ما معنى مراعاة المآلات في الفقه الإسلامي وكيف تؤثر على زكاة الأوراق النقدية؟
مراعاة المآلات تعني أن يتصور الفقيه نتائج الحكم الشرعي قبل إصداره، فإذا أفضى الحكم إلى مفسدة أو تعطيل ركن من أركان الإسلام وجب مراجعة العلة. وتطبيقاً لذلك، ربط الفقهاء زكاة الأوراق النقدية بالمالية لا بالنقدين، لأن ربطها بالذهب والفضة فقط يُسقط الزكاة كلياً في عصر البنكنوت ويُضيّع مقصد الشرع في إغناء الفقير.
- •
هل يمكن لحكم فقهي صحيح في زمانه أن يُفضي اليوم إلى إلغاء الزكاة كلياً؟ هذا ما كشفته قضية ربط الزكاة بالذهب والفضة في عصر الأوراق النقدية.
- •
مراعاة المآلات مكوّن أساسي في العقل المسلم، إذ يجمع بين وعي الحاضر والاستفادة من الماضي واستشراف المستقبل.
- •
العقل المسلم يهتم بالعلم بمعناه الشامل الذي يضم العلم التجريبي والنقلي والحسي والعقلي معاً، ويسعى لمعرفة الأشياء على حقيقتها.
- •
سجّل المسلمون عبر القرون تاريخ الرجال والدول والعمران والأفكار والأديان لاستنباط العبرة والهداية لا للتسجيل المجرد.
- •
الحكم الشرعي عند الأصوليين خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين، وأقسامه الخمسة هي: الوجوب والندب والحرمة والكراهة والإباحة.
- •
ربط الفقهاء زكاة الأوراق النقدية بالمالية لا بالنقدين تطبيقاً لمراعاة المآل، حفاظاً على مقصد التكافل الاجتماعي وإغناء الفقير.
- 0:00
مراعاة المآلات مكوّن أساسي في العقل المسلم، يجمع بين الاستفادة من الماضي وإدراك الحاضر واستشراف المستقبل.
- 1:01
المآل هو المستقبل والحال هو الحاضر، وإدراكهما معاً يُشكّل منهج العقل المسلم في التفكير والاختيار.
- 2:14
العلم عند المسلمين شامل يضم التجريبي والنقلي والحسي والعقلي، والعقل المسلم يسعى لمعرفة الأشياء على حقيقتها.
- 2:56
ألّف المسلمون في علم الرجال والدول والعمران والأفكار لاستنباط العبرة والهداية من التاريخ لا للتسجيل فحسب.
- 4:02
القرآن الكريم وحديث ابن حبان يأمران المؤمن بوعي الماضي والعلم بزمانه إدراكاً لشخوصه وأحداثه وعلاقاته.
- 5:00
يراعي المسلم مآلات أفعاله بعد إدراك حقيقة نفسه من قوة وضعف وصورة في العالم، ثم يستشرف نتائج اختياراته.
- 5:33
مراعاة المآل ضابط فقهي مرتبط بسد الذريعة، ويلتقي مع دراسات المستقبل الحديثة في السعي لتغيير الواقع لا وصفه.
- 7:03
اهتم المالكية والأصوليون بمراعاة المآلات اهتماماً بالغاً وجعلوها مكوّناً راسخاً في التفكير الفقهي الإسلامي.
- 7:26
الحكم الشرعي خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين، وأقسامه الخمسة: الوجوب والندب والحرمة والكراهة والإباحة.
- 8:29
يستنبط الفقيه الحكم من الكتاب والسنة ثم يتصور مآله في الواقع، فإن أفضى إلى مفسدة راجع علته لتحقيق المصالح والمقاصد.
- 9:50
مقصد الزكاة إغناء الفقير وتحقيق التكافل الاجتماعي بأخذ جزء من أموال الأغنياء وردّه على المحتاجين.
- 10:45
ارتبطت الزكاة بالذهب والفضة لأنهما كانا وسيط التبادل، فلما انعدما كوسيط نشأت إشكالية فقهية حول تطبيق الزكاة.
- 11:51
تطبيق قول الشافعية بتعلق الزكاة بالنقدين على عصر الأوراق النقدية يُفضي إلى إسقاط الزكاة كلياً وإبطال المعاملات.
- 12:48
إسقاط الزكاة بسبب انعدام الذهب والفضة يُضيّع الفقير ومقاصد الشرع ويُعطّل ركناً من أركان الإسلام.
- 13:27
الحل الفقهي ربط زكاة الأوراق النقدية بالمالية لا بالنقدين، فتجب الزكاة على البنكنوت تحقيقاً للتكافل الاجتماعي.
- 14:10
مراعاة المآل استلزمت تغيير علة الزكاة من النقدين إلى المال، فتجب على الأوراق النقدية تطبيقاً لركن الإسلام.
ما المقصود بمراعاة المآلات وما علاقتها بمكونات العقل المسلم؟
مراعاة المآلات تعني أن العقل المسلم لا يكتفي بالحاضر بل يستشرف ما ستؤول إليه الأفعال في المستقبل. فهو يحسب حساب الحاضر ويستفيد من التاريخ والماضي، ثم يتصور تصوراً مبدعاً لما يمكن أن يحدث مستقبلاً. وهذا الاستشراف يُعدّ مكوّناً أصيلاً من مكونات العقل المسلم في الحياة.
ما الفرق بين المآل والحال وكيف يستشرف العقل المسلم المستقبل؟
المآل هو المستقبل، والحال هو الحاضر، وكلاهما من مكونات العقل المسلم. يستشرف العقل المسلم المستقبل بناءً على التجربة الماضية والدراسة التاريخية ومعرفة طبائع الأشياء والأشخاص والأحداث. ومن خلال هذا الاستشراف يتساءل: ما الذي سيترتب على هذا الفعل وما الذي سيؤول إليه الأمر؟
كيف ينظر المسلمون إلى العلم وما أنواعه في منظورهم؟
يهتم المسلمون بالعلم اهتماماً بليغاً، ويرون أن العلم لا يقتصر على نوع واحد بل يشمل العلم التجريبي والنقلي والحسي والعقلي معاً. والعقل المسلم يسير بعد دراسة وعلم، ويسعى إلى معرفة الشيء على ما هو عليه في الواقع.
لماذا اهتم المسلمون بتسجيل التاريخ في مختلف مجالاته؟
اهتم المسلمون عبر القرون بتسجيل التاريخ في أشخاصه وأحداثه وأحواله، فألّفوا في علم الرجال والدول والعمران وتاريخ الأفكار والفرق والملل والنحل والمذاهب والأديان. والغاية من ذلك ليست التسجيل المجرد، بل استنباط العبرة واستخلاص الهداية مما مضى.
ما الأدلة القرآنية والنبوية على وجوب وعي الماضي والعلم بالزمان؟
أمر الله تعالى بوعي الماضي في قوله ﴿لَقَدْ كَانَ فِى قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ﴾، وأمر بالاقتداء بالأنبياء في قوله ﴿فَبِهُدَىٰهُمُ ٱقْتَدِهْ﴾. وفي حكم آل داود الذي أخرجه ابن حبان: «أن يكون المؤمن عالماً بزمانه مدركاً لشأنه»، أي عالماً بشخوص زمانه وعلاقاته وأحداثه وما يجري على الساحة العالمية.
كيف يراعي المسلم مآلات أفعاله عند اتخاذ قراراته واختياراته؟
ينبغي للمسلم أن يدرك حقيقة نفسه أولاً: هل هو في حالة قوة أم ضعف، وما صورته في العالم، وما أسباب أي تشويه لهذه الصورة، وأين هو في المشاركة الحضارية العالمية. ثم عندما يُقدم على فعل أو يختار منهجاً فإنه يراعي ما الذي سيكون في المستقبل نتيجةً لذلك الاختيار.
ما علاقة مراعاة المآل بضوابط الفتوى وسد الذريعة ودراسات المستقبل؟
جعل الفقهاء مراعاة المآل ضابطاً من ضوابط الفتوى يتحكم في الفقيه عند إعطاء أحكامه، وربطوها بسد الذريعة. وهذه الفكرة تلتقي مع دراسات المستقبل الحديثة التي تُبنى على حقائق إحصائية ودراسات تاريخية وأهداف إدارية. ولم تعد المآلات مجرد تنبؤ بما سيحدث، بل أصبحت تحكماً في المستقبل وسعياً لتغيير الواقع لا وصفه فقط.
من أبرز العلماء الذين اهتموا بمراعاة المآلات في الفقه الإسلامي؟
اهتم المالكية اهتماماً بالغاً بفكرة المآلات في كتبهم وكلامهم على الفقه، كما اهتم بها الأصوليون في قضية مراعاة المآلات. وهذا الاهتمام جعل المآلات مكوّناً راسخاً في التفكير الفقهي الإسلامي.
ما تعريف الحكم الشرعي وما أقسامه الخمسة عند الأصوليين؟
الحكم الشرعي هو خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين بالطلب أو التخيير. وأقسامه الخمسة هي: الوجوب والندب والحرمة والكراهة والإباحة. فطلب الفعل الجازم وجوب، وغير الجازم ندب، وطلب الترك الجازم حرمة، وغير الجازم كراهة، والتخيير إباحة.
كيف يراعي الفقيه مآلات الحكم الشرعي عند استنباطه من المصادر؟
يبدأ الفقيه بالرجوع إلى الكتاب والسنة لاستنباط الحكم الشرعي، ثم يتساءل عما سيؤول إليه تطبيق ذلك الحكم في الواقع. فإذا رأى أن الحكم سيُفضي إلى مفسدة أو يكرّ على الشريعة بالبطلان، أدرك أن في استنباطه خطأً يجب تصحيحه. ويغيّر حينئذ طريقة تفكيره ليحقق المصالح ويراعي المقاصد والمآلات حتى لا يبدو الدين وكأنه يهدم نفسه.
ما المقصد الشرعي من الزكاة وكيف يتحقق التكافل الاجتماعي من خلالها؟
شرع الله الزكاة لغرض إغناء الفقير وتحقيق التكافل الاجتماعي. وذلك بأخذ جزء من أموال الأغنياء وردّه على الفقراء، حتى يخرج الفقير من دَينه ويستوفي حاجته ويقوم بضرورياته هو ومن يعول. فمآل الزكاة الأصيل هو إغناء الفقير وسد حاجته.
لماذا ارتبطت الزكاة تاريخياً بالذهب والفضة وما الإشكالية التي نشأت عن ذلك؟
ارتبطت الزكاة بالذهب والفضة لأنهما كانا وسيط التبادل بين الناس في صورة الدينار الرومي والدرهم الفارسي، ومن يمتلكهما كان يمتلك الغنى. غير أنه جاء وقت انعدم فيه الذهب والفضة كوسيط تبادل، فنشأت إشكالية: هل يبقى الربط بينهما وبين الزكاة أم لا؟
ما إشكالية تطبيق قول الشافعية بتعلق الزكاة بالنقدين على الأوراق النقدية؟
قال الإمام الشافعي والشافعية بأن الزكاة تعلّقت بالنقدين الذهب والفضة، وأنه لا زكاة على من لا يملكهما. وتطبيق هذا القول على عصر الأوراق النقدية المنفصلة عن الذهب والفضة يُفضي إلى نتيجة خطيرة: أنه لا زكاة على الإطلاق، وأن كل معاملات أهل الأرض وشركاتهم باطلة، لأن الشركة عند الشافعية تستلزم الذهب والفضة.
ما مآل الفتوى التي تُسقط الزكاة في عصر الأوراق النقدية وأين يذهب الفقير؟
إذا أسقط الفقيه الزكاة بحجة انعدام الذهب والفضة، ضاع الفقير وضاع مقصد الشرع من حفظ النفس والمال وكرامة الإنسان. والمآل أن ركن الزكاة سيزول من وجه الأرض. ولذلك لا يستطيع الفقيه أن يخرج إلى الناس بهذا الرأي الذي يُهدر الزكاة ويُعطّل ركناً من أركان الإسلام.
ما الحل الفقهي لإيجاب زكاة الأوراق النقدية مع مراعاة المآل؟
الحل الفقهي هو ربط الزكاة بالمالية لا بالنقدية؛ فعلة الزكاة ليست النقد بالذهب والفضة بل المال مطلقاً، والأوراق النقدية مال قطعاً. وبهذا تجب الزكاة على الأوراق النقدية، ويتحقق إغناء الفقير وسداد ديونه وعلاجه وتحقيق التكافل الاجتماعي كما أراد الله.
كيف أدت مراعاة المآل إلى تغيير العلة الفقهية في زكاة الأوراق النقدية وما النتيجة؟
أدت مراعاة المآل إلى تغيير العلة من النقدين إلى المال، لأن الله تعالى ربط الغنى بالمال وهو ما زال معمولاً به. وبهذا التغيير تجب الزكاة على الأوراق النقدية تطبيقاً لركن من أركان الإسلام، ويبقى التكافل الاجتماعي قائماً. وهذا المثال يُجسّد كيف أن مراعاة المآل مكوّن أصيل من مكونات العقل المسلم.
مراعاة المآلات تُلزم الفقيه بربط زكاة الأوراق النقدية بالمالية لا بالنقدين حفاظاً على مقاصد الشريعة.
مراعاة المآلات مبدأ فقهي أصيل يقتضي أن يستشرف الفقيه نتائج حكمه قبل إصداره؛ فإذا أفضى الحكم إلى تعطيل ركن من أركان الإسلام أو إضاعة مقصد شرعي وجب مراجعة العلة. وقد اهتم بهذا المبدأ المالكية والأصوليون وجعلوه ضابطاً من ضوابط الفتوى مرتبطاً بسد الذريعة.
تجلّى تطبيق مراعاة المآلات في قضية زكاة الأوراق النقدية؛ إذ إن ربط الزكاة بالنقدين فقط في عصر البنكنوت يُفضي إلى إسقاط الزكاة كلياً وضياع مقصد التكافل الاجتماعي وإغناء الفقير. لذا انتهى الفقهاء إلى أن علة الزكاة هي المالية لا النقدية، فتجب على الأوراق النقدية تطبيقاً لركن من أركان الإسلام.
أبرز ما تستفيد منه
- مراعاة المآلات تعني استشراف نتائج الحكم الشرعي قبل تطبيقه على الواقع.
- زكاة الأوراق النقدية واجبة لأن علة الزكاة المالية لا النقدية.
- الحكم الذي يُفضي إلى مفسدة أو تعطيل مقصد شرعي يستوجب مراجعة علته.
- العقل المسلم يجمع بين وعي الحاضر والاستفادة من الماضي واستشراف المستقبل.
مراعاة المآلات من مكونات العقل المسلم في الحياة
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع مكونات العقل المسلم، نرى أن من مكونات العقل المسلم أنه دائمًا يراعي المآلات، مآلات الأفعال. وهو يسير في الحياة فإنه يحسب حساب الحاضر ويستفيد من التاريخ والماضي، ولكنه أيضًا يتصور تصورًا مبدعًا لما يمكن أن يحدث في المستقبل.
كيف يستشرف العقل المسلم المستقبل بناءً على التجربة والمعرفة
هذا الفعل إذا ما فعلته، وبناءً على تجربتي الماضية ودراستي التاريخية ومعرفتي بطبائع الأشياء وبطبائع الأشخاص وبطبائع الأحداث، وبالتالي فبطبائع الواقع: ما الذي سوف يترتب على [هذا الفعل]؟ وما الذي سينتج من فعل هذا الآن؟ وما الذي سيؤول إليه الأمر؟
ومن هنا جاء المآل. إذن المستقبل يمكن أن نطلق عليه المآل، والحاضر يمكن أن نطلق عليه الحال. ولذلك فإن مراعاة المآل وإدراك واقع الحال كلاهما من مكونات العقل المسلم.
شمولية مفهوم العلم عند المسلمين واهتمامهم البالغ به
العقل المسلم إذن يسير بعد دراسة وعلم، ولذلك يعتقد المسلمون أنهم يهتمون بالعلم جدًا، وأن العلم عندهم ليس قاصرًا على العلم التجريبي ولا على العلم النقلي ولا على العلم الحسي ولا على العلم العقلي، بل إنه يشمل ذلك كله.
فتراهم يهتمون اهتمامًا بليغًا بالعلم؛ هم يريدون أن يعرفوا الشيء على ما هو عليه.
تسجيل المسلمين للتاريخ عبر القرون في مختلف المجالات
ومن أجل ذلك رأينا المسلمين عبر القرون وهم يسجلون التاريخ؛ يسجلون التاريخ في أشخاصه وفي أحداثه، ويسجلون التاريخ في أحواله أيضًا.
نراهم قد ألّفوا في علم الرجال، ونراهم قد ألّفوا في الدول المتتالية والسلطان، ونراهم قد ألّفوا في تاريخ العمران، ونراهم قد ألّفوا في تاريخ الأفكار والفرق والملل والنحل والمذاهب والأديان.
نراهم قد ألّفوا في كل ذلك لأنهم يهتمون اهتمامًا بليغًا بما سبق وما مضى، ولكن من أجل أن يستنبطوا منه العبرة وأن يستخلصوا منه الهداية.
الأمر القرآني والنبوي بوعي الماضي والعلم بالزمان
قال تعالى في شأن الأنبياء السابقين:
﴿لَقَدْ كَانَ فِى قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ﴾ [يوسف: 111]
وقال:
﴿أُولَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ فَبِهُدَىٰهُمُ ٱقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: 90]
أمرنا ربنا سبحانه وتعالى إذن أن نعي الماضي. والنبي صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه ابن حبان وهو يحكي لنا من حكم آل داود أنه كان منها:
«أن يكون المؤمن عالمًا بزمانه مدركًا لشأنه»
العلم بالزمان يعني العلم بشخوص ذلك الزمان، العلم بعلاقات ذلك الزمان، العلم بأحداث ذلك الزمان، بفهم لما يحدث على الساحة العالمية.
إدراك المسلم لحقيقة نفسه ومراعاة المآل في اختياراته
ثم بعد ذلك ينبغي أن يدرك حقيقة نفسه: هل هو في حالة قوة؟ هل هو في حالة ضعف؟ هل صورته صورة طيبة في العالمين أم أنها مشوهة؟ ما أسباب هذا التشويه؟ أين هو الآن في المشاركة العالمية في الحضارة العالمية؟
وعندما يفعل فعلًا أو يختار اختيارًا أو يتبع منهجًا فإنه يراعي ما الذي سيكون في المستقبل.
مراعاة المآل عند الفقهاء وعلاقتها بسد الذريعة ودراسات المستقبل
إذن، مراعاة المآل التي تحدث عنها الفقهاء وجعلوها ضابطًا من ضوابط الفتوى وجعلوها تتحكم في الفقيه عندما يُعطي أحكامه، وربطوها بما يُسمى بسد الذريعة، هذه دراسات يمكن أن تَلحق ويمكن أن تستفيد أيضًا بدراسات المستقبل.
هناك دراسات الآن تُسمى دراسات المستقبل، ودراسات المستقبل ينبغي أن تُبنى على حقائق؛ بعضها حقائق إحصائية، وبعضها دراسات تاريخية، وبعضها أهداف وخطط إدارية يجب علينا أن نضعها من أجل أن نصل إليها.
لم تعد المآلات في دراسات المستقبل تنبؤًا بما سيحدث، بل أصبحت أيضًا تحكمًا فيما سيحدث، وأصبحت أيضًا: نريد من دراسات المستقبل أن نغيّر الواقع وليس أن نصف الواقع فقط.
اهتمام المالكية والأصوليين بفكرة مراعاة المآلات في الفقه
ولكن فكرة الاهتمام بالمآلات وأن نضعها في تفكيرنا وفي اهتمامنا هي أمر فقهي اهتم به المالكية جدًا في كتبهم وفي كلامهم على الفقه، واهتم به الأصوليون جدًا في قضية مراعاة المآلات.
تعريف الحكم الشرعي وأقسامه الخمسة عند الأصوليين
عندما يفكر الفقيه فإنه يفكر في استنباط حكم شرعي، هذا الحكم الشرعي يصف فعلًا بشريًا. الحكم الشرعي هو خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين بالطلب أو بالتخيير؛ سواء أكان طلب فعل أو طلب ترك، وسواء أكان جازمًا أو غير جازم، فهذه أربعة أحكام [الوجوب والندب والحرمة والكراهة]، ثم التخيير يأتي الحكم الخامس وهو الإباحة.
خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين: فعل المكلف كالصلاة، الصيام، السرقة، الزواج، البيع، أي فعل من أفعال المكلف، ثم نصفه بأن هذا واجب وهذا مندوب وهذا حرام وهذا مكروه وهذا مباح.
منهج الفقيه في استنباط الحكم الشرعي ومراعاة مآلات تطبيقه
عندما يأتي الفقيه فأول ما يفعل من أجل أن يعلم ويستنبط الحكم الشرعي ليصف به فعلًا بشريًا هو أن يذهب إلى المصادر من الكتاب والسنة من أجل أن يلتمس فيها ومنها حكمًا.
ثم بعد ذلك، بعدما توصل إلى الحكم، فإنه يفكر: ما الذي سيؤول إليه تنفيذ ذلك الحكم في الواقع؟ فإذا رأى أنه سيصل به إلى مفسدة وإلى أنه يكرّ على الشريعة بالبطلان، فحينئذ يعلم أنه قد أخطأ، وحينئذ يعلم أن شيئًا ما من استنباطه يجب أن يتغير.
وحينئذ يغيّر طريقة تفكيره من أجل أن يصل لتحقيق المصالح من ناحية، ومراعاة المقاصد من ناحية أخرى، ومراعاة المآلات من ناحية ثالثة؛ حتى لا نرى أن الدين يهدم نفسه.
مثال الزكاة ومقصدها الشرعي في إغناء الفقير وتحقيق التكافل
مثال ذلك الذي حدث في قضية الزكاة: تكلم الفقهاء القدماء عن أن الزكاة شرعها الله لغرض ومراد إغناء الفقير، من أجل أن يتحقق ما يمكن أن نسميه بالتكافل الاجتماعي.
فنأخذ من أموال الأغنياء فنردها على الفقراء، من أجل أن يخرج الفقير من دَينه وأن يستوفي حاجته وأن يقوم بضرورياته هو ومن يعول من عائلة وأسرة وأبناء وزوجة إلى آخره.
إذن كانت الزكاة مؤداها أن نُغني الفقير.
ربط الزكاة بالذهب والفضة وإشكالية انعدامهما كوسيط تبادل
قالوا إنه إذا كان إغناء الفقير هو المتبادل بين الناس من الذهب والفضة، فقد جاء وقت انعدم فيه الذهب والفضة بين الناس. إذا قرأنا الكلام القديم وربطنا بين الزكاة وبين الذهبية [أي اشتراط الذهب والفضة]، هذا الربط الذي قد يكون صحيحًا في بعض الأعصر؛ [فمن كان] يمتلك الذهب والفضة كان يمتلك الغنى، والذي لا يمتلك الذهب والفضة لا يمتلك الغنى وهو معرض في أي وقت للأزمات الاقتصادية وللفقر.
ولذلك خاطبنا [الشرع] من امتلك الذهب والفضة. فلما لم يعد الذهب والفضة هما وسيط التبادل بين الناس، حيث كان الذهب في صورة الدينار الذي يُضرب في الروم، والفضة في صورة الدرهم التي تُضرب في فارس، هي التي يتداولها البشر على وجه الأرض.
إشكالية قول الشافعية بتعلق الزكاة بالنقدين وأثره على الأوراق النقدية
ولذلك عندما يقول الإمام الشافعي والشافعية من بعده أن الزكاة قد تعلّقت بالنقدين [الذهب والفضة]، وأنه إذا لم يكن في ملك الإنسان نقود فلا زكاة عليه، لا يصلح هذا أن نطبقه في الورق النقدي (البنكنوت) الذي انفصل من الذهب والفضة.
لأن الفقيه الشافعي إذا فكر وقال: الآن لم يعد هناك ذهب وفضة، إذن فلم تعد هناك زكاة، فمعنى هذا أن كل معاملات أهل الأرض باطلة، وكل شركات أهل الأرض باطلة، وليس هناك زكاة؛ لأن الشركة عند الشافعية يلزم فيها وجود الذهب والفضة، ولأن الزكاة لا بد فيها أن يكون [المزكّي] مالكًا للذهب والفضة.
ضياع مقصد الزكاة وحفظ الفقير إذا لم يُراعَ المآل في الفتوى
هذا الكلام لو قاله الفقيه في ذهنه وقبل أن يخرج به إلى الناس ينبغي عليه أن يسأل: فأين الفقير في هذه المنظومة؟ ضاع الفقير. وأين مقصد الشرع من حفظ النفس ومن حفظ المال ومن حفظ كرامة الإنسان؟ ضاع كل ذلك.
وأين المآل؟ المآل أن ركن الزكاة سوف يزول ولم يعد هناك زكاة على وجه الأرض. لا يستطيع [الفقيه] أن يخرج إلى الناس بهذا الرأي الفجّ القبيح الذي أهار الزكاة.
الحل الفقهي بربط الزكاة بالمالية بدلاً من النقدية مراعاةً للمآل
فماذا يفعل [الفقيه]؟ يربط الزكاة بالمالية وليس بالنقدية. يقول: علة الزكاة ليست هي النقد كما نص عليها الإمام الشافعي ومن بعده من العلماء الشافعية وغيرهم، ولكن هنا لا بد للفقيه أن يقول إنّ الزكاة تعلقت بالمالية، والبنكنوت هذا مال قطعًا.
ولذلك لا بد علينا أن نخرج الزكاة، ولا بد علينا أن نُغني الفقير، وأن نقوم بحاجته، وأن نسدد ديونه، وأن نعالجه، وأن يتم التكافل الاجتماعي كما أراد الله سبحانه وتعالى.
تغيير العلة الفقهية من النقدين إلى المالية تطبيقاً لمراعاة المآل
كل ذلك استلزم منه أن يفكر من أجل المآل ومراعاة المآل، فيرجع من تلك العلة البسيطة التي كانت في زمن ما لا تؤثر في الحكم ولم تحدث فيها هذه المشكلة، ويغيّرها ويقول: الزكاة لم تتعلق بالنقدين ولكن تعلقت بالمال.
ولأن الله سبحانه وتعالى حينما يتعلق الأمر والغنى بالمال فإنه ما زال معمولًا به، وما زلنا نطلب من الأغنياء ما داموا قادرين وما دام هناك تجزئة للدفع، فإننا نطلب من الأغنياء أن يؤدوا الزكاة ولو من الأوراق النقدية، تطبيقًا للركن من أركان الإسلام للفقراء.
إن مراعاة المآل مكوّن من مكونات العقل المسلم. والسلام عليكم ورحمة الله.
ما شعورك تجاه هذا الفيديو؟
شاركنا أثر المحتوى على قلبك
هل تنصح بهذا الفيديو؟
صوتك يساعد الآخرين في الوصول لهذا المحتوى
الأسئلة الشائعة
أبرز الأسئلة التي يُجيب عنها هذا الفيديو
ما المقصود بـ'المآل' في اصطلاح العقل المسلم؟
المستقبل الذي ستؤول إليه الأفعال
ما أقسام الحكم الشرعي عند الأصوليين؟
خمسة: الوجوب والندب والحرمة والكراهة والإباحة
ما الغرض الأصيل الذي شرع الله الزكاة من أجله؟
إغناء الفقير وتحقيق التكافل الاجتماعي
لماذا ارتبطت الزكاة تاريخياً بالذهب والفضة؟
لأنهما كانا وسيط التبادل الذي يمثل الغنى
ما النتيجة الخطيرة لتطبيق قول الشافعية بتعلق الزكاة بالنقدين في عصر الأوراق النقدية؟
إسقاط الزكاة كلياً وإبطال المعاملات
ما العلة التي انتهى إليها الفقهاء لإيجاب زكاة الأوراق النقدية؟
المالية أي كون الشيء مالاً
بماذا ربط الفقهاء مراعاة المآل في باب الفتوى؟
بسد الذريعة وضوابط الفتوى
ما الحديث النبوي الذي يأمر المؤمن بالعلم بزمانه؟
حديث أخرجه ابن حبان من حكم آل داود
ما الآية القرآنية التي تأمر بالاقتداء بالأنبياء السابقين؟
﴿أُولَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ فَبِهُدَىٰهُمُ ٱقْتَدِهْ﴾
أي مذهب فقهي اهتم بمراعاة المآلات اهتماماً بالغاً في كتبه؟
المالكية
ما الذي يفعله الفقيه إذا رأى أن الحكم المستنبط سيُفضي إلى مفسدة؟
يُراجع استنباطه ويغيّر طريقة تفكيره
ما الفرق بين دراسات المستقبل القديمة والحديثة وفق المفهوم المطروح؟
القديمة كانت تنبؤاً بما سيحدث والحديثة تحكم وتغيير للواقع
ما تعريف مراعاة المآلات؟
هي استشراف الفقيه أو المسلم لنتائج الأفعال والأحكام في المستقبل قبل اتخاذها أو إصدارها، بناءً على التجربة والمعرفة بطبائع الأشياء والأشخاص والأحداث.
ما الفرق بين المآل والحال في منهج العقل المسلم؟
الحال هو الحاضر الذي يعيشه الإنسان، والمآل هو المستقبل الذي ستؤول إليه الأفعال، وكلاهما من مكونات العقل المسلم.
ما أنواع العلم التي يشملها مفهوم العلم عند المسلمين؟
يشمل العلم عند المسلمين: العلم التجريبي والعلم النقلي والعلم الحسي والعلم العقلي، ولا يقتصر على نوع واحد منها.
لماذا ألّف المسلمون في علم الرجال والدول والعمران والأفكار؟
لاستنباط العبرة واستخلاص الهداية مما مضى، لا للتسجيل المجرد، لأن العقل المسلم يستفيد من الماضي لاستشراف المستقبل.
ما معنى 'العلم بالزمان' في حديث آل داود؟
يعني العلم بشخوص الزمان وعلاقاته وأحداثه وفهم ما يجري على الساحة العالمية، أي الوعي الكامل بالواقع المحيط.
ما الآية التي تدل على وجوب الاستفادة من قصص الأنبياء؟
قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِى قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ﴾ [يوسف: 111]، وهي تأمر بوعي الماضي واستخلاص العبرة منه.
ما تعريف الحكم الشرعي عند الأصوليين؟
هو خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين بالطلب أو التخيير، سواء أكان طلب فعل أو طلب ترك، جازماً أو غير جازم.
ما الحكم الشرعي الخامس وكيف يختلف عن الأربعة الأخرى؟
الحكم الخامس هو الإباحة، وهو التخيير بين الفعل والترك، بينما الأربعة الأخرى (الوجوب والندب والحرمة والكراهة) تنطوي على طلب فعل أو ترك.
ما الخطوة الأولى التي يتخذها الفقيه لاستنباط الحكم الشرعي؟
يذهب إلى المصادر من الكتاب والسنة ليلتمس منها الحكم الشرعي الذي يصف به الفعل البشري.
متى يعلم الفقيه أنه أخطأ في استنباطه للحكم؟
عندما يرى أن تطبيق الحكم في الواقع سيُفضي إلى مفسدة أو يكرّ على الشريعة بالبطلان، فيدرك أن شيئاً في استنباطه يجب أن يتغير.
ما الدينار والدرهم وما علاقتهما بالزكاة تاريخياً؟
الدينار عملة ذهبية كانت تُضرب في الروم، والدرهم عملة فضية كانت تُضرب في فارس، وكانتا وسيط التبادل الذي يمثل الغنى، فارتبطت بهما الزكاة.
ما الإشكالية التي نشأت عن ربط الزكاة بالنقدين في عصر الأوراق النقدية؟
أن تطبيق هذا الربط حرفياً يُفضي إلى إسقاط الزكاة كلياً لانعدام الذهب والفضة كوسيط تبادل، وإبطال جميع المعاملات والشركات.
ما الفرق بين علة النقدية وعلة المالية في باب الزكاة؟
علة النقدية تربط الزكاة بالذهب والفضة تحديداً، أما علة المالية فتربطها بكل ما يُعدّ مالاً بصرف النظر عن مادته، فتشمل الأوراق النقدية.
ما مقصد الشرع من حفظ المال في سياق الزكاة؟
حفظ المال يعني ضمان حصول الفقير على حقه وسد حاجته وإخراجه من الدَّين، وتحقيق التكافل الاجتماعي الذي أراده الله.
كيف تجسّد قضية زكاة الأوراق النقدية مبدأ مراعاة المآلات؟
لأن الفقيه تصوّر مآل القول بعدم الزكاة على الأوراق النقدية فرأى أنه يُعطّل ركناً من أركان الإسلام، فغيّر العلة من النقدية إلى المالية حفاظاً على مقاصد الشريعة.
