مجالس الطيبين | ما الصوفية ؟ | أ.د. علي جمعة
- •التصوف هو درجة الإحسان التي جعلها النبي صلى الله عليه وسلم ثلث الدين في حديث جبريل.
- •لم ينكر أحد من العلماء التصوف عبر التاريخ، بل أنكروا على المنحرفين فيه.
- •كتب كبار العلماء في التصوف كابن تيمية وابن القيم في "مدارج السالكين".
- •ألف فيه الإمام القشيري "الرسالة القشيرية" والغزالي "إحياء علوم الدين".
- •التصوف مقيد بالكتاب والسنة كما قال الجنيد، ويعتمد على الذكر والفكر والمناجاة.
- •من أسس التصوف: قلة الكلام استنادًا للأحاديث النبوية في فضل الصمت.
- •قلة الطعام مستمدة من أحكام الصيام وتوجيهات النبي في الاعتدال بالأكل.
- •قلة المنام متوافقة مع الحث على قيام الليل والتهجد في القرآن والسنة.
- •قلة الأنام (العزلة) تكون بالقلب مع العمل، وهدفها التفكر والبعد عن المعاصي.
- •التصوف يهتم بالتخلية (تنقية القلب من القبائح) والتحلية (ملؤه بالصفات الحسنة).
- •الزهد الحقيقي أن تكون الدنيا في يدك وتزهد فيها، لا أن تدعي الزهد وهي ليست عندك.
مقدمة الحلقة والسؤال المطروح عن حقيقة الصوفية والانتقاص منها
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
السؤال الذي ورد إلينا وبنينا هذه الحلقة عليه هو: ما الصوفية؟ وذلك أن بعضهم قال إن فلانًا صوفي، وكأنه ينتقصه بهذا الوصف. أنت لا تعرف! أو هذا مثل الذي ينتقص ويقول: يا شيخ هذا فلان، هذا فقيه! ويحرك يده هكذا، وكأن الفقيه انتقاص! يضحك الناس من هذا: يا شيخ هذا فلان، هذا تقي! سيبك منه! أو مثل هذا.
الصوفية هي درجة الإحسان التي جعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلث الدين بتعليم جبريل [عليه السلام] لنا.
شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم كتبا في التصوف ولم ينكراه
ولذلك لم يُنكر التصوف أيُّ أحد. لم يُنكر التصوف! رأينا شيخ الإسلام ابن تيمية عندما جُمعت فتاويه في سبعة وثلاثين مجلدًا، خمسة وثلاثين مجلدًا ومجلدين للفهارس، تجد في الجزء العاشر والحادي عشر السلوك والتصوف.
لماذا؟ لأن ابن تيمية كتب في التصوف. ابن القيم كتب في التصوف كتابًا رائعًا ماتعًا نافعًا اسمه «مدارج السالكين في شرح منازل السائرين بين إياك نعبد وإياك نستعين».
وكان الشيخ أحمد بن الصديق الغماري الطنجي المغربي يقول: أعلم من كتب في التصوف ابن قيم [الجوزية].
العلماء لم ينكروا التصوف بل أنكروا على من انحرف به كسائر العلوم
لم يُنكر التصوف أحدٌ من العلماء على مرّ التاريخ. أنكروا على من انحرف بالتصوف هنا أو هناك، كمن أنكروا على علماء الكلام الذين انحرف بعضهم أو جاءتهم نزغة من نزغات الفلاسفة.
[وكذلك أنكروا على] الفقهاء الذين شذّوا أو غيّروا أو بدّلوا أو جهلوا أو ما إلى ذلك؛ [فمن شذّ] لا يكون فقيهًا فيخرج من هذه الطائفة وإن تزيّا بزيّ الفقهاء.
في الحديث قالوا: هذا حديث موضوع. كيف يكون موضوعًا وحديثًا؟ نعم، هو قيل عنه أنه حديث وهو باطل، لم يقله رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي جعل الكذب عليه سببًا لدخول النار.
بطلان المقارنة بين الصوفية والسلفية وحقيقة كل منهما
إذن فواضح الكلام جدًا أن أحدًا من الناس لم يعترض على التصوف ممن يُذكرون الآن. ولذلك هناك كتاب لطيف، هذا الكتاب يتحدث عن أقوال أئمة السلفية في السادة الصوفية.
يعني انظر ماذا يحاول البعض أن يفعل! يحاولون إيجاد فرقتين: فرقة الصوفية وفرقة السلفية، هذا كلام خاطئ. الصوفية هي ثلث الدين، أما السلفية فهي مرحلة مباركة كانت موجودة أيام الصحابة والتابعين وتابعي التابعين في القرن الأول والثاني والثالث وهكذا.
فالمقارنة بين شيء يُسمى سلفية وشيء يُسمى صوفية مقارنة باطلة؛ إنما التصوف إنما هو عبارة عن علم مرتبة الإحسان التي أُمرنا أن نتحلى بها، ولها طريق ولها كلام.
أقوال العلماء في مدح التصوف من ابن تيمية إلى محمد بن عبد الوهاب
فجُمع ماذا قال ابن تيمية في مدح التصوف، ماذا قال ابن القيم، ماذا قال ابن عبد الهادي، ماذا قال ابن كثير، الشوكاني، ماذا قال فلان وعلّان وتركان، إلى أن وصل إلى الشيخ محمد بن عبد الوهاب ومن بعده من أولاده وكذا، الذين عرفوا الحقيقة وتكلموا عن هذا العلم.
هذا العلم كتب فيه الإمام القشيري رسالة ماتعة تُسمى بـالرسالة القشيرية. هذا العلم كتب فيه أبو طالب المكي وألّف كتابًا أسماه «قوت القلوب إلى علّام الغيوب». ألّف فيه الإمام الغزالي كتابًا ماتعًا أسماه «الإحياء» وقسّمه على أربعة أقسام:
- القسم الأول: العبادات.
- القسم الثاني: المعاملات.
- القسم الثالث: المهلكات.
- القسم الرابع: المنجيات.
الصوفية وضعوا ألفاظًا اصطلاحية وطريقهم مقيد بالكتاب والسنة
الصوفية وضعوا ألفاظًا مثل الفقهاء ومثل المتكلمين، من أجل أن يساعدوك على فهم الكتاب والسنة. وكان الجنيد [سيد الطائفة] يقول: طريقنا هذا إلى الله مقيّد بالكتاب والسنة.
ولذلك قالوا إن طريقنا مقيّد بـالذكر والفكر. إذا أردت أن تسلك طريق الله ماذا تفعل؟ تذكر [الله تعالى].
ماذا تقول [في ذلك]؟ قال تعالى:
﴿ٱلَّذِينَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَـٰمًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: 191]
هذا هو الذكر.
﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِى خَلْقِ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَـٰذَا بَـٰطِلًا سُبْحَـٰنَكَ فَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ﴾ [آل عمران: 191]
هذا هو الفكر.
بعد الذكر والفكر تأتي المناجاة والدعاء في طريق الله تعالى
وبعد الذكر والفكر تأتي المناجاة [وهي] الدعاء: ربنا... تأتي بعد الذكر والفكر. فهلمّ بنا نسلك طريق الله سبحانه وتعالى، فنكون من الذاكرين ومن المتفكرين.
﴿وَٱلذَّٰكِرِينَ ٱللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: 35]
﴿فَٱذْكُرُونِىٓ أَذْكُرْكُمْ وَٱشْكُرُوا لِى وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: 152]
﴿أَلَا بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ﴾ [الرعد: 28]
aقرأ القرآن، كله ذكر، حتى أنه قد سمّى القرآن ذكرًا. إذن لا بدّ علينا أولًا من الذكر.
استدلال الصوفية بالكتاب والسنة وموقف المعارضين من ذلك
في الذكر ذهبوا [إلى الكتاب والسنة]، ونحن نقول دائمًا: طريقنا مقيّد بالكتاب والسنة. لا يوجد شيء إلا وهم يذهبون إلى الكتاب والسنة حتى يستدلوا منها.
ولكنها قد تعمى على بعض الناس، أو على من أعلن الحرب الشعواء الجاهلة على التصوف.
فتراهم مثلًا يقولون: عليك بـالعشرة الطيبة. ما هي العشرة الطيبة؟ قال: سبحان الله، الحمد لله، لا إله إلا الله، الله أكبر، لا حول ولا قوة إلا بالله. وهذه تُسمى الباقيات الصالحات.
لِمَ سُمّيت بالباقيات الصالحات؟ لأنها تبقى بعد موت الإنسان، في حياته وبعد مماته، فهي الباقيات الصالحات.
تتمة العشرة الطيبة من الأذكار المستمدة من الكتاب والسنة
ثم: استغفر الله، لا حول ولا قوة [إلا بالله]، استغفر الله، إنا لله وإنا إليه راجعون، حسبنا الله ونعم الوكيل، توكلت على الله، والصلاة على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.
طيب، هذه الأذكار من أين تأتي؟ كلها تأتي من السنة المشرفة، وقبل ذلك تأتي من القرآن الكريم.
قلة الكلام من أصول الطريق الصوفي ومستندها من السنة النبوية
قالوا ماذا أيضًا؟ قالوا: والله نريد قلة المنام، قلة الطعام، قلة الأنام، قلة الكلام، [وهي] أربعة.
قلة الكلام هذه من أين تأتي؟ النبي عليه الصلاة والسلام أوصانا بالصمت وقال:
«إذا رأيتم الرجل قد أُوتي صمتًا فاعلموا أنه يُلقى الحكمة»
وربنا يقول:
﴿يُؤْتِى ٱلْحِكْمَةَ مَن يَشَآءُ وَمَن يُؤْتَ ٱلْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِىَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّآ أُولُوا ٱلْأَلْبَـٰبِ﴾ [البقرة: 269]
قلة الكلام: قال [النبي ﷺ]:
«اضمن لي ما بين لَحْيَيْك وفخذيك أضمن لك الجنة»
قلة الكلام يعني من شأن الأنبياء الصمت، حتى أن ابن أبي الدنيا ألّف كتابًا ضخمًا أورد فيه كل الأحاديث الواردة عن فضيلة الصمت. هذا بالنسبة لقلة الكلام.
قلة الطعام ومستندها من صيام النبي ﷺ وحديث اللقيمات
قلة الطعام: لدينا الصيام في رمضان، وسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصوم الاثنين والخميس، وكان يصوم ثلاثة أيام من كل شهر، وكان يصوم أكثر شهر المحرم وأكثر شهر شعبان، وكان يصوم التسعة الأوائل من ذي الحجة، وكان يصوم كثيرًا كثيرًا.
فإذا عددت الأيام التي وردت في السنة في الصيام تجدها أكثر من ستة أشهر، أي نصف العام مع شهر رمضان كاملًا، فيصبح أكثر من نصف العام؛ لأنه يصبح سبعة أشهر بهذا الشكل.
فإذن الحقيقة إن قلة الطعام [لها مستند]، النبي عليه السلام [قال]:
«بحسب ابن آدم لُقيمات يُقمن صلبه، وإن كان لا بدّ فاعلًا فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنَفَسه»
قلة الطعام صحيح، إذن له مستند كذلك.
قلة المنام ومستندها من قيام الليل والتهجد في القرآن الكريم
قلة المنام: وهل [هناك] أكثر من قيام الليل؟
﴿قُمِ ٱلَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا * نِّصْفَهُٓ أَوِ ٱنقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ ٱلْقُرْءَانَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمل: 2-4]
هذا يعني:
﴿وَمِنَ ٱلَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَىٰٓ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا﴾ [الإسراء: 79]
يعني التهجد وهو أن تترك النوم ابتغاء العبادة، لها ثواب كبير، وقيام الليل وفضل قيام الليل [عظيم].
قلة الأنام والعزلة الطيبة ومشروعية الاعتكاف في الإسلام
طيب، وقلة الأنام: قلة الأنام معناها الانكفاف عن الناس، العزلة الطيبة التي تمكّنك من التفكر والتدبر. وهذا في الاعتكاف؛ لدينا شيء يُسمى الاعتكاف.
حتى إن الإمام الشافعي يوصينا أيضًا أخذًا من السنة بأن الإنسان عندما يدخل المسجد يقول: نويت سنة الاعتكاف، فيجلس عشر دقائق أو ربع ساعة يصلي ثم ينصرف، وما من مانع في ذلك.
وسيأتي أحدهم ليقول: أتريد من الناس أن يعتزلوا؟ لا! لقد ذهبت الصوفية [و] حلّت لنا هذه المسألة وقالت: خلوتهم في جلوتهم.
العزلة القلبية الشعورية هي المقصودة لا ترك العمل والاكتساب
أي قالوا له: انعزل واحبس نفسك في البيت؟ لا! تقل [ذلك]! دعوا عمل الإنسان بيده؛ فاكتسابه لرزقه من عمل يده هو أساس التصوف.
فكيف أعتزل إذن؟ بقلبك تعتزل، بقلبك! درّب قلبك على هذه العزلة التي لا تغتاب فيها، ولا تنمّ، ولا تتكبر، ولا تدخل في مهاترات الناس وأنت لست طرفًا فيها. قلّل من تبعاتك مع الخلق وتفكّر.
هكذا هي العزلة، فتكون العزلة هنا عزلة شعورية قلبية روحية، الغرض منها الطمأنينة وعدم مخالطة المعاصي. العزلة هنا معناها إتاحة مساحة أكثر للتفكر.
بداية الطريق الصوفي بالتخلية والتحلية ودعاء الزهد الحقيقي
أي [قلة] الناس مع الطعام مع الكلام مع المنام هي بداية الطريق. يقولون بداية الطريق الصوفية التي تهتم بالذكر والفكر، والتي تهتم أيضًا بـالتخلية والتحلية.
اخلِ قلبك من كل قبيح، كل قبيح هذه تندرج تحتها مائة صفة. وحلِّ قلبك بكل صحيح، أيضًا تندرج تحتها مائة صفة. حسنًا، التخلية والتحلية.
ومن دعائهم: اللهم اجعل الدنيا في أيدينا ولا تجعلها في قلوبنا. لماذا هكذا؟ قال: لأن الزاهد الحقيقي هو من كانت الدنيا في يده فزهد فيها، لكن [من] الدنيا ليست في يده فيكون زاهدًا كاذبًا. أما هي أصلًا الدنيا لم تأتِ إليك، فبماذا تزهد؟ فليس لك إلا التواضع وليس الزهد.
حقيقة الزهد وموقف المسلم ممن يوصف بالتصوف والخاتمة
لكن ستدّعي الزهد، فلا بدّ أن تكون الدنيا في يدك. هذه مسألة قوية جدًا.
ولذلك الذي يقول لك: أنا أريد أن أتصوف، أو هذا فلان صوفي، قل له: رضي الله عنه!
وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله.
