لا إكراه | أ.د علي جمعة | مع ناجي الفتلاوي | قناة العراقية - لقاءات

لا إكراه | أ.د علي جمعة | مع ناجي الفتلاوي | قناة العراقية

50 دقيقة
  • استضاف برنامج "لا إكراه" الدكتور علي جمعة مفتي مصر الأسبق لمناقشة موقف الإسلام من العولمة وتأثيرها على الهوية الإسلامية.
  • العولمة ظاهرة نشأت في القرن التاسع عشر وتطورت عبر اختراعات غيرت وسائل الاتصال والتواصل حتى أصبحت تلغي الزمان والمكان والحدود.
  • أوضح الدكتور جمعة أن مواجهة تحديات العولمة تتطلب نظاماً تعليمياً متكاملاً يجمع بين تربية القيم وتعليم المعلومات وتنمية المهارات.
  • اقترح نموذجاً معرفياً إسلامياً (براديم) يستطيع أن يجيب عن الأسئلة الوجودية الكبرى التي تشغل الأجيال الجديدة.
  • للتعامل مع العولمة، يمكن الاستفادة من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم في نماذجها الأربعة: مكة، والحبشة، والمدينة أولاً، والمدينة ثانياً.
  • أكد أن مواجهة العولمة مسؤولية جماعية تقع على الحكومات والشعوب والإعلام والعمل المدني والأسرة والمساجد.
  • المسلم المعاصر مطالب باتباع النبي بوعي جديد يتناسب مع تحديات العصر.
محتويات الفيديو(56 أقسام)

مقدمة برنامج لا إكراه والتعريف بضيف الحلقة الدكتور علي جمعة

[المذيع]: السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته، حيّاكم الله أحبتي المشاهدين إلى حلقة جديدة من برنامجكم الأسبوعي لا إكراه. هذه الحلقة تُسجَّل بامتيازين: امتياز المكان وامتياز الضيف.

أما المكان فهي جمهورية مصر العربية بأصالتها وعراقتها، وأما امتياز الضيف فنحن نسجل حوارًا مع شخصية علمائية فكرية لا تخفى على أحد من المسلمين، شغل منصب مفتي الديار المصرية للفترة منذ عام ألفين وثلاثة إلى عام ألفين وثلاثة عشر، وهو شيخ الطريقة الصديقية الشاذلية، له عشرات المؤلفات المطبوعة وله عشرات المقالات والبحوث المنشورة، فضلًا عن حزمة كبيرة من الأنشطة الإعلامية المرئية.

طرح محور العولمة وتأثيرها على الإسلام والهوية الثقافية الإسلامية

نحاول في هذه الساعة أيها الأحباء أن نناقش معه محورًا في غاية الأهمية: هذه العولمة الضاربة اليوم في الكرة الأرضية فكريًا واقتصاديًا وإعلاميًا وثقافيًا واجتماعيًا.

كيف نستطيع أن نتعاطى معها من وجهة نظر إسلامية؟ ما موقف الإسلام من هذه العولمة؟ المسلمون هل تأثروا بها؟ هل تأثرت بها الهوية الثقافية الإسلامية وصمودها؟ وكيف يرى سماحة المفتي الأسبق مستقبل العلاقة بين الإسلام وبين هذه العولمة؟

بدءًا أرحب بسماحة الشيخ العلامة الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية الأسبق، أهلًا ومرحبًا بك في قناة العراقية شبكة الإعلام العراقي.

ترحيب الشيخ علي جمعة وتحيات مصر للعراق والدعاء بالخير

[الشيخ]: أهلًا ومرحبًا بكم، وتحيات جمهورية مصر العربية للجمهورية العراقية حكومةً وشعبًا، والأخوة متصلة في العروبة وفي الإسلام وفي الآمال والآلام المشتركة، وفي دعائنا لله سبحانه وتعالى أن يعمر بنا الأرض وأن نتجاوز كل ما يحيط بنا من مشكلات وعقبات إلى ما هو في خير البلاد والعباد.

مرحبًا بك بصورة شخصية في بيتنا وفي بلدنا وفي عاصمتنا وفي جمهوريتنا، فأهلًا وسهلًا، يعني حللت أهلًا ووطئت سهلًا، فأهلًا وسهلًا، حيّاك الله.

[المذيع]: شكرًا لكرم الضيافة سماحة الشيخ.

سؤال المذيع عن موقف الإسلام من العولمة وتعريفها من وجهة نظر الشيخ

[المذيع]: كما تعلمون هذه العولمة الآن باتت ضاربة، لها مستويات عدة. نحن الآن نعيش، لسنا في زمن قديم يعتمد على ما هو مكتوب وتقنيات قديمة، الآن بتنا نعيش زمن المواطن الرقمي، بل تعدى الأمر إلى ذلك، نعيش زمن القبائل الرقمية الافتراضية شئنا أم أبينا.

لا نريد أن نبحث عن جذور هذه العولمة وكيف بدأت، ولكن ما يهمنا في هذا الحوار: هذه العولمة الضاربة التي جعلت المسافات تنحسر والحدود تتلاشى عبر هذا الواقع الافتراضي، لها تأثيراتها على الأديان ومنها الدين الإسلامي. بدءًا ما موقف الإسلام من العولمة؟ أو قبل ذلك، ما العولمة من وجهة نظرك؟ تفضل.

[الشيخ]: لنبدأ لقاءنا الطيب هذا الذي نرجو الله أن يجعله في ميزان حسناتنا جميعًا يوم القيامة، أنت ومشاهدوك الكرام ومن يطّلع عليه. بسم الله الرحمن الرحيم.

جذور العولمة وبداية القرن التاسع عشر الحقيقية عام ألف وثمانمائة وثلاثين

العولمة قد تكون إطلالة سريعة لجذورها تفيد في كيفية الحل تمامًا والمواجهة لها، يعني ليس هذا سردًا تاريخيًا بقدر ما هو تعمق في العلة التي يحياها العصر الحديث حتى تساعدنا في فهم أعمق نستطيع به أن نصل إلى حلول، مقترحات، تهيئة، أو تمهيد ما شئت.

فأنا أرى كما يرى بعض علماء الحضارة أن القرن ليس بالضرورة أن يكون مائة عام، بل قد يكون أقل أو أكثر، وأن هناك علامات تُعَدُّ أول قرن جديد عندما تكون هذه العلامة أو هذا الحدث أو تلك الواقعة لها تأثير ذو معنى في حياة الإنسان.

طيب، وأرى أن القرن التاسع عشر بدأ سنة ألف وثمانمائة وثلاثين وليس سنة ألف وثمانمائة كما هو مسجل في الجغرافيا ومسجل في نتائج الروزنامة.

دخول الحديد إلى السفن البريطانية وبداية عصر الاستعمار ونهب ثروات المسلمين

المعيار في تلك الأحداث [أن] في سنة ألف وثمانمائة وثلاثين استطاعت بريطانيا أن تُدخل الحديد إلى السفينة، ولما دخل الحديد إلى السفينة عامت السفن لكنها أصبحت أقوى وأصبحت مقاومة للبارود وللمدفعية، واستطاعت إنجلترا بهذا أن تغزو العالم.

حسنًا، وندخل في دور من أدوار الاستعمار المرير، سُرِقت فيه ونُهِبت مقدراتنا وثرواتنا من محور طنجة جاكرتا وغانا فيرغانا، المحور الذي أغلبه المسلمون.

إلغاء محاكم التفتيش وبداية حقوق الإنسان وتحرير العبيد

نعم، في ألف وثمانمائة وثلاثين حدث شيء آخر كعلامة تنبئ أن عصرًا جديدًا قد دخل، وهو إلغاء محاكم التفتيش. محاكم التفتيش بدأت مع توماس أكوينوس واعتبروها أنها جزء من العقيدة المسيحية الكاثوليكية، لكنها انتهت ألف وثمانمائة وثلاثين لإعلان جديد وتوجّه بعد الثورة الفرنسية بهذه الأعوام الكثيرة.

وبدأت قضية حقوق الإنسان تتبلور، التي أدت في النهاية إلى تحرير العبيد في ألف ثمانمائة اثنين وخمسين على يد إبراهام لنكولن إلى آخره.

في هذه السنة ألف ثمانمائة وثلاثين توفيت آخر امرأة من السكان الأصليين في تسمانيا في أستراليا، وهؤلاء الناس تعرضوا لنوع كبير من الإبادة كما تعرض الهنود الحمر في القارتين الأمريكيتين.

التغيرات الديموغرافية والسياسية والاختراعات الحديثة التي أدت إلى العولمة

هناك جديد يحدث في العالم، استعمار وانتهاء للتعذيب البدني والجسدي والعقوبة البدنية، ابتداءً لمناداة حقوق الإنسان ولمبادئ الثورة الفرنسية. بدأت تغيرات ديموغرافية وسياسية في العالم، وظلت البشرية تكتشف وتخترع مجموعة من المخترعات تتعلق بتغير جذري في الاتصالات والمواصلات والتقنيات الحديثة.

[المذيع]: طيب، لو سمحت لي سماحة الشيخ.

[الشيخ]: حسنًا.

[المذيع]: أنا أشكرك على هذه المقدمة التي تنفع الكثير من الباحثين الذين يعملون في هذا المنبر.

[الشيخ]: أبدًا، لن تنفع كثيرًا من الباحثين، ستنفعنا نحن. حضرتك بحلول ثمانمائة وثلاثين إلى ألف وتسعمائة وثلاثين استطعنا أن نصنع الطائرة والسيارة والقطار.

الاختراعات التقنية وإلغاء الزمان والمكان ودخول عصر العولمة

نعم، استطعنا أن نصنع الهاتف والإنترنت والحاسوب، استطعنا أن نصنع التلفاز والفيديو وآلة التصوير، وهكذا وانتشر هذا في الأرض.

فأصبحت هناك إلغاء كما تقول حضرتك للزمان، وأصبح هناك إلغاء للمكان، وأصبح هناك إلغاء للأحوال والأشخاص، ومن هنا دخلنا في العولمة.

تعليق المذيع على جذور العولمة وتحولها من اقتصادية إلى ثقافية تؤثر على الدين والقيم

[المذيع]: جيد، يعني أكمل التعليق الذي أردت أن أوضحه لجنابكم. أعني بلحاظ هذه المقدمة التي تحتوي على سرد تاريخي مكثف، لذلك قلت إنها تناسب الباحثين. فجذور العولمة بدأت اقتصاديًا ثم سياسيًا.

ولكن ما يُخشى منه الآن ونحن أبناء هذه اللحظة، نحن في العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين، أن العولمة لم تعد اقتصادية ولم تعد سياسية، إنما هي عولمة ثقافية تؤثر على الدين والقيم والمبادئ وما إلى ذلك.

بالتالي الآن، يعني ربما لدي فضول ممدوح بعد هذه المقدمة التي ذكرتها، مفتٍ وعالم ولك حضورك، حضرتك.

نظرة الإسلام إلى العولمة باعتبارها خلقاً من خلق الله وخطة النبي في التعامل معها

[الشيخ]: نعم، ما هو السؤال؟

[المذيع]: السؤال يتعلق بالإسلام بهذا اللحاظ، نعم، كيف ينظر [الإسلام] إلى هذه العولمة؟

[الشيخ]: ينظر إلى هذه العولمة على أنها خلق من خلق الله، ولكن المسلم يستطيع أن يتعامل مع كل ما تتخيله وما لا تتخيله من مواقف.

ولذلك هذا من باب الفرض أم من باب الواقع؟ الواقع ليس بباب لأي شيء، ولكن قد يُعجب كل إنسان برأيه. والنبي صلى الله عليه وسلم رسم لنا خطة كبيرة في كيفية التعامل تتعلق بقدراته وإمكانياته، وتتعلق برؤيته، وتتعلق أيضًا بواقع الناس.

تراكم الاختراعات من الهاتف المحمول إلى الإنترنت وتغيير حياة الإنسان

من ألف وتسعمائة وثلاثين إلى اليوم، إلى ألفين وثلاثين، لم نصنع شيئًا وإنما ركبنا ما استطعناه في هذه المائة سنة الأولى، ركبناها فوق بعضها حتى وصلنا إلى الهاتف المحمول.

والهاتف المحمول فيه الإنترنت وفيه جوجل وفيه فيسبوك وفيه واتساب، وفيه ما غيَّر حياة الإنسان مرة أخرى وألغى الحواجز.

سؤال المذيع عن حضور الإسلام كمنهج في مواجهة العولمة التي تذوّب القيم

[المذيع]: ولكني أريد أن أنتقل بهذا المسلم من الإسلام الظاهري إلى الإسلام بوصفه منهجًا. فبالتالي الآن عندما قلتُ واقعيًا، هذا السؤال كان له بوصلة. بالتالي الإسلام في واقع حياتنا اليوم ما هو حضوره وكيف يستطيع أن يكون، خاصةً أمام هذه العولمة التي تريد تذويب منظومة القيم؟

[الشيخ]: ذلك بالنظام التربوي. هناك ما يسمى بالتعليم، والتعليم ينقسم إلى ثلاثة أجزاء:

  1. تعليم للقيم ويسمى بالتربية (Education).
  2. تعليم للمعلومات ويُسمى بالتعليم (Learning).
  3. تنمية المهارات ويُسمونها تدريب (Training).

فنحن لدينا ثلاثة أشياء: لا بد من تربية القيم، ولا بد من تربية المفاهيم، ولا بد من تربية المهارات.

نظام التعليم كمدخل أساسي للمسلمين في التعامل مع العولمة والقصور المنهجي فيه

نظام التعليم هو المدخل الأساسي للمسلمين من أجل أن يكونوا قادرين على التعامل مع هذه الحالة من العولمة.

[المذيع]: حسنًا، هذا الكلام جميل ولكنه ليس بجديد. نحن ندعو إلى وجود نظام تعليمي نستطيع أن نضبط من خلاله، لكن العلة تكمن في كيفية صياغة هذا النظام التعليمي الذي يكون له أثر إجرائي.

وهذا الأثر الإجرائي موجود في حياتنا يتأثر به الناس، بأن اليوم كما قلتُ الآن عندما وصلنا إلى هذا المحمول، إلى هذا الفضاح الكبير الذي دخل ووصل حتى إلى أسرة النوم إن صح التعبير. حتى هنا الآن أنا أسأل: هل يوجد لدينا قصور منهجي في بناء منظومة التعليم التي يجب أن نتعكز عليها حتى تكون خط صد أمام هذه العولمة المتوحشة؟

القصور الشديد في التعليم مسؤولية الأمة بأكملها وليس الأفراد

[الشيخ]: نعم، عندنا قصور شديد، وهذا القصور الشديد ليس من مهمة الأفراد بل هو من مهمة الأمة. بمعنى أنه:

  • تكليف على الحكومات.
  • تكليف على الشعوب.
  • تكليف على أهل الإعلام أن يشيعوا ثقافة سائدة تؤيد هذا.
  • تكليف على العمل المدني والأهلي.
  • تكليف على الأسرة.
  • تكليف على جماعة المسجد.
  • تكليف على الأمة.

هذا التكليف الذي على الأمة، نحن عندنا الآن كَمّ وليس عندنا الكيف، عندنا كَمّ خالٍ من الكيف.

حديث غثاء كغثاء السيل وتحقق النبوءة النبوية في واقع المسلمين اليوم

وهذا الذي أخبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم على الواقع:

قال النبي ﷺ: «غثاء كغثاء السيل. قالوا: أمِن قلةٍ نحن يا رسول الله؟ قال: لا، أنتم يومئذٍ كثير ولكن غثاء كغثاء السيل، ينزع الله من قلوبكم المهابة، وينزع الله من قلوب عدوكم الرهبة منكم المهابة، ويلقي في قلوبكم حب الدنيا وكراهية الموت»

نعم، يبقى إذن هذا إخبار نبوي عما سيحدث، وقد وصلنا إليه فعلًا، ووصلنا إليه في هذا العصر بعلامات لا تتخلف. كل ما أخبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم من علامات قد حدثت، مما يجعلنا متأكدين أننا قد وصلنا إلى هذه الحالة التي فضلنا فيها الكمَّ على الكيف.

المسلمون أصبحوا الديانة الأولى عدداً لكنهم غثاء كغثاء السيل

فنحن كنا ثاني أو ثالث ديانة منذ ثلاثين سنة، في ألف وتسعمائة وتسعين طبقًا للإحصاءات كنا ثالث ديانة وكانت الكاثوليك أكثر الديانات، إلى أن أصبحنا الديانة رقم واحد في عدد السكان.

ولكننا غثاءٌ كغثاء السيل؛ لأننا لا نعرف كيف نسيطر على هذا التطور أو نتعامل معه أو نؤدي ما فيه أو نستغله من حيث المعنى.

[المذيع]: كلامك هذا الجميل يتماهى مع الاستفهام الكبير الذي أطلقه في بداية القرن العشرين الأمير شكيب أرسلان: لماذا تخلف المسلمون وتقدم غيرهم؟ يبدو أننا نستنسل هذا السؤال.

سؤال المذيع عن دور الصف العلمائي في إيجاد مصدات للعولمة وتجديد الدين

ما زال في قلبي شيء أو في ذهني شيء حول المنهج. بالتالي الأفراد ينظرون إلى الصف العلمائي، فإذا فسد العالم فعلى العالم أن يُظهر علمه. وبالتالي أنا لدي هذا المسلم البسيط الذي تهشمت الحواجز أمامه، وبالتالي بات يتصفح ويقرأ في الإلحاد ويقرأ في التفسير ويقرأ في التأويل ويقرأ في كافة النظريات.

نعم، أنا أسأل هنا: الصف العلمائي الآن الذي يمثل الدين الإسلامي، نعم، ما دوره الحقيقي في إيجاد مصدات لهذه العولمة حتى لا ينقاد هذا المسلم الذي بات يلبس زيًا وربما هو يخرج على زي تجديد الدين؟

[الشيخ]: تأكيد، تجديد الدين. نعم، تجديد الدين هذا ليس تجديدًا لثوابت الدين، وإنما هو له معنى.

معنى تجديد الدين في حديث النبي وأمثلة من الإمام الشافعي والغزالي والسيوطي

طيب، ما معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم:

قال النبي ﷺ: «يبعث الله على رأس كل مائة عام من يجدد لأمتي أمر دينها»

رأينا هذا الكلام مع الإمام الشافعي عندما اخترع أصول الفقه فغيّر وجه الأرض. رأيناه مع الإمام الغزالي المتوفى سنة خمسمائة وخمسة حيثما ألّف كتاب إحياء علوم الدين. رأيناه بعد ذلك مع الإمام السيوطي حيث أنه جمع كل ما هو موجود من التراث ونظمه وعرضه.

نجد أن كل عصر له مقتضياته التي تستوجب التجديد، فنحن نحتاج إلى تجديد أمر هذا الدين في هذا العالم المتسارع التطور، المتسرع التدهور، المتشابك والمتراكب في كل شيء.

الأعمدة الخمسة لتجديد الدين والمنهجية كعمود أول والفرق بين المنهجية والمنهج

كيف نجدد الدين؟ على خمسة أنحاء أو بخمسة أركان أو على خمسة أعمدة:

الأول هو المنهجية. جميل، والمنهجية هذه يسمونها في الإنجليزية (Methodology) بخلاف المنهج (Method). هناك فرق كبير بين الـ(Methodology) والـ(Method)؛ أما الـ(Methodology) فهو كأنه عمق التفكير المستقيم.

نريد أن ندرس هذا الأمر بصورة تتواءم مع مقتضيات العصر. هل وضعنا برامج لهذا؟ نعم موضوعة، ولكن أكثر الناس لا يقرؤون. هل هناك أفكار متتالية استطعنا أن نصل إليها؟ نعم، وألّفت فيها الكتب ولكن الناس لا تقرأ.

هناك فرق بين إنشاء الفكرة وبين تكرار الفكرة وبين نشر الفكرة وبين تطبيق الفكرة.

دور العلماء في مواجهة العولمة والأعمدة الخمسة من المنهجية إلى النموذج المعرفي

أما من ناحية ما هو دور العلماء فقد قاموا به أحسن قيام، ويوجد الآن ما يرد على دقائق كلامك في كل الأحوال سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا ودينيًا مع هذه العولمة وهذا الحال.

فحضرتك المنهجية هي أولًا، وبعد ذلك المعرفية (الإبستمولوجيا)، وبعد ذلك ما يسمى بالنموذج المعرفي (البراديم).

نحن نريد صياغة نموذج معرفي نستطيع به أن يفهمه الغربي والشرقي والمعاصر، نريد أن يفهمه هذا الشاب من جيل زد. وجيل زد هذا هو الجيل الذي ولد بعد سنة ألفين وخمسة، يسمونهم مصنفون في الإنترنت وفي العالم كله جيل Z.

خصائص جيل زد وتحدي الوصول إليه بالعقيدة والفقه والنموذج المعرفي الإسلامي

هذا الجيل له خصائص معينة، استطاع الإنترنت أن يجتذبه وأن يسيطر على عقله وأن يسطح فكره وأن يفعل أشياء كثيرة جدًا. كيف أصل إلى هذا حتى أتحدث في عقيدة أو فقه أو أحكام؟ أو أتحدث عن شريعة، أتحدث عن إسلام أو عن دين.

هذا نسميه بالنموذج المعرفي، والنموذج المعرفي هذا له كلمة في المقابل إذا أردنا أن نبحث في أصولها وما معناها حتى نفهمها، مستعدون، اسمها البراديم.

فالنمرة أربعة: موقف من التراث. نحن معنا تراث فيه كنوز، لكن هذا التراث زمني متصل بزمنه وليس متجاوزًا لأزمانه.

الموقف من التراث الإسلامي بين المسائل والمناهج والعلاقة بالثابت والمتغير

فنريد أن ندخل هذا التراث فنفهمه ونتعمق حتى نصل إلى منهجه، ونأتي بهذا المنهج من أجل أن ننشره مرة أخرى بصورة عصرية تتواءم مع هذه الحالة المحيطة.

فموقفنا من التراث أن له مسائل وله مناهج، نأخذ مناهجه ولا نقف عند مسائله. وهذا له علاقة بالثابت والمتغير وما هذه العلاقة وكيف تُضبط، ومكتوب فيها بالتفصيل.

جرَّبنا هذا المنهج فنجح نجاحًا باهرًا، واستطعنا به أن نصل إلى أن الإنسان ليست بينه وبين العصر الذي يعيش فيه مشاكل، وبينه وبين الحياة بهجة وقبول. وألَّفنا في هذا كتاب فقه حب الحياة.

مداخلة المذيع حول التراث والبراديم وصراع النماذج الإنسانية مع العولمة الغربية

[المذيع]: طيب، جميل سماحة الشيخ. هذه الإجابة مغرية صراحةً، هذه المرتكزات التي ذكرتها، ربما سأقف عند مرتكزين في نفسي منهما شيء، تفضل.

المرتكز الأول فيما يخص التراث، والمرتكز الثاني فيما يخص البراديغم. عندما نتحدث عن النماذج، أنت تتماهى بهذا العرض والمرتكز مع نظرية الثيموس الأفلاطونية، وهي صراع النماذج الإنسانية.

ما يحصل من تسويق لعولمة هي ليست ابنة الحضارة الإسلامية بل هي ابنة الحضارة الغربية شئنا أم أبينا، وبالتالي هي إرادة هيمنة الخصوصية على العالمين. إذن هذا هو صراع نماذج إنسانية.

سؤال المذيع عن مساهمة الإسلام في تهذيب العولمة وربط المسلم بفقه الحياة

وبالتالي هذه النماذج التي يُراد لها أن تُفرض من قِبَل العولمة لها أدواتها ولها حيثياتها ولها مناهجها. اليوم نحن عندما ننظر إلى المنظومة الإسلامية والعربية ونريد أن نعرف خارطة طريق التعامل مع هذه العولمة.

وسؤالي هنا: ما هي مساهمة الإسلام في تهذيب هذه العولمة؟ كيف نستطيع أن نجعل هذا المسلم الذي نريد أن نربطه بفقه الحياة الذي تحدثت عنه بشكل صحيح، حتى لا يغادرنا عبر المواقع الافتراضية فيكون ملحدًا دون أن يدري؟ تفضل.

[الشيخ]: البراديم فيه إجابة على كل ما تقوله. هذا النموذج الفكري معناه أنه مكون من ثلاثين نقطة، وفي هذه الثلاثين نقطة توجد الأسئلة التي سُميت في الفلسفة وإلى يومنا هذا بالأسئلة الكبرى.

الأسئلة الوجودية الكبرى وإجابات الإسلام الواضحة عليها للشباب والأطفال

والغرب يسمونها الأسئلة النهائية، ونحن نسميها الأسئلة العظمى أو الكبرى: من أين نحن؟ ماذا نفعل هنا؟ ماذا سيكون غدًا؟ هذه أسئلة يسمونها بالأسئلة الوجودية.

وهذه الأسئلة الوجودية ما زالت تشغل بال الشباب إلى يومنا هذا وبال الأطفال. وقد أتينا بعينات من هؤلاء الأطفال في عصرنا هذا في السنة الماضية حتى نتعمق في أذهانهم: ماذا يريدون؟ ما الذي يقلقهم؟ ما هذا الحال بين الحياة وبين الدين؟

ما زالت تلك الأسئلة وعددها ثلاثون سؤالًا، ولنا عندها إجابة واضحة لا يختلف فيها اثنان ولا يتناطح فيها كبشان.

النموذج الإسلامي لا يشتغل بالرد على النماذج الأخرى بل يعرض ذاته بوضوح

هذه أن منظومة النموذجية هي أيضًا ليست منبثقة ولا تشغل بالها بالنماذج الأخرى التي تواجهها. يعني عندما يأتي الغرب بنموذج معين، هذا النموذج المعين أنا لا أشتغل بالرد عليه ولا أشتغل بالهجوم عليه.

لكنني أشتغل ببيان نموذجي أنا، وهذا العرض للنموذج الذي أحمله يخاطب الإنسان ويحاول أن يعرض عليه ألا يتشيأ وأن يصير شيئًا.

مداخلة المذيع حول التعامل مع العولمة دون الانشغال بالرد عليها أو هدمها

[المذيع]: طيب، مداخلة لا بد منها في هذا المورد سماحة الشيخ. يعني هذه العولمة لا دخل لنا بها، لدينا أنموذجنا، وبالتالي يأتي شخص يتعلم ويتعامل معها.

[الشيخ]: يتعامل معها، يتعامل معها، لكنه لا يشغل باله كثيرًا في الرد عليها ولا يشغل باله كثيرًا في محاولة هدمها أو الهروب منها.

[المذيع]: حسنًا، حتى نعرف قدرة هذا المنهج في التعامل إن كان صائبًا أو غير صائب، ربما يسأل شخص قائلًا: نحن الآن لدينا دولة أتباع ودولة طرف ودولة مركز.

هل المنظومة الإسلامية دولة مركز أم دولة توابع والفرق بين الانضباع والتأصيل

بالتالي المنظومة الإسلامية في العالم هل نستطيع أن نعتبرها دولة مركز أم دولة توابع؟ فإذا كنا دولة توابع أو دول توابع، هذا يعني أن أنموذجنا في التعاطي مع العولمة هو نموذج بحاجة إلى إعادة نظر. والواقع يشير إلى أننا توابع شئنا أم أبينا.

[الشيخ]: لا لا، شئنا أم أبينا هذا تكرار لما يقوله الغرب؛ لأن هناك فارق ما بين الانضباع وما بين التأصيل.

الانضباع يأتي من كلمة ضبع، والضبع هذا حيوان معروف، لكنه يفعل شيئًا عجيبًا وهو أنه يسيطر على ضحيته، وقيل أنه يركب فوق كتفيه ويبول عليه فيخدره، ويسير فيسير وراءه ضحية حتى لا تكون هناك مشكلات لوجستية أو مشكلات في نقل الفريسة، ويفترسها عند بيته.

معنى الانضباع والسير في طريق الهلاك دون وعي وضرورة بناء نموذج معرفي إسلامي

فسَمّوا كلمة انضباع، انضباع معناها أنني أسير في مهلكي وفي طريق مهلكي دون أن أشعر وأنا مُخدَّر.

فالانضباع هذا أن الأسس التي بُنيت عليها العلوم الاجتماعية والإنسانية كلها هي النموذج الغربي. لكن أنا عندما أريد أن أنشئ نموذجًا يتعامل مع هذه الموضوعات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية ولكن من براديم ومن نموذج معرفي إسلامي، يختلف الحال.

مراحل تطبيق النموذج المعرفي من النظرية إلى التطبيق كما حدث مع ماركس ونيتشه

طيب، طيب، هذا له مراحل. المرحلة الأولى أن نضعه نظريًا كما حصل مع كارل ماركس عندما أراد أن يصنع الشيوعية، وضع رأس المال أولًا، وبعد ذلك جاء لينين وهو الذي طبّق، وستالين هو الذي طبّق.

ولكن الفكرة تنشأ أولًا كفكرة ثم بعد ذلك تتولى جهة أخرى نشرها وتكرارها وإشاعتها وتطبيقها.

نيتشه عندما جاء بالنسبية التي آمنت بها أوروبا كلها وأمريكا والعالم الغربي، وبدأت بوادرها سنة ألف وتسعمائة وستين، وانتشرت سنة ألف وتسعمائة. دائمًا الأفكار تبدأ في جهة ثم يأتي التطبيق في جهة أخرى طبقًا لتراتيب معينة يطول الحديث فيها.

تعلم السباحة في بحر العولمة بدلاً من مطالبة البحر بالانتهاء

لكن أنا الآن أمام عولمة طاحنة وشائعة ومسيطرة ومهيمنة، ليكن هذا، ليس لديّ أي مانع من أن تسيطر هذه الأشياء في سبيل أن أعرف كيف أسبح في هذا البحر اللجي.

أنا لن أقول للبحر أن ينتهي، وإنما سأتعلم السباحة. حسنًا، هذه هي الخطة المبدئية لنا.

يمكننا أن نضرب الأمثال، يمكن أمثال كثيرة تبين لنا كيف سيعيش المسلم في ظل هذه العولمة بدينه وحياته ويكون معطاءً ومساهمًا في بناء الحضارة الإنسانية وفي بناء الأرض من غير أن يذوب في هذه العولمة.

العودة إلى حديث غثاء السيل والحاجة إلى تهيئة القارب للانتقال إلى الضفة الأخرى

[المذيع]: حسنًا، يعني سنعود مرة أخرى إلى المنهج الإجرائي. الحديث النبوي الشريف الذي استشهدت به قبل قليل في مقطعه الأخير:

«ولكنكم غثاء كغثاء السيل»

نعم، بالتالي الرغبة التي تتكون في داخلي للانتقال إلى الضفة الأخرى من النهر لا تكفي، عليّ أن أهيئ القارب مع الرغبة حتى أنتقل إلى الضفة الأخرى.

نعم، أنا الآن كما قلت في مطلع الحلقة لست لوحدي، هذه العولمة تعمل على إيجاد خرق في النسيج الاجتماعي الإسلامي.

سؤال المذيع عن استجابة المنظومة الإسلامية لتحدي تفكيك النسيج الاجتماعي

وبالتالي أنا هنا أسأل، وطبقًا لنظرية التحدي والاستجابة للبريطاني أرنولد توينبي، لدي تحدٍّ ولابد له من استجابة. وسؤالي هنا: ما الاستجابة الموجودة لدى المنظومة الإسلامية إزاء تفكيك النسيج الاجتماعي الإسلامي مقابل العولمة؟

إذا أردنا أن نعمل على تصنيفها، فهذا الذي ذكرتموه إذا كان لدينا شاب لا يقرأ، قد وجدتم الحل والترياق. ولكن إذا كان لدي مسلم لا يقرأ ومسلم كما قلتم قبل قليل باتت موجة التشيؤ أن يجعل شيئًا أو التسليع تأخذه وتأخذ بتلابيبه، إذن كيف هو الحل؟

خيار الاعتزال للعاجز عن المواجهة وحديث خير مال المرء غنيمات

[الشيخ]: حسنًا، على كل حال أنت تريد أن ترتدي النظارة السوداء ولا بأس. النبي صلى الله عليه وسلم أعطانا فرصة أن نرتدي النظارة السوداء ولا بأس:

قال النبي ﷺ: «خير مال المرء غنيمات يتتبع بها شعف الجبال ومواضع القطر، يفر بدينه من الفتن»

هناك أناس لا تستطيع ما أقوله، ولا تستطيع الصبر عليه، ولا تستطيع التعامل معه، فليعتزل. إذا أراد النجاة فليلغِ الإنترنت وغير ذلك.

المخالطة والصبر على الأذى خير من الاعتزال وحديث الهوى المتبع

يأتي الإنسان من أجل أن يتعامل مع الحالة. إذا خالط الناس وصبر على أذاهم الذي هو مخالطة العلمانية ومخالطة [هذه التيارات] فهو خير.

وإذا لم يستطع فعليه بنفسه:

قال النبي ﷺ: «إذا رأيت هوىً متبعًا وإعجاب كل ذي رأي برأيه وشحًا مطاعًا ودنيا مؤثرة، فعليك بخاصة نفسك ودع عنك أمر العامة»

وفي رواية:

«فعليك بخويصة نفسك ودع عنك أمر العامة»

لم تستطع أن ترفع النظارة السوداء لمن حولك، خلاص، اعتزل الناس واعتزل هذا الخضم وعش حياتك بينك وبين ربك، وهذا جائز.

الخيار الأفضل هو خلع النظارة السوداء وتنفيذ المناهج دون ملل

[المذيع]: نعم، جائز. طيب، والذي أفضل منه ما هو؟

[الشيخ]: الذي أفضل منه أن ترفع النظارة السوداء وتبدأ في تنفيذ تلك المناهج. والله سبحانه وتعالى لا يكلف نفسًا إلا وسعها، واعبدوا ليعبد أحدكم ربه طاقته.

قال النبي ﷺ: «فإن الله لا يمل حتى تملوا»

فنحن لن نمل، لن نمل من مواجهة كل هذه العولمة وكل ذلك التدهور والتهور والتطور أيضًا. نحن نتعامل مع الواقع المعيش معاملة قوية، معاملة نستغل فيها الحسنات وندرأ فيها من السيئات.

مثال الفلاح الذي يلقي الحب ويدعو الله وضرورة الاتكاء على عنصر الغيب

هذا كلام الجميل. الفلاح وهو يلقي الحب، يلقي الحب، لكن يدعو ويقول: يا رب. وإذا لم يقل يا رب سيأتي سيل ويأخذ البذور فلا ينبت زرع ولا شيء.

[المذيع]: أحسنت سماحة الشيخ. لا بد لنا أن نضيف أو نتكئ على عنصر الغيب فضلًا عن عنصر المبضع حتى نستطيع أن نبني حياة صحيحة تتلاءم مع ما يريده الله جل وعلا.

نعم، أتمنى أن تتحملني قليلًا سماحة الشيخ، فقط تحملني.

[الشيخ]: أنت أو أنا أتحملك، على العين والرأس، الله يفرج همك إن شاء الله.

نقض فكرة الهروب من العولمة بإلغاء الإنترنت واعتبارها هروباً للخلف لا للأمام

[المذيع]: أعني أن ما استشهدت به كدليل، أنا أستشهد به هو ذاته لنقض ما قلته. وبالتالي هذا الذي لا يجد لديه القدرة، عليه أن يلغي الإنترنت ويلغي كل هذه، كما يسميها زكي الميلاد الحداثة الصلبة، هذه الماديات وهذه التقنيات الكبرى.

بالتالي هذا هروب ليس للأمام إنما هو هروب للخلف.

[الشيخ]: صحيح، هذا يعني يثبت ما قلته أنا أنه يوجد لدينا حتى هذه اللحظة. لكنه يثبت إنسانيته؛ لأنه عندما تجادلوا معه على إنسانيته لم يبعها وإنما صمم على إنسانيته، لم يرد أن يكون ألعوبة ولا ريشة في مهب الريح، فانسحب.

الخيار الثاني خلع النظارة السوداء وتطبيق برنامج تفصيلي من خمسة أجزاء

[المذيع]: طيب، أعود إلى الموضوع من زاوية أخرى سماحة الشيخ، أعود إلى الموضوع من زاوية أخرى.

[الشيخ]: هذا هو الخيار الثاني. طيب، لمن صمم أن يجعل النظارة السوداء على عينيه لا يرى حتى يصل بنا إلى الإحباط واليأس، نحن لا نريد لا إحباطًا ولا يأسًا.

نحن خلعنا النظارة ورأينا الأمور على حقائقها، ثم جئنا ببرنامج تفصيلي مكون من خمسة أجزاء وطبقناه فنجح بشكل جميل. ولكن نريد الآن أن ننشره وأن نصل إلى تطبيقه وأن نتطور به خطوات إلى الأمام.

حسنًا، والذي لا يستطيع أن يخلع نظارة لأنه خائف على عينيه من الضياء، فلندعه يرتديها وهذا هو جائز.

إمكانية التعامل مع العولمة والسيطرة عليها لكنها مهمة أمة بأكملها

نعم، جائز، فهذا جائز وهذا جائز، ولكل مقدرته عند الله سبحانه وتعالى. لكن العولمة الحقيقة يمكن التعامل معها ويمكن السيطرة عليها ويمكن أن ننجح بها، ولكن هذه مشكلة أمة تحتاج فيها إلى أن تعمل ليلًا نهارًا.

القوة الناعمة والقصف بالمعلومات وتشبيه العولمة الإعلامية بزهر اللوز

[المذيع]: طيب، جوزيف ناي عام ألف وتسعمائة واثنين وتسعين أوجد ما يسمى بالقوة الناعمة. القوة الناعمة هي عكاز من عكازات العولمة أو وجه من أوجهها. يوجد لدينا ما يسمى بالقصف بالمعلومات، وما ينشر الآن عبر العولمة الإعلامية والعولمة الثقافية أنا أسميه على المستوى الشخصي شبيهًا بزهر اللوز.

فزهرة اللوز يعجبك منظرها وهي على متن الشجرة، ولكن ما أن ترتقي إليها لتلامسها حتى تتلاشى. هكذا يسوق لنا العالم الغربي ما يريد أن يسوقه، وهو وهم.

ما أريد أن أصل إليه: هذا كله يريد أن يؤثر على الهوية الثقافية الإسلامية.

هل استهداف الهوية الإسلامية مؤامرة أم طبائع أشياء وموقف الشيخ من نظرية المؤامرة

سماحة الشيخ، وأنت راصد جيد، وأنا اطلعت على الكثير من المقاطع الموجودة لديك، هل هذا على سبيل المؤامرة أم على سبيل طبائع الأشياء؟ يعني هل هناك من يجلس هكذا في مكان ما في العالم وهو يقصد الهوية الإسلامية وأنه يفعل هذا من أجل الهوية الإسلامية ويفعل ما يفعل من أجلها؟

[الشيخ]: أبدًا، أنت لا تؤمن بنظرية المؤامرة.

[المذيع]: لا.

[الشيخ]: لا وجود لها. هذا الأمر على المكشوف تمامًا، هؤلاء لا يختبئون في الحقيقة. انتبه أن المؤامرة معناها أن قومًا ائتمروا في السر علينا وهم يرتبون ما لا ندركه، لكن هذا غير حاصل.

العولمة تعمل علناً ضد الإسلام وكل المنظومات الأخلاقية والثقافية في العالم

ما يحدث فعلًا هو أنهم يفعلون علنًا، علنًا. ولكنه ليس فقط ضد الإسلام، بل ضد الإسلام وضد المنظومة الأخلاقية وضد العادات اليابانية وضد العادات في الصين وهكذا.

هم يعملون علانية ومكشوفة ويتحدثون علانية وليس في الخفاء، فهذه ليست مؤامرة بل هي طبائع الأشياء في هذه العصور المتأخرة المتراكبة المتدهورة المتطورة شديدة التعقيد.

طبيعتها هكذا أنها تضرب في الهوية الإسلامية وغير الإسلامية. فلو قرأت المسودات الخاصة بالأمم المتحدة في مؤتمر السكان وفي مؤتمر بكين وفي مؤتمرات بكين بلاس خمسة وبلاس عشرة، ستجد شيئًا يرثى له وعلنًا، فقد أعطاني المسودة بيدي مترجمة إلى ست لغات من بينها اللغة العربية.

التعامل مع طبائع الأشياء لا نظرية المؤامرة والنظريات الست التي بنيت عليها العولمة

إذن نحن لا نتعامل مع مؤامرة؛ لأن كلمة مؤامرة تعني أنني أحاول بعقلي تقدير وفهم شيء خفي عني، لكننا نتعامل مع طبائع الأشياء وواقع الأمور هكذا.

[المذيع]: حسنًا، تريد أن تقول إن هذا العالم هو نتاج تطور وتراكم فكري ومعرفي ألقى بظلاله وجاء بهذه التقنيات وهذه الحداثة الصلبة كما قلت قبل قليل، وبالتالي لا توجد هناك نظرية مؤامرة، إنما هكذا هو العولمة، هذا أسلوبها. من يتفاعل معها يتفاعل، ومن لا يتفاعل معها كيف هو موقفه؟

[الشيخ]: سبب هذه العولمة أنهم تبنوا خمسة أو ستة نظريات، من ضمنها نظرية النسبية لنيتشه، ومن ضمنها نظرية التطور لداروين، ومن ضمنها النظرية الجنسية لفرويد، ومن ضمنها نظرية حتى أينشتاين نفسه في تركيبة الذرة.

تبني النظريات الغربية كمسلمات وتشبيه ذلك بركوب القطار في الاتجاه الخاطئ

هذه الأشياء عندما رتبوها وصمموا عليها واعتبروها كأنها مسلمات، فهذا شخص بدلًا من أن يركب القطار ويذهب الإسكندرية ركب القطار أيضًا لكنه ذهب إلى أسوان، يعني هذا شمالًا وهذا جنوبًا.

حسنًا، هذا ما حدث، لكن لا توجد مؤامرة ولا ترتيب ولا هم يتمنون أنهم يضعون عنوانًا لعملهم. يسعون إلى التساوي المطلق بين الرجل والمرأة، بين الإنسان والطبيعة.

ولذلك أباحوا الشذوذ، ولذلك أباحوا الإجهاض، ولذلك يريدون الحرية المطلقة التي نسميها في لغتنا التفلت وليست حرية.

المد الأخضر والإسلام كجدار صلب في مواجهة العولمة وتأثيرها على كل الحضارات

وبالتالي ذلك الطرف سمح للشيخ [أي صرّح أحد المسؤولين الغربيين] عندما كان يخشى على سبيل المثال من الاتحاد السوفيتي بعد تفكيكه، قال: أمامنا مد أخضر وهو يشير إلى الإسلام؛ لأنه يعرف أن المنظومة الإسلامية هي القادرة على الصمود.

يعني تحليل، يعني من باب آخر أن هذه العولمة تريد أن تعمل على تفتيت الجدار الأكثر صلابة في القرن الحديث، وهي تتمنى ذلك. وليس الخطر الأخضر فقط، بل هناك خطر أزرق وخطر بني وخطر بنفسجي.

إنها ترى أنها الوحيدة التي على الحق، وأنهم الوحيدون الذين يعيشون حياة راقية يجب على كل العالم أن يتبعها.

الأخلاق الأمريكية أفسدت اليابان واليابانيون يشهدون بذلك وهم ليسوا مسلمين

الأخلاق الأمريكية هذه هي التي أفسدت اليابان على اليابانيين. هم يقولون: نحن فسدنا منذ أن دخلت علينا الأخلاق [الأمريكية]. هم ليسوا مسلمين وليسوا -

[المذيع]: سماحة الشيخ، يعني مع وجود هذه الهيمنة، العولمة بأذرعها الكثيرة والعديدة والقوية كما عبرتم، كيف تستطيع أن تقرأ مستقبل هذه العولمة وتأثيرها على الإسلام بوجود تقنيات مرعبة؟ أي عندما ندخل الآن على ما يسمى بالذكاء الاصطناعي على سبيل المثال، ذكاء مرعب جدًا. بالتالي كيف تقرأ مستقبل هذه العولمة وتأثيرها على الإسلام؟

التدخل الإلهي عند الكتلة الحرجة وآية أخذ الأرض زخرفها

[الشيخ]:

﴿حَتَّىٰٓ إِذَآ أَخَذَتِ ٱلْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَٱزَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَآ أَنَّهُمْ قَـٰدِرُونَ عَلَيْهَآ أَتَىٰهَآ أَمْرُنَا﴾ [يونس: 24]

يوجد ذلك التدخل الإلهي عند نقطة معينة تسمى بالكتلة الحرجة. يُسمّيها الإنجليز الكتلة الحرجة (Critical Mass). هذه الكتلة الحرجة تعني كتلة إذا زدناها لنقصنا، لن نستطيع أن نبقى في الارتفاع، تستمر في العلو العلو العلو، عند الـCritical Mass سننزل.

خطر الذكاء الاصطناعي والتلاعب بالمرئي وحديث كفى بالمرء كذباً

فما يحدث هو إدخال الشرائح في الجسد البشري، وملء هذه الشرائح بمعلومات كثيرة، وقد أُنتجت أفلام عديدة عن هذه الشرائح التي سوف توضع في [الجسد]. القضية هي الذكاء الاصطناعي والتلاعب بالمرئي.

النبي يقول صلى الله عليه وسلم:

قال النبي ﷺ: «كفى بالمرء كذبًا أن يحدث بكل ما سمع»

الآن كفى بالمرء كذبًا أن يحدث بكل ما رأى. فقد كان يُقال: أرأيت الشمس؟ فعلى مثلها فاشهد. الآن لم تعد الشهادة على المرئي صالحة؛ لأنه يتم التلاعب بها.

ولأنك سمعته بأذنك يتكلم العربية وشفتاه تتحرك هكذا وهو يتكلم الإنجليزية، وأظن أنه فلان فاتضح أنه علان؛ لأنهم ركبوا الرأس على هذا الشيء إلى آخر ما هنالك من الذكاء الاصطناعي.

التعامل مع مصيبة الذكاء الاصطناعي بالقواعد والأفكار الإحيائية عند مالك بن نبي

هذه مصيبة، لكن هذه المصيبة التي أقول إنها يمكن أن نتعامل معها. كيف نتعامل معها؟ بالقواعد، هذه القواعد موجودة.

[المذيع]: حسنًا، جميل. يعني ثمة رؤية للجزائري مالك بن نبي يقول إن هناك أفكارًا ميتة وأفكارًا حية وأفكارًا مميتة وأفكارًا إحيائية. أقف عند الأفكار الإحيائية، لا شأن لي بالأولى والثانية والثالثة.

وسؤالي هنا: ما الأفكار الإحيائية التي يجب علينا أن نعمل على إيجادها حتى نتعاطى مع هذا كله؟

منهجية حفر الخندق كفكرة إحيائية تجعل الإسلام والمسلمين سادة العالم

[الشيخ]: نعم، هناك الكثير من الأحاديث والنصوص التي تحلل وتشرح وتعطيك الطريق، ولكن هذا وحده لا يكفي. نحتاج إلى منهجية حفر الخندق كمنهج.

وبالتالي المنهجية التي تستطيع أن تصمد هي فكرة إحيائية تجعل الإسلام والمسلمين كما كانوا في القرن الثالث على سبيل المثال والرابع للهجرة حين كانوا سادة العالم.

[المذيع]: كيف نستطيع الآن إيجاد الطريق أو السبيل إلى إيجاد فكرة إحيائية تجعل الإسلام هو المهيمن على العولمة وأرباب العولمة؟

الاستفادة من سيرة النبي ونماذجه الأربعة في التعامل مع الواقع المعاصر

[الشيخ]: من الأفكار الإحيائية التي تتعلق بهذا المقام أن يستفيد من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم في سنواته كلها. فالنبي لم يكن على نمط واحد ولا ترك لنا نموذجًا واحدًا، بل ترك لنا أربعة نماذج:

  1. نموذج مكة: حيث يعيش المسلم فيه في بلد يكره الإسلام والمسلمين، لكنه عاش ثلاثة عشر سنةً وبعض الوقت.

  2. النموذج الثاني هو نموذج الحبشة: حيث يعيش المسلم في بلدٍ يعترف بالإسلام لكنه ليس مسلمًا.

  3. النموذج الثالث هو نموذج المدينة أولًا: يأتي رسول الله ويتولى الحكومة، لكن مع توليه الحكومة إلا أنه يحكم أقوامًا مختلفين: يهودًا ومشركين ومنافقين ونصارى وغيرهم ومسلمين، فيضع لهم صحيفة المدينة المشابهة أو التي أخذ منها فكرة الدستور.

النموذج الرابع للمدينة ورسالة المسلم المعاصر في زمن العولمة باتباع النبي بوعي جديد

نعم، ثم المدينة أخيرًا أو ثانيًا، وهي مثل السعودية الآن، هكذا ليس فيها ولا شخص واحد غير مسلم. المدينة ومكة كلهم مسلمون وكلهم يبنون حياتهم على الصلاة.

[المذيع]: سماحة الشيخ، نعم، يعني رسالة المسلم اليوم في زمن العولمة بنصف دقيقة، والحديث معك شيق.

[الشيخ]: رسالة المسلم المعاصر في زمن العولمة هو اتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن بوعي جديد. فأنا سأتبع رسول الله في مواقفه في مكة حيث يدخل الكعبة ويصلي في وسط ثلاثمائة وستين صنمًا، حيث يمر على الناس فلا يكسر صنمًا ولا أي شيء، ولا يصطدم بهم؛ لأن أنا جالس في جو غير قابل للصدام.

نموذج جعفر في الحبشة والمسلم في الجيوش غير الإسلامية ونظرية النساء

جعفر [بن أبي طالب] عندما عرض عليه النجاشي أن ينضم إلى الجيش، هذا شأن المسلم البريطاني ينضم إلى الجيش البريطاني، لكن إذا كانت حربًا فهذا جيش لغير المسلمين.

أحسنت، هل يجوز أن يعتذر؟ عنده في القانون أنه يجوز له أن يعتذر، لكن قبل العمليات العسكرية. إلى آخر ما هنالك من مفاتيح.

من ضمنها نظرية النساء التي أشار إليها العلماء المسلمون بدلًا من نظرية النسخ، وكلامها طويل. وهكذا يعني عندنا أفكار وأشياء وما إلى ذلك.

خاتمة الحلقة والتأكيد على وجود أمل وطريق واضح في التعامل مع العولمة

والبرنامج لا يتحمل هذا إلا بالإشارة إلى أن هناك أملًا وأن هناك طريقًا واضحًا في التعامل مع النص والتعامل مع الواقع وكيفية الربط بينهما.

[المذيع]: أحسنتم، كنت أتمنى أن تسعفك الصحة لتسجيل أكثر من ساعة مع جنابك الكريم، فالحوار معك جميل وممتع. شكرًا جزيلًا لكم، سماحة الشيخ العلامة والمفكر الدكتور علي جمعة.

[الشيخ]: شكرًا لك، وإن شاء الله ربنا ينفع ويعين المسلمين على أنفسهم، وتكون لدينا مهمة أمة نخرج بها من هذا المضيق وهذا المأزق. سُعدت بلقائك.

[المذيع]: في الختام أحبتي المشاهدون، ألتقيكم إن شاء الله في حلقة جديدة من برنامج لا إكراه، أنا محدثكم الدكتور ناجي الفتلاوي، في أمان الله.