هذا ديننا | الذكر ج1 | أ.د. علي جمعة
- •الذكر من أهم مفاتيح الإسلام، أمر به الله في القرآن وشدد عليه الرسول صلى الله عليه وسلم.
- •يبدو الذكر سهلاً في ظاهره لكنه كبير في حقيقته، ويسهل على من يسره الله عليه.
- •أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قلت، فالاستمرار في العمل الصالح أفضل من الانقطاع.
- •أوصى النبي بأن يبقى اللسان رطباً بذكر الله، وهذه حقيقة معنوية عند الله رغم الجفاف الحسي الذي يصيب اللسان.
- •شبه النبي هذا بخلوف فم الصائم الذي هو أطيب عند الله من ريح المسك رغم كراهة رائحته.
- •من أهم صيغ الذكر: سبحان الله، الحمد لله، لا إله إلا الله، الله أكبر، لا حول ولا قوة إلا بالله.
- •سُميت هذه الأذكار بالباقيات الصالحات لأنها تبقى للعبد في قبره وميزانه يوم القيامة.
- •بكل ذكر يُغرس للمسلم شجرة في الجنة ويرفع الله بها درجته.
مقدمة الحلقة والترحيب بالمشاهدين في برنامج ديننا
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
أيها الإخوة المشاهدون وأيتها الأخوات المشاهدات في كل مكان، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلًا ومرحبًا بكم في حلقة جديدة من حلقات ديننا.
التعريف بموضوع الحلقة وهو ذكر الله سبحانه وتعالى وأهميته
نتحدث اليوم عن أمرٍ أمرنا به رسول الله صلى الله عليه وسلم وشدّد فيه، وذُكر في القرآن الكريم كثيرًا، وهو يُعدّ مفتاحًا من مفاتيح الإسلام، وهو أيضًا يغفل عنه كثير من الناس.
وفي ظاهره هو أمر بسيط وسهل، وفي حقيقته وواقعه هو أمر كبير، وقد يكون صعبًا على كثير من الناس، إلا أنه سهل على من سهّل الله عليه ذلك.
يُذكّرني ذلك -وأنا أقصد بهذا الموضوع الذكر، ذكر الله سبحانه وتعالى- بقوله سبحانه وتعالى في شأن الصلاة:
﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى ٱلْخَـٰشِعِينَ﴾ [البقرة: 45]
الصلاة سهلة في ظاهرها لكنها تحتاج إلى مداومة وخشوع
الصلاة في ظاهرها سهلة، ولكن في حقيقتها أنها خمس صلوات في اليوم:
﴿إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ كَانَتْ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ كِتَـٰبًا مَّوْقُوتًا﴾ [النساء: 103]
وهذا الحوار الذي جرى بين سيدنا النبي عليه وآله وسلم وبين سيدنا موسى في ليلة المعراج في السماء، وهو يقول: ابتُليتُ بالناس قبلك، بمعنى أن الناس لن تستطيع أن تصلي هذه الصلوات عندما فُرضت خمسين، فنقصت قليلًا إلى أن صارت خمسة بفضل الله ورحمته.
قال [رسول الله ﷺ]: هي خمسة وهي عندي خمسون، يعني سيحسبها لنا خمسين، ولكن لمن داوم عليها:
﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى ٱلْخَـٰشِعِينَ﴾ [البقرة: 45]
تعلق القلب بالمساجد وفضل من يظلهم الله في ظل عرشه
تحتاج [الصلاة] إلى شخص يتعلق قلبه بالمساجد، والمساجد تعني مواطن السجود، وهو ممن يُظلّهم الله في ظلّه يوم لا ظلّ إلا ظلّه، يُظلّه في ظلّ عرش الرحمن.
إجابات النبي المتنوعة عن أحب الأعمال إلى الله بحسب حال السائل
النبي صلى الله عليه وسلم عندما أتاه شخص يسأل عن مفتاح من المفاتيح، كان الصحابة دائمًا يسألوا رسول الله: ما أحب الأعمال إلى الله؟ يريد مفتاحًا، فيقول لكل واحد ما يتناسب مع حالته.
فيقول لأحدهم: بر الوالدين، ويقول للآخر: الجهاد في سبيل الله، ويقول للثالث: الصلاة على وقتها. يعني ينظر هكذا؛ لمن قد لا يتمسك بالصلاة فيقول له الصلاة على وقتها، والذي يخاف أنه يبذل المجهود في سبيل الله يقول له الجهاد في سبيل الله، ومن كان لديه القليل من عقوق الوالدين أو عدم معرفة قيمة الوالدين وقيمة برّهما، فيُقال له بر الوالدين.
يقول لكل شخص ما يتناسب مع حالته: أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قلّ.
المداومة على العمل الصالح وعدم تركه كما وصفت السيدة عائشة
فيكون إذن هذا شخص يرى أنه يفعل الخير وكل شيء وبعد ذلك يَتْرُكُ، يفعل ويَتْرُكُ. ويقول [النبي ﷺ]: لا تكن مثل فلان كان يقوم الليلة وتركه.
والسيدة عائشة تصفه [رسول الله ﷺ] فتقول: وكان عمله ديمة، يعني يكون دائمًا لا يترك أبدًا عملًا قد تعوّد عليه.
لا يزال لسانك رطباً بذكر الله ومعنى الرطوبة الحقيقي عند الله
فلما سأله أحدهم عن مثل هذه الأسئلة التي يبحث فيها عن مفتاح الإسلام، قال [النبي ﷺ]: لا يزال [لسانك] رطبًا بذكر الله.
هنا مسألة مهمة للغاية يفهمها أهل الله، أن النبي صلى الله عليه وسلم يضع للذكر معنى حقيقيًا عند الله وليس متعلقًا بالظاهر الذي يحسّه الناس ويشعر به الناس.
لا يزال لسانك رطبًا بذكر الله؛ الرطوبة تحتاج إلى كثرة لعاب الفم مثلًا حتى يكون الفم رطبًا، فهناك غدد تُنشئ اللعاب في الفم، ولكن مع كثرة الكلام يقلّ اللعاب ويجفّ اللسان، ويحتاج الخطيب إلى أن يتناول رشفة ماء من أجل تعويض ما استُهلك من تلك الرطوبة.
الآيات القرآنية الآمرة بكثرة ذكر الله سبحانه وتعالى
إذن، إذا أنت ذكرت الله سبحانه وتعالى كثيرًا كما قال:
﴿وَٱلذَّٰكِرِينَ ٱللَّهَ كَثِيرًا وَٱلذَّٰكِرَٰتِ﴾ [الأحزاب: 35]
وكما قال:
﴿فَٱذْكُرُونِىٓ أَذْكُرْكُمْ وَٱشْكُرُوا لِى وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: 152]
كما قال:
﴿وَٱذْكُرُوا ٱللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأنفال: 45]
كما قال:
﴿أَلَا بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ﴾ [الرعد: 28]
كثرة الذكر تسبب جفاف اللسان لكن حقيقتها رطوبة عند الله
إذن، واضح أن المأمور به هو كثرة الذكر. كثرة الذكر تؤدي إلى الجفاف، لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يُسمّي هذا الجفاف المحسوس المعروف -الذي يعرفه رسول الله وأعرفه أنا وتعرفه أنت ويعرفه الإنسان عبر الزمان والمكان- (رطوبة).
حقيقته عند الله تخالف هذا الظاهر.
خلوف فم الصائم أحب عند الله من ريح المسك وحقيقته عند الله
يُذكّرنا هذا [المعنى الحقيقي للذكر عند الله] بقول النبي صلى الله عليه وسلم:
قال رسول الله ﷺ: «لَخُلوف فم الصائم أحبّ عند الله من ريح المسك»
من قلة الأكل تتفاعل المواد التي في المعدة فتخرج على صورة رائحة ليست ذكية أو ليست مقبولة، تُسمّى خلوف فم الصائم.
وخلوف فم الصائم كما تتبّعه الأطباء يبدأ في الظهور بعد صلاة الظهر، يعني صلّينا الفجر وجلسنا وهكذا إلى آخره، لا يظهر وأنا صائم.
متى تصبح المعدة فارغة والتفاعلات تكون موجودة وبعد ذلك يخرج مثل هذا الخلوف؟ فالإنسان يشمّ من نفسه بعد الظهر.
رأي الإمام الشافعي في الحفاظ على خلوف فم الصائم بعد الظهر
ولذلك الإمام الشافعي جاء وقال شيئًا غريبًا، قال: إذا كانت هذه الرائحة أحبّ عند الله من رائحة المسك، فإن النبي بوصفه حقيقتها ينبغي علينا ألا نُزيلها بعد صلاة الظهر.
فمن يريد أن يغسل أسنانه وفمه، فليغسلها قبل صلاة الظهر، ومن هنا يتحمّل على سبيل التقشّف، على سبيل الخشونة، على سبيل أن يفعل شيئًا فيه شدة؛ الخلوف لأنه أحبّ عند الله من ريح المسك.
دم الشهيد رائحته كريهة في الدنيا لكنها كرائحة المسك عند الله
النبي عليه الصلاة والسلام قال:
قال رسول الله ﷺ: «فيأتي الشهيد يَثْبُج دمًا، رائحته أشدّ من رائحة المسك»
إننا نعلم أن الدم عندما يتجلّط ويتخثّر تكون رائحته كريهة، لكن هذه الرائحة الكريهة في الحياة الظاهرة الدنيا، أما عند الله سبحانه وتعالى فهي كرائحة المسك.
إذن هذا ليس إنكارًا للظاهر؛ الظاهر معترف به وموجود عند كل أحد، أن الشهيد دمه ذو رائحة غير طيبة، لكنه عند الله كرائحة المسك. إن خلوف الفم رائحة غير طيبة، لكنها عند الله كرائحة المسك. إن الجفاف [جفاف اللسان من كثرة الذكر] موجود، جفاف، لكنه عند الله رطوبة.
النبي يكلمنا عن حقيقة الذكر عند الله لا عن الظاهر المحسوس
فالنبي صلى الله عندما يُكلّمنا على الذكر، يُكلّمنا على الحقيقة التي عند الله وليست الحسّ الذي نعيش فيه، ولم يُنكره ولم يطلب منا إنكاره، وإنما طلب منا أن نعيش مع الله سبحانه وتعالى في المعاني العليا الراقية.
أذكار الباقيات الصالحات التي تركها لنا رسول الله في الكتاب والسنة
ذكر الله مأمور به في الكتاب ومأمور به في السنة. فماذا ترك لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الكتاب والسنة حول ذكر الله؟
ترك لنا كلامًا ليس شائعًا عند غيرنا من غير المسلمين، ترك لنا:
- •سبحان الله
- •الحمد لله
- •لا إله إلا الله
- •الله أكبر
- •لا حول ولا قوة إلا بالله
وكانت هذه الخمسة يُسمّيها أهل الله وأهل الذكر وأهل الطريق إلى الله سبحانه وتعالى: الباقيات الصالحات.
لماذا سميت الباقيات الصالحات وفضلها في القبر والميزان والجنة
لماذا [سُمّيت بالباقيات الصالحات]؟ لأنها هي التي ستبقى لك في قبرك، ولأنها هي التي ستبقى لك في عملك وفي ميزانك يوم القيامة، ولأنها هي التي سترفع درجتك في الجنة؛ لأن كل واحدة منها يتم بها غرس شجرة في الجنة لك.
إذن الباقيات الصالحات أمر مهم، الباقيات الصالحات هي ذكر الله، فلا يزال لسانك رطبًا بذكر الله.
خاتمة الحلقة والوعد بتفصيل موضوع ذكر الله في حلقة قادمة
سنُكمل حول ذكر الله وتفاصيله في حلقة قادمة إن شاء الله. فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
