مراعاة الأوقات | مجالس الطيبين | أ.د علي جمعة - مجالس الطيبين

مراعاة الأوقات | مجالس الطيبين | أ.د علي جمعة

14 دقيقة
  • المسؤولية قيمة وخلق ينبغي أن نربي عليها أنفسنا وأولادنا، فلا نكون تبعاً للآخرين، بل نحسن دائماً حتى مع إساءة الناس.
  • كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر الذكر ويقل اللغو ويطيل الصلاة ويقصر الخطبة ولا يأنف من مساعدة الأرملة والمسكين.
  • مراعاة الأوقات من المسؤولية، فالعبد مسؤول عن عمره فيما أفناه، والواجبات أكثر من الأوقات.
  • الذكر يجلو القلب ويطمئنه، ويشمل قراءة القرآن والتسبيح والدعاء.
  • كان النبي يترك يده لبنات بني النجار في طرقات المدينة ويقضي حوائج الناس رغم مكانته العظيمة.
  • حذر النبي من الجلوس في الطرقات إلا بآدابها: غض البصر وكف الأذى ورد السلام والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
  • المجالس الطيبة تتحول إلى مواضع للود والوئام والحب ونصرة المظلوم عند الالتزام بالمسؤولية.
محتويات الفيديو(15 أقسام)

افتتاح الحلقة والتذكير بقيمة المسؤولية وعدم كون الإنسان إمعة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أيها الإخوة المشاهدون، أيتها الأخوات المشاهدات في كل مكان، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلًا ومرحبًا بكم في حلقة جديدة من حلقات مجالس الطيبين في هذا الشهر المبارك الكريم.

تحدثنا في حلقة سابقة عن المسؤولية، وأنها قيمة وخُلُق ينبغي أن نربي عليه أطفالنا وأولادنا وشبابنا، وأن نهتم به في أنفسنا، وأن نوطّن أنفسنا على ألّا نكون إمّعة؛ فإن أحسن الناس أحسنّا، وإن أساؤوا أسأنا، وإن ظلموا ظلمنا، وإن عدلوا عدلنا.

بل ينبغي علينا أن نوطّن أنفسنا على أنه إذا أحسن الناس أحسنّا، وإذا أساؤوا لا نظلم [معهم].

وصف عبد الله بن أبي أوفى لحال النبي في إكثار الذكر وإقلال اللغو

معنا اليوم عن عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنه، كان يقول فيما أخرجه النسائي في السنن الكبرى والحاكم في مستدركه:

«كان رسول الله ﷺ يُكثر الذكر، ويُقلّ اللغو، ويُطيل الصلاة، ويُقصّر الخطبة»

يعني يوم الجمعة وكل الخطب، حتى في العيدين أو كذا.

«ولا يأنف أن يمشي مع الأرملة والمسكين فيقضي له الحاجة»

مراعاة الأوقات من المسؤولية، لا بدّ علينا أن نراعي الأوقات. والنبي ﷺ يقول:

«لا تزول قدم عبد يوم القيامة حتى يُسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه»

أول الأربعة: عن عمره فيما أفناه.

موقف النبي من اللغو وكيف كان يتجنبه رغم إباحته

كان رسول الله ﷺ كما أمره ربه، لا يحب اللغو. واللغو مباح؛ لأنه كلام عادي، ولكنه ليس مفيدًا. إذا أفاد لا يكون لغوًا. اللغو في حدّ ذاته وإن كان مباحًا، إلا أن النبي ﷺ كان لا يفعله، بل ويكرهه.

قد يكون هناك كلام مباح كان يقوله رسول الله ﷺ لغرض، فيخرج عن كونه لغوًا إلى كونه له غرض وله هدف. ومن ضمن هذه الأهداف أن يُذهب السآمة عن الناس، أو أن يتلطف مع الطفل، يتلطف مع الأرملة، يتلطف مع أهله، يتلطف مع أصحابه. وكل ذلك من مراعاة الوقت.

الواجبات أكثر من الأوقات وأهمية استثمار رمضان بالطاعات

الواجبات أكثر من الأوقات، هذه حقيقة لو عرفناها وشغلنا أنفسنا بها لوجدنا أنفسنا ليس لدينا أوقات لقضية اللغو. فلو أننا قمنا بواجبنا من حصة للقرآن في رمضان، لو أننا قمنا بما ينبغي علينا أن نقوم به من صيام النهار وإتقان العمل — وهو يأخذ مجهودًا — وقيام الليل وكثرة الذكر وقراءة القرآن، ولا نُثقل على الناس كما أمرنا رسول الله ﷺ.

حتى في الموعظة، وهو الذي كان يقول:

«إن من مَئِنّة فقه الرجل — يعني من علامة فقه الرجل — طول صلاته»

«إن من مَئِنّة فقه الرجل طول صلاته وقصر خطبته»

فكان ﷺ يصلي الجمعة بسبّح والغاشية، وهذه لا تستغرق سبع دقائق، فكانت خطبته لا تزيد عن خمس دقائق.

جمال هدي النبي في المسؤولية وفضل عبد الله بن أبي أوفى

إذا هذا الجمال والحلاوة التي يعلمنا إياها رسول الله ﷺ أمرٌ مرتبط بالمسؤولية. يقول في وصف عبد الله بن أبي أوفى رضي الله تعالى عنه — وهو ممن صلّى عليهم النبي ﷺ، فصلّى على آل أوفى، قال:

«اللهم صلِّ على آل أوفى»

وهي من خصائص هذا الصحابي الكريم.

إكثار الذكر وأنواعه من قرآن ودعاء وتسبيح وأسماء الله الحسنى

رسول الله ﷺ يُكثر الذكر، إذن لا بدّ أن نعمّر أوقاتنا بالذكر. والذكر يجلو القلب، وربنا قال:

﴿وَٱذْكُرُوا ٱللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الجمعة: 10]

وقال:

﴿فَٱذْكُرُونِىٓ أَذْكُرْكُمْ وَٱشْكُرُوا لِى وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: 152]

وقال:

﴿أَلَا بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ﴾ [الرعد: 28]

ذكر الله سبحانه وتعالى قد يكون هو القرآن:

﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَـٰفِظُونَ﴾ [الحجر: 9]

ذكر الله قد يكون هو الذكر المحض — ذكر الله سبحانه وتعالى. وقد يكون هو الدعاء:

﴿وَلِلَّهِ ٱلْأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ فَٱدْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: 180]

وكان رسول الله ﷺ يفعل ذلك كله، فكان يذكر بأسماء الله الحسنى.

العشر كلمات الطيبات التي علمنا إياها رسول الله صلى الله عليه وسلم

وعلّمنا [رسول الله ﷺ] العشر كلمات الطيبات: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وأستغفر الله، وإنا لله وإنا إليه راجعون، وتوكلت على الله، وحسبنا الله ونعم الوكيل، كما علّمنا الصلاة عليه ﷺ.

وهذه هي العشر الطيبات، العشر الطيبة. هذه كلمات تركها لنا رسول الله ﷺ حتى نذكر ربنا على بصيرة.

إقلال النبي للغو وإطالته الصلاة منفردًا وتقصيرها رحمة بالناس

ويُقلّ اللغو، فكان ﷺ يترك اللغو. ويُطيل الصلاة إذا كان منفردًا، أما إذا كان في الصلاة [بالناس] فقد عرفنا أنه ﷺ كان إذا سمع بكاء صبيّ فإنه رحمةً بأمه يُقصّر من الصلاة.

ويُقصّر الخطبة، وعرفنا هذا الشأن. ولذلك حتى في الموعظة فإن سنة رسول الله ﷺ أولى بالاتباع على كل حال.

تواضع النبي في المشي مع الأرملة وترك يده لبنات بني النجار

ولا يأنف أن يمشي مع الأرملة. الأرملة ضعيفة، الأرملة تحتاج. وكان النبي ﷺ يترك يده لبنات بني النجار في طرقات المدينة، تذهب به البنت حيث شاءت.

وهو ليس رئيس دولة ولا حاكمًا فقط، بل كان سيد الكونين. لم يكن قاضيًا أو مفتيًا أو عالمًا أو معلمًا أو قائد جيوش، بل كان سيد الكونين. كان ﷺ هو المصطفى المختار من عند رب العالمين.

هذا العظيم كان يترك يده الشريفة لبنات بني النجار وسواهن، تأخذه البنت حيث شاءت حتى يقضي حاجتها، ويقف ويكلمها، ويكلم الأرملة، ويكلم المسكين حتى يقضي حاجته.

سر إدارة النبي لوقته بالجدية والشعور بالمسؤولية

والإنسان يتعجب: من أين أتى رسول الله ﷺ بكل هذا الوقت؟ لكن الجدية والمحافظة على الأوقات والشعور بالمسؤولية هي التي علّمنا إياها رسول الله ﷺ.

حديث إياكم والجلوس في الطرقات وسؤال الصحابة عن مجالسهم

وعن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ قال:

«إياكم والجلوس في الطرقات»

قالوا: يا رسول الله، ما لنا بُدّ من مجالسنا نتحدث فيها. رسول الله ﷺ نظر إلى المفاسد التي تحدث، مثل أولئك الذين يتسكّعون على الأركان والمفارق، يؤذون الناس ويعاكسون البنات ويفعلون مثل هذه الأمور. هذا كان يمكن قديمًا قبل شيوع ما شاع في الناس الآن.

قالوا: يا رسول الله، ما لنا بُدّ من مجالسنا نتحدث فيها، نقضي فيها مصالحنا. وهكذا المقاهي والجلسات، يمكن أن تكون لإنجاز المصالح، وليرى كل واحد فيها أخاه ويتحدث إليه في أموره، ويمكن أن تكون للأذى.

حق الطريق من غض البصر وكف الأذى ورد السلام

قال رسول الله ﷺ:

«فإذا أبيتم إلّا المجلس فأعطوا الطريق حقه» — [يعني إذا أبيتم إلغاء هذه المجالس لما فيها من المصالح]

مسؤولية إذن، دخلنا في المسؤولية.

قالوا: وما حقه يا رسول الله؟ قال:

«غض البصر»

فيكون إذا الإنسان يسير آمنًا، والمرأة تسير آمنة؛ لأنها تعلم أن هؤلاء الناس إنما فيهم أدب وفيهم انكفاف على أنفسهم، يقضون مصالحهم.

غض البصر، وكف الأذى. ويؤكد علينا رسول الله ﷺ دائمًا على قضية كف الأذى. ورأيناه وهو يتحدث عن ذلك الذي ليس فيه أي خير ولا يستطيع أن يقوم بأي عمل وليست لديه أي كفاءة، قال:

«يكفّ شرّه عن الناس فإنها له صدقة»

كف الأذى ورد السلام وأهميتهما في التوائم الاجتماعي والوحدة الوطنية

كف الأذى ورد السلام. والسلام علامة من علامات التوائم الاجتماعي، علامة من علامات الوحدة الوطنية. ولذلك ردّ السلام فيه نوع من أنواع الودّ وشيوع الودّ.

«إذا أردتم أن تدخلوا جنة ربكم بسلام فأفشوا السلام وأطعموا الطعام وقوموا بالليل والناس نيام»

ردّ السلام واجب، وإلقاء السلام سنة وهي سنة مؤكدة؛ لأن ردّ السلام هذا واجب، ويجب على الإنسان أن يردّ على من سلّم عليه. وإذا لم يردّ فهو في حالة خصام.

ويقول رسول الله ﷺ وهو ينهى عن الخصام فوق ثلاث:

«فيتقابلان فيُعرض هذا ويُعرض هذا، وخيرهما من بدأ بالسلام»

إلا أن ردّ السلام إنما هو واجب على الإنسان.

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونصرة المظلوم من المسؤولية

والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ فلا نجد مظلومًا إلا نصرناه، ولا نجد انحرافًا إلا أمرنا بالمعروف ونهينا عن المنكر. فالدين النصيحة، والساكت عن الحق كشيطان أخرس.

تحويل المجالس إلى معانٍ جليلة من الود والأمر بالمعروف وغض البصر

إذا تحولت مجالسنا في ظل هذه المسؤولية إلى تلك المعاني الجليلة — من الودّ، من الوئام، من الحب، من الأمر بالمعروف، من النهي عن المنكر، من نصرة المظلوم، من ردّ السلام، من كف الأذى عن الناس، من غض البصر — كانت مجالسنا حتى في شوارعنا مجالس طيبة.

وإذا لم نفعل ذلك فلا نلوم إلا أنفسنا؛ حيث فرّطنا في سنة رسول الله ﷺ.

وإلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.