#نوادر_الصحابة | الحلقة السابعة والعشرون | الصحابية " درة بنت أبي لهب "
- •درة بنت أبي لهب من الصحابيات الكريمات، وهي بنت عم النبي صلى الله عليه وسلم.
- •أسلمت درة وحسن إسلامها رغم أن أباها عادى النبي ونزلت فيه سورة المسد.
- •هاجرت إلى المدينة بعد وفاة زوجها الكافر، وتزوجت بدحية الكلبي الذي كان من أجمل العرب.
- •كان دحية سفيراً للنبي صلى الله عليه وسلم، وهو الذي كان يتمثل جبريل بصورته لجماله.
- •تعرضت درة للإيذاء من بعض النساء بسبب أبيها، فذهبت تشكو للنبي.
- •دافع النبي عنها وقال: "ما لكم تؤذوني في أهلي؟ ألا إن كل سبب ونسب منقطع يوم القيامة إلا سببي ونسبي".
- •وفي موقف آخر قال: "ألا لا يعيرن حي بميت".
- •سابقت عائشة لإحضار ماء الوضوء للنبي فسبقتها، فقال لها النبي: "أنتِ مني وأنا منكِ".
- •من دروس قصتها أن الإنسان يؤخذ بعمله لا بنسبه، وأن لا تزر وازرة وزر أخرى.
- •كان أبو لهب قد فرح بميلاد النبي وأعتق ثويبة التي بشرته بولادته.
مقدمة الحلقة والترحيب بمواقف الصحابة الكرام واستخلاص العبر
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
مع موقف جديد من مواقف الصحابة الكرام من الرجال أو النساء، نأخذ منه العبرة ونعيش حياتهم ومواقفهم وعلاقاتهم بعضهم ببعض، ومع رسول الله ﷺ، ومع الإنسان عامة، ومع الأكوان مما حولهم.
نستخلص منها العبر والدروس والعظات، ونحيا بها في حياتنا الدنيا ليفرح قلبنا ونصل إلى سعادة الدارين؛ سعادة الدنيا وسعادة الآخرة.
التعريف بالسيدة درة بنت أبي لهب ونسبها إلى عم النبي
اليوم مع واحدة من أهل البيت الكرام، مع واحدة من الصحابيات الأبرار، مع درة بنت أبي لهب رضي الله تعالى عنها وأرضاها.
درة هي بنت عم النبي صلى الله عليه وسلم. درة أبوها عادى النبي بالرغم من أنه أحبه، وكان الناس إذا رأت النبي صلى الله عليه وسلم وقع حبه في قلوبهم، ولكن هذا الانحراف عن الله وعن رسوله أدى بأبي لهب إلى أن عادى رسول الله صلى الله عليه وسلم وآذاه هو وزوجته أم جميل، وكانت تُسمى أروى.
نزول سورة المسد في أبي لهب وزوجته وحفظ الله للقرآن الكريم
نزلت فيهما [أبي لهب وزوجته] آياتنا القرآنية:
﴿تَبَّتْ يَدَآ أَبِى لَهَبٍ وَتَبَّ * مَآ أَغْنَىٰ عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَىٰ نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ * وَٱمْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ ٱلْحَطَبِ * فِى جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ﴾ [المسد: 1-5]
وهو قرآن لم يحذفه النبي ﷺ؛ لأن القرآن ليس من عنده، ولم يقل بنسخه أو بتغييره، ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم ليستطيع أن يفعل هذا [التغيير أو الحذف].
﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَـٰفِظُونَ﴾ [الحجر: 9]
وما كان للنبي صلى الله عليه وسلم أن يفعل هذا؛ لأن الله أراده هكذا، مصطفى مختار سيد الأكوان صلى الله عليه وسلم.
مبدأ المسؤولية الفردية في الإسلام وبراءة درة من ذنب أبيها
﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾ [الأنعام: 164]
﴿وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَـٰنِ إِلَّا مَا سَعَىٰ * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَىٰ * ثُمَّ يُجْزَىٰهُ ٱلْجَزَآءَ ٱلْأَوْفَىٰ﴾ [النجم: 39-41]
فـدرة بريئة من أبيها [أبي لهب]، أسلمت وحسن إسلامها، ومات زوجها الذي كان كافرًا، فهاجرت بعد إسلامها إلى المدينة المنورة.
زواج درة من دحية الكلبي الذي كان جبريل يتمثل بصورته
ولما وصلت [درة] المدينة تزوجت برجل من أجمل العرب كان يُسمى دحية الكلبي. وكان دحية الكلبي هو الذي كان جبريل عليه السلام يأتي متمثلًا في صورته؛ يتمثل بصورة دحية الكلبي لجماله وحلاوة منظره وبهائه ومكانته عند العرب.
كان دحية الكلبي أيضًا يعمل سفيرًا في خارجية رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو الذي يرسل الرسائل إلى الآفاق. أرسله [النبي ﷺ] إلى قيصر، إلى هرقل، ومعه كتاب النبي صلى الله عليه وسلم: «من محمد بن عبد الله رسول الله».
قصة دحية الكلبي مع هرقل وإقرار هرقل بنبوة محمد ﷺ
ذهب دحية الكلبي إلى قيصر، أو إلى رجل ملك قوم هرقل، وكان قد تزوج بدرة رضي الله تعالى عنها وأرضاها. ذهب إلى قيصر ووقف ببابه وقال للحاجب: قل له إني رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ودخل على هرقل، وكان هرقل يتيقن أن جميع صفات النبي [المذكورة في الكتب السابقة] هي متوفرة في محمد صلى الله عليه وسلم، حتى أنه أتى بكبير الأساقفة وقال له: ما رأيك في هذا؟ فقال: هذا هو النبي الذي بشرنا به موسى وعيسى، وإني أصدقه.
فقال [هرقل]: لكنني لا أستطيع [إعلان الإسلام] وإلا قتلتني الروم وذهب مُلكي. وهكذا سمع دحية هذا الحوار؛ الإقرار بنبوة النبي صلى الله عليه وسلم، ثم إن الدنيا قد منعت هرقل من الإسلام وإعلان الإسلام خوفًا من تداعيات الموقف داخل مملكته، وخوفًا أيضًا من ذهاب مُلكه.
حديث جبريل المشهور وتمثله بصورة دحية الكلبي زوج درة
دحية رضي الله تعالى عنه، يقول عمر [بن الخطاب رضي الله عنه]:
«دخل علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يعرفه أحد منا، وليست عليه آثار السفر، أشبه ما يكون بدحية الكلبي»
ثم سأل رسول الله ﷺ: ما الإسلام؟ ما الإيمان؟ ما الإحسان؟ وعن الساعة وعن علامتها وعن القدر خيره وشره. فلما ذهب الرجل هذا قال رسول الله ﷺ: أتدرون من هذا؟ قالوا: لا يا رسول الله. قال: هذا جبريل جاءكم يعلمكم أمر دينكم.
فدحية الكلبي هذا هو زوج السيدة درة رضي الله تعالى عنها وأرضاها.
إيذاء بعض النساء للسيدة درة بسبب نسبها وشكواها للنبي ﷺ
مرةً بعدما هاجرت درة عليها السلام إلى المدينة، آذاها بعض النساء وقلن لها على سبيل السخرية: السيدة ابنة أبي لهب الذي قال الله فيه:
﴿تَبَّتْ يَدَآ أَبِى لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد: 1]
فماذا تنفعك هجرتك وعملك وأنتِ أبوكِ مذكور في القرآن وهو من أهل النار؟ فبكت درة قائلة: ما لي وما له [أي ما ذنبي أنا بذنب أبي].
فذهبت إلى النبي صلى الله عليه وسلم تشكو له، فقام النبي بعدما صلى العصر وجمع الناس وقال:
«ما لكم تؤذوني في أهلي؟ ألا إن كل سبب ونسب منقطع يوم القيامة إلا سببي ونسبي»
كل الأنساب منقطعة، لن ينتفعوا بشيء إلا السبب الخاص بي ونسبي؛ يعني رسول الله ﷺ سينفع أقرباءه، وقد آمنتُ وهاجرتُ وأسلمتُ، فلماذا تفعل [تفعلون] ذلك هكذا؟
تكرار إيذاء الناس للسيدة درة ونهي النبي عن تعيير الحي بالميت
ويبدو أنه في موقف آخر، تحدث بعض الناس بسوء عن السيدة درة، فذهبت تشكو، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«ألا لا يُعيِّرنَّ حيٌّ بميت»
وفي مرة ثالثة أيضًا وقعوا فيها [أي آذوها بسبب نسبها]، فقال [النبي ﷺ]:
«لِمَ تؤذونني في أهلي؟ فوالله إني ليمسُّ مني الخير»
والحكم وهي قبائل يمنية؛ يعني بعيدة، ولكن لأنه من العرب فهو يدعو لقبائل العرب، والعرب يتزوج بعضهم من بعض وفيهم نسب، وفضل رسول الله يسري في هذا وينفع كل هؤلاء، حتى أنه وصفه ربه بأنه:
﴿وَمَآ أَرْسَلْنَـٰكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَـٰلَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107]
تسابق السيدة عائشة ودرة لوضوء النبي وقوله لها أنتِ مني وأنا منكِ
كانت في موقف من المواقف السيدة درة مع السيدة عائشة رضي الله تعالى عنها، وأراد النبي ﷺ أن يتوضأ، فتسابقت السيدة عائشة تجري نحو درَّة ضُرَّة [أي زوجة النبي الأخرى]، تجري نحو الماء لكي يُحضرا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ويصبّا عليه الماء.
درَّة ضُرَّة وأخذت الماء وجلست توضئ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتوضأ الرسول صلى الله عليه وسلم ثم قال لها:
«أنتِ مني وأنا منكِ»
فأشعرها بالأمان، ومسح عنها حزن هذه الغربة، وحزن أن ذُكِر أبوها بهذه الصفة الذميمة في القرآن.
قصة ثويبة وإعتاق أبي لهب لها فرحًا بمولد النبي ﷺ
ذُكِر [أبو لهب] في القرآن لأنه عادى النبي وآذى النبي، بالرغم من أن أبا لهب عندما جاءت السيدة آمنة [أم النبي ﷺ] وحضرها المخاض والولادة، أرسل إليها ثويبة، وكانت ثويبة جاريةً عند أبي لهب.
وثويبة حضرت ميلاد النبي الشريف صلى الله عليه وآله وسلم، وذهبت إلى أبي لهب تبشره أن آمنة وضعت مولودها بالسلامة. فسيدنا النبي صلى الله عليه وآله وسلم وُلِدَ على يد ثويبة هذه، فأعتقها أبو لهب.
أبو لهب أعتق ثويبة فرحًا بقدوم النبي صلى الله عليه وسلم.
سبب تسمية أبي لهب بهذا الاسم وعلاقته بحمرة وجهه لا بالنار
وهو [أبو لهب] سُمِّي بالمناسبة، سُمِّي أبو لهب بهذا الاسم لأن وجهه كان أحمر، وليس لأنه سيدخل النار أو ما شابه ذلك أبدًا. كان وجهه أحمر جدًا فكانوا يسمونه بأبي لهب.
وما زال هناك ريع في مكة يُسمى بريع أبي لهب، وذلك لأنه كان يملك هذا الريع. فكلمة لهب هنا لا علاقة لها بالنار، وإنما علاقة بشكل [وجهه الأحمر].
الدروس المستفادة من قصة السيدة درة والتوكل على الله
السيدة دُرّة، إذن نأخذ من قصتها ومن حالها أن:
﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾ [الأنعام: 164]
وأن الإنسان ليس بآبائه بل بنفسه وعمله، وأن الحب هو الذي يسيطر على الموقف كله، وأن الهادي هو الله سبحانه وتعالى.
فتوكل على الله، فمن توكل على الله كفاه. إلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
