وقال الإمام | أ.د علي جمعة | الحلقة 10 | أثر ذهاب المحل
- •تناقش نظرية "أثر ذهاب المحل" التي ذكرها الأصوليون، وهي مرتبطة بتغير الحكم بسبب غياب محله.
- •سماها الإمام الرازي "النسخ بالعقل" واعترض عليه الشوكاني لأن النسخ لا يكون بالعقل.
- •هناك فرق بين إلغاء الشريعة وإيقاف تطبيقها لعدم توفر شروطها، كما فعل عمر بن الخطاب في عام الرمادة.
- •عند ذهاب المحل يذهب الحكم المتعلق به، فلو قطعت اليد سقط وجوب غسلها في الوضوء.
- •بعض الأحكام عند ذهاب محلها يوجد لها بديل، مثل انتقال الكفارة من عتق الرقبة إلى الإطعام ثم الصيام.
- •أمثلة أخرى: الخلافة الإسلامية التي انتهت، والذهب والفضة كوسيط للتبادل واستبدالهما بالأوراق النقدية.
- •هذه النظرية لم تأخذ حظها من التطبيق في العقل المعاصر رغم أهميتها في مواجهة تحديات العصر.
- •المطلوب هو عقل مفكر يواجه العصر دون الخروج عن الهوية الإسلامية أو التجمد على الماضي.
مقدمة حول إحياء النظريات الفقهية المنسية في التراث الإسلامي
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
من مبادئنا التي نريد أن نحييها: النظريات المنسية؛ نظريات ذكرها الفقهاء، أو ذكرها الأصوليون، ذكرها علماء الإسلام، لكنها لم تلقَ من الرواج بين طلاب العلم، ولم تلقَ من الاستفادة من علماء القانون، ولم تلقَ من التأثير في العقلية العلمية والقانونية المعاصرة ما تستحقه من التفات؛ ولذلك نرى كثيرًا من طلبة العلم يتعجبون منها.
نظرية أثر ذهاب المحل والفرق بين النسخ بالعقل وذهاب الحكم
ومن هذه النظريات نظرية أثر ذهاب المحل؛ أثر ذهاب المحل ذكرها الأصوليون، وسمّاها الإمام الرازي "النسخ بالعقل"، واعترض عليه بعض الأصوليين كالإمام الشوكاني بأن النسخ لا يكون أبدًا بالعقل، وأن الذي يحدث هو ذهاب الحكم بذهاب المحل [أي أن الحكم لا يُلغى، وإنما يتعذر تطبيقه لزوال محله].
القرآن الكريم المصدر الأول للتشريع المحفوظ بحفظ الله تعالى
يرى المسلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ترك شريعته متمثلة في كتاب الله الذي حفظه الله سبحانه وتعالى من عنده:
﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَـٰفِظُونَ﴾ [الحجر: 9]
وصدق الله، فحفظ كتابه إلى يومنا هذا من غير زيادة ولا نقصان. وهو المصدر الأول للتشريع الإسلامي الذي يتأمله الفقيه ويستنبط منه الأحكام، كما يستنبط الإنسان الماء من الأرض؛ ولذلك لأن الفقيه يريد أن يأخذ ثمرة هذا الكتاب وثمرة هذه الشريعة فسمّوا ذلك استنباطًا.
السنة النبوية وعناية المسلمين الفريدة بنقلها وتمييز رواياتها
وفي مقام السنة النبوية التي لم تلقَ أقوال أيّ أحد في العالمين العنايةَ والرعايةَ والعلومَ التي أُنشئت لنقلها؛ هذه السنة النبوية لم يلقَ أحد في العالمين مثل ما لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم في كلامه وسيرته وسنته، وكيفية نقل ذلك لمن بعده بطريقة علمية محضة فريدة مبتكرة مبدعة، لم تكن في تاريخ البشرية لأحد من الأدباء ولا العظماء ولا الأنبياء ولا الأباطرة ولا الأغنياء ولا أيّ أحد.
لم يحافظ أحد من الناس على أقواله مثلما حافظ المسلمون بعون الله تعالى على أقوال نبيهم صلى الله عليه وسلم، فميّزوا جميع الروايات وصنّفوا الرجال، وأخذوا الصحيح فقبلوه، ونبذوا الضعيف فتركوه.
حديث المحجة البيضاء ووعد الله بحفظ نسل النبي الشريف
إن كتاب الله والسنة:
قال رسول الله ﷺ: «تركتكم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك»
قال رسول الله ﷺ: «كتاب الله وسنتي» أخرجه [مالك في الموطأ]
وفي رواية: «كتاب الله وعترة أهل بيتي» [رواه مسلم]
ومعناها أن الله سبحانه وتعالى وعد نبيه بالحفاظ على نسله الشريف:
﴿إِنَّآ أَعْطَيْنَـٰكَ ٱلْكَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَٱنْحَرْ * إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ ٱلْأَبْتَرُ﴾ [الكوثر: 1-3]
فحافظ عليه [على نسله]، وليس في مقدور محمد ﷺ ولا في مقدور المسلمين أن يحافظوا على نسل نبيهم صلى الله عليه وسلم، بل هذا إنما جاء من تأييد الله له وصدق وعده له سبحانه وتعالى.
﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ ٱللَّهِ حَدِيثًا﴾ [النساء: 87]
نعم.
ثبات أحكام الشريعة الإسلامية في المحرمات والواجبات والمباحات
تركنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها، بشريعة ثابتة حرّمت علينا الخمر والخنزير والسرقة والزنا والربا والفاحشة والسبّ والقذف والحقد والحسد والكذب والغيبة والنميمة.
وأوجبت علينا الصلاة والصيام والحج والزكاة، وأوجبت علينا القول الحسن والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وأباحت لنا البيع والشراء والسَّلَم والاستصناع والزواج والطلاق، أباحت لنا أشياء وأمرتنا بأشياء ونهتنا عن أشياء ثابتة لا تتغير.
الدائرة اليقينية المجمع عليها التي تمثل هوية الإسلام وأسس الدين
ولذلك فإن أحكام الله سبحانه وتعالى تلك المُجمَع عليها، هذه الدائرة اليقينية المقطوع بها التي لم يختلف فيها أحد من المسلمين، وهي هوية الإسلام وأسس الدين، باقية لا تتغير أبدًا وهي ثابتة.
فلا يقول أحد أبدًا بحلّ الخمر، وإنما:
﴿فَمَنِ ٱضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَآ إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: 173]
هذه قضية أخرى؛ الخمر حرام، وإنما هذا الذي اضطُرّ بإكراه، أو اضطُرّ بأنه احتاج إليها بحيث يحافظ على حياته، أو اضطُرّ كما يقول الفقهاء ويمثّلون: غُصّة إن لم يتناول الخمر للقضاء عليها هلك، فإنه يفعل ذلك مع بقاء الحكم على أن الخمر حرام.
العفو عن المضطر مع بقاء حكم التحريم ثابتًا لا يتغير
وهذا الفعل الذي فعله ذلك الفاعل تحت الاضطرار لا إثم عليه، هو قد عُفي عنه، لكن الخمر ستظل قبل ذلك وبعد ذلك هي حرام.
الإكراه: شخص أُكرِه آخر على شرب الخمر فخاف من أن يقتله فشرب الخمر، فلا إثم عليه، لكن ستظل الخمر قبل الإكراه وبعد الإكراه موصوفة بأنها حرام.
الإثم هنا يُرفع عن الحالة التي كان فيها هذا المضطر من احتياج أو من ضرورة أو من إكراه أو نحو ذلك. فالأحكام ثابتة، هذه حقيقة مسلّمة، وعبارة "الأحكام ثابتة" نعني بها هذا من اليقين المُجمَع عليه الذي يمثل هوية الإسلام.
الفرق بين إلغاء الشريعة وإيقافها عند تعذر وجود المحل
نأتي لصورة أخرى: الأحكام فيها ثابتة ولكن المحل غير موجود، فماذا نفعل؟ فهذا هو الذي دفع الإمام الرازي لأن يعبّر عن ذلك بـ"النسخ بالعقل"، وهو تعبير خاطئ؛ لأن النسخ هو إزالة الحكم، والحكم هنا لم يُزَل وإنما تعذّر تطبيقه.
وهناك فرق بين إلغاء الحكم وبين عدم تطبيق الحكم، هناك فرق ما بين تعطيل الشريعة وبين إيقاف الشريعة؛ لأنها [الشريعة] اشترطت هذا الإيقاف هي نفس الشريعة. فالإيقاف نوع من أنواع تطبيق الشريعة، لكن التعطيل نوع من أنواع إلغاء الشريعة. وهنا يفرّق العلماء بين الحالتين.
إلغاء الشريعة كفر وإيقافها لعدم توافر الشروط تطبيق لها كما فعل عمر
حالة إلغاء الشريعة فهذا خروج عن حكم الله، حتى قال الله سبحانه وتعالى عمومًا في شأننا وفي شأن الأمم السابقة:
﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُولَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْكَـٰفِرُونَ﴾ [المائدة: 44]
هؤلاء هم الذين يريدون أن يُلغوا الشريعة، إلغاء الشريعة. أما إيقاف الشريعة لعدم توافر الشروط فهذا أمر آخر، مارسه سيدنا عمر [بن الخطاب] الفقيه الخليفة الراشد الذي أُمرنا أن نتخذ سنته كمنهج لأمر النبي صلى الله عليه وسلم:
قال رسول الله ﷺ: «فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عَضّوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة»
إيقاف سيدنا عمر للحدود في عام الرمادة تطبيقًا للشريعة لا تعطيلًا لها
وسيدنا عمر رضي الله عنه لمّا لم تتوفر شروط الحدّ في عام الرمادة أوقف الحدود؛ لأن الحدود تُدرأ بالشبهات، فمن شروط إقامة الحدّ [انتفاء الشبهة]، أوقف الحدّ. فهو الآن يطبّق الشريعة في إيقافه لبعض أحكامها، لكنه لم يقم بإلغاء الشريعة.
لم يقل إن الحدود مسألة وحشية أو غير إنسانية أو كذلك إلى آخره، بل إنه آمن بها وآمن بفوائدها، وأنها زاجرة، وأنها تصف الأفعال المنوطة بها من سرقة وزنا وغير ذلك بأوصاف تربوية تُنشئ في النفس الأنفة من السرقة ومن الزنا ومن الفاحشة.
الحكمة التربوية والزاجرة للعقوبات الشرعية في استقرار المجتمع
وتعلم [النفس] أن هذه الأمور فيها عقوبة شديدة تصل إلى قطع اليد أو جلد الظهر أو رجم النفس. هذه العقوبات الشديدة هي عقوبات أيضًا تربوية زاجرة مانعة من الوقوع في المعصية.
عندما تشيع في المجتمع جيلًا بعد جيل هذه المعاني، تستقر الأمور. فإلغاء الشريعة يختلف عن إيقاف بعض أحكام الشريعة [لعدم توافر شروطها].
تطبيق نظرية ذهاب المحل على فرائض الوضوء عند قطع اليد
وهنا جاءني الشرع فأمرني بالوضوء: اغسل وجهك بعد المضمضة والاستنشاق، اغسل يديك إلى المرفقين. قُطعت اليد في حادثة، فماذا أغسل؟ لا شيء.
هنا يأتي كلامنا في ذهاب المحل. هل بعد قطع اليد أصبحت فرائض الوضوء ناقصة فرضًا؟ يعني ألُغي ذلك الفرض؟ لا. فلو تصوّرنا تصورًا خياليًّا أن اليدين مرة يرجعان، هذا التصور الخيالي يتحقق بأنهما نبتتا وهذا خيال، أو أنهما زُرعتا مرة أخرى وهذا يحدث؛ إن انقطعت يد أحدهم فيأتون بيده ليزرعوها ويوصلوها هكذا فهي تلتئم مرة ثانية.
ذهاب المحل يُذهب الحكم مؤقتًا وعودة المحل تُعيد الحكم
وهي [اليد] مقطوعة وبعيدة عنه، فما عليه غسل اليد؛ لأن اليد ذهبت فلا وجود لها، يدٌ كي يغسلها. ولكن لمّا جاء الثاني [أي عادت اليد بالزراعة] رجع الحكم ثانية. فلو انقطع الثاني [أي اليد مرة أخرى] أيضًا فلا يجب عليه أن يغسلها.
إذن فهنا ذهب المحل فذهب الحكم معه، وهو مرتبط به، بحيث لو عاد المحل لعاد الحكم مرة أخرى.
تطبيق نظرية ذهاب المحل على الكفارات بعد انتهاء الرق
هناك أشياء كثيرة يذهب فيها المحل. أمرنا الشرع بالكفارات بأن نعتق رقبة في الحلف وفي الظهار وفي غير ذلك، وفي صوم رمضان إلى آخره، عتق رقبة. وفي الديات لمّا أمرنا الشرع بمثل هذه الأوامر، ولكن المحل ذهب.
المحل لا وجود له؛ لأن الرقيق انتهى، ودخلنا في اتفاقية تحرير العبيد في أواسط القرن التاسع عشر وانتهى الأمر. أين أجد العبيد من أجل أن أفعل ما ترى الشريعة له من اعتقادهم [أي عتقهم]؟ لا أجد العبيد، ذهب المحل.
الانتقال إلى البدائل الشرعية عند ذهاب المحل في الكفارات
ومع ذهاب المحل فالإنسان ينتقل إلى شيء آخر يقوم مقامه؛ قد يكون هذا الشيء قد نصّ عليه الشرع، وقد يكون هذا الشيء لم ينصّ عليه الشرع لكنه يؤدي وظائفه.
فلمّا أن تمّ التحرير التام والحمد لله رب العالمين، فلم أجد الرقبة، فإنني أنتقل إلى الإطعام، وأنتقل إلى الكسوة، فإذا فقدت الإطعام وفقدت الكسوة أنتقل إلى الصيام. فهذا شأن الكفارات، وأيضًا شأن الدية.
نظرية أثر ذهاب المحل بين وجود البديل وعدمه وتطبيقها على الخلافة
وهنا يأتي لي أنه في بعض الأحيان إذا ذهب المحل لا أجد له بديلًا، وفي بعض الأحيان إذا ذهب المحل وجدت له بديلًا.
نظرية أثر ذهاب المحل في الحكم تقول إنه هناك وضع يذهب فيه المحل ولا بديل له، وهناك وضع يذهب فيه المحل فيذهب الحكم أيضًا ولكن له بديل يمكن أن أقوم به.
مثال ثالث وهو مثال الخلافة الإسلامية الجامعة، الإمامة العظمى التي كانت تجمع أمة المسلمين شرقًا وغربًا.
سقوط الخلافة الإسلامية ومحاولات إعادتها والبدائل المطروحة
ذهبت هذه الخلافة بخروج أتاتورك وتخلّيه عن الخلافة الإسلامية وإعلانه أن تركيا أصبحت مستقلة لا علاقة لها بالإسلام، بل هي دولة علمانية، وانتهت الخلافة الإسلامية.
حاول كثير من الناس بصور مختلفة أن تعود الخلافة في هذه الأيام التي سقطت فيها في العشرينيات من عام ألف وتسعمائة وخمسة وعشرين، فحاولت جمعية الخلافة في الهند، وحاول المؤتمر الذي أقامه الملك فؤاد رحمه الله، وحاولت بعض الأحزاب أن تقيم الخلافة فأخفقت.
حاولوا أن يوجدوا صورًا أخرى تحلّ محل الخلافة، مثل منظمة المؤتمر الإسلامي، مثل جامعة الدول العربية، أي منظمة تجمع بدلًا من أن تكون رئاسة لهيئة أو نحو ذلك كما كانت الخلافة عبر القرون. أيضًا لم تقم هذه بواجب الوقت ولا بكيفيته.
ذهاب الخلافة وقيام رئيس الدولة ببعض وظائف الخليفة دون كلها
ذهبت الخلافة، فهل أحكام الخلافة [تسقط]؟ لأنه [الشرع] أمرني أن أطيع الخليفة ولو ضرب ظهري وأخذ مالي، وراعى جدًّا الاستقلال وقدّمه على الاضطراب، بحيث أنه نظّم لي كيفية النصيحة، وأمرني بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والفرق بين النصيحة والفضيحة، وأن النصيحة لله ولرسوله ولأئمة المسلمين ولعامتهم، وأمرنا بقبولها وكيفية جريانها إلى آخر ما هنالك.
كيف نفعل وقد ضاع الخليفة ولا وجود له؟ يقوم ببعض منصب الخليفة وليس بكلّه رئيس الدولة.
رئيس الدولة يقوم مقام الخليفة في إدارة البلاد لا في وحدة الأمة
فرئيس الدولة يقوم مقام الخليفة في تجنيد الجيوش، في الدفاع عن الأوطان، في إدارة البلاد والعباد، في تسيير النظم وتطبيق العدالة. يقوم مقام الخليفة، لكنه لا يقوم مقام الخليفة في وحدة الأمة.
وأصبحت المصالح إقليمية، وأصبحت الوطنية مقدّمة على القومية، والقومية مقدّمة على الرابطة الأعلى منها، وهكذا. وأصبحت هذه كأنها مسلّمات صار فيها الناس في شتى الأقطار، بحيث إننا لا نرى وحدة حقيقية في أيّ مجال كان.
أنظمة الوحدة المعاصرة كالاتحاد الأوروبي وغياب نظيرها عند المسلمين
والعالم اخترع أنظمة للوحدة مثل الاتحاد الأوروبي وما حدث فيه اقتصاديًّا واجتماعيًّا وسياسيًّا، ومن ناحية الدفاع فهناك أساليب مشتركة كالسوق المشتركة والدفاع المشترك، والاتحاد الذي يسهّل الانتقال في دول معينة داخل هذا الاتحاد، وتوحيد العملة وتوحيد المقاييس وتوحيد مناهج التعليم وتوحيد القوانين.
كل هذه أشياء لا نجدها الآن في واقع المسلمين. إذن فرئيس الدولة وإن قام بأشياء هي من وظيفة الخليفة، وأشياء مهمة غاية في الأهمية، وأشياء أساسية غاية في كونها أساسية، إلا أننا نرى أن بقية وظيفة الخليفة ليست محققة في رئيس الدولة. فرئيس الدولة قام بجزء ولم يقم بكل ما كان على الخليفة.
تطبيق نظرية ذهاب المحل على الذهب والفضة كوسيط تبادل نقدي
لو دخلنا في الأمور مرة أخرى مثلًا: الذهب والفضة. الذهب والفضة كان وسيط التبادل عبر القرون؛ الذهب في صورة الدينار والفضة في صورة الدرهم.
فالذهب كان الدينار يزن أربعة غرامات وربعًا، والدرهم يزن ثلاثة غرامات وثُمنًا، أو غرامين وتسعة أعشار وفقًا لاختلاف المذاهب في ضبطه؛ فالجمهور على أنه غرامان وتسعة أعشار، والحنفية على أنه ثلاثة غرامات وثُمن.
خصائص النقود السلعية من ذهب وفضة مقارنة بالأوراق النقدية المعاصرة
الذهب والفضة لهما خصائص معينة وهما أنها سلعة؛ الذهب سلعة والفضة سلعة. النقود السلعية لا يحدث معها التضخم إلا بسبب خارج عن النظام النقدي: كوارث طبيعية، حروب، مجاعات، أوبئة.
لكن الأوراق النقدية الآن التي حلّت محل الذهب والفضة قامت بوظيفة أنها وسيط للتبادل، فيها صفة أنها مقبولة قبولًا عامًّا، لكن ليس فيها صفة أنها مخزون للقيمة.
كان قديمًا الأسعار لا تتغير، فكان الذهب هذا يخزنونه في البيوت لأنهم واثقون أنه ثروة باقية.
ظاهرة التضخم في الأوراق النقدية وتآكل قيمتها عبر السنوات
لكن الآن لو خزّنا في البيوت الأوراق النقدية في بداية السنة وكانت تشتري مائة متر من الأرض، في نهاية السنة نجد أنها اشترت سبعين فقط، والسنة التي بعدها يشتري خمسة وثلاثين فقط، والسنة التي بعدها نفس المبلغ يشتري خمسة أمتار فقط، وهكذا.
وهذا الذي يُسمّى بـالتضخم. لم تكن هذه الخاصية موجودة في الذهب والفضة.
ربط الأحكام الشرعية بالذهب والفضة وأثر تحول النقد على الزكاة والربا
ولكن الله لمّا فرض الزكاة، وحتى لمّا تكلّم الفقهاء عن الشركات وعن المهور وعن أشياء من هذا القبيل، ربطوها بالذهب والفضة، فكان كلامًا منطقيًّا واضحًا يحافظ على مقاصد الشريعة ومصالح الناس.
فلمّا جاءت هذه الأوراق وأصبحت تقوم ببعض الوظائف، ولذلك نرى أنها ما زالت تتصف بـالصفة المالية فهي تُغني الفقير، ولكن لا تتصف بـالثبات في المديونية. فاحتاج هذا الأمر إلى نظام آخر يحيط به.
الفرق بين الربا في الذهب والفضة وحكم الأوراق النقدية المعاصرة
الربا تعلّق بالذهب والفضة حفاظًا على قيمتهما داخل النظام النقدي، فلا يزيد مال بمال بدون مقابل. لكن البنك نوت [الأوراق النقدية] مختلف تمامًا عن هذه القضية؛ هو ليس مختلفًا في كونه مقبولًا قبولًا عامًّا ولا أنه وسيط للتبادل، لكنه مختلف بأنه لم يعد مخزونًا للقيمة، وعلى ذلك فتتغير قيمته عبر العصور.
فشخص يقول لي: إذن لا ربا في النقود؟ وإذا راجت رواج النقدين، هذا كلام الإمام الشافعي، والشافعي إذن فلا زكاة في الأوراق النقدية؟ أقول له: لا، الأوراق النقدية فرض الله فيها الزكاة أيضًا؛ لأنها مال فعلًا، هي مال لا يُنكر ماليّته أحد.
الأوراق النقدية مال حقيقي تجب فيه الزكاة والفرق بين المالية والنقدية
إذا ركبت الحافلة أعطي المحصّل الأوراق النقدية فيقبلها أجرًا للنقل، وإذا ذهبت إلى البقّال أعطيه وآخذ منه الخبز يقبله، فهو مال بلا شك أنه مال بلا شك.
عندما أعطي الفقير أسدّد ديونه وأعالجه وأعلّمه فإنه يشعر بالسعادة، والحقيقة أنه مال. فما زالت الزكاة متعلّقة بالمالية، وإن كان الربا متعلّقًا بالنقدية.
ضرورة دراسة نظرية ذهاب المحل وتطبيقها في العقل المعاصر
ذهاب المحل إذن لا بدّ لنا من دراسته دراسة واضحة، وقد تكلّم الأصوليون عنه بإسهاب، إلا أنه لم يأخذ حظه في العقل المعاصر؛ لم يأخذ حظه لا عند الفقهاء ولا عند الأصوليين بالدرجة المناسبة. لم نرَهم وهم يفعلونه ويطبّقونه في مجال السياسة أو في مجال الاقتصاد أو في مجال الاجتماع أو في الحياة.
خاتمة: البحث عن النظريات الإسلامية المنسية لمواجهة تحديات العصر
هذا من مبادئنا: أن نبحث عن النظريات التي أنتجها العقل المسلم المفكّر العالِم في مجال الفقه وفي مجال الحديث وفي مجال الأصول وفي مجال التفسير وفي كل مجال، ونحاول أن نكوّن بها عقلنا المفكّر الذي يواجه عصرنا ويريد أن يعيشه.
ولا يريد أن يخرج من تراثه ولا من هويته ولا من تاريخه ولا من ذاته، لا يريد أن يجلد نفسه، ولكنه أيضًا لا يريد أن يتجمّد على الماضي وأن يسحبه إلى الحاضر.
إلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
