وقال الإمام | أ.د علي جمعة | الحلقة 06 | الموقف من البيئة
- •الإسلام يؤسس لعلاقة متوازنة بين الإنسان والبيئة انطلاقاً من مفهوم أن الكون يسبح ويسجد لله.
- •الكون مسخر للإنسان، والإنسان مكلف بعمارته وفق قوله تعالى: "هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها".
- •الإنسان جزء من الكون لكنه مفضل عليه، فهو سيد في الكون وليس سيداً للكون.
- •يؤكد الإسلام فكرة التوازن الطبيعي ويحرم الإفساد في الأرض وإهلاك الحرث والنسل.
- •من مبادئ الإسلام حماية النبات والحيوان وعدم الإسراف في الموارد الطبيعية.
- •الكون له حقوق تشمل حقوق الإنسان والحيوان والنبات والجماد.
- •يحرم الإسلام تلويث البيئة في البر والجو والماء.
- •العلاقة بين الإنسان والكون مبنية على الرحمة، فالرفق طريق الجنة والعنف طريق النار.
- •المسلمون يوافقون على كل خطة رشيدة تحمي البيئة وتمنع التلوث وتحقق التوازن الطبيعي.
- •الحضارة الإسلامية اهتمت بالبيئة في تاريخها من خلال تطبيقات عملية تحافظ على الموارد وتصون الكائنات.
مقدمة حول اهتمام الإسلام بالبيئة انطلاقاً من الكتاب والسنة
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
من مبادئنا التي نهتم بها وننطلق منها وندعو الناس إليها أننا نهتم بالبيئة؛ ولنا من كتاب الله ومن سنة رسوله صلى الله عليه وسلم في ذلك أساس ومنطلق.
الأسس المستنبطة من الكتاب والسنة في علاقة الإنسان بالكون
لما تأملنا كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم خرجنا بالأسس التالية:
أولًا: أن الله سبحانه وتعالى بيَّن لنا أن هذا الكون الذي حولنا بيننا وبينه علاقة، وهذه العلاقة حددها سبحانه وتعالى بأن هذا الكون يسبِّح، وأن هذا الكون يسجد، وأن هذا الكون خاشع لربه عابد لربه.
وإننا ينبغي أن نكون كذلك حتى نكون في تيار الكون ومع تيار الكون؛ لأننا إذا تخلينا عن عبادة الله سبحانه وتعالى فإننا نكون ضد تيار هذا الكون الذي خلقه الله.
وجوب رعاية الكون وأداء حقوقه من التعمير دون التدمير
وإننا يجب علينا وجوبًا مؤكدًا رعاية هذا الكون، وأن هذا الكون المحيط بنا له حقوق. قد لا تكون الحقوق بالمعنى القانوني، وقد يعترض القانونيون على أن نسمي هذه العلاقة بالحقوق، لكننا نستعمل الكلمة العربية في دلالتها المعجمية.
وأن الحق إنما هو الثابت، وأنه ثابت علينا كأفعال وجوبية؛ التعمير دون التدمير. هذا أولًا وهو الأساس الذي يشعر أحدنا فيه بأنه وإن كان مخلوقًا من مخلوقات الله إلا أن هذا الكون المسبِّح الساجد العابد قد سُخِّر لنا وهو لخدمتنا.
واجب التعمير كأداء لحق الكون المسخَّر للإنسان
ومن أجل ذلك ولأن هذا [الكون] يُعَدُّ مسخَّرًا لنا، يجب علينا أن نؤدي إليه بعض حق ما يقوم هو من جانبه لنا من التسخير، وهذا الأداء يكون عن طريق التعمير.
هذا الذي أقوله لكم وهو مبدأ من المبادئ التي أتوغل في شرحها وأزيد وأعيد في ذكرها، فهو مبدأ من المبادئ التي أرى أنه يجب على المسلم المعاصر أن يتفهمها وأن يعيشها؛ نراها بيِّنة في كتاب الله وسنة سيدنا رسول الله.
الاستدلال بآية الاستعمار في الأرض على وجوب عمارتها
كأساس أول هو يقول سبحانه وتعالى:
﴿هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ ٱلْأَرْضِ وَٱسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ [هود: 61]
أي طلب منكم عمارتها؛ لأن الألف والسين والتاء تدخل للطلب. إذن فالآية واضحة أنه أنشأنا من هذا الكون، فنحن بهذا المعنى جزء من هذا الكون، إلا أننا قد فُضِّلنا على هذا الكون كله حتى أسجد الله ملائكته لآدم:
﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَـٰٓئِكَةِ ٱسْجُدُوا لِـَٔادَمَ فَسَجَدُوٓا إِلَّآ إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَٱسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ ٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ [البقرة: 34]
تكريم الإنسان وتفضيله مع كونه سيداً في الكون لا سيداً للكون
إذن خلق الله آدم وفضَّله على كثير مما خلق تفضيلًا:
﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِىٓ ءَادَمَ وَحَمَلْنَـٰهُمْ فِى ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ وَرَزَقْنَـٰهُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَـٰتِ وَفَضَّلْنَـٰهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء: 70]
إذن فالأمر واضح في هذا المجال وهو أنني وإن كنت من الكون إلا أنني سيد في هذا الكون ولست سيدًا للكون؛ فإن سيد الكون هو الله سبحانه وتعالى الحمد لله رب العالمين.
الأدلة القرآنية على تسبيح الكون وسجوده وغاية خلق الإنسان للعبادة
ودلَّنا بقوله سبحانه:
﴿وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَـٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: 44]
ثم دلَّنا بقوله تعالى:
﴿وَٱلنَّجْمُ وَٱلشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾ [الرحمن: 6]
يسجد له ما في السماوات وما في الأرض، ودلَّنا [أنه] يسجد لله ما في السماوات وما في الأرض. ودلَّنا سبحانه وتعالى على أننا هنا في هذا الكون للعبادة:
﴿وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56]
خلاصة المبادئ القرآنية في تسخير الكون وتكريم الإنسان
إن مجموعة هذه الآيات تبيِّن هذه المبادئ التي ذكرناها من كون الكون يسبِّح ويسجد، وأنه:
﴿سَخَّرَ لَكُم مَّا فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ﴾ [لقمان: 20]
وأنه [الكون] مسخَّر لنا، وأن الإنسان منه ولكنه مكرَّم ومفضَّل، وأسجد الله الملائكة له، إلى آخر ما هنالك من مبادئ تُعَدُّ هي الأساس الأول لتعاملنا مع هذا الكون.
أوامر النبي صلى الله عليه وسلم برعاية النبات والحيوان وعدم الإفساد
النبي صلى الله عليه وسلم يأمرنا بأن نراعي النبات، ويأمرنا ألا نفسد في الأرض بإهلاك الحرث والنسل، ويأمرنا أن نحترم الحيوان وأن نعمل على حياته.
وإذا تأملنا في هذا المعنى وجدنا الأحاديث كثيرة فيما أخرجه البخاري وغيره؛ وجدنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر من بيده فسيلة [نخلة صغيرة] أن يغرسها ولو كانت الساعة قد قامت، وأنه ما من زارع يزرع زرعًا يأكل منه الطير والحيوان والإنسان إلا أُجِر به وكان ذلك ثوابًا له.
النهي عن الإفساد في الأرض والأمر بأداء الزكاة وعدم الإسراف
ويأمرنا [النبي صلى الله عليه وسلم] بعدم الإفساد في الأرض بإهلاك الحرث والنسل، ويقول ربنا:
﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَيُشْهِدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا فِى قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ ٱلْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِى ٱلْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ ٱلْحَرْثَ وَٱلنَّسْلَ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلْفَسَادَ﴾ [البقرة: 204-205]
ويأمرنا أن نؤدي الزكاة عما زرعناه وعما أثمرت به الشجر في حدائقنا، فهذا الكون له علاقة بالإنسان وله علاقة بالتكافل الاجتماعي. ويأمرنا بعدم الإسراف ويقول سبحانه وتعالى:
﴿وَكُلُوا وَٱشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوٓا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: 31]
القضية الثانية: حقوق الأكوان تشمل الإنسان والحيوان والنبات والجماد
القضية الثانية إذن بعد تأسيس أن هذا الكون له حقوق تسمى حقوق الأكوان، يدخل فيها حق الإنسان وحق الحيوان وحق الجماد وحق النبات.
وهذا هو الذي يدفع أهل التصوف إلى أن يقولوا كما ورد في كتبهم أن هذا الجماد يسبِّح؛ ولذلك فليس لك ولا عليك أن تهينه. ومن الأدب أنك إذا دخلت لا تدفع الباب دفعًا لأنه يسبِّح.
هذا التعامل الرقيق مع الأكوان من غير عنف ومن غير إسراف ومن غير تدمير هو الأساس في دين الإسلام في التعامل مع البيئة.
تأكيد الإسلام على التوازن الطبيعي وقصة النهي عن قتل الكلاب
ثانيًا: يؤكد الإسلام فكرة التوازن الطبيعي؛ ولذلك أمرنا [بالحفاظ عليه]. عندما وجد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الملائكة لا تدخل بيتًا فيه كلب أو تمثال أو صورة، قال ذلك، وفي أول الأمر أمر بقتل الكلاب.
هذا المخلوق الذي لا يعجب الملائكة، ولا يريد الملك أن يدخل في بيت فيه هذا [الكلب]. وتأخر جبريل على سيدنا رسول الله فسأله عن ذلك، فقال له: هناك جرو أي كلب صغير في بيتك.
لكن الله سبحانه وتعالى أوحى إلى نبيه ألا تفعل ذلك فإنها أمة من الأمم.
نسخ أمر قتل الكلاب وتأسيس فكرة الحماية والمحميات الطبيعية
ولذلك بعد ما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتل الكلاب بناءً على اجتهاد منه صلى الله عليه وسلم في أن هذا الحيوان كأنه يضايق الملائكة أو لا يعجب الملائكة، أوحى الله إليه بأن لا، ابقِ على الكلاب.
فأبقى على الكلاب وقال: كنت أمرتكم بقتل الكلاب ثم أوحى الله إليَّ بأنها أمة من الأمم.
فهذه هي فكرة الحماية، وهي الفكرة التي توصل إليها الناس بعد معاناة مع البيئة، هي فكرة المحميات الطبيعية التي يُحمى فيها الحيوان ويُحمى فيها الكائنات المائية ويُحمى فيها النبات ويُحمى فيها غير ذلك.
القضية الثالثة: تحريم تلويث البيئة في البر والبحر والجو
القضية الثالثة: أن الله سبحانه وتعالى حرَّم علينا أن نفسد البيئة من حولنا. إذن فإحداث التلوث الذي يلوِّث البيئة في البر وفي البحر وفي الجو وفي الهواء، كل ما يؤدي إلى ذلك فهو محرَّم في دين الله.
لي كلمة قد لا يتفق معي فيها كثير من الناس، وهي أن المسلمين لو كانوا هم الذين اخترعوا القطار والسيارة والطائرة لكانوا اخترعوها في وقت وبطريقة لا تسبب تلوثًا في البيئة.
شواهد تاريخية من حضارة المسلمين على الحفاظ على البيئة والماء
فهذا حال المسلمين عبر القرون الماضية. إذا دخلت المتحف الإسلامي في باب الخلق بالقاهرة وجدت هذا الزير الذي يُملأ بالماء وكيف يتعامل معه المسلمون لتوفير الماء وعدم الإسراف فيه، بالرغم من وجود النيل ومن قلة السكان في مصر عبر التاريخ الإسلامي. كيف كانوا حريصين على عدم الإسراف في الماء!
لو تأملت في هذه الصوامع بأعلى مسجد محمد بك أبو الدهب تُملأ حتى يأكل طير السماء. لو تأملت فيما كان في منطقة بيت القاضي وراء سيدنا الحسين من مساقي الكلاب التي وُضعت كوقف من أجل أن يشرب منها الكلب الضال، رعايةً لأنه:
قال النبي ﷺ: «في كل ذات كبد رطب صدقة»
لعرفنا معنى هذا المعنى الثالث وهو تلويث البيئة أو تضييع البيئة بالمعنى الأصح.
اهتمام حضارة المسلمين بالبيئة وموقف النبي في صلح الحديبية
لو وجدنا مثلًا وتأملنا في حضارة المسلمين وفي تاريخ المسلمين وفي مصادر المسلمين لوجدنا الاهتمام بالبيئة التي تنبَّه إليها الناس أخيرًا ووضعوا كثيرًا من المقاييس بشأنها.
يذكِّرني ذلك بقول النبي صلى الله عليه وسلم في صلح الحديبية:
قال النبي ﷺ: «والله لا يأتونني بخطة يعظِّمون فيها حرمات الله إلا قبلتها منهم» من المشركين
وفي رواية لأحمد:
«والله لا يأتونني بخطة يصلون فيها الرحم إلا وافقتهم عليها»
موافقة المسلمين على كل خطة رشيدة لحماية البيئة وتعميرها
إذن نحن نوافق على كل خطة رشيدة من كل أحد، ونقول: إن الاهتمام بالبيئة قد أمرنا به في الكتاب والسنة وقد نفَّذناه في تاريخنا.
ونحن موافقون الآن على كل ما يحمي البيئة من تلوث أو يحميها من تدمير أو يؤدي إلى تعمير أو يؤدي إلى توازن طبيعي كما خلقه الله سبحانه وتعالى، أو يؤدي إلى منفعة الإنسان وأن يعيش أكثر استقرارًا.
مكافحة التلوث السمعي والبصري والبيئي في ضوء الكتاب والسنة
نريد أن نقضي على التلوث السمعي؛ لأن الله سبحانه وتعالى حتى عندما أمرنا بالدعاء أمرنا أن يكون بين الخفوت وبين العلو، وألَّا نرفع أصواتنا بالدعاء.
ويقول النبي صلى الله عليه وسلم:
«إنكم لا تدعون أصمَّ فاربعوا على أنفسكم»
انظروا إلى الكلام الذي يمنع من التلوث السمعي والتلوث البيئي والتلوث البصري. كل ذلك له أدلة وله كلام طويل وله أسس.
الأسس الجامعة: الإنسان سيد في الكون وحقوق الأكوان مبنية على الرحمة
ولكن الأسس التي نريد أن نؤكد عليها: أننا كإنسان نرى أنه سيد في الكون وليس سيدًا للكون، ونرى أن الكون له حقوق تسمى بحقوق الأكوان وهي تفوق حقوق الإنسان؛ بمعنى أنها تشتمل على حقوق الإنسان وحقوق الحيوان وحقوق النبات وحقوق الجماد.
ونرى أن العلاقة بيننا وبين الكون مبنية على الرحمة، وأن الرحمة متى وُجدت فهي طريق الجنة، وأن العنف إذا وُجد فهو طريق النار.
[فقد قال صلى الله عليه وسلم]:
«يا عائشة إن الرفق ما دخل في شيء إلا زانه وما نُزع من شيء إلا شانه»
حديث سقي الكلب وحبس الهرة: الرحمة طريق الجنة والعنف طريق النار
ولو تأملنا حديث الرجل الذي سقى الكلب فدخل به الجنة لوجدنا أن الرجل يمثل الإنسان والكلب يمثل الأكوان، وأن العلاقة لما كانت علاقة رحمة كان هذا من طريق الجنة.
وإذا رأينا أن دخلت امرأة النار في هرة حبستها، لا هي أطعمتها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض؛ إن هذه المرأة تمثل الإنسان والقطة هذه تمثل الأكوان، وإن العلاقة لما كانت علاقة العنف كان هذا طريق النار.
خاتمة: وجهة نظر المسلمين في قبول كل خطة رشيدة تعمر ولا تدمر
هذه هي وجهة نظر المسلمين وهذا هو مبدؤهم ومنطلقهم. لا يأتون بخطة رشيدة إلا قبلناها منهم ما دامت تعمر ولا تدمر، تفيد وتستفيد.
ما دامت تحافظ على التوازن الذي خلقه الله سبحانه وتعالى في الأكوان، ما دامت بهذه الطريقة قدَّمت الإنسان على البنيان.
وإلى لقاء آخر نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
