ما الفرق بين أهل التكليف وأهل التعريف في الحكم العطائية وكيف تسبق أنوار الحكماء أقوالهم وتصل إلى القلوب؟
في شرح الحكم العطائية، أهل التكليف يعبدون الله من بساط إحسانهم فتصمتهم الإساءة عن الموعظة، بينما أهل التعريف يرون كل شيء بقدر الله فلا تقطعهم الذنوب عن الأمر بالمعروف. أما أنوار الحكماء فتسبق أقوالهم إلى القلوب، فيتأثر السامع قبل أن يفهم المعنى بأذنه، لأن الكلام يخرج بكسوة القلب الذي صدر منه. والقضية ليست في البلاغة والفصاحة بل في القبول والتوفيق الذي يلقيه الله على عباده.
- •
هل يجوز للواعظ أن يستمر في الموعظة بعد وقوعه في الذنب، وما الفرق بين أهل التكليف وأهل التعريف في ذلك؟
- •
أهل التكليف يعظون من بساط إحسانهم فتصمتهم الإساءة، بينما أهل التعريف يرون الإحسان والإساءة كليهما بقدر الله فلا ينقطعون عن الأمر بالمعروف.
- •
أنوار الحكماء تسبق أقوالهم إلى القلوب، فيتحرك قلب السامع قبل أن تصل الكلمات إلى أذنه، لأن الكلام يخرج بكسوة القلب الذي صدر منه.
- •
قصة عبد القادر الجيلاني وابنه تُجسّد هذا المعنى؛ إذ أبكى الناسَ بكلمة «كنت أمس صائمًا» لأنها خرجت من قلب سليم.
- •
الكلام الواحد يُفهم بحسب قلب كل سامع وتوفيق الله له، وقد يفهمه أرباب القلوب على معنى روحي عميق بينما يفهمه غيرهم على ظاهره.
- •
السالك لا ينبغي له أن يُفشي وارداته إلا لشيخه، وعليه أن يطلب الأنوار والأسرار من الله لا من الخلق.
- 0:15
شرح الحكم العطائية يُفرّق بين أهل التكليف الذين تصمتهم الإساءة عن الموعظة، وأهل التعريف الأعلى درجة الذين لا ينقطعون عنها.
- 1:38
الواعظ من أهل التكليف تنبع مادة كلامه من إحسانه الشخصي، فإذا أذنب ارتج عليه وانقطع عن الموعظة.
- 2:39
أهل التعريف يرون الإحسان والإساءة كليهما بقدر الله، فلا تقطعهم الذنوب عن الأمر بالمعروف وموعظة الناس.
- 3:45
الحكم العطائية تُقرر أن أهل التعريف أعلى من أهل التكليف لأنهم يرون الإحسان والإساءة كليهما من الله فلا يصمتون.
- 4:14
أنوار الحكماء تصل إلى قلوب المستمعين قبل أقوالهم، فيتحرك القلب بالقبول الذي يلقيه الله على العارف قبل أن تُدرك الأذن الكلام.
- 5:03
النور يسبق كلام الحكيم إلى القلب فيجعله منيرًا مستعدًا للتأثر، فيفهم السامع ويتعظ حتى قبل أن تستوعب أذنه الكلام.
- 5:56
رؤية الإنسان الصالح تُذكّر بالله لأن نوره يسبق كلامه، وحيث صار التنوير وصل التعبير ووجد القلب مستعدًا للتأثر.
- 6:34
الكلام يخرج بكسوة القلب الذي صدر منه؛ القلب المنير يُخرج كلامًا منيرًا يصل إلى القلوب، والقلب المظلم يُخرج كلامًا لا يؤثر.
- 7:27
قصة عبد القادر الجيلاني وابنه تُثبت أن التأثير في الموعظة ليس بالعلم وحده بل بنور القلب الذي يُبكي الناس قبل الكلام.
- 8:29
كلمة «صائم» من فم عبد القادر الجيلاني أبكت الناس لأنها خرجت من قلب سليم عابد، فحملت نورًا أوصل واردات إلى قلوب المستمعين.
- 9:25
الكلام العادي من القلب السليم يُبكي الناس ويُذكّرهم بالله، وقد استشهد بآية ﴿كانا يأكلان الطعام﴾ لتأكيد بشرية الأنبياء.
- 10:15
صحيفة سيدنا عيسى بيضاء يوم القيامة لكنه يُحيل إلى النبي المصطفى تأدبًا، وهذا يكشف معنى الاجتباء والاصطفاء الإلهي.
- 11:14
أرباب القلوب يُذكّر كلامهم العادي بالله لأن الله يلقي عليهم القبول، فتصل عباراتهم وإشاراتهم إلى قلوب المستمعين.
- 12:10
تأثير الكلام في القلوب ليس بالبلاغة بل بالقبول الذي يلقيه الله، فالقضية وراء العبارة والإشارة في التوفيق الإلهي.
- 12:48
الحقائق قد تظهر خافتة مكسوفة الأنوار إذا لم يأذن الله بإظهارها، لأن التوفيق الإلهي هو الذي يجعل الكلام يصل ويؤثر.
- 13:43
عبارات العارفين إما فيضان وجد من السالكين أو قصد هداية مريد من المحققين، وكلاهما يخدم الطريق إلى الله.
- 14:30
مقصد الطريق الصوفي كله هو الأدب مع الله في الطلب والشكر والعبادة، والمشايخ يقصدون بكلامهم هداية المريدين إلى هذا المعنى.
- 15:23
السالك والعارف درجات عند الله، وعبارات العارفين قوت للمستمعين يأخذ منه كل واحد بحسب استعداده وقلبه.
- 16:23
الكلام الواحد يُفهم بحسب قلب كل سامع وتوفيق الله له، فمنه من يفهم معنى حسيًا ومنه من يفهم معنى روحيًا عميقًا.
- 17:12
بيت الشعر عن شعبان فهمه أرباب القلوب على أنه دعوة للإسراع في العمل الصالح قبل فوات الأوان، لا دعوة للأكل والشرب.
- 18:31
أحد أرباب القلوب سمع بيت الشعر فصرخ وجاور مكة حتى مات، لأنه فهم منه دعوة للإسراع في العمل الصالح قبل فوات الأوان.
- 19:28
الشرب في البيت الشعري يعني الشرب من قدس الله والإسراع في العمل الصالح، لأن الموت كرمضان يمنع العبادة وينقطع معه العمل.
- 20:33
الكلام الواحد يُفهم ظاهرًا على الأكل والشرب، ويُفهم باطنًا على الإسراع إلى الأعمال الصالحة والإرشاد إلى رب العالمين.
- 21:32
الفرق بين المستشرف والمتذوق كالفرق بين من رأى البحر في التلفاز ومن نزل إليه، ومن ذاق الحقيقة عرف ومن عرف اغترف.
- 22:49
التمييز بين الشيخ الواصل والمستشرف ملتبس على عامة الناس، ولا يُدركه إلا صاحب البصيرة الذي يرى الأنوار.
- 23:37
الشيخ محمد راشد رأى خيمة نور متجددة على تلميذه كل يوم فأدرك أن وليًا كبيرًا يُلبسه إياها، وهذا من كرامات أرباب البصائر.
- 24:26
الشيخ محمد أمين البغدادي ولي نقشبندي عظيم ظل الشيخ محمد راشد يبحث عنه سبعين سنة حتى عرفه من الأنوار على تلميذه.
- 25:05
الشيخ محمد راشد عرف ولاية الشيخ أحمد مرسي من الأنوار المتجددة عليه يوميًا، وهذا من علامات أرباب البصائر الذين يرون ما لا يراه غيرهم.
- 25:53
الشيخ محمد راشد كان يقوم الليل بركعتين سرًا أربعين سنة لكن قلبه لم يتحرك، فطلب من الشيخ البغدادي ما يُحرك قلبه.
- 26:45
سؤال الشيخ البغدادي «أين وجدت قلبك في كل هذا العلم» يكشف أن العلم الغزير وحده لا يكفي لتحريك القلب وإيقاظه.
- 27:39
في مجلس الذكر مع الشيخ البغدادي شعر الشيخ محمد راشد بيده تلعب في قلبه، وهذا من كرامات أرباب القلوب بإذن الله.
- 28:34
الشيخ البغدادي خصّ الشيخ محمد راشد بذلك لعمله الصالح السري أربعين سنة، والدرس أن ننظر إلى عيوبنا لا عيوب الناس.
- 29:11
الكلام الروحي يُرقق القلوب ويُهيئها للتوجه إلى الله، لكن الكبر يحجب صاحبه عن الاستفادة منه كما أن الجمل لا يرى سنامه.
- 30:04
السالك لا ينبغي له أن يُفشي وارداته إلا لشيخه، لأن إفشاءها يُبعثرها ويُقلل عملها في قلبه ويمنع الصدق مع الله.
- 30:53
السالك يطلب الأنوار والأسرار من الله لا من الخلق، وإن أعطاه الله عبر شيخه أخذ ما وافق العلم ودع ما لا يعلم.
- 31:52
الدعاء الختامي يجمع طلب المغفرة والهداية وفتوح العارفين والنصر للإسلام والمسلمين وحماية الأرض والعرض.
- 32:45
الدعاء يختم بطلب الحشر تحت لواء النبي والسقيا من يده ودخول الجنة بلا حساب وأن يكون الجمع مرحومًا والتفرق معصومًا.
ما الفرق بين أهل التكليف وأهل التعريف في العبادة والموعظة عند وقوع الذنب؟
في شرح الحكم العطائية، أهل التكليف يلتزمون بالتكليف الشرعي وهم على خير، لكنهم إذا وقعوا في الذنب أصمتهم الحياء عن الموعظة لأنهم كانوا يعظون من بساط إحسانهم الشخصي. أما أهل التعريف فهم أعلى درجة، إذ يرون الأمور بقدر الله فلا يقطعهم الذنب عن الأمر بالمعروف.
لماذا ينقطع الواعظ من أهل التكليف عن الموعظة إذا وقع في الذنب؟
لأن الواعظ من أهل التكليف كان يتكلم من بساط إحسانه الشخصي؛ فلما كان صالحًا دعا الناس إلى الصلاح وهو مطمئن. فإذا خرج عن حد الإحسان ووقع في الذنب ارتج عليه واضطرب وانقطع عن الموعظة، وكان ذلك دليلًا على أن مادة كلامه كانت من إحسانه لا من شيء أعمق.
لماذا لا ينقطع أهل التعريف عن الموعظة والأمر بالمعروف حتى بعد الإساءة؟
لأن أهل التعريف ينظرون إلى أن الله يجري الأمور في مقاديرها، فإحسانهم فضل من الله وإساءتهم بقدره، وهما أمران منفصلان. فالموعظة تكليف من الله بالتبليغ، والإساءة أمر قدّره الله عليهم، ولا يرى العارف تعارضًا بينهما لأنه يعيش تحت سلطان الله وقهره.
ما خلاصة الفرق بين أهل التكليف وأهل التعريف في مواجهة الذنب كما تُقرره الحكم العطائية؟
خلاصة الحكمة أن من عبد من بساط إحسانه أصمتته الإساءة لأنه من أهل التكليف، ومن عبد عارفًا أن الإحسان من الله والإساءة بقدره لم يصمت إذا أساء لأنه من أهل التعريف. وكلاهما على خير، غير أن أهل التعريف أعلى درجة.
ما معنى قول الحكم العطائية «تسبق أنوار الحكماء أقوالهم» وكيف يصل النور إلى القلوب؟
الحكيم العارف بالله إذا تكلم كان على كلامه نور يصل إلى القلوب قبل أن تصل الكلمات إلى الآذان، لأن الله يلقي عليه القبول. فيتحرك قلب السامع وهو لا يدري لماذا، ويشعر بجمال الكلام قبل أن يتدبر معناه، وهذا هو معنى سبق الأنوار للأقوال.
كيف يؤثر نور الحكيم في قلوب المستمعين حتى وإن لم يفهموا كلامه؟
أنوار الحكماء تصل إلى القلب قبل أن يصل القول إلى الأذن، فعندما يصل القول إلى الأذن يجد قلبًا منيرًا قد سبقه النور إليه فيفهم ويتأثر ويتعظ. لذلك يجد المستمع كلام العارف جميلًا ويتحرك قلبه حتى وإن لم يتدبر المعنى تمامًا.
ما معنى حديث «خيركم من إذا رئي ذكر الله» وما علاقته بأنوار الحكماء؟
الحديث يعني أن رؤية الإنسان الصالح وحدها تُذكّر بالله، وهذا هو النور الآتي من قلبه. وعلاقته بأنوار الحكماء أن التنوير يسبق التعبير؛ فحيث وصل النور إلى القلب وصلت العبارة بعده فوجدت قلبًا منيرًا لا مظلمًا.
ما معنى «كل كلام يبرز وعليه كسوة القلب الذي منه برز» في الحكم العطائية؟
يعني أن الكلام حين يخرج يحمل طابع القلب الذي صدر منه؛ فإن خرج من قلب منير خرج منيرًا وأثّر في السامع، وإن خرج من قلب مظلم خرج مظلمًا لم يصل. وهذا يُفسّر لماذا يؤثر كلام بعض الناس ولا يؤثر كلام آخرين رغم تشابه الألفاظ.
ما قصة عبد القادر الجيلاني وابنه عبد الوهاب وما الدرس المستفاد منها في تأثير القلب على الموعظة؟
كان ابن عبد القادر الجيلاني عالمًا كبيرًا يعظ الناس من العصر إلى المغرب فيستمعون بإنصات ويقولون نعم. لكن حين يجلس الشيخ عبد القادر نفسه بكى الناس قبل أن يتكلم. والدرس أن التأثير ليس في العلم والكلام وحده بل في نور القلب، وهذا شأن أرباب القلوب.
كيف أبكت كلمة «كنت أمس صائمًا» الناسَ وما سر تأثيرها؟
كلمة «كنت أمس صائمًا» صدرت من قلب عابد لله ممتنع عن شهواته، فخرجت منيرة تحمل معنى العبودية والامتناع عن الشهوات. فشعر الناس فيها بأشياء عجيبة جميلة وواردات ترد القلب لا يُحسن المرء التعبير عنها، لأن الكلام خرج من قلب سليم فأثّر في القلوب.
لماذا أبكى قول عبد القادر الجيلاني «وأعددت طعامي» الناسَ وما علاقة ذلك بالقلب السليم؟
لأن الكلام خرج من قلب سليم فأثّر حتى في أبسط العبارات. والإشارة إلى الطعام جاءت في سياق الآية الكريمة ﴿كانا يأكلان الطعام﴾ التي تُثبت بشرية الأنبياء، ومنهم سيدنا عيسى الذي لم يرتكب ذنبًا قط. والمعنى أن القلب السليم يجعل حتى الكلام العادي مؤثرًا.
ما قصة صحيفة سيدنا عيسى البيضاء يوم القيامة وما دلالة اصطفاء النبي المصطفى؟
يوم القيامة يقول كل نبي «نفسي» ويذكر ذنبًا له، فإبراهيم يذكر كذباته وآدم أكله من الشجرة وموسى قتله نفسًا. أما سيدنا عيسى فصحيفته بيضاء لا ذنب فيها، لكنه تأدبًا مع سيد الخلق يقول: اذهبوا إلى محمد. وهذا يدل على اجتباء الله للنبي المصطفى واصطفائه من عنده.
كيف يُذكّر الكلام العادي لأرباب القلوب بالله ويُحرك قلوب المستمعين؟
لأن حلاوة القلوب تُداعب قلوب المستمعين فيصبح الكلام العادي ذا معنى عميق عندهم. والله يلقي القبول على أرباب القلوب فيُفهم كلامهم في مسامع الخلق، ومن أُذن له في التعبير فُهمت عبارته وجلّت إشارته.
لماذا يدخل كلام بعض الناس القلوبَ ولا يدخل كلام آخرين رغم تشابه الألفاظ؟
لأن القضية ليست في العبارة ولا في الإشارة، بل في القبول والتيسير الذي يلقيه الله على عباده. فالله هو الذي يجعل الكلام يصل أو لا يصل، وليس الأمر بالبلاغة والفصاحة وحدهما.
ما معنى أن الحقائق قد تبرز مكسوفة الأنوار وما علاقة ذلك بالتوفيق الإلهي؟
يعني أن الإنسان قد يقول حقيقة مهمة لكنها لا تصل إلى من أمامه لأن الله لم يأذن بعد بإظهارها. فالأمر ليس بالبلاغة والفصاحة والشجاعة وإظهار العلم، بل كل شيء وراءه توفيق من الله، فإن لم يأذن الله بقيت الحقيقة خافتة كالشمس المنكسفة.
ما الفرق بين عبارات السالكين وعبارات أرباب المكنة والمحققين في الحكم العطائية؟
عبارات العارفين إما لفيضان وجد يفيض من قلب السالك فيتكلم بما يجده، وإما لقصد هداية مريد يريد المحقق توجيهه. فالأول حال السالكين الذين يعملون صلاة وصومًا وسيرًا، والثاني حال أرباب المكنة والمحققين الذين استقر قلبهم بالإيمان وفهموا القضية كلها.
ما مقصد الطريق الصوفي كله وما معنى الأدب مع الله؟
مقصد الطريق كله هو تعلّم الأدب مع الله؛ أي كيف تطلب الطلب الجميل وتشكر الشكر الجميل وتعبد العبادة الجميلة. والمشايخ حين يتكلمون يقصدون هداية المريدين إلى هذا الأدب، لا التعالي عليهم، بل تعليمهم حقيقة تساعدهم على التأدب مع الله.
ما الفرق بين السالك والعارف وكيف تكون العبارات قوتًا لعائلة المستمعين؟
السالك والعارف كلاهما على خير ولا بد لكل منهما من الآخر، لكنها درجات عند الله. والعبارات التي تخرج من أفواه العارفين هي قوت وغذاء للمستمعين، كالطعام الذي يأكله كل واحد بحسب ما هو له آكل؛ فكل سامع يأخذ من الكلام بحسب استعداده وقلبه.
كيف يفهم كل سامع الكلام الواحد بحسب قلبه وما دور التوفيق الإلهي في ذلك؟
الكلام الواحد يفهمه كل سامع فهمًا مختلفًا بحسب قلبه وتوفيق الله له؛ فواحد يفهم منه شيئًا حسيًا وآخر يفهم منه شيئًا معنويًا، وواحد يفهم منه شيئًا جميلًا وآخر يفهم منه شيئًا سيئًا. والشيخ قد لا يقصد أحدهم بعينه لكن الكلام يُحرك قلب كل واحد بحسب توفيق الله.
ما قصة بيت الشعر «إذا العشرون من شعبان ولّت» وكيف فهمه أرباب القلوب؟
البيت يقول ظاهرًا: إذا مضت عشرون يومًا من شعبان فاشرب وامتلئ قبل أن يأتي رمضان ويمنعك. لكن أرباب القلوب فهموا منه معنى آخر: أن ما مضى من عمرك أكثر مما بقي، فأسرع في العمل الصالح واشرب من قدس الله قبل أن يأتي الموت فيمنعك من العبادة.
كيف أثّر فهم أحد أرباب القلوب لبيت الشعر في حياته وما الدرس المستفاد؟
سمع أحد أرباب القلوب البيت فصرخ وجاور مكة حتى مات، لأنه فهم منه أن ما مضى من عمره أكثر مما بقي فاستحى وجمع أوراقه. والدرس أن القلب الرقيق يستخرج من الكلام العادي معاني روحية تدفعه إلى التوبة والإسراع في العمل الصالح.
ما المعنى الحقيقي للشرب في بيت الشعر وما علاقته بالموت وانقطاع العمل؟
المعنى الحقيقي للشرب هو الشرب من قدس الله والإسراع في الأعمال الصالحة، لا شرب الماء. والموت كرمضان يمنعك من العبادة والعمل، كما قال النبي ﷺ: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث». فالمعنى: أسرع في العمل الصالح قبل أن يأتي الموت فيقطع عملك.
كيف يختلف فهم الكلام بين من يأخذه على ظاهره ومن يُدرك معناه الباطن الروحي؟
من يأخذ البيت على ظاهره يفهم أنه نصيحة بالأكل والشرب قبل رمضان وهو كلام فارغ. أما من يُدرك المعنى الباطن فيفهم أنه إرشاد إلى رب العالمين والإسراع في الأعمال الصالحة قبل فوات الأوان. وهذا الفرق هو الفرق بين من يقرأ الكلام بعقله ومن يقرأه بقلبه.
ما الفرق بين من استشرف الحقيقة ومن تذوقها وما معنى «من ذاق عرف ومن عرف اغترف»؟
من استشرف الحقيقة عرفها من بعيد كمن رأى البحر في التلفاز؛ معرفته صحيحة لكنه لم يتذوق. أما من تذوقها فقد نزل إلى البحر وعرف معنى الماء والملوحة والسباحة. ومن ذاق عرف اللذة الحقيقية فلم يقعد ساكتًا، ومن عرف اغترف أي أخذ بغزارة.
كيف يُميّز صاحب البصيرة بين الشيخ الذي وصل إلى الحقيقة ومن استشرفها فقط؟
لا يستطيع عامة الناس التمييز بين الشيخ الذي عاش الحقيقة وتذوقها ومن اكتفى بمعرفتها نظريًا، لأن هذا ملتبس على كثيرين. إنما الذي يعرفه هو صاحب البصيرة الذي ينظر إلى الشيخ فيرى نوره ويُدرك مقامه.
ما قصة الشيخ محمد راشد مع الشيخ أحمد مرسي وكيف عرف أن تلميذه يذهب إلى ولي كبير؟
لاحظ الشيخ محمد راشد أن تلميذه الشيخ أحمد مرسي يأتي كل يوم وعليه خيمة من نور تختلف عن التي كانت بالأمس، فأدرك أن هناك وليًا كبيرًا يُلبسه هذا النور. وهذا من أرباب البصائر الذين يرون الأنوار على الناس ويعرفون مقاماتهم.
من هو الشيخ محمد أمين البغدادي وما قصة بحث الشيخ محمد راشد عنه سبعين سنة؟
الشيخ محمد أمين البغدادي ولي نقشبندي عظيم مدفون في الظاهر جاشنكير بعد سيدنا الحسين. وكان الشيخ محمد راشد مدرس التفسير وعضو هيئة كبار العلماء يبحث عنه منذ سبعين سنة، فلما عرف أن تلميذه يذهب إليه طلب أن يصحبه رغم أن الشيخ البغدادي لا يقابل أحدًا.
كيف عرف الشيخ محمد راشد أن الشيخ أحمد مرسي ولي من الأولياء من خلال الأنوار؟
رأى الشيخ محمد راشد أن الشيخ أحمد مرسي يأتي كل يوم وعليه نور جديد يختلف عن السابق، فأدرك أن هناك من يُلبسه هذا النور. وحين أنكر الشيخ أحمد ذلك قال له: عرفت أنك ولي من الأولياء من الأنوار التي على التلميذ، والتلميذ نفسه لا يعرفها. وهذه أرباب البصائر.
ما قصة الشيخ محمد راشد وقيام الليل أربعين سنة وطلبه تحريك قلبه؟
أخبر الشيخ محمد راشد الشيخ البغدادي أنه يقوم الليل بركعتين منذ أربعين سنة لا يعلم بهما أحد من زوجة أو أولاد، وهو العمل الصالح الوحيد بينه وبين ربه. ومع ذلك يشكو أن قلبه لا يتحرك ولا يجد ما يُحركه، فطلب من الشيخ البغدادي شيئًا يُحرك قلبه.
ما الدرس من سؤال الشيخ البغدادي للشيخ محمد راشد «أين وجدت قلبك في كل هذا العلم»؟
زار الشيخ البغدادي مكتبة الشيخ محمد راشد الضخمة التي تملأ أربع غرف حتى السقف، فسأله: أقرأت كل هذا؟ قال: نعم وجلّدت الكتب بيدي. فقال له: أين وجدت قلبك في كل هذا؟ قال: ما وجدته حتى الآن. والدرس أن العلم وحده لا يُحرك القلب، وأن القلب يحتاج إلى شيء آخر وراء الكتب.
ما الذي حدث للشيخ محمد راشد في مجلس الذكر مع الشيخ البغدادي وما دلالته؟
أجلس الشيخ البغدادي الشيخ محمد راشد أمامه في مجلس الذكر، فصرخ الشيخ محمد راشد صرخة كبيرة. وبعد الخروج قال: شعرت بيده تلعب في قلبي، أي أن قلبه تحرك أخيرًا. وهذا من كرامات أرباب القلوب الذين يستطيعون تحريك قلوب الآخرين بإذن الله.
لماذا فعل الشيخ البغدادي ذلك مع الشيخ محمد راشد تحديدًا وما الدرس في النظر إلى عيوب النفس؟
فعل ذلك مع الشيخ محمد راشد لأنه كان يصلي ركعتين سرًا أربعين سنة لا يعلم بهما أحد، وليس مع كل أحد. والدرس أن على المرء أن ينظر إلى الخشبة في عينه لا إلى القذاة في عين أخيه، وأن يشتغل بعيوب نفسه عن عيوب الناس.
كيف يُرقّق هذا الكلام القلوبَ ويُهيّئها للتوجه إلى الله وما خطر الكبر؟
هذا الكلام يُرقق القلوب ويُهيئها للتوجه إلى رب العالمين، لكن المتكبر لا يرى كبره كما أن الجمل لا يرى سنامه. والكبر يحجب القلب عن الاستفادة من هذه المعاني، فعلى المرء أن يترك الكبر ويُقبل على هذا الكلام الذي يُرقق القلوب.
لماذا لا ينبغي للسالك أن يُعبّر عن وارداته إلا لشيخه؟
لأن إفشاء الواردات يُقلل عملها في قلبه ويُبعثرها كأنه يُبعثر هبة أعطاها الله له. كما أن الثرثرة بالواردات تمنع الصدق مع الله. فعلى السالك أن يحفظ ما يرد على قلبه ولا يُخبر به إلا شيخه وحده.
كيف يطلب السالك الأنوار والأسرار وما معنى «لا تمدنّ يدك إلى الأخذ من الخلائق»؟
يعني أن السالك لا يطلب الأنوار والأسرار من الشيخ أو من الخلق بل من الله مباشرة، لأن المعطي الحقيقي هو الله. وإن رأى أن الله يُعطيه عبر شيخه فليأخذ ما وافق العلم ويدع ما لا يعلم حتى يبقى مقيدًا بطريق الله.
ما مضامين الدعاء الختامي وما الأمور التي يطلبها المؤمن من الله في ختام مجالس العلم؟
الدعاء يشمل طلب المغفرة وتكفير السيئات والوفاة مع الأبرار، وطلب الهداية إلى أقوم طريق وفتوح العارفين بالله. كما يتضمن طلب العافية والبركة وصرف الشر، والنصر للإسلام والمسلمين ورد كيد الكائدين وحماية الأرض والعرض.
ما الأمور التي يطلبها المؤمن في الدعاء ليوم القيامة وما معنى الحشر تحت لواء النبي؟
يطلب المؤمن الحشر تحت لواء النبي ﷺ يوم القيامة والسقيا من يده الشريفة شربة لا يظمأ بعدها، ثم دخول الجنة من غير حساب ولا عقاب. كما يطلب أن يكون الجمع مرحومًا والتفرق معصومًا وألا يكون فيهم شقي ولا محروم.
شرح الحكم العطائية يكشف أن أنوار الحكماء تسبق أقوالهم إلى القلوب، وأن التأثير الحقيقي مصدره صفاء القلب لا فصاحة اللسان.
شرح الحكم العطائية يُبيّن أن أهل التعريف يختلفون عن أهل التكليف في أن الذنب لا يقطعهم عن الموعظة؛ لأنهم يرون إحسانهم فضلًا من الله وإساءتهم بقدره، فيستمرون في الأمر بالمعروف لأنه تكليف مستقل عن حالهم الشخصية. وهذا المعنى هو لبّ الحكمة التي يشرحها المصنف في هذا الباب.
الحكم العطائية تُقرر أن الكلام يخرج بكسوة القلب الذي صدر منه، فكلام العارف يصل إلى القلوب قبل الآذان بسبب النور الذي يحمله. وقصة عبد القادر الجيلاني الذي أبكى الناس بكلمة «كنت أمس صائمًا» تُجسّد هذا المعنى عمليًا. كما أن الكلام الواحد يُفهم بحسب قلب كل سامع، وقد يُدرك أرباب القلوب من شعر دنيوي معنىً روحيًا يدفعهم إلى مجاورة مكة حتى الموت.
أبرز ما تستفيد منه
- أهل التعريف لا تصمتهم الإساءة عن الموعظة لأنهم يرون كل شيء بقدر الله.
- أنوار الحكماء تسبق أقوالهم إلى القلوب فيتأثر السامع قبل أن يفهم.
- الكلام يخرج بكسوة القلب الذي صدر منه إن كان منيرًا خرج منيرًا.
- السالك لا يُفشي وارداته إلا لشيخه ويطلب الأنوار من الله لا من الخلق.
الفرق بين أهل التكليف وأهل التعريف في العبادة والموعظة
قال المصنف رحمه الله تعالى، ونفعنا الله بعلومه في الدارين، آمين:
من عَبَدَ من بساط إحسانه أصمتته الإساءة، ومن عَبَدَ من بساط إحسان الله إليه لم يصمت إذا أساء.
يعني هناك أهل التكليف وأهل التعريف. أهل التكليف يلتزمون بالتكليف الذي كلّفنا الله به، فهم على خير، إنما أعلى منهم أهل التعريف.
إنّ أهل التكليف يعظون الناس، ثم إذا وقعوا في الذنوب استحيوا من الله، فقطعهم الحياء عن الموعظة. إذا وقعوا في الذنوب يقول له [الشيطان أو نفسه]: أنت تأمر الناس وتنسى نفسك، أليس عيبًا؟ ستخرج تقول للناس ماذا؟ ويحصل له حياء من الله أنه يتكلم مع الناس ولكنه لا يفعل؛ لأنه واقع في الذنب، فيستحي فيمنعه الحياء من الموعظة.
من يعظ من بساط إحسانه ينقطع عن الموعظة إذا أذنب
يبقى هذا [الواعظ من أهل التكليف] لمّا كان يتكلم، كان يتكلم من بساط إحسانه. لمّا كان صالحًا مع ربه فيقول للناس كونوا صالحين مثله، وهو مطمئن القلب ومسرور ومحسن، ويدعو الناس إلى الإحسان.
فإذا خرج عن حدّ الإحسان ووقع في الذنب، فإنه حينئذ يُرتَج عليه. وعندما يُرتَج عليه، يعني أن يضطرب، فيأتي منقطعًا عن الموعظة. فيكون ذلك دليلًا لنا على أن ما كان يقوله إنما كان بسبب إحسانه. من أين تأتي قماشته [أي مادة كلامه]؟ من إحسانه.
أهل التعريف لا ينقطعون عن الموعظة لأنهم يرون قدر الله في كل شيء
ولكنه [أي العارف من أهل التعريف] إذا كان ينظر إلى أن الله يجري الأمور في مقاديرها على البشر وعلى الكون، فإنه يعظ الناس؛ لأن الله يريد منهم الإحسان. فإذا كان هو على الإحسان فذلك من فضل الله، فإن أساء وأذنب لا يقطعه ذلك عن الاستمرار في الأمر بالمعروف وفي موعظة الناس؛ لأنه إنما هو مكلّف.
إذ هو ينظر إلى معنى آخر، إلى معنى أنه تحت سلطان الله وقهره. هو يسيء لكنه لا يقطع الموعظة؛ فالموعظة شيء قد كلّفه الله بالتبليغ بها، وإساءته أمر قد قدّره الله عليه، وهذه غير هذه.
خلاصة الفرق بين أهل التكليف وأهل التعريف في مواجهة الذنب
من عَبَدَ من بساط إحسانه أصمتته الإساءة؛ لأنه من أهل التكليف. ومن عَبَدَ من بساط إحسان الله إليه — عارفٌ أن الإحسان من الله، وعارفٌ أن الإساءة التي فعلها بقدر الله — لم يصمت إذا أساء؛ لأنه من أهل التعريف.
وكلاهما على خير، إلا أن أهل التعريف أعلى من أهل التكليف.
أنوار الحكماء تسبق أقوالهم فتصل إلى القلوب قبل الآذان
تسبق أنوار الحكماء أقوالهم. الحكيم الذي هو العارف بالله،
﴿وَمَن يُؤْتَ ٱلْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِىَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: 269]
فلمّا يتكلم يكون كلامه عليه نور، فيصل إلى القلوب قبل الآذان. يعني إنسان وهو يتكلم ألقى الله عليه القبول، فماذا ستفعل له؟ فيتكلم بمحض [النور].
عندما يتحدث هكذا تجد قلبك يتحرك وأنت لا تعرف ما يقول أصلًا. تشعر هكذا أن الله [جعل] هذا الرجل رجلًا طيبًا، فلماذا لا تتأمل فيما يقوله؟ قال [السامع]: أتأمل، لماذا؟ فإن كلامه جميل. كيف؟ مثل الشيخ الشعراوي هكذا.
تأثير النور في كلام الحكماء على قلوب المستمعين وإن لم يفهموا
كان الناس عندما يجلسون أمامه [الشيخ الشعراوي] يستمعون إليه وهم لا يعرفون ما يقول ولا يتدبرون وهكذا، لكنه كلامه جميل. فماذا قال؟ يقول لك [المستمع]: أنا لا أعرف، أنا سمعت كلامًا جميلًا. فهذا من أين؟ من النور.
فالرجل [المصنف] يقول: تسبق أنوار الحكماء أقوالهم، أي إلى الوصول إلى القلوب. فأنوار الحكماء تصل إلى القلب قبل أن يصل القول إلى الأذن. فعندما يصل القول إلى الأذن وقد سبقه النور إلى القلب، فإن القول يلقى قلبًا منيرًا، فيفهم عن الله ويتأثر ويتّعظ.
خيركم من إذا رُئي ذُكر الله وأثر النور في تحريك القلوب
تصوروا يا إخواننا، حتى من غير أن يفهم كثيرًا، يعني لكن يحسّ أن قلبه هكذا تحرّك لله.
قال النبي ﷺ: «خيركم من إذا رُئي ذُكر الله»
إلا الله! أول ما تشاهدونه هكذا تقولون: لا إله إلا الله. هذا نور آتٍ من هناك، هكذا شيء جميل.
فحيث صار التنوير وصل التعبير. عندما يصل النور إلى القلب تصبح العبارة ستصل أيضًا بعدها، تجد القلب منيرًا ليس ظلمة.
الكلام يخرج بكسوة القلب الذي صدر منه فإن كان منيرًا خرج منيرًا
يعني يقول [أحدهم]: ماذا يعني؟ نحن لا نفهم! يعني والله ما أنا فاهم شيئًا، كلما أسمع الشيخ هذا لا أفهم شيئًا قط. فيبقى هنا لا يوجد نور، الكهرباء لم تصل، لم يحدث اتصال.
كل كلام يبرز وعليه كسوة القلب الذي منه برز. الله يعينك إذن.
لماذا هو كذلك؟ لأن الكلام وهو يخرج، انظر هو خارج من أي قلب. فإذا كان قد خرج من قلب منير خرج منيرًا، غلافته تكون منوّرة. أعطاك الكلام وغلّفه لك في ورقة لحم أو في ورقة سلوفان، حسب القلب. حسب القلب، إما ورقة لحم وإما ورقة سلوفان، وكله خير.
قصة سيدنا عبد القادر الجيلاني وابنه عبد الوهاب في تأثير القلب على الموعظة
لكن المهم الورقة [أي غلاف القلب]. كل كلام يبرز عليه كسوة القلب الذي منه برز.
كان سيدنا عبد القادر الجيلاني إذا تكلم أبكى الناس. فكان ابنه عبد الوهاب يجلس للوعظ، وكان عالمًا كبيرًا. من العصر إلى المغرب موعد درسه، والناس مسرورة وتستمع بإنصات وتقول: نعم والله، نعم والله، نعم والله، وانتهى الأمر.
فإذا جاء الشيخ [عبد القادر] وجلس بكى الناس. فقال [ابنه]: لماذا؟ ونحن لم نتكلم بعد فتبكون على ماذا؟ ما أنا جالس أتحدث إليكم، لا فائدة. هذا شيء آخر، أرباب القلوب.
كلمة صائم من قلب سليم تحرك القلوب وتبكي الناس
فبكى الناس. قال [الشيخ عبد القادر]: إنني كنت أمس صائمًا، فضجّ الناس بالبكاء. فهل قال شيئًا؟ إنه يقول: أمس كنت صائمًا.
ولكن كلمة «صائم» هذه تصدر وهو صائم، تصدر هكذا وهو صائم، تصدر منه أنه عابد لله، أنه امتنع عن شهواته أمس. والله كلمة «والله» هذه وهي صاعدة منيرة، والله شعروا بالله وهو يقول لهم: كنت أمس صائمًا.
يا الله! شعروا فيها بأشياء عجيبة جميلة، واردات ترد القلب من الكلام لا تحسن أن تعبّر عنها، لا تعرف تقول ماذا.
بكاء الناس من كلام عبد القادر الجيلاني لأنه خرج من قلب سليم
طيب ماذا؟ ما هو الرجل جالس يعظ، فقال: الله، وقال السلف الصالح والخلف الطالح، لستم راضين أن تتحركوا أبدًا! والرجل يقول: أنا أمس كنت صائمًا، تفعلون هذه الضجة كلها!
لأنها خرجت من قلب سليم.
«وأعددتُ طعامي» فانفجر الناس بالبكاء. والله وأنت محتاج للطعام! نعم؛ لأنه إنسان وأمه صدّيقة،
﴿كَانَا يَأْكُلَانِ ٱلطَّعَامَ﴾ [المائدة: 75]
لا يصح أن يمتنع عن الطعام، لا هو ولا أمه عليها السلام. وهذا روح الله [عيسى عليه السلام]، هذا لا ذنب له، هذا لم يرتكب ذنبًا قط، سيدنا عيسى.
صفحة سيدنا عيسى البيضاء يوم القيامة واصطفاء النبي المصطفى
كل واحد يوم القيامة يقول: نفسي، وهكذا إلى آخره. ويأتون حتى سيدنا عيسى لا يذكر لنفسه ذنبًا، ها صحيفته بيضاء. إبراهيم يقول: كذبت ثلاث كذبات. آدم يقول: أكلت من الشجرة. سيدنا موسى يقول: قتلت واحدًا.
حسنًا، ولكن أنت [يا عيسى] ماذا فعلت؟ لا شيء. إنما تأدبًا مع سيد الخلق النور المصطفى صلى الله عليه وسلم يقول: اذهبوا إلى محمد، ليست قضيتي هذه.
فهذه حكاية وليست مجرد حكاية، بل ليست حكاية. صفحة بيضاء وصفحة خضراء، هذه حكاية اجتباء واصطفاء. فالله سبحانه وتعالى اصطفى النبي المصطفى عليه وسلم من عنده تعالى لشأنه ولمكانته، اختيار اجتباء.
﴿لَا يُسْـَٔلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْـَٔلُونَ﴾ [الأنبياء: 23]
كل كلام عادي من أرباب القلوب يذكّر بالله ويحرك القلوب
وجالس [الشيخ عبد القادر] هكذا والقطة أكلت السمكة، فبكوا؛ لأنه جائع وصائم والقطة أكلت السمكة. كل هذا ذكّرهم بالله؛ لأن حلاوة القلوب قد داعبت قلوبهم، وأصبح الكلام العادي له معنى عندهم.
من أُذن له في التعبير فُهمت في مسامع الخلق عبارته. في إذنٍ من الله كذلك في قبول يلقيه الله على الناس. فلمّا يلقي الله على الناس القبول ويتكلم [العارف]، يتكلم هو نفس الكلام، هو ذلك الذي يتكلم كما يتكلم هو، نفس المعنى وربما نفس الكلام.
القضية ليست في العبارة بل في القبول والتوفيق من الله
والناس يدخل في قلوبهم هذا الكلام، وقد لا يدخل في قلوبهم كلام الآخر. إذا كان الأمر كذلك فإن القضية ليست في العبارة ولا في الإشارة، بل القضية وراء ذلك في القبول، في التيسير، فيما ألقاه الله من خيمة الستر والتبليغ على عباده.
وجلّت إليهم إشارته، تكون واضحة يفهمونها.
الحقائق قد تبرز مكسوفة الأنوار إذا لم يؤذن بإظهارها
ربما برزت الحقائق مكسوفة الأنوار. أحيانًا الشمس تنكسف، أي ضوءها يصبح خافتًا. مكسوفة أي فالحقائق يمكن أن تظهر ولكنها خافتة هكذا وليست واضحة جدًا، إذا لم يُؤذن لك فيها بالإظهار.
أنت قلت حقيقة مهمة جدًا، والذي أمامك ينظر إليك هكذا، ثم ماذا؟ يعني لا، ولا شيء. أنا آسف، أنا مخطئ، الذي قلته لك. لماذا؟ لأن الله لم يأذن بعد؛ لأن كل شيء بإذن الله.
إن الأمر ليس بالبلاغة والفصاحة والشجاعة وإظهار العلم والتعلم والجهد الذي نبذله، لا، بل إن الأمر كله وراءه توفيق.
عبارات العارفين إما لفيضان وجد أو لقصد هداية مريد
فعندما ندعو، فمن ندعو؟ من بيده ملكوت السماوات والأرض. ومن من نطلب؟ لا من أنفسنا ولا من غيرنا، بل منه سبحانه.
عباراتهم إما لفيضان وجد أو لقصد هداية مريد، فالأول حال السالكين والثاني حال أرباب المكنة والمحققين.
ففي نوعين: قلنا السالكون إلى الله الذين يعملون صلاة وصومًا وكذا إلى آخره، وهناك أناس فاهمون القضية كلها وقلبهم مستقر بالإيمان.
سر الشيخ يقصد به تعليم الأدب مع الله وهو مقصد الطريق كله
فالمشايخ وهي تتكلم تقصد هداية المريدين. فيبقى أحيانًا يقول لك: سرّ الشيخ لا يقصد به أن يتعالى عليك، ولا، لا يريد أن يعلّمك حقيقة تساعدك على الأدب مع الله؛ لأنه مقصد الطريق كله أن تتعلم الأدب مع الله.
كيف تكون مؤدبًا؟ كيف تطلب الطلب الجميل، وتشكر الشكر الجميل، وتعبد العبادة الجميلة. الأدب مع الله كل معاني الطريق فيها: كيف تكون مؤدبًا مع الله.
الفرق بين السالك والعارف وأن كليهما على خير لكنها درجات
وبعض الناس يتكلم في الحقائق من أن تكون عارفًا بالله. يعني أن هناك سالكًا وعارفًا، كلاهما على خير، وكل واحد منهما لا بد له من الآخر، ولكنها درجات، هي درجات عند الله.
العبارات والألفاظ التي تخرج من أفواهنا هذه قوت لعائلة المستمعين، تمامًا كما لو أقدّم لك طعامًا تأكله، قوت وغذاء. وليس لك إلا ما أنت له آكل. في طبق بعيد لا تعرف كيف تحصل عليه، ستأكل مما أمامك. ستقوم فتثير ضجيجًا أمام الناس، هو أمامك تراه لكن لن تأخذه.
الكلام الواحد يفهمه كل سامع بحسب قلبه وتوفيق الله له
كذلك الرجل [العارف] يتكلم كلامًا، فهذا يفهمه فهمًا، وذاك يفهمه فهمًا آخر، وذلك يفهمه فهمًا. الشيخ لم يقصده لكنه يحرّك قلبه. انظر التوفيق!
وذلك يفهمه عكس ما يريده الشيخ ويحرّك قلبه أيضًا، وهو كلام واحد يفهم منه كل واحد شيئًا. واحد يفهم منه شيئًا سيئًا، وآخر يفهم منه شيئًا جميلًا. واحد يفهم منه شيئًا حسيًا، وآخر يفهم منه شيئًا معنويًا.
قصة الشاعر الذي قال إذا العشرون من شعبان ولت وفهم أهل القلوب لها
وكان واحد شاعرًا، وكان هؤلاء الشعراء يكتبون كلامًا كهذا، أي مثل أهل الصحافة في أيامنا هذه:
«إذا العشرون من شعبان ولّت»، أي مضت عشرون يومًا من شعبان، «فواصل شرب ليلك بالنهار». الحق الآن، املأ معدتك واشرب؛ لأن هذا سيأتي أول رمضان ستُمنع فيه من ماذا؟ من الشرب والأكل. فالحق لك، الحق به واشرب هكذا، طالما ترى الماء اشربه؛ لأنك ستُحرم منه.
وانتبه ماذا يقول: «إذا العشرون من شعبان ولّت، فواصل شرب ليلك بالنهار، ولا تشرب بأقداح صغار». لا تشرب في كأس صغيرة؛ فإن الوقت ضاق عن الصغار. اشرب بالدلو! الحق قبل أن يأتي رمضان.
فهم أرباب القلوب للشعر على أنه دعوة للعمل الصالح قبل فوات الأوان
تفهم من هذا الكلام ماذا؟ واحد يقول لك: املأ بطنك لأن رمضان اقترب من المجيء. فواحد من أهل [الله]، من أرباب القلوب الذين لهم قلوب رقيقة هكذا، سمع هذا فصرخ وجاور مكة حتى مات.
الله! يكون فهم ماذا؟ فهم شيئًا آخر تمامًا. يقول له: كفى ما مضى من عمرك هذا. الذي مضى من عمرك عشرون [من] شعبان، يكون عشرون، يكون الذي تبقى كم؟ عشرة. يكون الذي تبقى لك في عمرك أكثر أم الذي مضى؟ قد مضى أكثر والذي باقٍ قليل.
استحِ الآن واجمع أوراقك والحق روحك!
معنى الشرب الحقيقي هو الشرب من قدس الله والإسراع في العمل الصالح
اشرب ولا تشرب، من أين؟ من قدس الله. والله ولا تشرب منه بأقداح صغيرة، ليس هناك وقت للأقداح الصغيرة. وإلا سيأتيك الموت وسيجعلك لا تعرف كيف تشرب، لا تعرف كيف تعمل، لا تعرف كيف تفعل.
بالموت الذي هو كرمضان، أي ما هو رمضان يمنعك من الشرب، والموت يمنعك من العبادة والعمل.
قال النبي ﷺ: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث»
فإذا كان الأمر كذلك فأسرع! لم يبقَ لك في العمر قدر الذي مضى. إذا كانت العشرون من شعبان قد ولّت، فإن الذي ولّى الكثير أم القليل؟ الكثير.
المعنى الباطن للشعر ليس الأكل والشرب بل الإسراع إلى الأعمال الصالحة
وهذا [الشاعر] كان فقيهًا؟ أبدًا. ما هو عشرون وكذا إلى آخره، ما ليس لدينا شيء إلا حرمة صيام شعبان في النصف الأخير، يكون من الخامس عشر. لكن هذا يقول عشرين، فيجب أن يقصد شيئًا آخر غير الظاهر.
هذا أن تذهب فتشرب، «فواصل شرب ليلك بالنهار»، هذا معناه ليس الشرب، هذا شرب الماء. هذا معناه: اذهب واعمل الأعمال الصالحة بسرعة؛ لأن ما تبقى لك يا أخانا في الحياة ليس بقدر ما مضى.
فانظر إلى هذا الكلام: هناك من يفهمه بعضهم أن الرجل ينصحه بأن يشرب ويأكل، وهذا كلام فارغ. والآخر فهم أنه لا، بل يرشدنا إلى رب العالمين.
الفرق بين من استشرف الحقيقة ومن تذوقها كمن رأى البحر في التلفاز ومن نزل إليه
ربما عبّر عن المقام من استشرف عليه. أحيانًا يتحدث الإنسان عن الحقائق وهو لم يمارسها، يقرؤها في كتاب، يفهمها، يسمعها من الشيخ. فيصبح كمن رأى البحر في التلفاز. قلنا له: صف لنا البحر. فقال: هذه مياه كثيرة جدًا، وأخذ يصف البحر تمامًا. رآه في التلفاز، فهل أصبحت إذن من علماء البحار؟ قال: ولا رأيته، ولا رأيته في عمري.
فماذا فعل هذا؟ استشرفه فعرفه. ومعرفته صحيحة أم خاطئة؟ لا، معرفته صحيحة، لكنه لم يتذوق.
فيبقى هناك واحد عرف ولم يتذوق، وهناك واحد تذوق. ومن ذاق عرف، ومن عرف اغترف. ومن — أتنتبه؟ — من تذوق عرف، ومن عرف ما هو [من] لذة فقد وجد لذة، ما يقعد ساكتًا. ومن عرف اغترف.
الفرق بين من وصل إلى البحر حقيقة ومن استشرفه وهذا ملتبس إلا على صاحب بصيرة
وربما عبّر عنه من وصل إليه. ذهب إلى البحر نفسه ونزل إليه، وعرف ما معنى مياه، وما معنى باردة في الشتاء، وما معنى لا أدري ماذا في الصيف، ومياه مالحة ما معناها، وكل شيء عرفه، وكيف يسبح فيه.
وهذا ملتبس إلا على صاحب بصيرة. كيف تعرف الشيخ من هؤلاء؟ إذا كان شيخ رأى في التلفزيون البحر أو ذهب إليه؟ قال لك: لن تعرفه، لن تعرفه. إنما الذي يعرفه صاحب البصيرة. صاحب البصيرة ينظر إلى الشيخ من هؤلاء فيقول: الله!
قصة الشيخ محمد راشد مع الشيخ أحمد مرسي ورؤية الأنوار على التلميذ
كان الشيخ محمد راشد يقول للشيخ أحمد مرسي رحمهما الله: تعال يا ولد. قال له: يا سيدي. قال له: أنت تذهب إلى من المشايخ يا ولد بعد أن تنتهي من الدرس؟ قال له: لا أذهب إلى أحد.
قال له: لا، تكذب! أنت تذهب إلى واحد من أولياء الله الكبار. قال له: من أولياء الله الكبار؟ لا أذهب إلى أحد أنا. قال له: لا تكذب! أنت تأتي كل يوم وعليك خيمة من نور تختلف عن التي كانت بالأمس.
والله وأنت لا تستحق هذا عند الله، إذن لا بد أن يكون هناك أحد يلبسها لك. من هذا الذي يلبسها لك؟
الشيخ محمد أمين البغدادي ولي من الأولياء يبحث عنه الشيخ محمد راشد منذ سبعين سنة
قال له: والله أنا لا أعرف إلا واحدًا اسمه الشيخ محمد أمين البغدادي رضي الله تعالى عنه، مدفون هنا في الظاهر جاشنكير بعد سيدنا الحسين، كان نقشبنديًا عظيمًا. هذا ما أعرفه، ولكن لم يخطر ببالي أحدًا آخر.
قال له: تعال معنا إليه. فقال له: إنه لا يقابل أحدًا. قال له: هيّا بنا، أيقابل أم لا يقابل؟ إنني أبحث عنه منذ سبعين سنة.
الشيخ محمد راشد كان مدرّس التفسير، وكان من هيئة كبار العلماء، كان إمام الخاصة الخديوية رضي الله تعالى عنه.
الشيخ محمد راشد يسأل الشيخ البغدادي عن الأنوار التي يراها على تلميذه
فذهب إلى الشيخ محمد أمين البغدادي وقال له: يا مولانا، لقد كبرت في السن، ورأيت الأنوار على هذا الولد، كل يوم تلبسه نور جديد.
وقلت: يا بني ما أنت بهذا القدر كل يوم، لماذا؟ من كنت عبد القادر الجيلاني؟ كنت الجنيد؟ يعني من يا فتى الذي يلبسك هذا؟ أنكر [الشيخ أحمد]، ما لا يعرف.
فأنا عرفت أنك ولي من الأولياء. انظر: عرف وما رآه [من قبل]، عرف من الأنوار التي على التلميذ، التي التلميذ نفسه لا يعرفها. هذه أنوار، هذه أرباب البصائر.
الشيخ محمد راشد يطلب من الشيخ البغدادي ما يحرك قلبه بعد سبعين سنة من البحث
أنا رجل كبرت وعندي سبعون سنة، وأريد شيئًا هكذا يحرّك قلبي. لا يرضى أن يعمل [أي القلب لا يتحرك].
قال له [الشيخ البغدادي]: معقولة حتى الآن؟ قال له: حتى الآن. وأنا أقوم الليل بركعتين منذ أربعين سنة، لا يعرف عن ذلك أحد من الخلق، لا زوجتي ولا أولادي ولا أحد. أقوم هكذا الساعة الثانية، أنسحب، أصلي ركعتين، وأذهب أنام ثانية، يظنونني أنني نائم نومًا عميقًا.
منذ أربعين سنة لم يعرف أحد، ولكن العمل الصالح الوحيد الذي بيني وبين ربي هو هذا.
زيارة الشيخ البغدادي لمكتبة الشيخ محمد راشد وسؤاله أين وجدت قلبك
كان الشيخ محمد راشد من كبار العلماء، وكان بيته ثماني غرف، أربع منها مكتبة، والمكتبة حتى السقف، والسقف بارتفاع هذا الجامع هكذا.
فقال له [الشيخ البغدادي]: طيب أزورك. قال له: تفضل يا مولانا. ذهب إلى المكتبة وكأنها دار الكتب المصرية.
فقال له: أقرأت كل هذا يا شيخ محمد؟ قال: قرأته وجلّدت الكتب بيدي. وكان هو مجلّدًا، تعلّم التجليد في إسطنبول.
قال له: أين وجدت قلبك في كل هذا؟ كل هذا العلم، ولكن أين قلبك؟ قال له: ما وجدته حتى الآن.
صرخة الشيخ محمد راشد في مجلس الذكر وشعوره بيد الشيخ تلعب في قلبه
قال له [الشيخ البغدادي]: إذن تأتي وتذكر معنا. فجاء به وأجلسه أمامه هكذا في الذكر، وذكروا ربنا، فصرخ الشيخ محمد راشد صرخة كبيرة.
فالشيخ أحمد مرسي لم يستحسن هذا الأمر: أنت آتٍ هنا تمثّل؟ لماذا تصرخ يعني؟
خرجوا، قال له [الشيخ محمد راشد]: والله يا بني، شعرت بيده تلعب في قلبي. يعني قلبه تحرّك، فأحسّ أن يدًا [يد] الرجل [الشيخ البغدادي] تلعب في قلبه.
هؤلاء هم أرباب القلوب. والناس لا ترضى أن تصدّق. لا أعرف لماذا، لا يعرف. يعني فما الذي مستحيل في هذا؟ ما الخرافة التي في ذلك؟
الشيخ محمد أمين فعل ذلك مع من صلى ركعتين أربعين سنة لا مع كل أحد
إنه يوجد ناس طيبون لم يجدوا من يفعل معهم ذلك. نعم، لم يجدوا، لم يجدوا من يفعل معهم ذلك.
فهل أنت تظن [الشيخ] محمد أمين فعل ذلك مع كل واحد؟ أم فعل ذلك مع الذي صلى ركعتين أربعين سنة لا أحد يعرف ماذا فعل؟
فانظر إلى الخشبة التي في عينك ولا تنظر إلى القذاة التي في عين أخيك. انظر إلى عيوبك واشتغل بعيوبك عن عيوب الناس.
هذا الكلام يرقق القلوب ويهيئك للتوجه إلى رب العالمين فاتركوا الكبر
ولكن لا، كثير من الناس يقول لك: ما هذا الكلام الفارغ! نحن ما زلنا سنتحدث بهذا الكلام؟ هذا الكلام هو الذي يرقّق القلوب، هذا هو الذي يهيّئك لأن تتوجه إلى رب العالمين.
اتركوا الكبر! أين هذا الكبر؟ كل قلبه كتلة من الكبر ويقول لك: أين هذا الكبر! فالجمل لا يرى سنامه. الجمل يقول للناس: ما لكم تنظرون إليّ؟ لماذا؟ أما أنت لك سنام يا جمل! قال: أين هذا؟ ينظر هكذا، لا يرى، مسكين لا يرى السنام الخاص به.
فالمتكبر لا يرى أيضًا أنه متكبر.
لا ينبغي للسالك أن يعبر عن وارداته إلا لشيخه حتى لا يبعثرها
إذن لا ينبغي للسالك أن يعبّر عن وارداته [التي تأتيه بعد الذكر]. تأتي واردات، لا تقعد إذن تتنطّط هنا. وهذا كثير في النساء خاصة، النساء يثرثرن بالكلام. لا تستطيع أن تسكت يا سيدة، الله يحفظك، اسكتي! تسكت في شيء وتقول لي: والله أنت لم تقل لي في هذا الشيء فقط، وتثرثر في الشيء الآخر.
الرجال جيدون في هذا الأمر وسيئون في كل شيء، لكن في هذا الأمر جيدون وسيئون في كل شيء. والنساء جميلات في كل شيء إلا في الثرثرة بالكلام.
لا ينبغي للسالك أن يعبّر عن واردات قلبه إلا لشيخه، ما يقول إلا للشيخ فقط.
إفشاء الواردات يبعثرها ويمنع الصدق مع الله فاطلب الأنوار من ربك لا من الخلق
فإن ذلك [إفشاء الواردات] يقلّل عملها في قلبه، فيبعثرها كأنه يبعثر الهبة التي أعطاها الله له. ربنا أعطى له قرشين، وفي القرشين ذهب مبعثرًا إياهما. ويمنعه وجود الصدق مع ربه.
لا تمدنّ يدك إلى الأخذ من الخلائق. لا تطلب شيئًا من أحد ولا من الشيخ. ما أنت تأخذ ليس أموالًا، هذه أنوار وأسرار، اطلبها من ربنا.
إلا أن ترى أن المعطي فيهم مولاك، الله هو الذي أعطاك. فإذا كنت كذلك فخذ ما وافقك العلم، فخذ الذي تعرفه، ودع ما لا تعلم حتى تكون مقيّدًا بطريق الله.
دعاء ختامي بالمغفرة والهداية والنصر وحسن الخاتمة
فاللهم يا ربنا يا كريم، اغفر لنا ذنوبنا وكفّر عنا سيئاتنا وتوفّنا مع الأبرار. واهدنا إلى أقوم طريق لا يهدينا إليه إلا أنت. افتح علينا فتوح العارفين بك، واسلك بنا الطريق إليك.
واهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولّنا في من تولّيت، وبارك لنا فيما أعطيت، واصرف عنا شر ما قضيت. وانصرنا وانصر الإسلام والمسلمين.
اللهم ردّ عنا كيد الكائدين، واجعل ثأرنا على من ظلمنا. اللهم اهدنا واهدِ بنا وأصلح حالنا وردّ علينا قدسنا. اللهم يا أرحم الراحمين ارحمنا، ارفع أيدي الأمم عنا، احمِ أرضنا واحمِ عرضنا.
تتمة الدعاء بالشرب من يد النبي ودخول الجنة بلا حساب
واحشرنا تحت لواء نبيك يوم القيامة، واسقنا من يده الشريفة شربة ماء لا نظمأ بعدها أبدًا. ثم أدخلنا الجنة من غير حساب ولا سابقة عقاب ولا عتاب.
aاغفر وارحم وتجاوز عمّا تعلم، إنك أنت الأعزّ الأكرم. نعوذ بعفوك من عقوبتك، وبرضاك من سخطك، وبك منك. لا نحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك.
جلّ وجه الله، أن لم يكن بك علينا غضب فلا نبالي. اجعل جمعنا هذا جمعًا مرحومًا، وتفرّقنا من بعده تفرّقًا معصومًا، ولا تجعل فينا شقيًا ولا محرومًا. اللهم يا رب العالمين أجمعنا على الخير في الدنيا والآخرة.
ما شعورك تجاه هذا الفيديو؟
شاركنا أثر المحتوى على قلبك
هل تنصح بهذا الفيديو؟
صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى
الأسئلة الشائعة
أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا الفيديو
ما الذي يُصمت أهل التكليف عن الموعظة عند وقوعهم في الذنب؟
الحياء من الله لأنهم كانوا يعظون من بساط إحسانهم
لماذا لا ينقطع أهل التعريف عن الأمر بالمعروف حتى بعد وقوعهم في الذنب؟
لأنهم يرون الإحسان والإساءة كليهما بقدر الله والموعظة تكليف مستقل
ما معنى «تسبق أنوار الحكماء أقوالهم» في الحكم العطائية؟
أن نور الحكيم يصل إلى قلوب المستمعين قبل أن تصل كلماته إلى آذانهم
ما الذي يُفسّر تأثير كلام عبد القادر الجيلاني في الناس حتى قبل أن يتكلم؟
نور قلبه الذي يسبق كلامه إلى قلوب المستمعين
ما الذي جعل كلمة «كنت أمس صائمًا» تُبكي الناس عند عبد القادر الجيلاني؟
أنها خرجت من قلب سليم عابد فحملت نورًا وصل إلى القلوب
ما معنى «كل كلام يبرز وعليه كسوة القلب الذي منه برز»؟
أن الكلام يحمل طابع القلب الذي صدر منه فإن كان منيرًا خرج منيرًا
ما الفرق بين عبارات السالكين وعبارات أرباب المكنة والمحققين؟
عبارات السالكين لفيضان وجد وعبارات المحققين لقصد هداية مريد
ما الذي فهمه أحد أرباب القلوب من بيت الشعر «إذا العشرون من شعبان ولّت»؟
أنه دعوة للإسراع في العمل الصالح قبل فوات الأوان
ما الفرق بين من استشرف الحقيقة ومن تذوقها في الحكم العطائية؟
المستشرف عرفها من بعيد كمن رأى البحر في التلفاز والمتذوق نزل إليه وعاشها
كيف عرف الشيخ محمد راشد أن تلميذه يذهب إلى ولي كبير؟
رأى خيمة من نور متجددة على التلميذ كل يوم
لماذا لا ينبغي للسالك أن يُفشي وارداته إلا لشيخه؟
لأن إفشاءها يُبعثرها ويُقلل عملها في قلبه ويمنع الصدق مع الله
ما الذي طلبه الشيخ محمد راشد من الشيخ محمد أمين البغدادي؟
طلب منه شيئًا يُحرك قلبه بعد سبعين سنة من البحث
ما تعريف أهل التكليف في الحكم العطائية؟
هم الذين يلتزمون بالتكليف الشرعي ويعظون الناس من بساط إحسانهم الشخصي، فإذا وقعوا في الذنب أصمتهم الحياء عن الموعظة.
ما تعريف أهل التعريف وما ميزتهم عن أهل التكليف؟
هم الذين يرون الإحسان فضلًا من الله والإساءة بقدره، فلا تقطعهم الذنوب عن الأمر بالمعروف، وهم أعلى درجة من أهل التكليف.
ما معنى «حيث صار التنوير وصل التعبير»؟
يعني أن النور يصل إلى القلب أولًا فيُنيره، ثم تصل العبارة فتجد قلبًا مستعدًا للفهم والتأثر، فالتنوير شرط لوصول التعبير.
ما الدرس من قصة ابن عبد القادر الجيلاني الذي كان عالمًا كبيرًا لكن الناس لم يبكوا من كلامه؟
أن العلم والكلام وحدهما لا يكفيان للتأثير في القلوب، بل لا بد من نور القلب الذي يُلبس الكلام كسوته ويوصله إلى قلوب المستمعين.
ما معنى «من أُذن له في التعبير فُهمت في مسامع الخلق عبارته»؟
يعني أن الله يأذن لبعض عباده في التعبير ويُلقي القبول على الناس تجاههم، فيفهم الناس كلامهم ويتأثرون به بإذن الله لا بمجرد البلاغة.
ما الفرق بين السالك والعارف في الحكم العطائية؟
السالك يعمل صلاة وصومًا وسيرًا في طريق الله، والعارف استقر قلبه بالإيمان وفهم القضية كلها. كلاهما على خير لكنها درجات عند الله.
ما معنى «العبارات والألفاظ التي تخرج من أفواهنا قوت لعائلة المستمعين»؟
يعني أن كلام العارف غذاء روحي للمستمعين، يأخذ منه كل واحد بحسب استعداده وقلبه، كما يأكل كل إنسان من الطعام الذي أمامه.
ما الذي يجعل الحقائق تبرز مكسوفة الأنوار أحيانًا؟
عدم إذن الله بإظهارها؛ فقد يقول الإنسان حقيقة مهمة لكنها لا تصل لأن الله لم يأذن بعد، والأمر كله وراءه توفيق من الله لا بلاغة ولا فصاحة.
ما مقصد الطريق الصوفي كله كما تُقرره الحكم العطائية؟
مقصده الأدب مع الله؛ أي تعلّم كيف تطلب الطلب الجميل وتشكر الشكر الجميل وتعبد العبادة الجميلة.
ما الذي كشفه سؤال الشيخ البغدادي «أين وجدت قلبك في كل هذا العلم»؟
كشف أن العلم الغزير وحده لا يُحرك القلب ولا يُوقظه، وأن القلب يحتاج إلى شيء آخر وراء الكتب والمعرفة النظرية.
ما العمل الصالح السري الذي كان يفعله الشيخ محمد راشد أربعين سنة؟
كان يقوم الليل بركعتين في الساعة الثانية ليلًا لا يعلم بهما أحد من زوجة أو أولاد، وكان يعود للنوم فيظنونه نائمًا.
ما الذي يُميّز صاحب البصيرة عن غيره في التعرف على الأولياء؟
صاحب البصيرة يرى الأنوار على الأولياء ويُدرك مقاماتهم، بينما يلتبس الأمر على عامة الناس الذين لا يستطيعون التمييز بين الواصل والمستشرف.
ما معنى «ومن ذاق عرف ومن عرف اغترف»؟
من تذوق الحقيقة الروحية عرف لذتها الحقيقية فلم يقعد ساكتًا، ومن عرف اغترف أي أخذ منها بغزارة ووفرة.
ما الفرق بين من رأى البحر في التلفاز ومن نزل إليه في تشبيه الحكم العطائية؟
من رأى البحر في التلفاز استشرف الحقيقة ومعرفته صحيحة لكنه لم يتذوق، ومن نزل إلى البحر عاش الحقيقة وتذوقها وعرف كل تفاصيلها.
ما الحكمة من طلب الأنوار والأسرار من الله لا من الخلق؟
لأن الله هو المعطي الحقيقي، وطلبها من الخلق يُبعثر الهبة ويمنع الصدق مع الله. وإن أعطى الله عبر الشيخ فليأخذ السالك ما وافق العلم ويدع ما لا يعلم.
