مسند عبد الله بن عمر بن الخطاب | برنامج مجالس الطيبين | أ.د علي جمعة
- •عبد الله بن عمر ولد في مكة قبل الهجرة بعشر سنوات، وهاجر إلى المدينة قبل أبيه عمر بن الخطاب.
- •عندما توفي النبي صلى الله عليه وسلم كان عمره واحداً وعشرين سنة، وقد حج في الإسلام ستين حجة.
- •اشتهر بشدة تتبعه لآثار النبي، فكان يقلده في مشيته وأكله وشربه ويتحرى الأماكن التي صلى فيها.
- •كان من اللجنة التي اختارها عمر لاختيار الخليفة بعده، وقد طلب منه الحضور دون ترشيح نفسه.
- •روى له الإمام أحمد في مسنده ألفين وتسعة وعشرين حديثاً، مما يجعله من أكبر المسانيد.
- •من أحاديثه أن النبي جعل يوم خيبر للفرس سهمين وللرجل سهماً.
- •تظهر غزوة خيبر حكمة النبي في فك الحصار عن المدينة بعد صلح الحديبية.
- •علمنا النبي من خلال هذه الأحداث كيفية التفاوض والتعامل مع المخالفين ونشر الإسلام.
مقدمة الحلقة والترحيب بالمشاهدين في مجالس الطيبين مع مسند الإمام أحمد
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
أيها الإخوة المشاهدون، أيتها الأخوات المشاهدات في كل مكان، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلًا ومرحبًا بكم في حلقة جديدة من حلقات مجالس الطيبين مع مسند الإمام أحمد بن حنبل رضي الله تعالى عنه، مسند سيدنا عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما.
نشأة عبد الله بن عمر في مكة وهجرته إلى المدينة قبل أبيه
عبد الله بن عمر رضي الله عنهما وُلد في مكة، وقد هاجر قبل أبيه، ونشأ في الإسلام وكان عمره عشر سنوات؛ أي أنه وُلد في مكة قبل عشر سنوات، ولما بلغ عشر سنوات هاجر إلى المدينة قبل أبيه عمر [بن الخطاب].
أسلم عمر بن الخطاب رضي الله عنه في السنة الخامسة من الدعوة؛ أي قبل الهجرة، وعندما هاجر النبي ﷺ كان عمر مسلمًا منذ حوالي ثماني سنوات؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام هاجر في بدايات السنة الرابعة عشرة من نزول الوحي.
عبد الله بن عمر يُرَدّ في بدر وأحد ويُقبَل في الخندق
وقد هاجر عبد الله بن عمر قبل أبيه، ثم وقعت غزوة بدر في السابع عشر من رمضان سنة اثنتين من الهجرة، فذهب إلى النبي ﷺ وقال له: أحارب معك؟ فالنبي عليه الصلاة والسلام لم يكن يحب أن يحضر الأطفال الحرب، فرفضه قائلًا: لا.
ثم جاء في غزوة أحد وقال له: أحارب معك؟ فقال له: لا، مازلت طفلًا وأنا لا آخذ الأطفال معي في الحرب، ممنوع.
ثم وقت غزوة الخندق كان قد بلغ مبلغ الشباب ودخل في مرحلة أخرى من القوة، فأخذه رسول الله ﷺ معه والحمد لله. في الخندق نصر الله المؤمنين بالمجهود فقط وليس بالقتال.
نشأة عبد الله بن عمر في الإسلام وحبه الشديد للحج
فعبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنه نشأ مسلمًا، ولما توفي النبي صلى الله عليه وسلم كان عمره واحدًا وعشرين سنة تقريبًا.
سيدنا عبد الله بن عمر كان يحب الحج حبًّا شديدًا، فحجّ في الإسلام ستين حجة، وكان يحج تقريبًا كل سنة.
شدة تتبع عبد الله بن عمر لحركات النبي وسكناته في كل شيء
سيدنا عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنه كان يحب أن يتتبع حركات النبي ﷺ وسكناته، فكان يمشي كما كان يمشي النبي. ومشية النبي ﷺ ليس مأمورًا بها؛ ليس من الضروري أن يسير جميع الناس كما يسير النبي، لكنه كان منتبهًا للنبي ﷺ جدًّا.
وكان يجعل لحيته تشبه لحية النبي ﷺ، ويجعل أكله وشربه يشبهان أكل وشرب النبي ﷺ، ويجعل مشيته تشبه مشية النبي صلى الله عليه وسلم. وكان يتحرّى أين كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي فيصلي في المكان الذي كان يصلي فيه النبي صلى الله عليه وسلم، شديد التتبع للآثار النبوية الشريفة.
تتبع آثار النبي ليس بدعة بل هو من التمسك بسيرته الحسنة
ويُؤخَذ من هذا [تتبع ابن عمر للآثار النبوية] شدة الحب والتعلق [بالنبي ﷺ]، ويُؤخَذ من هذا أن تتبُّع آثار النبي صلى الله عليه وسلم ليس بدعة كما يدّعيه بعضهم، وأن هذا الكلام السخيف يُقَسّي القلب أصلًا؛ لأن تتبُّع آثار الصالحين والأنبياء إنما هو نوع من أنواع التمسك بسيرتهم الحسنة والتمسك بأخلاقهم الكريمة.
كان سيدنا ابن عمر يفعل دائمًا هذا.
عدد أحاديث مسند عبد الله بن عمر مقارنة بمسانيد كبار الصحابة
في مسند عبد الله بن عمر بن الخطاب روى الإمام أحمد ألفين وتسعة وعشرين حديثًا؛ يعني إنه من المسانيد الكبيرة.
عبد الله بن عباس رأينا أنه مع إكثاره روى له ألفًا وست مئة حديث وزيادة، وابن مسعود وهو أيضًا من العلماء المكثرين من الرواية ثمانمائة وزيادة. أما هنا فألفا حديث، فيكون عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما من أكبر المسانيد في مسند الإمام أحمد بن حنبل.
عبد الله بن عمر في لجنة الشورى التي اختارها عمر لاختيار الخليفة
كان [عبد الله بن عمر] من اللجنة التي اختارها سيدنا عمر [بن الخطاب] من أجل اختيار الخليفة بعده، وقال له أن يحضر معهم المداولات، [لكن قال له:] لا تختر نفسك؛ حتى لا يكون هناك توريث، وإنما يكون هناك اختيار. أنت فقط احضر وقل: والله أنا أرشح فلانًا إلى آخره.
وهي اللجنة التي في النهاية اختارت سيدنا عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه.
قصة توقف ابن عمر في السفر ليتتبع أثر النبي عند سباطة قوم
سيدنا عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنه قلنا كان شديد التتبع للآثار النبوية، حتى أنه كان مرة مسافرًا وبعد ذلك قال لهم: يا جماعة توقفوا هنا. فقالوا: ما الخير في هذا؟ نحن لم نمشِ كثيرًا ولا يزال أمامنا مكان نستريح فيه.
فقال: لا، توقفوا هنا. فنزل فبال عند سباطة قوم قائمًا، وقال: عند هذا السباطة رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بال قائمًا. إلى هذا الحد من التعلق يحبونه.
الحب الشديد للنبي يدفع لتتبع كل حركاته ولا ينبغي إنكار ذلك
إن الحب [للنبي ﷺ] يعني أن هناك أناسًا تقول: كيف؟ يعني لماذا يفعل هكذا؟ يحبه! شخص تعلق قلبه برسول الله صلى الله عليه وسلم فيتبعه في كل حركاته وكل سكناته.
عندما تقرؤون هذه الأشياء لا تنكروها؛ لأن إنكارها يسد باب الحب. نحن نريد أن نتعلم الحبَّ الذي شعروا به، وللأسف كأننا قتلناه في أنفسنا.
حديث تقسيم الغنائم يوم خيبر للفرس سهمين وللرجل سهمًا واحدًا
ماذا يروي لنا عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنه وأرضاه؟
يقول إن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل يوم خيبر للفرس سهمين وللرجل سهمًا.
وقال أبو معاوية: أسهم للرجل ولفرسه ثلاثة أسهم؛ سهمًا له وسهمين لفرسه.
إذن هنا يقول لنا أنه في فتح خيبر [قسّم النبي ﷺ الغنائم على هذا النحو].
السياق الاستراتيجي لفتح خيبر وفك الكماشة عن المدينة المنورة
والنبي عليه الصلاة والسلام فتح خيبر. لماذا خيبر؟ خيبر على بعد حوالي مائة وستين كيلومترًا تقريبًا شمال المدينة، اتفقت مع قريش التي هي مكة أنهم يعملوا كماشة على المدينة؛ اليهود يأتون من الشمال والمشركون يأتون من الجنوب ويطبقون على المدينة ليقضوا على قصة الإسلام هذه والمسلمين.
النبي صلى الله عليه وسلم يعلمنا كيف نتصرف، ففكّ الكماشة ونزل في الحديبية إلى الجنوب. منعوه فقال لهم: حسنًا، نعقد صلحًا. فعقدوا صلحًا ينص الصلح على أنكِ يا مكة لا تهاجمي المدينة، فحيّدهم وفكّ الكماشة.
فتح خيبر ثم فتح مكة وانتهاء مشكلة الحصار عن المسلمين
وبمجرد أن رجع [النبي ﷺ] إلى المدينة، توجه إلى خيبر لكي يفك الكماشة التي فوق [من جهة الشمال]، ففتح خيبر فعلًا وانتهت الكماشة التي فوق.
المشركون لم يصبروا على العهد الذي عاهدوه وضربوا هوازن وضربوا الناس حلفاء النبي ﷺ، فالنبي عليه الصلاة والسلام نزل عليهم سنة ثمانية للفتح وفتح مكة، وانتهت مشكلة الحصار الذي اصطنعه جماعة اليهود مع جماعة المشركين.
سبب إعطاء الفرس سهمين من الغنيمة لتغطية تكاليف الفارس
في هذا [السياق] كانت خيبر مهمة جدًّا. فالنبي صلى الله عليه وسلم جاء وماذا فعل؟ أعطى للفرس سهمين. حسنًا، ولماذا يعطي للفرس سهمين؟ لأن الفرسان كانوا يكلفون أنفسهم؛ أنا عندي فرس، أنا الذي أطعمه، أنا الذي أسقيه، أنا الذي أوفر له مكان النوم، أنا الذي أضع عليه السرج، أنا الذي أفعل كل شيء معه، ولا يوجد جيش نظامي يصرف عليه.
فهذه تكلفة؛ لأنه يريد أن يأكل ويشرب وينام ويتعالج هذا الفرس ويتدرب. ولذلك كان يعطي للرجل؛ أي للرجل الذي يمشي على قدميه، أو للفارس الذي هو صاحب الفرس سهمًا، وللفرس نفسه سهمين.
ليس جميع الصحابة فرسانًا والغنيمة تعوض التكلفة الكبيرة للخيل
فهذا يبين لنا أمورًا أيضًا، من ضمنها أنهم ليس جميعهم فرسان؛ بعضهم لديهم خيول وبعضهم ليس لديهم، بل القليل هو الذي يملك خيلًا. ولذلك هذه التكلفة الكبيرة سأعطيها له من الغنيمة حتى يستطيع أن يتقوى ويصبح عضوًا مناسبًا في جيش المسلمين.
أهمية التعمق في قصص السيرة النبوية لتعلم التفاوض والتعامل مع الآخرين
هذه القصص التي تُروى والتي هي وراء النص ينبغي علينا أن نتعمق فيها حتى نتعلم أولًا كيفية التفاوض. ينبغي علينا أن نقرأ عن صلح الحديبية وما الذي حدث فيها حتى نتعلم كيفية التفاوض، وكيفية التعامل مع غير المسلمين الذين يريدون إيذاءنا، وكيفية الليونة، والأهداف السامية وكيف نضعها.
بعض الصحابة كانوا يرفضون صلح الحديبية، لكنهم في النهاية وبعد سنة وسنتين عرفوا قيمة الحديبية، وأصبح ما حدث في الحديبية يُحكى.
دروس النبي في التفاوض والحرب والسلم والدعوة وختام الحلقة
النبي صلى الله عليه وسلم علّمنا كيف نفاوض، كيف نحارب، كيف نسالم، كيف ندعو، كيف ننشر إسلامنا.
فاللهم يا ربنا اجعلنا دعاة سلام وإسلام وأمن وإيمان إلى أن نلقاك.
وإلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
