هل يتعارض الدين مع العلم الحديث؟ | نور الحق | حـ 2 | أ.د علي جمعة - نور الحق

هل يتعارض الدين مع العلم الحديث؟ | نور الحق | حـ 2 | أ.د علي جمعة

22 دقيقة
  • أول ما أنزل الله على نبيه "اقرأ" التي تكررت مرتين في سورة العلق، للدلالة على قراءة كتابين: كتاب الكون وكتاب الوحي.
  • العلم مكون أساسي في تكوين عقل المسلم الحضاري، كما يتضح في قصة خلق آدم حين علمه الله الأسماء كلها، فاستحق السجود من الملائكة.
  • لا يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون، وهذا عام في كل العلوم دون تقييد.
  • للعلم خصائص أساسية: أنه لا يعرف الكلمة الأخيرة، وأنه مستمر من المهد إلى اللحد، لذا أمرنا الله بالدعاء "رب زدني علما".
  • كلما ازداد الإنسان علماً ازداد تواضعاً لمعرفته بما لا يعلمه، ولهذا قال تعالى "وفوق كل ذي علم عليم".
  • الإسلام ينظر للعلم نظرة شاملة تضم العلم التجريبي (الساينس) وغيره من العلوم النقلية والعقلية والشرعية.
  • المسلمون برعوا في العلوم التجريبية كالطب والفلك والرياضيات والهندسة منذ قديم الزمان.
محتويات الفيديو(26 أقسام)

أول ما أنزل الله على نبيه: الأمر بالقراءة في سورة العلق

برنامجنا هذا أو حلقات متتالية أو كلام متتالي، أول ما أنزله الله سبحانه وتعالى على نبيه:

﴿ٱقْرَأْ﴾ [العلق: 1]

والقراءة هنا عندما نتأمل سورة العلق نجد "اقرأ" تكررت مرتين، أي وبدأت بقراءة الخلق:

﴿ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِى خَلَقَ * خَلَقَ ٱلْإِنسَـٰنَ مِنْ عَلَقٍ * ٱقْرَأْ وَرَبُّكَ ٱلْأَكْرَمُ * ٱلَّذِى عَلَّمَ بِٱلْقَلَمِ﴾ [العلق: 1-4]

القلم في تصور المسلمين وفي عقائد المسلمين وفيما أخبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلّم المسلمين، كأنه يدل على أمر غيبي؛ لأن هناك ما يسمى باللوح وهناك ما يسمى بالقلم، يدل على الوحي.

الأمر الإلهي بقراءة كتابين: كتاب الكون وكتاب الوحي

فكأن الله سبحانه وتعالى أمرنا أن نقرأ كتابين:

كتاب الكون الذي حولنا من أرض وسماء ونجوم وأشجار وأبقار وحيوانات وحجر ومدر، وأن نقرأ كتاب الوحي وهو القرآن، كلمة الله الأخيرة للعالمين.

ما شاء الله!

﴿ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِى خَلَقَ﴾ [العلق: 1]

﴿ٱقْرَأْ وَرَبُّكَ ٱلْأَكْرَمُ * ٱلَّذِى عَلَّمَ بِٱلْقَلَمِ﴾ [العلق: 3-4]

جميل، بدأ بالأمر وهذا أول ما أُنزل على قلب النبي عليه الصلاة والسلام: القراءة، سواء كانت القراءة في الكون أو القراءة في الكتاب المسطور. هذا مفتاح العلم، جميل، هذا العلم نفسه، هذا أول العلم، أول خطوة من خطوات العلم، أول خطوة من خطوات التعلم للعلم.

قصة خلق آدم في القرآن وتأسيس مكونات العقل المسلم

عندما حكى الله لنا سبحانه وتعالى قصة الخلق وحكى قصة الخلق في القرآن، ففيها تأسيس لمكونات العقل المسلم، فيها تأسيس لمكونات إنسان الحضارة، فيها بيان لمراد الله من خلقه.

فيقول ربنا سبحانه وتعالى وهو يقصّ علينا قصة خلق آدم ولِمَ خلقه، ويتحدث عن العلم، يعني أساس ومكوّن أساسي من عقل المسلم، من عقل إنسان الحضارة، من عقل الإنسان الرباني الذي خلق الله الكون وخلق الله الإنسان وأمره أن يكون كذلك إنسانًا حضاريًا وإنسانًا ربانيًا، هو العلم.

﴿وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلْأَسْمَآءَ كُلَّهَا﴾ [البقرة: 31]

قصة استخلاف آدم والعلم هو الفارق بين الخالق والمخلوق

فقصة طويلة يحكيها ربنا سبحانه وتعالى تتأملها في سورة البقرة، شيء غريب عجيب، يعرض الأمر:

﴿إِنِّى جَاعِلٌ فِى ٱلْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوٓا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّىٓ أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 30]

جميل، "أعلم ما لا تعلمون"، إذن فالفرق بين الخالق والمخلوق هو العلم. والله سبحانه وتعالى إذا أراد أن يتخلق الناس بأخلاقه فقد أمرهم أولًا بما أمر: بالعلم.

ونعى على الملائكة أنهم لا يعلمون، بل إنه سبحانه وتعالى هو الذي يعلم، وكان ينبغي عليهم أن يعلموا حتى لا يعترضوا هذا الاعتراض الذي هو في الحقيقة يعلمنا نحن، أي وهو اعتراض صوري وليس اعتراضًا حقيقيًا.

سؤال الملائكة مفتاح العلم والعلم ميّز آدم عن الملائكة

إنما هو حتى الملائكة يسألون، حتى الملائكة يسألون، وسؤال الملائكة مفتاح العلم. يبقى هذا تأسيسًا وتكوينًا لعقل المسلم من بداية الخلق ومن حكاية قصة الخلق الأول.

﴿وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلْأَسْمَآءَ كُلَّهَا﴾ [البقرة: 31]

إذن هذا العلم هو الذي ميّز آدم عن الملائكة الكرام الذين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون وهم في الملإ الأعلى، ولكن آدم استحق بهذا العلم الذي علّمه إياه ربه.

وهذه صفة من صفات العلم: أن العلم بيد الله يعلّمه من يشاء، أُسجد له الملائكة كما شاء الله، أُسجد له الملائكة. قصة طويلة عريضة.

قاعدة ابن جني في الخصائص: كلما قلت القيود اتسع الموجود

ولكن لو ذهبنا إلى بقية القرآن نجد أن الله سبحانه وتعالى وهو يقول:

﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِى ٱلَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: 9]

ابن جني في كتابه [الخصائص] يتحدث عن أن من كلام العرب ما هو مقيد وما هو مطلق، وكلما قلّت القيود اتسع الموجود. جميل، انظر إلى القاعدة: كلما قلّت القيود اتسع الموجود.

جميل، عندما تقول لأحد: اذهب فأتِ لي بإنسان، فأتيت لك بولد أو بنت أو برجل أو بامرأة، فهذا جائز؛ لأن جميعهم يندرجون تحت كلمة إنسان. انظر إلى المطلق: إنسان.

تطبيق قاعدة القيود والإطلاق على آية هل يستوي الذين يعلمون

نعم، ولكن عندما تقول له بإنسان رجل فلا يجوز له أن يأتي بامرأة أو بنت، أنت حددت أنك تريد رجلًا. وعندما تقيّد قيدًا ثالثًا وتقول مصريًا فلا يأتي بشامي؛ لأنك حددته في المصرية، فلا يأتي بإنجليزي، يأتي بمصري. كلما زادت القيود قلّ الموجود، وكلما قلّت القيود اتسع الموجود.

جميل:

﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِى ٱلَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: 9]

يعلمون ماذا؟ علم مطلق، فيدخل فيه الفلك والطب والشريعة واللغة والتاريخ وعلم الأنثروبولوجيا والعلوم الاجتماعية والإنسانية، آه طبعًا، الأرصاد الجوية والزراعة، كل شيء، كل شيء أصبح صحيحًا، كل ما هو علم، ما هو مطلق صحيح.

شمول العلم المطلق للشهادة أمام القاضي والفرق بين العالم والجاهل

ما شاء الله، مطلق، ما شاء الله يا سيدنا! فكلما قلّ الموجود كلما قلّت القيود اتسع الموجود. فهؤلاء:

﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِى ٱلَّذِينَ يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: 9]

تخيّل أنها تشمل أيضًا الشهادة أمام القاضي، فهناك من يشهد عن علم وهناك من يشهد عن ظن أو عن جهل أو عن ريبة، فلا يستوي هذا وذاك.

صحيح، فالذي شهد عن علم هو المعتمد، والذي شهد عن ريبة وشك ووهم وكذا هو المخطئ والخاطئ.

﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِى ٱلَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: 9]

سؤال يكوّن عقل الإنسان الرباني الحضاري المسلم الذي يعمر الأرض.

خصائص العلم في الإسلام: العلم لا يعرف الكلمة الأخيرة

جميل، إسلام وعلم حديث وعلم قديم، هذا شيء آخر أخرج العقل الإنساني من ظلماته إلى النور.

ما شاء الله، ما خصائص هذا العلم؟ العلم له خصائص، العلم لا يعرف الكلمة الأخيرة، ما زال في آفاق ممتدة، لا بد.

nعم، العلم لا يعرف الكلمة الأخيرة. هذه الأخيرة وضعت مجموعة من القيم:

نعم، أنه "مع المحبرة إلى المقبرة". جميل، انظر إلى الكلام، أي أظلّ أن أتعلم حتى الوفاة. الناس الذين قرؤوا القرآن وفهموا استخرجوا هذه الحكم. ما شاء الله! مع المحبرة إلى المقبرة، انظر إلى الكلام موزون وجميل.

العلم من المهد إلى اللحد والمعلم يموت وهو يتعلم

العلم من المهد إلى اللحد، لا يعرف الكلمة الأخيرة. صحيح، من المهد إلى اللحد. العوام يقولون: "المعلّم يموت وهو يتعلم".

صحيح، المعلّم الذي هو المعلّم الذي يعلّم الناس، يبقى إذن هو معه شيء ينقله، لكن سبحان الله هو كل يوم يتعلم شيئًا جديدًا لم يكن بالأمس.

إذن العلم لا يعرف الكلمة الأخيرة. العلم لا يعرف الأخيرة، هذه موجودة في قوله تعالى:

﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِى عِلْمًا﴾ [طه: 114]

﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِى عِلْمًا﴾ [طه: 114]

ما هو أنا كل يوم سأخرج في الصباح أقول: ماذا؟ يا رب زدني علمًا.

العلم لا يتناهى وحديث النبي في البركة بالازدياد في العلم

صحيح، طيب والعلم الذي زدته أمس، ربنا استجاب لك وزاد أمس، ما هو يستجيب لسيدنا الرسول عليه الصلاة والسلام، فأمس استجاب له. انتهى، إذن انتهى العلم؟ لا، لم ينتهِ العلم، لا يتناهى العلم، لا يعرف الكلمة الأخيرة.

ولذلك كل يوم يزداد، ولذلك يقول سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم:

قال رسول الله ﷺ: «لا بارك الله في يوم لم أزدد فيه علمًا»

فاصل البرنامج والعودة لاستكمال الحديث عن خصائص العلم

[المذيع]: بعد إذن فضيلتكم يا مولانا، نتوقف عند هذه النقطة، نخرج لفاصل ونعود لنستكمل: مع المحبرة إلى المقبرة، إلى المقبرة، فاصل ونعود إليكم فابقوا معنا.

يا نور الحق أنِر لي طريقي، أرى الطريق والمسار يظهر.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، عدنا إليكم من الفاصل، الجزء الثاني من حلقة اليوم من برنامج نور الحق مع فضيلة الإمام العلامة الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية سابقًا.

ما إن نخرج من الفاصل حتى وصلنا مع فضيلة مولانا إلى أن العلم لا يتناهى ولا ينتهي، وأن العلماء القدماء قالوا: "مع المحبرة إلى المقبرة"، ورب العزة تبارك وتعالى يقول:

﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِى عِلْمًا﴾ [طه: 114]

تفضل يا سيدنا.

العلم لا يتناهى في واقع الحياة وكل حل يفتح أسئلة جديدة

[الشيخ]: الذي علّم العلماء هذا، أي كأساس من أسس الدين، القرآن، ثم وجدوه في واقع الحياة.

صحيح، أيضًا أن العلم فعلًا لا يتناهى في واقع الحياة. وجدوا أنهم كلما حلّوا مشكلة أو معضلة حلّوها، فُتحت أمامهم أربعين أو خمسين سؤالًا لم يُحَل.

فإذا أمسكوا بسؤال من هذه الأربعين أو الخمسين وحلّوه، انفتح أمامهم أربعون أو خمسون سؤالًا آخر لم يُحَل، وهكذا أبدًا. أنا كلما أفتح طريقًا تفرّعات، أي فحدثت قيمة أخرى من القيم، قيم العلم.

الخاصية الثانية للعلم: كلما ازداد العالم علمًا ازداد تواضعًا لله

أي أنه كلما ازددت علمًا كلما ازددت تواضعًا وخشوعًا وخضوعًا لله. ما شاء الله، عجيب غريب!

هذا الإنسان كلما يزداد في شيء كان ينبغي أن يخاف على نفسه الطغيان، أو يخاف على نفسه التكبر، أو يخاف على نفسه الاستكثار، أي أن لديه أشياء كثيرة هكذا.

سبحان الله، هذا يحدث في المال، يحدث في الجاه، يحدث في السلطة، لكنه لا يحدث في العلم. ما شاء الله، تجد العالم كلما ازداد علمًا كلما تواضع لله.

سبب تواضع العالم: كلما ازدادت مساحة العلم ازدادت المعرفة بالجهل

ما هذه العبارة؟ لماذا أتت؟ من أي شيء هذه الخاصية في العلم؟

أتت من انفتاح أربعين خمسين سؤالًا كلما حللت سؤالًا. ماذا يحدث؟ كلما ازدادت مساحة علمي كلما ازدادت معرفتي بجهلي وعدم علمي بما هو أكبر وأكبر.

صحيح، أتعرف عندما يكون الإنسان خلف حائط، نعم، ثم يخرج عينه فقط هكذا فوق الحائط فيرى مساحة، فكلما يرتفع كلما تزداد معه المساحة.

فمساحة جهلي بما في الكون تتعاظم كل حين بالرغم من أن علمي يزيد، علمي أنا ومعلوماتي تزيد. فدائمًا ترى العالم متواضعًا لله وترى الجاهل هو المتكبر حقًا.

قول السلف الصالح: من قال أنا عالم فهو جاهل

فقال السلف الصالح: "من قال أنا عالم فهو جاهل"، من قال أنا عالم فهو جاهل.

فهو جهل؛ إن علمه هذا الذي تصوّره أنه انتهى، صحيح، لم ينتهِ، فهو جاهل. وظنّ أنه قد أحاط وهو لم يُحِط فهو جاهل، وجهل مساحة ما لم يعرفه وهي ينبغي أن تتسع كلما علم كل معلومة لو كان عارفًا حقيقة هذه المعلومة.

الخاصية الثانية للعلم: التواضع وآية وفوق كل ذي علم عليم

ولذلك ربنا سبحانه وتعالى من أجل أن يقرر هذه الخاصية الثانية للعلم — العلم إذن الخاصية الأولى له أنه لا يعرف الكلمة الأخيرة، لا يعرف الكلمة الأخيرة.

جميل، الخاصية الثانية أنه يجب على العالم الحقيقي أن يتواضع، العلم يؤدي إلى التواضع وليس إلى التكبر.

فيقول ربنا سبحانه وتعالى:

﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِى عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: 76]

ما شاء الله، ذو علم: ذو علم هذا واحد صاحب علم. حسنًا، عليم: هذه صيغة مبالغة من عالم [اسم فاعل]، يعني لدينا اسم فاعل "عالم"، نعم، لدينا صيغة المبالغة الخاصة به، سأبالغ في العلم الخاص به فأقول "عليم" [فعيل].

الله هو العليم المطلق والأمر بالخضوع والخشوع له سبحانه

ما شاء الله!

﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِى عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: 76]

يعني صاحب علم، يعني عالم ويظن في نفسه يعني أنه هكذا عالم، يعني هكذا هو، أي فوقك عليم.

يأمرنا ربنا سبحانه وتعالى بالخضوع والخشوع، والعالم المطلق والعليم المطلق هو الله سبحانه وتعالى. ولذلك نسجد له ونخرّ بالسجود له؛ لأن الأمر فوق الطاقة أن نحيط بهذه الخاصية في العلم، وهي خاصية أنه لا يعرف الكلمة الأخيرة وأن فوق كل ذي علم عليم.

يدفع الإنسان دافعًا إلى استمرار البحث، يبقى البحث لن ينتهي، ليس هناك شيء اسمه "انتهينا والحمد لله"، ليس هناك شيء اسمه "لقد وصلت أخيرًا"، لقد وصلت، نعم.

رفض الإسلام لفلسفة النهايات وموقفه من ادعاء نهاية العلم

ولذلك الفلاسفة أصحاب فلسفة النهايات، ما هي فلسفة النهايات هذه؟ النهاية تعني نهاية والنهايات تعني نهايات.

نعم، فظهر أناس يقولون لك: نهاية التاريخ، أي نهاية العلم، نهاية الإنسانية، نهاية لا أعرف البشر. هذا الكلام كله نحن نرفضه ونقول له: أبدًا ما حدثت نهايات، إن هذه النهايات أوهام في ذهنك؛ لأنك ظننت أنك قد أحطت فجهلت.

جميل، أبدًا، ظنّ أنه أحاط فجهل. فالبعيد أصحاب النهايات هذه نحن نرفضها.

موقف الإسلام من العلم الحديث والفرق بين العلم التجريبي والعلم الشامل

ولذلك هذا موقف الإسلام من العلم الحديث. انظر كيف من داخل العلم الغربي خرج من يقول إنه انتهى، ونحن نقول: ما انتهى، نقول لا يزال مبكرًا.

نعم، إننا نقول: هل من مزيد؟ صحيح، إننا نقول إننا كلما نتعلم نجهل، أو كلما نتعلم نعلم أننا جهلنا الأكثر. ولذلك أمامنا ملايين السنين إذا أراد الله سبحانه وتعالى أن يمدّ هذه الأرض آلاف أو ملايين السنين أخرى للعمل بشكل صحيح، وفي النهاية فلن نحصل على قطرة من علم الله الواسع، ونعم بالله.

فإن موقف الإسلام واضح في أحكامه وفي أفكاره وفي أسسه لتكوين العقل، وموقفه واضح من العلم والعلم الحديث.

معنى كلمة ساينس والفرق بين العلم التجريبي والعلوم الأخرى في الإسلام

وكلمة هذا الحديث هو كلمة تُطلق على ما يسمى في الإنجليزية "ساينس" (Science)، وكلمة ساينس كلمة إنجليزية تعني العلم التجريبي المحصور في الحس فقط، الخاضع للتجربة والاختبار، الخاضع للتجربة والملاحظة والاستنتاج وما إلى ذلك.

الناس فضلوا؛ لأن الإسلام ينظر نظرة أوسع فيقول: لا، العلم التجريبي هذا علم، ولكن ليس هو كل العلم يا أستاذ.

هذا في علم نقلي مثل اللغة، وهذا في علم عقلي مثل الرياضيات، وهذا في علم شرعي مثل الشريعة والمنقول من الدين، وهذا في علم حسي. وهذه العلوم كثيرة، فلماذا تحصرونها في نوع واحد؟

نقد اقتصار دائرة المعارف البريطانية على العلم التجريبي فقط

ولذلك ترى الفلاسفة العظام بعد أن ظهرت كلمة العلم وأثّرت في دائرة المعارف البريطانية. دائرة المعارف البريطانية صدرت في حدود ألف وسبعمائة وستين تقريبًا، نعم، في ثلاثة مجلدات. اليوم دائرة المعارف البريطانية تقارب الأربعين مجلدًا، ما شاء الله، ستة وثلاثون مجلدًا تقريبًا.

بدأت بثلاثة وأصبحت تقارب الأربعين، ستة وثلاثون، زادت ثلاثة وثلاثين مجلدًا مثلًا خلال السنين، في مئات السنين من ألف وسبعمائة وستين حتى اليوم، ثلاثمائة سنة وقليل، يعني هذه مائتا سنة وقليل، مائتان وخمسون سنة.

عندما جاءت دائرة المعارف البريطانية فعلت شيئًا يرفضه الإسلام، نعم، ولكنه لا يرفض العلم الذي فيها، إنه يرفض اقتصارها على نوع واحد من العلم.

الإسلام يقبل العلم التجريبي لكنه يرفض حصر العلوم فيه وحده

اقتصارها على نوع واحد من العلم المحسوس الذي هو المحسوس التجريبي. هذا يقول لها: نعم، هذا علم صحيح، وكل الذي في الكتاب الثلاثة مجلدات هذا جميل، ولكن ليس كل العلوم.

فليبقَ القلب الواسع هذا الذي اشتمل على العلوم التجريبية وغير التجريبية. وطوال عمر المسلمين عندهم هكذا، وبنوا أحكامًا كثيرة في هذا المجال.

إسهامات علماء المسلمين في العلوم التجريبية كالحيوان والصيدلة والطب

فنرى مثلًا واحدًا مثل الجاحظ وهو يؤلف في الحيوان، أو الدميري في [حياة الحيوان]، كلام عجيب غريب يتحدث عن الرصد والتجربة والملاحظة وبيان الفوائد من هذا العضو الذي يُجفّف ويُدقّ ويُعالج به كذا وكذا.

ودخل فيه علم الصيدلة (الفارماكولوجي)، ودخل فيه علم الطب، ودخل فيه علم الحيوان، ودخل فيه علم... هؤلاء أناس كان الله عندهم دقة في هذا.

اختراعات المسلمين في الفلك والرياضيات والهندسة وإسهاماتهم الحضارية

فاخترعوا الأسطرلاب واخترعوا البوصلة ووضعوا الخرائط؛ لأنهم يدركون الواقع. البتّاني وابن حبيب وغيرهما من أصحاب الزيج — يقول لك الزيج هذا عبارة عن كتاب في الفلك يرصد الأفلاك ويضبط تمامًا باللحظة وبالثانية وهكذا إلى آخره.

اخترعوا الثواني، أي أن الدقيقة ستون ثانية، والثوالث أجزاء الثانية، أي أجزاء الثانية، والروابع إلى العواشر. ما شاء الله!

الرياضيات التي لديه، الخوارزمي — نعم ونطقه الصحيح خورازمي وليس خوارزمي — فهذا الطب والفلك والرياضيات والهندسة وهذا الإبداع الذي قاموا به كله، هو ما هو من العلم أيضًا، ما هو من العلوم التجريبية التي يسمونها علمًا حديثًا.

ختام الحلقة والوعد باستكمال الحديث عن رؤية هلال رمضان

[المذيع]: نستكمل معك مع فضيلتك يا مولانا العلم الحديث، ونريد أن نتطرق إلى رؤية هلال رمضان وهل يلزم أن نراه بالعين المجردة فقط أم يمكن أن نراه بالقمر الصناعي إلى آخره، ولكن وقت الحلقة مع فضيلتك يمضي سريعًا.

فاسمح لنا فضيلتك أن نلتقي في الحلقة القادمة إن شاء الله من نور الحق نستكمل هذا الحوار. شكرًا لك، ربنا يحفظك يا سيدنا.

اسمحوا لي باسم حضراتكم أن نشكر فضيلة الإمام العلامة الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية على هذا الجهد. على وعد باللقاء إن شاء الله في حلقة قادمة من برنامجكم نور الحق، فإلى ذلك الحين نستودعكم دينكم وأماناتكم وخواتيم أعمالكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.