فن الدعاء | حـ #22 | أدعية القرآن الكريم جـ 2 | أ.د علي جمعة - فن الدعاء

فن الدعاء | حـ #22 | أدعية القرآن الكريم جـ 2 | أ.د علي جمعة

10 دقائق
  • لفهم فن الدعاء يجب الرجوع إلى القرآن الكريم والتدبر في أدعيته.
  • من أهم أدعية القرآن "ربنا تقبل منا" الذي يتضمن طلب قبول الأعمال، لأن بعض الناس يعملون أعمالاً تحبط بسبب غضب الله.
  • العلاقة مع الله تبدأ بـ "ربنا تقبل منا وتب علينا"، فالله يوفق من يتوب عليه ويخذل من لا يقبل توبته.
  • يُستحب سؤال الله المعونة والهداية للصراط المستقيم في الدعاء.
  • من آداب الدعاء الاعتراف بالضعف أمام الله: "لا تحملنا ما لا طاقة لنا به".
  • العفو يختلف عن الغفران، فالغفران عدم المحاسبة على الذنب، أما العفو فهو إزالة الآثام وترك الطاعات والثواب لنا.
  • "عفا" من الأضداد في اللغة تعني الإزالة التامة والترك التام.
  • يُختم الدعاء بالثناء على الله ومدحه وذكر صفاته، مما يحول السؤال إلى عبادة.
  • يجب التدبر في أدعية القرآن وتأملها لترقيق القلوب وزيادة استجابة الدعاء.
محتويات الفيديو(9 أقسام)

افتتاح الحلقة والترحيب بالمشاهدين في برنامج فن الدعاء

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

أيها الإخوة المشاهدون، أيها الأخوات المشاهدات في كل مكان، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلًا ومرحبًا بكم في هذا اللقاء المتجدد من فن الدعاء.

ضرورة الرجوع إلى القرآن الكريم لاستيعاب فن الدعاء وتدبر أدعيته

قلنا إنه إذا أردنا أن نستوعب فن الدعاء فيجب علينا أن نرجع إلى كتاب الله، نتدبره، نتأمله، نرى ما فيه من أدعية، ونغوص فيها في مراد الله منا.

فنجد دعاءً من أدعية القرآن:

﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّآ﴾ [البقرة: 127]

تقبل منا؛ إذن فالدعاء بقبول الأعمال [هو من أعظم الأدعية]، لأن:

﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِٱلْأَخْسَرِينَ أَعْمَـٰلًا * ٱلَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: 103-104]

أناسٌ القاعدة [عندهم] أن الحسنات يُذهبن السيئات، [لكن] هؤلاء أناسٌ يعملون أعمالًا، أولئك حبطت أعمالهم، يعني بالعكس: السيئات هي التي تؤدي بالحسنات وتذهب بها في حالتهم؛ غضبٌ من عند الله.

العلاقة بين العبد وربه تبدأ بطلب القبول والتوبة والمعونة

إذن، فالعلاقة بينك وبين الله تبدأ بـ:

﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّآ﴾ [البقرة: 127]

وتُب علينا.

﴿تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا

⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [التوبة: 118]

فالله عندما يأذن بالتوبة ويقبل التوبة يوفّق [العبد إليها]، ولو لم يقبل التوبة سيخذلك:

﴿سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ * وَأُمْلِى لَهُمْ إِنَّ كَيْدِى مَتِينٌ﴾ [الأعراف: 182-183]

فأول ما تسأل فيه ربك: اسأله التوبة.

ثانيًا:

﴿وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَٱعْفُ عَنَّا وَٱغْفِرْ لَنَا وَٱرْحَمْنَآ أَنتَ مَوْلَىٰنَا فَٱنصُرْنَا عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ [البقرة: 286]

سَلِ الله سبحانه وتعالى المعونة:

﴿ٱهْدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: 6]

فالمعونة تسجّلها [في دعائك]؛ لأن تكون دائمًا في دعائك حتى يكون قلبك معلقًا بالآخرة.

ترتيب الدعاء بطلب القبول والتوبة والعفو قبل حوائج الدنيا

إذا أردت شفاء ابنك أو نجاحه أو تقدمه، أو أن تستقيم حياته الأسرية مع زوجته ومع أبنائه، فأولًا:

  • ادعُ الله أن يقبل دعاءك.
  • ادعُ الله أن يتوب عليك.
  • ادعُ الله أن يصلح حالك.
  • ادعُ الله بالعفو وبالمغفرة.
  • وادعُ الله سبحانه وتعالى ألا يُدخلك في هذا الاختبار [الابتلاء].

كما كان سيدنا عيسى عليه السلام، فيما أورده الإمام الغزالي في كتابه [إحياء علوم الدين]، يقول: اللهم لا تُدخلنا في تجربة، يعني في امتحان، في ابتلاء.

الله من حقه أن يختبر عباده وأن يبتليهم، ولكننا ضعفاء؛ متى نلاقي الأهوال ننهزم، مُسلّمين بضعفنا. فإظهار الضعف لله من مهمات الدعاء.

الفرق بين العفو والغفران في الدعاء القرآني ومعنى كل منهما

﴿وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَٱعْفُ عَنَّا﴾ [البقرة: 286]

العفو غير الغفران؛ الغفران يكون في مقابلة ذنب، فإن الله يغفر فلا يحتسبه، يغفر فلا يحاسب عليه، يغفر فلا يرتب عليه عذابًا وعقابًا.

أما العفو فهو الترك التام.

ظاهرة الأضداد في اللغة العربية وتطبيقها على كلمة العفو

ذكرنا أن العفو معناه الترك التام أو الإزالة التامة. في المقابل، ولذلك هذا نوع من أنواع المصادر ومن أنواع الأفعال أيضًا في اللغة العربية يُسمّى بـالأضداد.

والأضداد معناها أن الكلمة الواحدة تعني شيئًا وتعني ضدّه؛ سمّت العرب المريض سليمًا، فأصبحت "سليم" من الأضداد لأنها تُطلق على الشخص المريض وتُطلق على الشخص الصحيح. فتُسمّى هذه الظاهرة في اللغة: كلمة واحدة نعني بها هذا ونعني هذا، معناها من الأضداد.

فـ"عفا" من الأضداد: عفت الديار يعني لم يبقَ لها أي أثر، أي أثر لم يعد. واعفوا اللحى يعني اتركوها فلا تحلقوها. فهناك فرق بين "عفا" التي بمعنى أزال، و"عفى" التي بمعنى ترك تركًا تامًا.

ماذا يعني عفو الله الذي نسأله في دعائنا من إزالة وترك

فماذا يعني عفو الله الذي نسأله في دعائنا؟

معناه أن يُزيل عنا الآثام والعقاب والمعاصي إزالة تامة، وأيضًا يترك لنا الطاعات ويترك لنا الثواب ويترك لنا الخير تركًا تامًا.

فهذا معنى "إنك عفوٌّ تحب العفو": تحب العفو من جهة إزالة الآثام والمغفرة، وتحب العفو من جهة العطاء. تحب هذا وتحب هذا.

فنحن نطلب منك الاثنين: الإزالة التامة لآثامنا، والترك التام لطاعاتنا والخير الذي يأتي منك يا رب العالمين.

وحينئذ يصح أن الحسنات يُذهبن السيئات إذهابًا تامًا، وأن لا يبقى معنا إلا الحسنات. العفو كلمة دقيقة لأنها تشمل الاتجاهين: السلبي والإيجابي، الإزالة والترك.

تعليم القرآن اشتمال الدعاء على الثناء والمديح لله سبحانه وتعالى

علّمنا القرآن أن نسأل الله سبحانه وتعالى:

﴿وَٱعْفُ عَنَّا وَٱغْفِرْ لَنَا وَٱرْحَمْنَآ أَنتَ مَوْلَىٰنَا﴾ [البقرة: 286]

ويأتي هنا الختام بالمديح، بمدح الله سبحانه وتعالى، الختام بالثناء على الله.

إذن، فاشتمال الدعاء على البسملة والحمدلة والثناء على الله والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم هو من نظم القرآن، من تعليم القرآن، من توجيه القرآن.

﴿وَتُبْ عَلَيْنَآ إِنَّكَ أَنتَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ﴾ [البقرة: 128]

أيضًا هو يعني أنه يطلب منه [سبحانه] ثم يصفه بصفاته العليا، كنوع من أنواع الدعاء الذي يحوّل السؤال إلى عبادة، والطلب الذي يحوّل السؤال والرجاء والخوف يحوّلها إلى عبادة.

دعوة لتدبر أدعية القرآن واستخراج الفرائد منها لترقيق القلوب

إذن هذا حال المتأمل في بعض أدعية القرآن. نريد منك أن تذهب إلى القرآن فتستخرج منه تلك الأدعية، وتستخرج منه هذه الفرائد، وتتأمل:

﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْءَانَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ ٱخْتِلَـٰفًا كَثِيرًا﴾ [النساء: 82]

نريد التدبر والتأمل والتعلم من آيات الله سبحانه وتعالى؛ لأن هذا سوف يُرقّق القلوب، وسوف يجعل الإنسان أكثر استجابة للدعاء.

إلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.