عقيدة العوام | الإمام الدردير | الدرس الأول | أ.د علي جمعة
- •يبدأ العلماء مؤلفاتهم بالبسملة اقتداءً بالقرآن وبحديث النبي: "كل أمر ذي بال لا يبدأ بذكر الله فهو أبتر".
- •علماء الإسلام عبر العصور قدموا كتاب الله على السنة، وإذا وجدت خيارات في السنة اختاروا ما يوافق القرآن.
- •ظهرت فئة تقدم السنة على القرآن مطلقاً، مما أدى إلى إيجاد تعارضات وهمية بين النصوص الشرعية.
- •الترتيب الصحيح للمصادر التشريعية: القرآن أولاً ثم السنة، باتفاق علماء المسلمين قديماً وحديثاً.
- •بعض المعاصرين يختزلون السنة فيما يرونه صحيحاً فقط، متجاهلين أن علماء السلف كانوا يقدمون الحديث الضعيف على الرأي والقياس.
- •هناك خلط بين الضعيف والموضوع، مع أن الإمام الأردبلي أورد أكثر من خمسمائة حديث ضعيف استدل بها أئمة السلف.
- •يُسَنّ لمن أراد الاختصار في التأليف أن يذكر البسملة كتابةً، والحمد والصلاة على النبي شفهياً.
- •يجب على المكلف معرفة ما يجب لله تعالى من الاعتقادات.
افتتاح الدرس بالبسملة والحمدلة والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
يقول القطب الدردير رضي الله تعالى عنه وأرضاه: بسم الله الرحمن الرحيم، وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
«كل أمر ذي بال لا يُبدأ بذكر الله فهو أبتر»
وفي رواية:
«بحمد الله فهو أبتر»
وفي رواية:
«ببسم الله فهو أبتر»
تفضيل العلماء البسملة اقتداءً بالكتاب العزيز على رواية الحديث
وحديث «ببسم الله» فيه كلام، فيه كلام، ولكن فضّله العلماء لا اقتداءً بالحديث وإنما اقتداءً بالكتاب [الكريم]؛ الكتاب قال ماذا؟ بسم الله الرحمن الرحيم، ففضّلوه [أي البدء بالبسملة].
وهكذا أبدًا كان علماء الإسلام عبر القرون يقدمون كتاب الله على سنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وإذا كان في السنة خيارات ذهبوا إلى الكتاب حتى يكون ضابطًا لاختيارهم.
التحذير من النابتة التي تقدم السنة على الكتاب وتُلغي القرآن بها
حتى نبتت فينا نابتة، حسبنا الله ونعم الوكيل فيهم، قدموا السنة على الكتاب مطلقًا وألغوا كتاب الله بسنة حبيبه المصطفى، فضلوا وأضلوا.
فما أمرنا النبي بهذا ولا أرشدنا لذلك، ولذلك فاحذر أيما حذر، ولا يلعبنّ بعقلك من أراد بطريقة تلبيس إبليس أن يدخل عليك بإنكار القرآن بالسنة؛ فإن هذا يريد أن يضرب نصوص الشرع الشريف بعضها ببعض، ونصوص الشرع الشريف لا تناقض فيها.
المدخل الصحيح في ترتيب مصادر التشريع وتقديم القرآن على السنة
والمدخل الصحيح هو أن القرآن مقدم عند جميع المسلمين على السنة النبوية الشريفة. فأول علة ومرض وعارض نجده في هؤلاء [النابتة] أنهم يريدون تقديم السنة المشرفة الشريفة على الكتاب، فينشئون بذلك تعارضات وهمية ليست موجودة.
﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْءَانَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ ٱخْتِلَـٰفًا كَثِيرًا﴾ [النساء: 82]
وها نحن لم نجد فيه اختلافًا، لا بينه وبين نفسه ولا بينه وبين سنة نبيه. وإنما الأمر في الاختيار يجب أن يُرتب: القرآن أولًا، ثم السنة هي المصدر الثاني للتشريع، كما أُقِرَّ بذلك كل علماء المسلمين شرقًا وغربًا سلفًا وخلفًا باتفاق أطبق الدنيا.
المصيبة الثانية اختزال السنة النبوية في تصحيح وتضعيف بلا منهج
حتى نبتت النابتة فإذا بهم يريدون هذا. والمصيبة الثانية أنهم يريدون اختزال سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يتوهمونه صحيحًا، فيقول: هذا الحديث صحيح وهذا ضعيف، هذا صحيح وهذا ضعيف، بالرغم من أن هذه الأحاديث قد وردت في أصول الحديث الستة التي ارتضاها علماء الأمة.
فيقول لك: لا، هذا الترمذي فيه صحيح وضعيف، هذا أبو داود فيه صحيح وضعيف. نعم، أنت في ذهنك قد ساويت - وهذه البلية الثالثة - بين الضعيف والموضوع، وهذا هدم للدين بالكلية.
استدلال أئمة السلف بالحديث الضعيف وتقديمه على الرأي والقياس
فإن الإمام الأردبيلي الشافعي ألّف كتابًا أسماه المعيار، أورد فيه أكثر من خمسمائة حديث ضعيف استدل بها أئمة السلف الصالح على مذاهبهم. فكانوا دائمًا يقدمون الحديث ولو كان ضعيفًا على الرأي والهوى والقياس؛ لأنه لعله أن يكون صحيحًا.
كما أن هذا الحديث الذي أخذوا به أخذوه بشرط ألا يخالف القرآن، في بحوث رائقة فائقة بذلوا فيها أعمارهم.
خطورة هدم التراث العلمي والبدء من جديد بعد قرون من البناء
ثم لما ظهرت النابتة أرادوا هدم كل ذلك والبدء من جديد، كمن أراد أن يخترع البخار بعد أن وصلنا إلى النووي [أي إلى مراحل متقدمة من العلم]! مصيبة هذه، مصيبة يا جماعة، مصيبة!
بعد أن وصلنا إلى النووي [أي إلى هذا المستوى العلمي الرفيع] يجب أن نرى ما بعده، الهيدروجيني أو نحو ذلك، لكن ما زلنا سنرى أديسون وهو يلعب بالبخار يا جماعة!
هذه أمة أُلهِمت كيف تبني مجدها وعلمها وتحافظ على كتاب ربنا بإذنه:
﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَـٰفِظُونَ﴾ [الحجر: 9]
وعلى سنة نبيها صلى الله عليه وسلم:
﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُوا ٱللَّهَ وَٱلْيَوْمَ ٱلْـَٔاخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: 21]
لا يفعلون شيئًا ولا ينطقون بحرف من الحروف إلا وهم على حال التقيد بالكتاب والسنة.
الجمع بين البسملة والحمدلة اقتداءً بالكتاب وعملاً بروايات الحديث
بسم الله الرحمن الرحيم، اقتداءً بالكتاب وعملًا واختيارًا بهذا [الأصل]. بعضهم يجمع بين الحديثين فيقول: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، فيكون بذلك أتم.
ويكون بذلك قد فعل الروايات الثلاث: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وبذلك يكون قد ذكر الله [فحقق مقتضى جميع الروايات].
سبب اقتصار المؤلف على البسملة دون الحمدلة واستدلالهم بفعل البخاري
وهكذا يقول [المؤلف]: بسم الله الرحمن الرحيم، يجب على المكلف. فلما لم يحمد ولم يصلِّ على النبي صلى الله عليه وسلم، قالوا [العلماء]: إذا كان الأمر على هذا النحو من إرادة الاختصار والدخول في المقصود من أقرب طريق، فإنه يُسَنُّ له الحمد لله والصلاة على النبي شفاهةً.
يبقى [أي يكون الأمر أنه] قال: بسم الله الرحمن الرحيم وكتبها، وذهب قائلًا في سره، وكتب ماذا؟ الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين. [ثم كتب]: يجب على المكلف.
واستدلوا بفعل أمير المؤمنين [في الحديث] الذي رواه الإمام البخاري؛ فإنه قال: بسم الله الرحمن الرحيم مباشرة، وذهب يذكر حديث:
«إنما الأعمال بالنيات»
ولم يقل الحمد لله ولا الصلاة على [النبي صلى الله عليه وسلم].
سبب اختصار البخاري للحمدلة شفاهة لأن كتابه مختصر من مائة ألف حديث
فقالوا: لِمَ قالها شفاهةً؟ لأنه جعل كتابه هذا مختصرًا. ما هو كتابه؟ هذا مختصرٌ، وجاء به من نحو مائة ألف حديث، وهو لا يحتوي إلا على سبعة آلاف وخمسمائة وبضعة وثلاثة عشر أو نحو ذلك - ثلاثة وستين حديثًا - من مائة ألف حديث.
لكن ذلك بالمكرر، أما من غير المكرر فيزيد عن الألفين بشيء بسيط، ألفين ومائة وخمسمائة وثلاثة عشر هكذا.
معنى الوجوب في عبارة يجب على المكلف والفرق بينه وبين الندب
بسم الله الرحمن الرحيم، يجب على المكلف. يعني إذا أنت لم تفعل هكذا [أي لم تعتقد ما يجب] فيكون حرامًا عليك. لماذا؟ لأن الوجوب معناه هكذا؛ لا بد عليك أن تعتقد هذا وإلا كان حرامًا عليك.
أن لا تظن أن ما يأتي هو [مجرد مندوب، بل هو] يجب على المكلف؛ فنحن لسنا في حالة يُندب أو يُسَنّ، هناك فرق بين يجب ويُندب.
العبارة الكاملة يجب على المكلف معرفة ما يجب لله تعالى لا عليه
يجب على المكلف معرفة ما يجب لله تعالى، هذه هي العبارة الكاملة التي لها معنى. فالله سبحانه وتعالى يجب له جل جلاله أشياء، فيجب عليك معرفتها.
ما الذي يجب؟ لله. انتبه جيدًا: ليس على الله (فالله لا يجب عليه شيء)، وإنما ما الذي يجب لله؟ يجب أن تعتقد في الله ماذا؟ والله [سنبيّن ذلك فيما يأتي].
