فن الدعاء | حـ #28 | التوسل بسيد الخلق جـ1 | أ.د علي جمعة - سيدنا محمد, فن الدعاء

فن الدعاء | حـ #28 | التوسل بسيد الخلق جـ1 | أ.د علي جمعة

10 دقائق
  • ترك الرسول صلى الله عليه وسلم المحجة البيضاء المتمثلة في كتاب الله وسنته وأهل بيته الأطهار.
  • التزم المصريون منذ الفتح الإسلامي بهذه المحجة، فحفظوا القرآن وأتقنوا تلاوته حتى صاروا مرجعاً عالمياً في القراءات وعلوم القرآن.
  • عاش المسلمون وفق هذا المنهج في حياتهم اليومية، فأثر في أمثالهم وكلامهم وفنونهم وعمارتهم.
  • ظهرت طائفة تضعف الأحاديث النبوية وتتركها وراء ظهرها، متبعة الهوى لا ما جاء به النبي.
  • أمر الله تعالى بالتوسل في قوله: "يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة".
  • ثبت في السنة توسل النبي صلى الله عليه وسلم عندما دفن فاطمة بنت أسد بقوله: "اللهم إني أسألك بحقي وحق النبيين من قبلي".
  • التوسل بالنبي المصطفى جائز استناداً للكتاب والسنة، رغم تشكيك البعض في ذلك.
محتويات الفيديو(13 أقسام)

افتتاح الحلقة والترحيب بالمشاهدين في برنامج فن الدعاء

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

أيها الإخوة المشاهدون والأخوات المشاهدات في كل مكان، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلًا ومرحبًا بكم في هذا اللقاء المتجدد من فن الدعاء.

المحجة البيضاء التي تركنا عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم

الحمد لله، ترك لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أسميه بالمحجة البيضاء التي ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك. تركنا على كتاب الله وعلى سنة رسول الله وعلى أهل بيته الأطهار.

﴿قُل لَّآ أَسْـَٔلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا ٱلْمَوَدَّةَ فِى ٱلْقُرْبَىٰ﴾ [الشورى: 23]

وصار أهل مصر بتوفيق الله وبحمد الله منذ الفتح الأول على هذا المنوال، على المحجة البيضاء.

فضل أهل مصر في حفظ القرآن الكريم وتلاوته عبر القرون

أحبوا كتاب الله، قرأوه آناء الليل وأطراف النهار، حفظه المصريون، وإلى يومنا هذا قُرئ القرآن، وإن كان قد نزل في الحجاز على قلب المصطفى صلى الله عليه وسلم، إنما قُرئ وحُفظت تلاوته في مصر.

حتى صار المصريون حجة ومرجعًا في العالم كله لهذه التلاوة الكريمة الشريفة لكتاب ربنا سبحانه وتعالى. حفظوه على مستوى الأداء وليس على مستوى الحرف فقط، بل على مستوى الأداء في علوم متتالية؛ بعضها علوم أصلية وبعضها علوم مساعدة، إلا أنهم حفظوا كتاب الله وكان لهم فضل في أن صاروا من أهل القرآن.

حفظ أهل مصر للسنة النبوية والتزامهم بمنهج أهل السنة والجماعة

هذا كتاب الله، وحفظوا سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وتعمقوا فيها غاية التعمق. وحفظوا ما منَّ الله به على أهل السنة والجماعة عبر القرون من إعلاء ما كانت عليه الصحابة الكرام.

ومن تلك المحجة البيضاء التي ليلها كنهارها والتي لا يزيغ عنها إلا هالك.

ظهور طائفة تقف عند النص بعقولها دون إدراك لفهم المسلمين

ظهر أناسٌ يريدون أن يقفوا عند النص بعقولهم؛ من غير إدراك للغة، من غير إدراك لما فهمه المسلمون، من غير إدراك للمعاني الكبرى التي عاشها المسلمون.

وحولوا المحجة البيضاء التي تركنا عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى برنامج عمل يومي، حتى أثر هذا [التحويل] في أمثلتهم، وأثر هذا في كلامهم، وأثر هذا في اختياراتهم وفي فنونهم وآدابهم وعمارتهم.

تحول المحجة البيضاء إلى برنامج حياتي يحب الحياة لا الدنيا

لقد عاشوا البرنامج الذي بُني والذي تحولت المحجة البيضاء إليه، وهو برنامج حياتي معيشي؛ أحب الحياة ولم يحب الدنيا، وإنما أحب الحياة. أحب الحياة لأن الله أمرنا أن نحبها.

الحاصل أن المصريين قد التزموا بهذا الحال، وشاع هذا في جميع المسلمين في الشرق والغرب.

ظهور طائفة تضعف الأحاديث وتتبع الهوى بدلاً من السنة النبوية

إلى أن ظهرت طائفة لها رأي آخر؛ كلما وجدت حديثًا مرويًا عن رسول الله تضعفه، ثم بعد تضعيفه تلقي به وراء ظهرها، حتى يصبح الأمر تبعًا لهواهم وليس تبعًا لما جاء به المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم.

أقدم كل هذه المقدمة وأقول كل هذا الكلام لأن ما سنذكره شديد وشائع في أوساط كثير من المسلمين، وإلى الله المشتكى.

الحمد لله على نعمة العلم بالقرآن والسنة واللغة وآراء الأئمة

الحمد لله الذي علمنا العلم، علمنا القرآن وعلّمنا السنة وعلّمنا اللغة التي نزل بها القرآن وصدرت بها السنة المشرفة، وهدانا إلى سواء السبيل.

هدانا إلى آراء الأئمة الأتقياء الأنقياء المفكرين الذين كانوا يصومون النهار ويقومون الليل. الحمد لله الذي جعلنا وسطًا في الإسلام كما كان الإسلام وسطًا، وفي قمة الوساطة والشهادة في العالمين.

﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَـٰكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: 143]

حكم التوسل بالنبي في الدعاء والدليل من الكتاب والسنة

المسألة أن كثيرًا من الناس تسأل:

هل التوسل بسيد الخلق صلى الله عليه وآله وسلم في دعائنا إلى ربنا جائز؟

وإذا ما سُئلنا سؤالًا في الشريعة رجعنا إلى الكتاب ورجعنا إلى السنة المشرفة. فنجد في الكتاب:

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا ٱتَّقُوا ٱللَّهَ وَٱبْتَغُوٓا إِلَيْهِ ٱلْوَسِيلَةَ﴾ [المائدة: 35]

فأمرنا الله سبحانه وتعالى أن نبتغي إليه سُلَّمًا نصل به في الترقي إليه في طريق الله سبحانه وتعالى.

قصة نشأة النبي في بيت عمه أبي طالب وفضل فاطمة بنت أسد

ونجد في سنة نبينا أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم تربى في بيت عمه أبي طالب، فلما شب علي [بن أبي طالب] وصار فتىً ضمه النبي إليه؛ حتى يرد الجميل الذي فعله أبو طالب وفعلته زوجته فاطمة بنت أسد رضي الله تعالى عنها وأرضاها.

عندما كان النبي مقيمًا مع عمه وقبل أن يستقل عنه سيدنا الرسول صلى الله عليه وسلم. فاطمة أم علي وهي من كان يسميها رسول الله صلى الله عليه وسلم «أمي بعد أمي»، يعني هي أمي الثانية.

وفاة فاطمة بنت أسد ودعاء النبي لها عند رأسها وأمره بحفر اللحد

رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تموت السيدة فاطمة بنت أسد في المدينة على الإسلام. فقبل أن تموت أو بعد أن ماتت دخل عليها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وجلس عند رأسها وأخذ يدعو لها:

«اللهم اغفر لأمي فاطمة، اللهم اغفر لأمي فاطمة»

ويذهب ويأمر عمر [بن الخطاب] ويأمر غلامًا أسود ويأمر معهم مجموعة أن يحفروا لها لحدًا. ذهبت الجماعة لتحفر اللحد لأم سيدنا علي.

فضل فاطمة بنت أسد ومكانتها عند النبي وثناؤه عليها بعد وفاتها

فهي إذن حماة السيدة فاطمة عليها السلام، وهي يحبها النبي لأنها أمه التي ربته. يقول لها بعد وفاتها:

«جُعتِ لتُطعميني، وعَرِيتِ لتَكسيني، وظمئتِ لتَرويني»

فالنبي صلى الله عليه وآله وسلم يريد أن يرد هذا الجميل، يرده إلى هذه السيدة الفاضلة؛ إلى أم الإمام الفارس المغوار، زوج السيدة فاطمة، أصل أهل البيت رضي الله تعالى عنه.

توسل النبي بحقه وحق النبيين عند دفن فاطمة بنت أسد دليل على جواز التوسل

فعندما ينزلها القبر بيده الشريفة ويدفنها بيده الشريفة يقول:

«اللهم إني أسألك بحقي وحق النبيين من قبلي، اغفر لأمي فاطمة»

بعد هذا [الدليل الصريح] يتشككون في التوسل بالنبي المصطفى والحبيب المجتبى؟! بعد أن رجعنا إلى الكتاب فوجدناه [دليل التوسل]، وبعد أن رجعنا إلى السنة فوجدناه [دليل التوسل].

سنخصص حلقة أخرى لمزيد من الأدلة؛ لأن الأمر قد استفحل ونطق البغي. إلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.