هل طلب العلم فريضة وما أهميته وفوائده في تكوين العقل المسلم؟
طلب العلم واجب على كل مسلم، مستمر من المهد إلى اللحد، ويشمل كل المجالات. العلم عند علماء المسلمين هو الإدراك الجازم المطابق للواقع الناشئ عن دليل. والمسلم يسعى دائمًا لتحصيل هذا العلم بالبرهان، ويلجأ إلى التقليد عند الضرورة فقط.
- •
هل تعلم أن طلب العلم في الإسلام لا ينتهي ولا يعرف كلمة أخيرة، بل هو مستمر من المهد إلى اللحد؟
- •
العلم مكوّن أساسي من مكونات العقل المسلم، ويشغل مساحة كبيرة في معناه ومصادره ومنهجه.
- •
عرَّف علماء المسلمون العلم بأنه الإدراك الجازم المطابق للواقع الناشئ عن دليل، وهو يشمل كل المجالات لا الديني وحده.
- •
مصادر العلم عند المسلم مزدوجة: الكون المنظور والوحي المسطور، وكلاهما من عند الله فلا تناقض بينهما.
- •
الإدراك ينقسم إلى تصور وتصديق، والتصديق إما قطعي أو ظن أو شك أو وهم، وهذا التقسيم يُنظِّم طريقة تعامل المسلم مع المعلومات.
- •
الاجتهاد في طلب العلم بالدليل أعلى درجة من التقليد، والتقليد لا يُلجأ إليه إلا عند الضرورة.
- 0:00
العلم مكوّن أساسي من مكونات العقل المسلم، يشغل مساحة واسعة تشمل المعنى والمصادر والمنهج وفهم الكون والحياة.
- 0:47
فضل طلب العلم مؤصَّل قرآنيًا، والمسلم مأمور بطلبه باستمرار من المهد إلى اللحد لأن العلم في ازدياد دائم.
- 1:33
العلم عند المسلمين يشمل كل المجالات، وحديث «من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا» يؤكد شموليته بورود كلمة علمًا منكَّرة.
- 2:24
العلم يُفضي إلى التواضع لأن فوق كل ذي علم عليم، ومصادره الكون المنظور والوحي المنزَّل، وكلاهما متكاملان.
- 3:02
سورة العلق تأمر بقراءة الكون والكتاب معًا، وكلاهما من الله فلا تناقض بين الدين والعلم في الفكر الإسلامي.
- 3:55
الآيات القرآنية تؤكد وحدة الخلق والأمر عند الله، والعلم بإطلاقه العام هو كل إدراك يحصل في الذهن.
- 4:37
الإدراك ينقسم إلى تصور للمفرد وتصديق للنسبة، والعلم بمعناه المطلق هو مجموع هذين القسمين.
- 5:21
الإدراك إما قطعي بنسبة مائة بالمائة أو غير قطعي بأقل من ذلك، وهذا التمييز أساس منهج المعرفة الإسلامية.
- 5:59
غير القطعي ثلاثة أقسام: الظن فوق الخمسين بالمائة، والشك عند الخمسين، والوهم دون الخمسين.
- 7:11
الإدراك القطعي إما اعتقاد صحيح إن طابق الواقع أو اعتقاد فاسد إن خالفه، والقطع وحده لا يضمن الصحة.
- 7:59
الاعتقاد الفاسد هو اليقين القطعي المخالف للواقع، كمن يعتقد أن الأرض لا تدور، والمعيار المطابقة لا قوة الاعتقاد.
- 8:38
الاعتقاد المطابق إما علم ناشئ عن دليل وهو الأعلى، أو تقليد ناشئ عن الثقة بآخر وهو أدنى درجة.
- 9:51
العلم الخاص هو الإدراك الجازم المطابق للواقع الناشئ عن دليل، وهو الغاية التي يسعى إليها العقل المسلم.
- 10:42
المعلومات تُصنَّف بثلاثة معايير: الجزم ثم المطابقة للواقع ثم نشوؤها عن دليل، وهذا هو منهج المعرفة الإسلامي.
- 11:13
الاجتهاد في طلب العلم بالدليل أعلى درجة من التقليد، والتقليد ضرورة مقبولة لمن لا يستطيع الوصول إلى الدليل.
- 12:18
المسلم يحترم أهل العلم ويسألهم في كل المجالات من الدين إلى الكون والنفس والتاريخ، والعلم مكوِّن أساسي لعقله.
ما مكانة العلم في تكوين العقل المسلم وما المساحة التي يشغلها؟
العلم مكوّن أساسي من مكونات العقل المسلم، ويهتم به المسلم اهتمامًا بليغًا. يشغل العلم مساحة كبيرة في حياة المسلم من حيث معناه وطبيعته ومصادره وأدواته ومنهجه. ويمتد هذا الاهتمام ليشمل فهم الإنسان والكون والحياة وما قبلها وما بعدها.
هل طلب العلم فريضة وما أهميته في حياة المسلم من القرآن الكريم؟
أهمية طلب العلم في حياة المسلم مأخوذة من قوله تعالى ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِى ٱلَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾. والعلم مأمور به، وطبيعته في ازدياد دائم كما في قوله تعالى ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِى عِلْمًا﴾. لذلك يطلب المسلم العلم من المهد إلى اللحد بصورة مستمرة، والعلم لا يعرف الكلمة الأخيرة.
ما تعريف العلم عند علماء المسلمين وهل يشمل كل المجالات؟
العلم عند علماء المسلمين يشمل كل المجالات، وهو الإدراك الجازم المطابق للواقع الناشئ عن دليل. وقد استدل النبي ﷺ بقوله «من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهَّل الله له طريقًا إلى الجنة»، وجاءت كلمة «علمًا» منكَّرة لتشمل أي علم في أي مجال. فمن طلب العلم في أي ميدان يسَّر الله له طريقه.
ما مصادر العلم عند المسلم وكيف يؤدي العلم إلى التواضع؟
العلم بمفهومه الإسلامي يؤدي إلى التواضع، مستندًا إلى قوله تعالى ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِى عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾. ومصادر العلم عند المسلم مزدوجة: الكون المحيط به، والوحي الذي أنزله الله سبحانه وتعالى. وكلا المصدرين يُكمِّل الآخر في بناء المعرفة الإسلامية.
كيف تجمع سورة العلق بين قراءة الكون المنظور والكتاب المسطور وهل يتناقضان؟
سورة العلق ذكرت القراءة مرتين: قراءة للكون المنظور وقراءة للكتاب المسطور، وكلاهما من عند الله. الأول من عالم الخلق والثاني من عالم الأمر، ولذلك فلا يتناقضان أبدًا. ولم يعرف المسلم في تاريخه التناقض بين الدين والعلم، بل وجد تطابقًا بين الوحي والعلم.
ما الدليل القرآني على التطابق بين عالم الخلق وعالم الأمر وما تعريف العلم بإطلاقه العام؟
الدليل القرآني على التطابق بين الخلق والأمر قوله تعالى ﴿أَلَا لَهُ ٱلْخَلْقُ وَٱلْأَمْرُ﴾، وقوله ﴿ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَّمَ ٱلْقُرْءَانَ خَلَقَ ٱلْإِنسَـٰنَ عَلَّمَهُ ٱلْبَيَانَ﴾. والعلم يُطلق بإطلاقين: عام وهو على كل إدراك، والإدراك هو حصول صورة الشيء في الذهن. وهذا الإطلاق العام هو الأساس الذي يُبنى عليه تصنيف المعرفة.
كيف ينقسم الإدراك إلى تصور وتصديق وما العلاقة بينهما وبين العلم؟
الإنسان يستقبل الصور عن طريق الحواس فتنطبع في ذهنه فيكون ذلك إدراكًا. والإدراك ينقسم إلى قسمين: إدراك المفرد ويسمى تصورًا، وإدراك النسبة أو الجملة المفيدة ويسمى تصديقًا. والعلم بالمعنى المطلق هو مطلق الإدراك الذي ينقسم إلى التصور والتصديق.
ما الفرق بين الإدراك اليقيني القطعي وغير اليقيني في منظومة العلم الإسلامية؟
الإدراك إما أن يحصل في ذهن الإنسان بصورة يقينية قطعية أي بنسبة مائة في المائة، وإما أن يحصل بصورة غير يقينية أي أقل من ذلك. فإذا كان بنسبة مائة في المائة فيُسمى قطعيًا، وإذا كان أقل من ذلك يُسمى غير قطعي. وهذا التقسيم هو أساس التعامل مع المعلومات في الفكر الإسلامي.
ما الفرق بين الظن والشك والوهم وكيف يُحدَّد كل منها بالنسبة المئوية؟
غير القطعي ينقسم إلى ثلاثة أقسام: الظن وهو إدراك الطرف الراجح أي أكثر من خمسين بالمائة، وإذا بلغ التسعين فما فوق سُمِّي الظن الغالب أو الراجح. والشك هو التردد بين الأمرين عند خمسين بالمائة بالضبط. أما الوهم فهو إدراك الطرف المرجوح أي أقل من خمسين بالمائة.
كيف ينقسم الإدراك القطعي إلى اعتقاد صحيح واعتقاد فاسد؟
الإدراك القطعي هو ما يشعر فيه الإنسان بتصديق الشيء بوضوح تام مائة في المائة. وهذا ينقسم إلى قسمين: إما أن يكون مطابقًا للواقع فيكون الاعتقاد الصحيح، وإما أن يكون غير مطابق للواقع فيكون الاعتقاد الفاسد. فالقطع وحده لا يكفي بل لا بد من المطابقة للواقع.
ما مثال على الاعتقاد الفاسد وكيف يختلف عن الاعتقاد الصحيح؟
الاعتقاد الصحيح هو اليقين المطابق للواقع، أما الاعتقاد الفاسد فهو اليقين المخالف للواقع. مثال ذلك: شخص عنده يقين بأن الكرة الأرضية لا تدور حول نفسها، فهذا يقين قطعي لكنه مخالف للواقع فيكون اعتقادًا فاسدًا. فالمعيار ليس قوة الاعتقاد بل مطابقته للحقيقة.
ما الفرق بين العلم الناشئ عن دليل والتقليد وأيهما أعلى في الإسلام؟
الاعتقاد المطابق للواقع ينقسم إلى قسمين: إما نشأ عن دليل وبرهان فيُسمى علمًا بالمعنى الخاص، وإما نشأ عن تقليد لشخص موثوق دون دليل. العلم الناشئ عن دليل هو الأعلى والأكمل، أما التقليد فهو مقبول لكنه أدنى درجة. والمسلم يسعى دائمًا للعلم بالدليل.
ما تعريف العلم بالمعنى الخاص عند علماء المسلمين وكيف يسعى المسلم لتحصيله؟
العلم بالمعنى الخاص عند علماء المسلمين هو الإدراك الجازم المطابق للواقع الناشئ عن دليل. والمسلم يسعى لتحصيل هذا العلم بأن يكون جازمًا ومطابقًا للواقع وناشئًا عن برهان ودليل. وعقل المسلم مكوَّن بهذه الطريقة التي تجمع بين اليقين والمطابقة والدليل.
كيف تُصنَّف المعلومات في منظومة العلم الإسلامية من حيث الجزم والمطابقة والدليل؟
المعلومات تُصنَّف على أساس ثلاثة معايير: أولًا الجزم، فمنها ما هو قطعي جازم ومنها ما هو غير جازم. وثانيًا المطابقة، فالجازم إما مطابق للواقع أو غير مطابق. وثالثًا الدليل، فالمطابق إما نشأ عن دليل فيكون علمًا حقيقيًا أو لم ينشأ عن دليل فيكون تقليدًا.
لماذا يُقدِّم الإسلام الاجتهاد في طلب العلم على التقليد ومتى يُلجأ إلى التقليد؟
المسلم في أصل تكوين عقله يريد العلم الناشئ عن دليل، ولذلك لا يلجأ إلى التقليد إلا إذا فقد الدليل. والاجتهاد في طلب العلم أعلى درجة عند الله وعند الناس من التقليد لأنه يصل بصاحبه إلى الجزم المطابق الناشئ عن دليل. لكن التقليد قد يكون ضرورة لأنه ليس كل أحد يعرف كل شيء بالبرهان.
كيف يحترم المسلم أهل العلم ويسألهم وفي أي المجالات يطلب العلم؟
المسلم يحترم أهل العلم ويرفعهم درجات استنادًا إلى قوله تعالى ﴿يَرْفَعِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا مِنكُمْ وَٱلَّذِينَ أُوتُوا ٱلْعِلْمَ دَرَجَـٰتٍ﴾. ويسأل أهل الذكر فيما لا يعلم، وأول مجال يسأل فيه هو دينه، لكنه يطلب العلم أيضًا في الكون والنفس والتاريخ وكل شيء. والعلم مكوِّن أساسي من مكونات العقل المسلم.
طلب العلم في الإسلام فريضة مستمرة تشمل كل المجالات، وغايتها الإدراك الجازم المطابق للواقع الناشئ عن دليل.
طلب العلم واجب إسلامي لا ينقطع، مستند إلى قوله تعالى ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِى عِلْمًا﴾، وقول النبي ﷺ «من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهَّل الله له طريقًا إلى الجنة». وكلمة «علمًا» جاءت منكَّرة لتشمل كل أنواع العلم في جميع المجالات، لا الديني وحده.
العلم عند المسلم له مصدران متكاملان: الكون المنظور والوحي المسطور، وكلاهما من عند الله فلا تناقض بينهما. والإدراك ينقسم إلى قطعي وغير قطعي، والقطعي إما مطابق للواقع فيكون اعتقادًا صحيحًا أو غير مطابق فيكون فاسدًا. والمسلم يسعى دائمًا للعلم الناشئ عن دليل، ويُقدِّم الاجتهاد على التقليد الذي لا يلجأ إليه إلا عند الضرورة.
أبرز ما تستفيد منه
- طلب العلم مستمر من المهد إلى اللحد ويشمل كل المجالات.
- العلم هو الإدراك الجازم المطابق للواقع الناشئ عن دليل.
- الكون والوحي مصدران متكاملان للعلم ولا يتناقضان.
- الاجتهاد بالدليل أعلى درجة من التقليد، والتقليد ضرورة لا أصل.
مقدمة عن العلم كمكون أساسي من مكونات العقل المسلم
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
من مكونات العقل المسلم: العلم؛ فالمسلم يهتم اهتمامًا بليغًا بالعلم، ويشغل العلم عنده مساحة كبيرة في معناه وطبيعته، في مصادره، في أدواته، في منهجه، فيما يترتب عليه من فهم للإنسان والكون والحياة وما بعد ذلك وما قبل ذلك.
أهمية العلم في حياة المسلم من القرآن الكريم وطلبه المستمر
أما أهمية العلم في حياته [حياة المسلم] فمأخوذة من قوله تعالى:
﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِى ٱلَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: 9]
والعلم مأمور به، ويتكلم ربنا سبحانه وتعالى عن طبيعته وأنها في ازدياد دائم فيقول:
﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِى عِلْمًا﴾ [طه: 114]
وعلى ذلك فالمسلم يطلب العلم مع المحبرة إلى المقبرة، ومن المهد إلى اللحد وبصورة مستمرة. ويُؤخذ من هذا أن العلم لا يعرف الكلمة الأخيرة.
تعريف العلم عند علماء المسلمين وشموله لكل المجالات
ويُعرف أن العلم إنما هو في كل المجالات، فهو الإدراك الجازم المطابق للواقع الناشئ عن دليل كما عرَّفه علماء المسلمين.
﴿إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَـٰٓؤُا﴾ [فاطر: 28]
قال رسول الله ﷺ: «من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا»
أيَّ علمٍ، ولذلك جاءت [كلمة علمًا] منكَّرة ولم يقل "العلم" حتى يكون الألف واللام للعهد الذهني أو الحضوري، بل قال:
«من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا يسَّر الله له طريقًا» أو «سهَّل الله له طريقًا إلى الجنة»
العلم يؤدي إلى التواضع ومصادره الكون والوحي
العلم بهذا المفهوم يؤدي إلى التواضع:
﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِى عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: 76]
العلم له أدواته ومصادره، ومن مصادر العلم هذا الكون الذي يحيطنا، وأيضًا الوحي الذي أنزله الله سبحانه وتعالى إلينا من أجل أن نتعلم.
﴿فَتَلَقَّىٰٓ ءَادَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَـٰتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ﴾ [البقرة: 37]
القراءة المزدوجة للكون المنظور والكتاب المسطور في سورة العلق
﴿ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِى خَلَقَ * خَلَقَ ٱلْإِنسَـٰنَ مِنْ عَلَقٍ * ٱقْرَأْ وَرَبُّكَ ٱلْأَكْرَمُ * ٱلَّذِى عَلَّمَ بِٱلْقَلَمِ * عَلَّمَ ٱلْإِنسَـٰنَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: 1-5]
فذكر [الله تعالى] القراءة مرتين: قراءة للكون المنظور وقراءة للكتاب المسطور، وكلاهما من عند الله؛ هذا من عالم الخلق وهذا من عالم الأمر.
ولذلك فلا يتناقضان أبدًا، ولذلك لم يعرف المسلم في تاريخه التناقض بين الدين وبين العلم بصورته الحديثة ولا بصورته العصرية، بل إنه وجد تطابقًا بين الوحي وبين العلم.
الأدلة القرآنية على التطابق بين الخلق والأمر وسؤال ما هو العلم
هذا هو الذي درج عليه المسلمون، يأخذونه من قوله تعالى:
﴿ٱلرَّحْمَـٰنُ * عَلَّمَ ٱلْقُرْءَانَ * خَلَقَ ٱلْإِنسَـٰنَ * عَلَّمَهُ ٱلْبَيَانَ﴾ [الرحمن: 1-4]
يأخذونه من قوله تعالى:
﴿أَلَا لَهُ ٱلْخَلْقُ وَٱلْأَمْرُ تَبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ [الأعراف: 54]
فما هذا العلم الذي يكوِّن العقل المسلم؟ العلم يُطلق بإطلاقين: إطلاق عام وهو على كل إدراك، والإدراك هو حصول صورة الشيء في الذهن.
كيفية عمل الإدراك وانقسامه إلى التصور والتصديق
فالإنسان يستعمل ذهنه وهو قابل لاستقبال الصور عن طريق الحواس، وهذه الصور المحيطة به تنطبع في ذهنه فيكون ذلك إدراكًا.
والإدراك بهذا المعنى ينقسم إلى قسمين:
-
قسم هو إدراك للمفرد ويسمونه تصورًا.
-
وقسم هو إدراك للنسبة أو للجملة المفيدة ويسمونه تصديقًا.
إذن فالعلم بالمعنى المطلق هو مطلق الإدراك الذي ينقسم إلى التصور والتصديق.
انقسام العلم المُدرَك إلى يقيني قطعي وغير يقيني
هذا العلم الذي هو مُدرَك، إما أن يحصل في ذهن الإنسان بصورة يقينية قطعية، وإما أن يحصل بصورة غير يقينية أي غير قطعية.
يعني إما أن يحدث بنسبة مائة في المائة، أو بأقل من ذلك. فإذا كان بنسبة مائة في المائة فيُسمى قطعيًّا، وإذا كان أقل من ذلك يُسمى غير قطعي.
أقسام غير القطعي: الظن والشك والوهم وتعريف كل منها
وغير القطعي هذا قد يكون ظنًّا أو شكًّا أو وهمًا.
الظن تراه أكثر من خمسين في المائة، ولذلك يُعرِّفونه فيقولون: إدراك الطرف الراجح؛ وواحد وخمسون في المائة أرجح من تسعة وأربعين في المائة لأنها أكثر، ويُسمونه الظن. فإذا بلغ الظن درجات عُليا كالتسعين وما فوق التسعين يسمونه الظن الغالب أو الظن الراجح.
وأما أن يكون خمسين في المائة فهنا يسمونه الشك وهو التردد بين الأمرين.
وإذا كان أقل من الخمسين بالمائة فإنه يكون إدراكًا للطرف المرجوح وهنا يُسمى وهمًا.
فغير القطعي ينقسم إلى: الظن والشك والوهم.
انقسام الإدراك القطعي إلى اعتقاد صحيح واعتقاد فاسد
أما القطعي فهو إدراك قطعي، يعني يشعر فيه الإنسان بأنه مصدِّق بهذا الشيء وهو بوضوح في ذهنه مائة في المائة.
هذا ينقسم إلى قسمين: إما أن يكون مطابقًا للواقع وإما أن يكون غير مطابق للواقع. فإذا كان مطابقًا للواقع فهو الاعتقاد الصحيح، وإذا كان غير مطابق للواقع فهو الاعتقاد الفاسد.
مثال على الاعتقاد الصحيح والفاسد ودوران الكرة الأرضية
الإنسان إذا كان عنده اعتقاد وهذا الاعتقاد مطابق للواقع فإنه يكون اعتقادًا صحيحًا. فإذا كان عنده يقين بشيء ما لكنه مخالف للواقع، شخص مثلًا عنده يقين بأن الكرة الأرضية لا تدور حول نفسها، فإنه يكون عنده اعتقاد ويقين ولكنه غير مطابق للواقع، فيكون اعتقادًا فاسدًا.
انقسام الاعتقاد المطابق الصحيح إلى علم ناشئ عن دليل وتقليد
هذا الاعتقاد الذي هو مطابق أو غير مطابق ينقسم إلى قسمين. أما الاعتقاد المطابق الصحيح فينقسم إلى قسمين؛ إما أن يكون وهو مطابق للواقع نشأ عن دليل، أو نشأ في نفس الإنسان عن غير دليل.
هناك ما هو نشأ عن دليل وبرهان، وهذا يُسمى العلم مرة أخرى بإطلاق خاص. أو أنه لم ينشأ عن دليل وإنما نشأ عن تقليد؛ شخص وثق في آخر فقلَّده.
إذن فعندي هذا المطابق ينقسم إلى قسمين: قسم نشأ عن دليل، وقسم نشأ عن غير دليل. فالأول يُسمى علمًا، والثاني يُسمى تقليدًا.
تعريف العلم بالمعنى الخاص عند علماء المسلمين وسعي المسلم لتحصيله
العلم بهذا المعنى الخاص هو الإدراك الجازم المطابق للواقع الناشئ عن دليل؛ هكذا هو تعريف العلم عند علماء المسلمين.
إذن المسلم يسعى بتحصيل ذلك العلم أن يكون جازمًا، وأن يكون هذا العلم مطابقًا للواقع، وأن يكون هذا التطابق قد نشأ عنده عن برهانٍ ودليلٍ.
عقل المسلم هكذا ومكوَّن بهذه الطريقة.
تقسيم المعلومات وأنواعها من حيث الجزم والمطابقة والدليل
العلم الذي هو مطلق الإدراك نسمي هذا العلم في جزئياته بالمعلومات؛ فهناك معلومات كثيرة، لكن هذه المعلومات منها ما هو قطعي جازم ومنها ما هو غير جازم كما رأينا.
والجازم إمّا مطابق أو غير مطابق، والمطابق إمّا قد نشأ عن دليل أو لم ينشأ عن دليل.
المسلم يسعى للعلم بالدليل ولا يلجأ للتقليد إلا عند الضرورة
المسلم في أصل تكوين عقله يريد هذا العلم الأخير: الإدراك الجازم المطابق للواقع الناشئ عن دليل. ولذلك لا يلجأ إلى التقليد إلا إذا فقد الدليل، لكنه إذا كان يمكن له أن يحصِّل الدليل فهو أعلى من التقليد.
ولذلك كان الاجتهاد عنده [عند المسلم] الذي هو يسعى لتحصيل المعلومات ويصل بها إلى الجزم المطابق، ولكنه نشأ عن دليل، أعلى درجة عند الله وعند الناس من الذي هو تقليد.
لكن التقليد قد يكون ضرورة؛ لأنه ليس كل أحد يعرف كل شيء بالبرهان والدليل.
احترام المسلم لأهل العلم وسؤالهم في كل المجالات
إنما المسلم يحترم هذا النوع من أنواع المعرفة [التقليد عند الضرورة]، ولذلك فهو يحترم أهل العلم:
﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [النحل: 43]
ولذلك فهو يرفع أهل العلم درجات:
﴿يَرْفَعِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا مِنكُمْ وَٱلَّذِينَ أُوتُوا ٱلْعِلْمَ دَرَجَـٰتٍ﴾ [المجادلة: 11]
ولذلك فهو يعتمد دائمًا ويسأل دائمًا عن العلم في كل المجالات، وأول مجال يسأل فيه عن العلم إنما هو دينه، ولكنه أيضًا يسأل عن العلم في هذا الكون، في هذه النفس، في التاريخ، وفي كل شيء يريد أن يحصِّله.
العلم مكوِّن أساسي من مكونات العقل المسلم. إلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
ما شعورك تجاه هذا الفيديو؟
شاركنا أثر المحتوى على قلبك
هل تنصح بهذا الفيديو؟
صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى
الأسئلة الشائعة
أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا الفيديو
ما تعريف العلم بالمعنى الخاص عند علماء المسلمين؟
الإدراك الجازم المطابق للواقع الناشئ عن دليل
لماذا جاءت كلمة «علمًا» منكَّرة في حديث «من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا»؟
لتشمل كل أنواع العلم في جميع المجالات
ما الذي يُسمى «الشك» في منظومة الإدراك الإسلامية؟
التردد بين الأمرين عند نسبة خمسين بالمائة بالضبط
ما الفرق بين الاعتقاد الصحيح والاعتقاد الفاسد؟
الصحيح مطابق للواقع والفاسد غير مطابق له
ما مصادر العلم عند المسلم وفق المفهوم الإسلامي؟
الكون المنظور والوحي المسطور
إلى ماذا ينقسم الإدراك بالمعنى العام؟
إلى تصور وتصديق
ما الذي يُسمى «الوهم» في تصنيف الإدراك الإسلامي؟
إدراك الطرف المرجوح بأقل من خمسين بالمائة
لماذا لم يعرف المسلم في تاريخه التناقض بين الدين والعلم؟
لأن الكون والوحي كلاهما من عند الله فلا يتناقضان
متى يلجأ المسلم إلى التقليد وفق منهج العقل المسلم؟
عند الضرورة وعدم القدرة على تحصيل الدليل
ما الآية القرآنية التي تدل على أن العلم في ازدياد دائم؟
﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِى عِلْمًا﴾
ما الذي يُسمى «الظن الغالب» أو «الظن الراجح»؟
الظن الذي يبلغ التسعين بالمائة فما فوق
ما الآية التي تدل على أن العلم يؤدي إلى التواضع؟
﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِى عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾
ما المقصود بأن العلم «لا يعرف الكلمة الأخيرة»؟
العلم في طبيعته في ازدياد دائم ومستمر، ولذلك يطلبه المسلم من المهد إلى اللحد ولا يتوقف عند حد معين.
ما الفرق بين التصور والتصديق في منظومة الإدراك؟
التصور هو إدراك المفرد، أما التصديق فهو إدراك النسبة أو الجملة المفيدة، وكلاهما قسمان من أقسام الإدراك.
ما معنى أن الإدراك «قطعي»؟
الإدراك القطعي هو ما يحصل في ذهن الإنسان بنسبة مائة في المائة، أي يقين تام لا تردد فيه.
ما الفرق بين العلم والتقليد في الفكر الإسلامي؟
العلم هو الاعتقاد المطابق للواقع الناشئ عن دليل وبرهان، أما التقليد فهو الاعتقاد المطابق الناشئ عن الثقة بآخر دون دليل.
ما الآية التي تدل على رفع درجات أهل العلم؟
قوله تعالى ﴿يَرْفَعِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا مِنكُمْ وَٱلَّذِينَ أُوتُوا ٱلْعِلْمَ دَرَجَـٰتٍ﴾.
ما المجالات التي يطلب فيها المسلم العلم؟
يطلب المسلم العلم في كل المجالات: الدين والكون والنفس والتاريخ وكل شيء يريد تحصيله.
ما المقصود بـ«القراءة المزدوجة» في سورة العلق؟
ذكر الله القراءة مرتين في سورة العلق: قراءة للكون المنظور من عالم الخلق، وقراءة للكتاب المسطور من عالم الأمر.
لماذا يُعدّ الاجتهاد في طلب العلم أعلى درجة من التقليد؟
لأن الاجتهاد يوصل صاحبه إلى الجزم المطابق للواقع الناشئ عن دليل، وهو الغاية القصوى للعلم، بينما التقليد يفتقر إلى الدليل.
ما الإطلاقان اللذان يُطلق عليهما لفظ «العلم»؟
إطلاق عام وهو على كل إدراك أي حصول صورة الشيء في الذهن، وإطلاق خاص وهو الإدراك الجازم المطابق للواقع الناشئ عن دليل.
ما مثال الاعتقاد الفاسد الذي ذُكر في المحتوى؟
شخص عنده يقين قطعي بأن الكرة الأرضية لا تدور حول نفسها، فهذا اعتقاد قطعي لكنه مخالف للواقع فيكون اعتقادًا فاسدًا.
ما الآية التي تدل على أن الله علَّم الإنسان بالقلم؟
قوله تعالى ﴿ٱلَّذِى عَلَّمَ بِٱلْقَلَمِ عَلَّمَ ٱلْإِنسَـٰنَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ من سورة العلق.
ما الآية التي تجمع بين تعليم القرآن وخلق الإنسان وتعليمه البيان؟
قوله تعالى ﴿ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَّمَ ٱلْقُرْءَانَ خَلَقَ ٱلْإِنسَـٰنَ عَلَّمَهُ ٱلْبَيَانَ﴾ من سورة الرحمن.
ما الحكمة من أن العلم يؤدي إلى التواضع؟
لأن قوله تعالى ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِى عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ يُذكِّر العالم دائمًا بأن هناك من هو أعلم منه، فيبقى متواضعًا.
ما الآية التي تدل على أن الخلق والأمر كلاهما لله؟
قوله تعالى ﴿أَلَا لَهُ ٱلْخَلْقُ وَٱلْأَمْرُ تَبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ من سورة الأعراف.
ما الشرط الثلاثي الذي يسعى المسلم لتحقيقه في علمه؟
أن يكون علمه جازمًا، ومطابقًا للواقع، وناشئًا عن برهان ودليل، وهذه الثلاثة هي تعريف العلم الخاص عند علماء المسلمين.
