزواج] تُشترط في الرجل أن يتزوج المرأة بحيث يكون أعلى منها أو مساويًا لها في الكفاءة، في الحسب والنسب والدنيا والدين؛ لأنه هو الذي وُلّيناه أمر البيت،

﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ [البقرة: 228]

فناسب ذلك أن يكون الرجل أعلى أو مساويًا، ولا يجوز أن يكون أقل. فلو ذهبت [المرأة] وتزوجت رجلًا أقل منها كفاءة، فلوليّها أن يُطلّقها. الولي الخاص بها له أن يُطلّقها.

لماذا؟ لأنها ذهبت فتزوجت بغير كُفء.

أمثلة على الكفاءة في الزواج واستثناء العالم لأن شرف العلم فوق كل شرف

كيف يكون الكُفء؟ مثلًا هؤلاء أناس أغنياء وذهبت [ابنتهم] لتتزوج رجلًا فقيرًا لا يستطيع أن تعيش معه كما عاشت مع أبيها، أو هذه ذات حسب ومن أهل البيت فذهبت وتزوجت بغير ذي حسب، أو إلى آخره.

إلا إذا كان عالمًا، إذا كان عالمًا فشرف العلم فوق كل شرف، ومن ذاق عرف، ومن عرف اغترف. فشرف العلم فوق كل شرف.

قضية أنّ العالِم المفترض أن يكون فاهمًا، فيكون إن كرهها لم يظلمها، وإن أحبها أحسن إليها حُسنًا. هذا ما أريده في الكفاءة، هذا ما أريده في الكفاءة.

الحكمة إما بالتعلم وإما بالسؤال وطريق المحاسبة بعد عقد التوبة

إذا كان العلم مهمًّا والعلم حكمة، إما بالتعلم وإما بالسؤال. إذا لم تكن عالمًا فاسأل العالم.

قال [المصنف]: وإنما يسلك طريق المحاسبة بعد العزيمة على عقد التوبة التي قدّمناها. لا بد أن نعاهد ربنا عليها ونوقّع عقدًا بيننا وبين الله.

والله أمرنا فقال:

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا أَوْفُوا بِٱلْعُقُودِ﴾ [المائدة: 1]

أمرٌ في القرآن، فلا بد من عهد الله.

﴿إِنَّ عَهْدَ اللَّهِ كَانَ مَسْئُولًا

⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [الإسراء: 34]

﴿وَبِعَهْدِ ٱللَّهِ أَوْفُوا﴾ [الأنعام: 152]

وإنما يُسلك طريق المحاسبة بعد العزيمة على عقد التوبة.

أركان المحاسبة الثلاثة والركن الأول القياس بين النعمة والجناية

والمحاسبة لها ثلاثة أركان كما عوّدنا، لها ثلاثة أركان. المرحلة التي نحن فيها هذه:

أحدها: أن نقيس بين نعمته وجنايتك. يعني تجلس وتفكر وتحاسب وتقول: النعم التي أنعم الله عليّ بها كم قدرها وما هي؟

سؤال: ما رأيك لو كنت موفّقًا لشرح الله صدرك وأظهر لك مِنّته عليك؟ ولو كنت غير موفّق أغلق بصيرتك، ثم لا تجد لله عليك حقًّا، وتقول في نفسك: ما أنا متعب طوال النهار، ماذا سيفعل بنا أكثر مما فعله بنا؟ هذا مطموس البصيرة.

رؤية نعم الله من الأساس إلى الرأس وكل شيء في الإنسان نعمة

لكن لو وفّقك الله لرأيت نعمه كما يقولون في العامية: من أساسك إلى رأسك. الأساس الذي هو ما [القدمان]؟ الأساس [يعني الرجلين]؛ لأن الأساس يكون تحت. رأسك وشعر رأسك كلها نعمة، عقلك نعمة، وابنك نعمة.

عينك التي ترى بها نعمة، فإن أخذها الله منك فهي نعمة وما بعدها نعمة. فهو [أحد الصالحين] قال له [شخص]: حرمك الله من البصر! فقال: حرمني من أن أرى مثلك، يعني هذه نعمة.

حرمني منها، من أي شيء؟ يعني حرمك الله من البصر؟ قال له: أبدًا، هذه نعمة، حرمني الله من أن أرى مثله. آه، هذه مصيبة [هي في حقيقتها] نعمة.

فقدان البصر نعمة مضمونة بالجنة والتنفس نعمة عظيمة لا نشعر بها

النعمة فيها: من أخذ الله حبيبتيه [عينيه] أبدله بهما الجنة. يبقى ماذا إذن؟ هذا مضمون له الجنة، هذا ذاهب على الفور هكذا. من أي شيء؟ من الدار إلى الجنة. يبقى ماذا نريد؟

تنفّسك نعمة! رأيت أحد الطغاة وهو ممسكٌ بوردة يشمّها في قفصه [قفص الاتهام] وهم يحاكمونه. فسألت: ما باله؟ أليس مهتمًّا أو ما الأمر؟ قالوا: له يبعد عنك، كل نَفَس يأخذه يتقطع داخله كالسكاكين، يخرج النَفَس فيتقطع داخله كالسكاكين، فهو غير قادر ويُسلّي نفسه بالوردة كي يخفف الألم قليلًا.

ما هذا يعني؟ نحن في نعمة وإلا ما هذا الاستمرار؟ نحن نتنفس باستمرار.

ثلاثة أشياء تساعد على فتح البصيرة ورؤية النعمة والجناية

فإذ بنا إن فتح الله عليك لأراك مِنّته عليك، وإن أغلق بصيرتك لنسيت نعمته. وهذا يشقّ على من ليس لديه ثلاثة أشياء تساعدك على فتح البصيرة ورؤية النعمة ورؤية الجناية التي فعلتها.

في المقابل، الله هو الله يمنّ عليك بالمنن والمنح والنعم، وأنت تقابله بالمعصية والفرار والطغيان والنسيان والقسوة.

[الأمر الأول:] نور الحكمة الذي هو الفقه، إما بالعلم وإما بالسؤال. فعندما أكون عارفًا بالحلال والحرام أصبح مدركًا لما أفعله، ولكن إذا لم أكن عارفًا بالحلال والحرام فلا أدرك ما أنا عليه.

قصة من لا يرى ذنبه ويظن أنه لم يفعل شيئًا سيئًا وهو لا يصلي إلا الجمعة

كيف حالك؟ أقول: ماذا فعلت يعني؟ أنا لا أفعل شيئًا سيئًا. سمعنا من الناس كثيرًا هكذا. قال: أنا لم أفعل شيئًا سيئًا أبدًا. فأقول له: أبدًا؟ قال لي: أبدًا.

أتصلي؟ أنا أول ما قلت له هكذا: أتصلي؟ قال لي: نعم، ماذا إذن؟ أصلي الجمعة، أصلي الجمعة! لا يرى أنه حتى الصلاة لم يُصلّها [كاملة]، هو يصلي [الجمعة فقط] وبعد ذلك يقول لي ماذا؟ فماذا يعني؟ أيضًا يعني يعترض عليّ!

يعني ماذا؟ ماذا تظن؟ قلت: إذن يصلي جماعة في المسجد في الصف الأول، لم يترك خلف الإمام أربعين سنة! اتضح أنه يصلي الجمعة فقط ولم يفعل أبدًا شيئًا سيئًا في حياته!

خطورة ترك الصلاة وحال من لا يرى ذنبه ويدّعي أنه سليم مائة بالمائة

والنبي صلى الله عليه وسلم يقول:

«بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر»

يعني ذنب عظيم حقيقةً، ليس كفرًا بمعنى الخروج عن الملة، لكن ذنبه قريب من الكفر. وبالرغم من ذلك، أخونا لا يراه [ذنبًا].

واحد آخر يقول لي: أنا لا أعرف لماذا فعل الله بي هكذا بالرغم من أنني سليم مائة في المائة! سليم مائة في المائة! أيها الطاغية، سليم مائة في المائة هكذا هو، سليم مائة في المائة!

قال: لا، فما الأمر إذن؟ أبحث هكذا ولا أجد شيئًا. تعرف أنه مخذول، هذه مصيبة.

علاج من لا يرى ذنبه أن يلجأ إلى الله بالبكاء والتضرع حتى يُفتح له

والإنسان عندما لا يجد شيئًا [من ذنوبه] فليذهب إلى ربه ويبكِ. اجلس وابكِ الآن، قل له: لا، أنت هكذا مُغلقٌ عليّ، ما دمتُ لا أرى وأرى نفسي جميلةً جدًّا هكذا، وليس هناك شيء إلا فعلته هكذا.

أنتَ أغلقتَ عليّ، لِمَ أغلقتَ عليّ؟ ماذا فعلتُ؟ سامحني، اغفر لي، افتح لي. لن أقوم من هنا، وابكِ، تنهّد، واجلس أمام الباب حتى يُفتح، حتى يُفتح لك.

لا فائدة إلا هكذا، ما دمت ترى نفسك أنك قد وصلت إلى الغاية، فاعلم أنك في الحضيض.

سوء الظن بالنفس وخطورة الأنا وقصة من يدّعي أن الله يحبه بمتاع الدنيا

[الأمر الثاني:] نور الحكمة الذي هو الفقه، وسوء الظن بالنفس. يا سلام يا سلام! رأينا أناسًا، واحد مرة قال لي: أنت تكلمني هكذا؟ إنني أنا يحبني الله!

قلت له: هذا شيء جميل أن تثق بالله. كيف يحبك الله؟ قالوا: فمن يحب إذن؟ نعم والله، إنه جعلني وجعلني وجعلني. وأخذ يسرد متاع الدنيا: أموالًا وجاهًا وسلطانًا وحسبًا ونسبًا ومتعًا وشهوات.

وكل هذا عند الله لا يساوي جناح بعوضة، وليس دليلًا على الحب. الدليل على الحب التوفيق، الزيادة في العبادة، الاستمرار فيها. هذا هو الدليل على الحب. أما غير ذلك فليس بتوفيق.

النعم المتكاثرة تستوجب الشكر وقصة من يكنز الزكاة في البنك ولا يجد فقيرًا

هذه نعم متكاثرة تستوجب منك الشكر بالليل والنهار، وهي عليك لا لك، تبعتها لستَ قادرًا عليها.

قال لي [أحدهم]: أنا منذ خمس سنوات فتحتُ حسابًا في البنك وأُخرِج الزكاة وأضعها فيه؛ لأنني لا أجد فقيرًا! قلت له: ياه! الدولة اغتنت إذن، الله! إننا في عصر عمر بن عبد العزيز الذي بحث فلم يجد فقيرًا في المسلمين!

قال: أي والله. قلت له: حسنًا، إن شاء الله سأكتب لك عشر عائلات وأكتب لك المبالغ التي يحتاجونها من ديون وعلاج وزواج، وأناس يريدون شراء سيارة أجرة ليعملوا عليها لأنهم لا يجدون لقمة العيش تأكلها، وأناس يريدون تفتح كشكًا يبيعون فيه الحلويات أو أي شيء.

قصة من يريد إعطاء الزكاة عشرة جنيهات فقط ومنهج السلف في إغناء الفقير

قال لي: حسنًا، وهو كذلك. وبعد ذلك قال لي: لا، أنا أريد أن أعطي الشخص عشرة جنيهات مقابل عشرة جنيهات، ولذلك لم أجد من يستحق العشرة جنيهات! وأنت تقول يعطيه خمسة آلاف وستة آلاف ليفتح بها محلًّا!

كان السلف إذا أعطى أغنى؛ لكي ينتقل [الفقير] من الفقر إلى الغنى ونكتفي ونأخذ منه الزكاة السنة القادمة. وصاحبنا يكدّس الأموال في البنك!

انتبه، هو رجل تقيّ لا يُخرج الزكاة بل يضعها في البنك فتزداد فيه، وغير راضٍ، وبالملايين ويريد آلاف الناس ليعطيهم ماذا؟ عشرة في عشرة! لا توجد حكمة ولا سوء ظن بالنفس، فيها الأنا كبيرة جدًّا.

تربية النفس على التخلص من الأنا عند بعض أهل الله ومرحلة من مراحل التربية

كان بعض أهل الله وهم يربّون أتباعهم وأنفسهم يُخلون كلامهم من أنا، لا يرضى أن يقول "أنا" في مرحلة كهذه، يدرّب نفسه. ومن ياء الملكية لا يقول: هات كتابي، أو خذ طعامي، أو تعال بيتي. لا يقول ذلك، بل يقول له: تعال إلى البيت، وخذ الكتاب، وهات الطعام.

لا يرضى أن يقول ماذا؟ لأنه لا يملك من الدنيا، إنما الملك والمالك هو الله، وأنا ذهبت [فانية]. أنا فقط، ولكن هذا ليس على الدوام يا إخواننا.

هذه مرحلة من مراحل التربية، يعني الذي يتمسك بهذه المسألة لا يتمسك بها دائمًا، يا شيخ محمد، أليس كذلك؟ هذه مجرد مرحلة من مراحل التربية فقط، وبعدها نتركها ونعود مرة أخرى إلى الكلام العادي.

الاقتداء بالنبي ﷺ في الكلام العادي وتمييز النعمة من الفتنة

فإن سيدنا رسول الله قال "أنا" وقال "تعال إلى بيتي"، وهو خير من نقتدي به. لكن هذا ما هو إلا لكي تقهر نفسك قليلًا التي هي تعاكسك.

وتمييز النعمة من الفتنة: عندما يمنحك الله أموالًا ويسلّطك على إنفاقها في الحق، اعلم أنها نعمة. وإن جعل قلبك يتعلق بها وتلتفت إلى غيره، اعلم أنها نقمة وفتنة.

انظر إلى النعمة التي منحها الله لك: نعمة السلطان، نعمة الجاه، نعمة الوظيفة، نعمة الزوجة، نعمة الولد، نعمة المال، نعمة أي شيء. أدّى بك إلى حب الله ورسوله، حب المساكين، حب المسلمين، بذل ما في يدك توكّلًا وثقةً بالله وما عنده، فإن الحب عطاء من غير نظر إلى مقابل.

الركن الثاني من المحاسبة تمييز ما للحق عليك مما لك أو منك

أو إنك قد التفتّ بها إلى غيره سبحانه وتعالى. فإذا كانت الأولى فهي نعمة، وإن كانت الثانية فهي نقمة وفتنة.

الأمر الثاني من المحاسبة: الأمر الأول أن نقيس بين النعمة والجناية، والأمر الثاني أن تميّز ما للحق عليك مما لك أو منك.

نريد أن نتحاسب الآن، وعندما تذهب لتحاسب البقّال أو التاجر أو أصحاب الأموال، ماذا تفعل؟ شيء يُسمّى دفتر الأستاذ: منه وله، مديونية ودائنية. نريد الآن أن نتحاسب: ما لك وما عليك. هذه هي القضية الثانية في المحاسبة.

حقيقة المحاسبة أن الإنسان مدين لله بالطاعات والفروض وليس له شيء

المحاسبة معناها أن نبيّن ما لك وما عليك. دع كل واحد يعرف حقه: ماذا لك إن شاء الله عند الله، وما عليك في قِبَل الله.

عليك الطاعة والفروض والواجبات، ومطلوب منك السنن والرواتب والنوافل. فما لك إذن؟ لا شيء! أنت مفلس، ليس لك شيء عند الله؛ لأن هذه الأعمال في مقابل بعض المنن التي عليك.

أنت عليك عليك عليك، وليس لك مسكين. عليك أن تعرف نفسك، وليقف كل واحد عند حده. لماذا تمشي رافعًا رأسك؟ أنت لا تملك شيئًا أصلًا! لماذا تأتي لتصرخ في الدكان وأنت يا مسكين مديون بآلاف آلاف الآلاف وليس لك عندنا شيء؟

الجناية حجة عليك والطاعة منّة من الله وليست بعملك

ها قد انكشفت القضية والحقيقة. فاعلم أن الجناية عليك حجة، والمصائب التي تصنعها حجة عليك، والطاعة عليك مِنّة.

تقول: الله، لقد صليت! فيقول لك: أأنت صليت أم أنا الذي جعلتك تصلي؟ أأنت زكّيت أم أنا وفّقتك للزكاة؟ أأنت ذكرت أم أنا الذي جعلتك تذكر؟

أقول له: حسنًا، ماذا أفعل؟ يقول: اشكر يا ولد! أنت مدين بالشكر، لم تشكر حتى الآن. فظهرت مدينًا في الجناية، وخرجتُ مدينًا في الطاعة. أنا ذاهبٌ وفاعلٌ ماذا؟ أظنّ أن طاعتي سأجد لها درجةً عنده!

لا يدخل أحد الجنة بعمله إنما بفضل الله ورحمته حتى النبي ﷺ

اتضح أنه:

قال رسول الله ﷺ: «لا يدخل أحدكم الجنة بعمله، إنما بفضل الله. قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمته»

صلى الله عليه وسلم، صلّوا على سيدنا رسول الله.

والحكم عليك حُجّةٌ، وما هو لك مَعْذِرَةً. لا تتغابَ وتقول له: حسنًا، أليس الله هو الذي كتب عليّ الطاعة؟ نعم. ألستَ أنتَ الذي كتبتَ عليّ المعصية؟

الجناية المكتوبة عليك حجة عليك وليست معذرة لك بل هي لإثبات افتقارك إلى الله

قال: ماذا يعني؟ هل هو ذكيٌّ جدًّا؟ وكثيرٌ جدًّا، خاصةً من رجال الأعمال، يفعلون هكذا. قال: جالسٌ يفكّر، ظانًّا أنها مؤسسةٌ يتعامل معها، يستورد منها.

يقول: حسنًا، أنت يا ربنا كتبت عليّ الجناية. قال له: يا حبيبي، الجناية التي كُتبت عليك حجة عليك، ليست معذرة لك. هي معمولة لكي تعتزل وتقول: لا ذنب لي فقد أُجريت المعصية عليّ؟ لا! هي معمولة لكي تطأطئ رأسك وتقول له: سامحني.

هي معمولة لذلك، لأجلِ أن تقول: اغفر لي. هذه مصنوعةٌ لتُثبتَ في النهاية افتقارك إليه. هي حجةٌ عليك.

الحكم عليك حجة وليس معذرة ولا يمكن تحويله إلى عذر عند الله

فإنها والحكمُ عليك حجةٌ وليست لك معذرة. والحكمُ عليك حجةٌ وليست لك معذرة. لا تستطيع أن تحوّله إلى معذرةٍ تعتذر بها عند الله.

الركن الثالث من المحاسبة كل طاعة رضيتها من نفسك فهي عليك

والثالث من أركان المحاسبة: أن تعرفَ أن كل طاعةٍ رضيتَها منكَ - رضيتَها من نفسِكَ يعني - ومسرورٌ جدًّا أنكَ قمتَ الليلَ أمس، فهي عليكَ؛ لأنها تحتاجُ إلى شكرٍ، والشكرُ يحتاجُ إلى شكرٍ، والشكرُ يحتاجُ إلى شكرٍ أبدًا.

وكلُّ معصيةٍ عيَّرتَ بها أخاكَ فهي إليكَ مردودةٌ؛ لأنكَ بتعييرِكَ قد برَّأتَ نفسَكَ، وتبرئتُكَ لنفسِكَ كِبرٌ. فربما يغفرُ اللهُ لهُ ويؤاخذُكَ بها.

يكون هو الذي ارتكب المعصية فأورثته ندمًا وتوبة صادقة، وأنت قد تكبّرت عليه فأُخذت بها، فهي مردودة إليك.

لا تضيع ميزان المحاسبة والانكسار يهيئك لباب الإنابة

فلا تضيع ميزان وقتك، أي لا تضيع ميزان المحاسبة. اعرف ما لك وما عليك، ولو ضيّعت صفحتك ستتوه ولن تعرف الحقيقة أبدًا.

وهذا الانكسار والذل الذي تفعله المحاسبة في نفس الإنسان هو الذي يهيّئك للدخول إلى الإنابة. الباب الذي بعده ماذا؟ باب الإنابة.

باب الإنابة ينبغي أن تدخله وأنت ذليل خاضع لمن؟ لله.

الرد على من يستنكر الذل لله والسجود وبيان أن الذل لله عزة

بعض النصارى الغربيين يقولون: ماذا؟ كيف يكون الإنسان ذليلًا ويسجد؟ يقول [المسلم]: أنت ترى ذليلًا؟ ذليل لله يا ابن آدم.

يقول: يعني كيف؟ يعني يكون ذليلًا لأنه لا يسجد، فلو سجد لعرف كيف يكون ذليلًا لله، وبذلك يكون عزيزًا على كل خلقه؛ لأنه أخرج الدنيا من قلبه فكانت في يده وليست همّه.

متوكل على الله، لا يخاف سوى الله، لا يعبد إلا إياه، لا يطلب إلا منه، لا يتوكل إلا عليه. عليه رضا وتسليم وسعادة، لو عرفها غيرنا لقاتلونا عليها كما يقاتلوننا على البترول؛ لأنهم في جحيم وهم يكتبون أنهم لا يقدرون أن يخرجوا من هذا الجحيم.

الله يحول بين المرء وقلبه وقصة فرعون مع سيدنا موسى عليه السلام

واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه. فها هو فرعون كان ينظر إلى سيدنا موسى وعقله يقول له: اقتله فإن هلاكك على يديه، وقلبه لا يطاوعه.

قال: أحضروه لأقتله أو أرى له حلًّا. عندما رآه قال له: ما هذا؟ قال:

﴿أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ * وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ ٱلَّتِى فَعَلْتَ﴾ [الشعراء: 18-19]

أهذا خطاب شخص يريد قتل شخص آخر؟ إنهم مع بعضهم، يكفي أن يشير بعينيه فقط ليقتلوه.

محبة الله التي ألقاها على موسى جعلت فرعون لطيفًا معه رغم عداوته

لكن أول شيء، الله يقول له:

﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِىٓ﴾ [طه: 39]

﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّى﴾ [طه: 39]

فأنزل عليه خيمة المحبة، فكان فرعون كلما نظر إليه ازداد محبة له. أمر غريب! ينظر إليه فيحبه.

وبعد ذلك أراد واستمر معه بهذه الطريقة، فكان فرعون لطيفًا تمامًا في خطابه معه، لطيفًا تمامًا. ليس هو فرعون الذي نعرفه، فرعون الذي نعرفه هذا يقتل بالنظرة، وفرعون هذا لا.

﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّى وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِىٓ﴾ [طه: 39]

الله يحول بين المرء وقلبه ولسانه ومن فتح الله عليه باب المحاسبة فلا يضيع الميزان

خلاصًا يا إخواننا، واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه ويحول بين المرء ولسانه. كذلك إذا كان قلبه الذي بين صدره يحول بينه وبينه ولا يعرف يتصرف من غيره.

من فتح الله عليه باب المحاسبة فلا يضيع الميزان من يديه.

فاللهم يا ربنا يا كريم، اجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه. تفضل يا شيخ ممدوح.