وقال الإمام | أ.د علي جمعة | الحلقة 25 | الفلسفة اللغوية
- •اللغة العربية تمثل وجهاً للفكر واستقامتها تؤدي إلى استقامة التفكير وفهم القرآن الكريم.
- •هناك فرق بين اللغة المقدسة وقدسية اللغة؛ فاللغة المقدسة هي التي كتبت بها نصوص مقدسة، بينما اللغة ليست مقدسة في ذاتها لأنها تتطور عبر العصور.
- •القرآن الكريم يحتوي على 66 ألف كلمة مردها إلى 1810 جذور، بينما السنة النبوية تضيف حوالي 1800 جذر آخر.
- •يكفي معرفة 3000 كلمة وحوالي 900 جملة لإتقان أي لغة، وهذا يفسر انتشار اللغة العربية مع القرآن.
- •من خصائص العربية الفريدة ارتباط معاني الكلمات بحروفها، فالكلمات المشتكلة من نفس الحروف مثل (ملك، كلم) تشترك في معنى جامع كالقوة.
- •معرفة خصائص اللغة تساعد على الفهم العميق للنصوص الدينية وإدراك إعجاز القرآن.
- •الدراسات اللغوية تمكننا من استخراج المعاني الدقيقة وتطبيقها في حياتنا.
أهمية الاهتمام باللغة العربية باعتبارها لغة القرآن والحديث والفكر المستقيم
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
من مبادئنا الاهتمام باللغة العربية باعتبارها اللغة التي نزل بها القرآن الكريم، وهي اللغة التي كُتب بها الحديث الشريف، وهي اللغة التي تُعدّ الوجه الآخر للفكر؛ وكلما استقامت اللغة استقام الفكر، وليس هناك استقامة للفكر بدون لغة.
ولذلك فإن اهتمامنا باللغة العربية له أثره في استقامة الفكر والتفكير المستقيم، وله أثره في فهم كتاب الله سبحانه وتعالى، وله أثره في التأثر بإعجاز القرآن الكريم والخشوع والخضوع والسجود لله سبحانه وتعالى عند قراءة هذا الكتاب العظيم.
أثر اللغة العربية في الإبداع والحياة والفرق بين الإبداع والابتداع
وله أثره أيضًا في الحياة؛ فإن الفكر المستقيم إنما هو فكر منفتح مبدع لا نهاية لإبداعه. وكلما رأينا واستقمنا في هذا الفكر كلما زاد الإبداع لا الابتداع، وكلما شُوِّش علينا الفكر كلما وصلنا إلى الابتداع لا الإبداع.
هناك فلسفة للغة خاصة اللغة العربية؛ اللغة العربية فيها عجائب وغرائب نريد أن نتأملها في نقاط هي أمثلة لما وراءها، وليست فيها إحاطة بالفلسفة اللغوية؛ فإن اللغة لا يحيط بها إلا نبي، كما كان الإمام الشافعي يقول: لا يحيط باللغة إلا نبي.
نقاط من فلسفة اللغة العربية تدل على التفكير المستقيم وتعظيم إعجاز القرآن
إنما نحن نتحدث عن نقاط تدل على ما وراءها، تدل كيف أن هذه اللغة تؤدي إلى التفكير المستقيم، تؤدي إلى تعظيم إعجاز القرآن، تؤدي إلى الفهم الصحيح، تؤدي إلى الإبداع، يؤدي إلى خير الحياة الدنيا في عبادة الله وعمارة الأرض وتزكية النفس. كيف هذا؟
ولذلك يجب علينا أن نهتم باللغة وبالدراسات اللغوية من كل جانب، ونضرب لذلك أمثلة متتالية وإن لم تكن على سبيل الحصر ولا الشمول، وإن لم تكن محيطة بالمسألة ولا يمكن أن نفعل ذلك لاتساع الأمر، والله أعلم بما هنالك.
من هذه النقاط التي نريد أن نتحدث معًا حولها عن الفلسفة اللغوية أو فلسفة اللغة العربية.
الفرق بين اللغة المقدسة وقدسية اللغة وأمثلة على اللغات المقدسة
نعلم أن هناك فرقًا بين اللغة المقدسة وبين قدسية اللغة. اللغة المقدسة هي اللغة التي كُتبت بها نصوص مقدسة، وهذه اللغات محدودة؛ فقد كُتبت التوراة في أصلها بالعبرية، وكُتبت الأناجيل في أصلها بالسريانية وهي لهجة من اللهجات الآرامية أو الآرامية لهجة منها، وكُتبت الفيدا عند الهنود وهو كتاب مقدس عندهم بالسنسكريتية، أما القرآن فهو بالعربية.
هذه الكتب المقدسة عند البشر وعند الناس أو بعض الناس يقدسونها، يجعل اللغة هي لغة مقدسة. ولذلك لا بد أن نطلع على خصائص هذه اللغة وعلى قوانين هذه اللغة وعلى مفردات هذه اللغة من أجل أن نستعمل ذلك في فهم النص المقدس الذي كُتب بهذه اللغة.
اللغة كائن حي يتطور ولا قدسية لها في ذاتها بل القدسية للنص المكتوب بها
لكن اللغة كما يقول علماؤها كائن حي يتطور. يتحدث الجاحظ عن أن لكل عصر طريقته في الكلام وأسلوبه. ولذلك فإن من عاش في الجاهلية ليس كمن عاش في الإسلام، ليس كمن عاش بعد ذلك بخمسمائة عام؛ كل جيل من هذه الأجيال وكل قوم من هؤلاء الأقوام يتكلمون بطريقة مختلفة حتى لو اتحدت اللغة.
فاللغة ليست لها قدسية في ذاتها؛ فهناك فرق بين اللغة المقدسة بمعنى أن نصًّا مقدسًا كُتب بها، ومن أجل ذلك لا بد أن نعرف خصائصها ونعرف قواعدها ونعرف قوانينها من أجل التوصل إلى الفهم الصحيح، وبين قدسية اللغة؛ فإن اللغة ليس لها قدسية بمعنى أنها تتغير وتتطور بتطور الأقوام وبتطور الأشياء وهكذا.
إشارة المفكرين إلى الفرق بين اللغة المقدسة وقدسية اللغة مع شواهد من الشعر الجاهلي
وهذا الفرق ما بين اللغة المقدسة وقدسية اللغة يشير إليه المفكرون والعلماء عبر التاريخ. الجاحظ يتحدث أنه إذا أقمت في قوم فلا بد أن تتكلم بلسانهم وعلى طريقتهم.
هناك فارق بين لغة امرئ القيس وهو في الجاهلية حيث يقول: قِفا نبكِ من ذكرى حبيبٍ ومنزلِ، بسِقطِ اللِّوى بين الدَّخولِ فحَوْمَلِ، فتوضِحَ فالمِقراةِ لم يَعفُ رسمُها لما طال عليها من قِدَمِ الأيام وتعاقب الأمطار والرياح. كلام قد لا يفهمه كثير من الناس.
وقوفًا بها صحبي على مَطِيِّها يقولون لا تَهلِك أسًى وتجمَّلِ، إلى آخر ما هنالك من هذه المعلقة التي كانت رائعة، والتي يتندّر بها كثير من الناس الآن لأنهم لا يفهمون شيئًا منها في مفرداتها وفي تراكيبها وفي أخيلتها.
شواهد من معلقة امرئ القيس وقصة المستشرق الذي أحس بإيقاع الحصان
وليلٍ كموجِ البحرِ أرخى سُدولَهُ عليَّ بأنواعِ الهمومِ ان انجلي، فقلتُ له لمّا تمطّى بصُلبِهِ وأردفَ إعجازًا وناءَ بكَلْكَلِهِ، ألا أيها الليلُ الطويلُ ألا انجلِ بصُبحٍ وما الإصباحُ منكَ بأمثلِ. مِكَرٍّ مِفَرٍّ مُقبِلٍ مُدبِرٍ معًا كجُلمودِ صخرٍ حطَّهُ السيلُ من عَلِ، وفي رواية: من عُلُوّ.
يعني لا يفهم أحد من الناس من ذلك شيئًا إلا أنه يتكلم باللغة العربية، وقد يشعر بإيقاعات معينة. شعر أحد المستشرقين -عندما ذكر لنا هذا الدكتور مهدي علّام- أن أحدهم أتاه في يوم وقال له: اذكر لي بيتًا من العربية. قال: فلم أجد في ذهني إلا "مِكَرٍّ مِفَرٍّ مُقبِلٍ مُدبِرٍ معًا كجُلمودِ صخرٍ حطَّهُ السيلُ من عَلِ".
فقال [المستشرق]: هل هذا حصان يجري؟ لأنه شعر بإيقاع وقع الحصان على الأرض من طريقة نطق الدكتور مهدي علّام رحمه الله لهذا البيت.
تطور اللغة العربية لا يمس قدسية النصوص المقدسة المكتوبة بها
فإذا اللغة العربية تتطور، ولكن في تطورها هذا لا تمسّ اللغة المقدسة التي كُتبت بها النصوص المقدسة.
عدد جذور القرآن الكريم والسنة النبوية ونسبتها من جذور اللغة العربية
من هذه الحقيقة نقطة أخرى حول هذا الكلام: نعلم أن الكتاب الكريم وفيه ستة وستون ألف كلمة تقريبًا، هذه الكلمات مردّها إلى ما لا يزيد عن ألف وثمانمائة وعشرة جذر؛ أي أن "ضَرَبَ" يصبح جذرًا، ولكن منها نشتق فيصبح ضارب وضِراب ومَضرِب وهكذا إلى آخره.
فلو أننا جئنا بجذور القرآن الكريم أو الألفاظ التي وردت في القرآن الكريم لوجدناها ألفًا وثمانمائة وعشرة، بما في ذلك الأعلام؛ أي أن إبراهيم وإسماعيل وإدريس أيضًا تدخل معنا في هذا، لأن بعض الناس لا يعدّون الأعلام باعتبار أنها وفي أغلبها أعلام أعجمية، ولذلك تُمنع من الصرف؛ عَلَمٌ أعجمي فيُمنع من الصرف. ولكن لو عددنا أيضًا هذا وجعلنا له جذورًا فإنه لا يزيد عن هذا العدد المذكور.
جذور السنة النبوية وعلاقتها بجذور القرآن الكريم ونسبتها من اللغة العربية
هذا هو القدر المقدس [من جذور اللغة]. لو ذهبنا إلى السنة وفعلنا فيها هذا وأوجدنا جذور السنة النبوية فوجدناها ثلاثة آلاف وستمائة تقريبًا، يعني كأنها ضعف ما في القرآن. والعجيب أن الألف والثمانمائة الموجودة فيه [القرآن] أيضًا [مضمّنة في] الثلاثة آلاف والستمائة؛ يعني نستطيع أن نقول ثلاثة آلاف وستمائة جذر تكفي للقرآن والسنة، حيث إن ما ورد في القرآن هو مضمّن أيضًا في السنة النبوية الشريفة.
إذن فالسؤال الثاني هو: كم عدد جذور اللغة العربية؟ كتاب ضخم كبير جامع مثل القاموس المحيط نجد فيه نحو أربعين ألف جذر للغة العربية. أربعون ألف جذر يعني معناه أن القرآن والسنة لم يتجاوزا عشرة في المائة؛ عشرة في المائة من الأربعين ألفًا أربعة آلاف، نحن لم نصل إلى أربعة آلاف.
تسعون بالمائة من جذور اللغة العربية يطرأ عليها الإهمال والتغيير
فإذا هناك تسعون في المائة من اللغة يطرأ عليها الإهمال، يطرأ عليها التغيير، يطرأ عليها أن تكون في المرتبة الثانية والتأخر. لكن الذي به قوام التفكير هو ثلاثة آلاف وستمائة جذر.
لو أننا رأينا الدراسات الحديثة اللغوية التي تبيّن كيف نتعلم مثلًا لغة مثل الإنجليزية أو هكذا، يقولون: الإنسان يستطيع أن يتعلم أي لغة إذا أدرك ثلاثة آلاف جذر فيها وتسعمائة جملة مفيدة؛ فإنك تستطيع بهذا القدر أن تتكلم الإنجليزية أو الفرنسية أو الصينية أو العربية. هذا القدر يكفي لتعلم اللغة وإتقانها.
دور القرآن الكريم في انتشار اللغة العربية والعلاقة التبادلية بينهما
إذن فلقد فسّر لنا عن طريق الدراسات اللغوية العامة كيف انتشر الإسلام وكيف انتشرت اللغة العربية: إنها عن طريق القرآن. هذا القرآن الذي حُفظ وتُلي وفُسِّر ودخل في التركية والأردية والملايوية وهكذا إلى آخره.
فأصبحت اللغة العربية من خلال هذا القدر من الجذور لغة مقبولة؛ فلما أن أرادوا أن يتعلموها لم يجدوا هناك عائقًا كبيرًا فيها. لكن من غير تعلم القرآن ومن غير شيوع السنة سيكون هناك عائق كبير جدًّا في تعلم اللغة العربية.
إذن الاهتمام بالقرآن يفيد اللغة، واللغة تفيد الاهتمام بالقرآن؛ فهما يمثلان دائرة واحدة لا تنفصل. اللغة المقدسة وقدسية اللغة هي نقطة من نقاط الفلسفة اللغوية.
خصائص اللغة العربية عند ابن جني والخليل بن أحمد وكتاب الخصائص
هلمّ بنا نرى خصائص هذه اللغة. خصائص هذه اللغة يؤلف فيها ابن جني ويؤلف فيها الخليل بن أحمد. خصائص هذه اللغة ابن جني والخليل بن أحمد يدلّاننا على أمور.
ولذلك ابن جني لما ألّف كتابه الممتع "الخصائص" سمّاه الخصائص لأنه يبحث في خصائص اللغة العربية.
خاصية الرابطة بين الحروف في اللغة العربية وتفردها عن سائر اللغات
يقولون بالتتبع أن أي لفظ في اللغة العربية -وهذا لا يوجد في غيرها على وجه الأرض- البشر يتكلمون بأكثر من خمسة آلاف لغة. هذه اللغات كما رصدت اليونسكو تموت، لدرجة أنهم رصدوا أن كل خمسة وعشرين يومًا تموت لغة بموت آخر من يتكلم بها.
ولكن اللغة العربية ليست محسوبة في هذا، بل هي محسوبة من اللغات العالمية المتمكنة؛ ولذلك أُقرّت في الأمم المتحدة، أُقرّت في مكتبة الكونغرس الأمريكي لأنها لغة لها حضارتها ولها ثقافتها. لغات الهنود الحمر وكثير من اللغات في الهند تضمحل وتنتهي، لدرجة أنه يموت كل خمسة وعشرين يومًا لغة من هذه اللغات الخمسة آلاف.
خاصية اشتراك تقلبات الحروف في معنى جامع مع مثال حروف الميم واللام والكاف
ليس هناك لغة مثل اللغة العربية في ماذا؟ قالوا: في الاعتماد على الرابطة الموجودة في حروفها. فمثلًا: م، ل، ك، هذه ثلاثة حروف: الميم واللام والكاف. كل كلمة تتكون من هذه الحروف بغض النظر عن ترتيبها لا بد أنها تشترك مع الكلمات الأخرى في معنى جامع يجمع كل هذه التقلبات.
وبنظرية التباديل والتوافيق نعلم أن هناك عندما يكون هناك ثلاثة حروف فيبقى هناك ست كلمات. الميم واللام والكاف: "مَلَكَ" كلمة، هذه "مَلَكَ"؛ منها الملك ومنها الملاك والمَلَك والملاك والمالك، فيها قوة بدرجات مختلفة.
الفرق بين الملك والمالك في القوة والسلطان وكلمة الملاك
يعني الملك من المُلك، والمالك من المِلك، في قوة وفي سلطان؛ لأنه الملك الذي بيده الأمر والنهي وقيادة المجتمع وتنظيمه وقيادة الجيوش والدفاع عن الناس. والمالك له قوة أخرى من طرف آخر؛ فإن الملك يملك [السلطة] لكنه ليس بمالك، لا يملك بيتي ولا يملك رقاب الناس.
أما المالك فهو يملك البيت ويكون خاصًّا به. ولذلك فمن هذه الناحية هو أقوى من الملك، والملك من ناحية العلو والرتبة هو أقوى من المالك.
وهنا يأتي كلمة الملاك؛ فكلمة ملاك عندما تأتي من الميم واللام والكاف لا بد أن يكون فيها نوع من القوة.
التقلبات الست لحروف الميم واللام والكاف بين المستعمل والمهمل في اللغة العربية
لكن خصائص العربية تقول غير الحروف [أي تُقلّب الحروف]، فتأتي لك ست كلمات: مَلَكَ، كَلَمَ، لَمَكَ، مَكَلَ -لو بحثنا عن "مَكَلَ" نجد أنه لا معنى له فيسمّونها المهمل.
والمهمل في اللغة العربية أكثر من المستخدم؛ لأن المستخدم تحدثنا عن أربعين ألف جذر، قد يصل الأمر إلى ثمانين ألف جذر، لكن في النهاية في أكثر من خمسمائة مليون كلمة مهملة؛ لأن كلما أحضرنا الستة نرى أن واحدة أو اثنتين أو ثلاثة مستخدمة وأن الباقي مهمل، فالأغلب هو المهمل. يعني لا يوجد شيء اسمه "مَكَلَ" فهي مهملة.
تحليل التقلبات المستعملة لحروف الميم واللام والكاف والمعنى الجامع بينها وهو القوة
"لَكَمَ" هذا التصريف الثالث، الترتيب الثالث: لَكَمَ، واحد لَكَمَ بيده من أمامه، لَكْمًا. كذلك "كَلَمَ" هذا الرابع، كلام؛ يعني منها الكلام قوة، والسكوت مقابل القوة. هذه "كَلَمَ" يعني جَرَحَ ووقف أيضًا في عدوان مثلًا أو في فعل، ففيه قوة.
إذن: "مَلَكَ" فيها قوة، و**"لَكَمَ"** فيها قوة، لأنه ما من شيء اسمه ["لَمَكَ"] لأنه مهمل، مثل ما لا يوجد شيء اسمه "مَكَلَ" فهو مهمل.
إذن فعندنا ثلاثة مهملة وعندنا ثلاثة مستعملة، الثلاثة المستعملة يجمعها شيء واحد وهو القوة.
أثر خاصية القوة في حروف الملائكة على فهم العربي الجاهلي لآيات القرآن
عندما نقرأ القرآن ونجد أنه يتحدث عن الملائكة فإننا بذلك نتصورهم أقوياء؛ ولذلك فهم يؤيدون المؤمنين ويثبّتون الأقدام وينزلون مسوّمين ومُردِفين وأقوياء يُعينون المؤمنين في حربهم.
ولذلك عندما يسمع العربي الجاهلي:
﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ [المدثر: 30]
فإنه مباشرة يقول: ألفٌ منّا لواحد! ما الذي يجعله يتصور هذا التصور أن ألف رجل سيذهبون للإمساك بالملاك [أي الملَك]؟ إنه بمجرد ما سمع هذه الحروف -الميم واللام والكاف- حدث في قلبه أن هذا يتحدث عن شيء قوي؛ ولذلك يحتاج الملَك إلى ألف شخص منّا.
بطولة الجاهلين الفارغة ومردود الكلمة العربية في تصوراتهم
وأنه ماذا يعني؟ أننا في يوم القيامة سنذهب لنقيّد ونأسر هؤلاء التسعة عشر ونغلبهم إن شاء الله، وسنفعل كذا وكذا من هذه البطولة الفارغة للجاهلين.
لكن ما الذي دفعه إلى أن يتصور هذا؟ إنه مردود الكلمة، مردود الحروف؛ لأنه بطبيعته العربية يستعمل هذه الحروف في شيء قوي. فهذه خصيصة من خصائص العربية جعلت الخليل بن أحمد يؤلف كتابه "العين" على هذا الوجه، جعلت ابن فارس يؤلف كتابه "مقاييس اللغة" بهذه الطريقة، جعلت ابن دريد يؤلف "الجمهرة" بهذه الطريقة.
منهج ابن فارس في جمع الكلمات والبحث عن الرابط المعنوي بين تقلبات الحروف
جمع [ابن فارس] الكلمات معًا ثم البحث عن الرابط الذي يربطها، وتفنّن ابن فارس في ذلك في "مقاييس اللغة" وأبدع فيه. وفي بعض الأحيان لم يجد رابطًا، ولكن أحيانًا قليلة جدًّا تكاد تُعدّ على أصابع اليد أو اليدين في كل خِضَمّ اللغة العربية.
مثال تقلبات حروف الهاء والراء والجيم والمعنى الجامع بينها
فمثلًا وهم يتحدثون عن كلمة "الهَرْج": ما معناه؟ الهرج معناه الاضطراب والقتل والفتن، ضد الاستقرار، ضد الهدوء.
حسنًا، وكلمة "رَهَجَ": يَرهَج، هذه لا نعرف ما هي. النار ذات رَهَج، النار ذات رَهَج؛ يعني ما معنى رَهَج إذن؟
و**"هَجَرَ"**: هَجَرَ يعني سافر، يعني ابتعد. يبقى إذن الهجرة فيها انتقال وفيها حركة، وفيها أيضًا ألم وفيها اضطراب؛ لأنني أترك الوطن وأذهب إلى السفر الذي هو قطعة من العذاب، وأذهب إلى الغربة التي قيل فيها: من مات غريبًا فقد مات شهيدًا؛ يعني في شيء من الألم.
ولذلك كان التغريب نوعًا من أنواع العقوبة: أن نُغرِّب العاصي وأن نعزله وأن ننفيه نفيًا. فالهجرة هكذا.
الجهر والحركة والاضطراب كمعانٍ جامعة لتقلبات حروف الهاء والراء والجيم
طيب، و**"الجَهْر"** أيضًا نفس الحروف؛ الجهر فيه تحريك للصوت وفيه علوّ. ورجل جَهوري يعني جهوري الصوت، يعني عالي الصوت. وهذا العلو قد يكون فيه ضجيج، قد يكون علو الصوت نوعًا من أنواع الإنذار، أو نوعًا من أنواع التوبيخ، أو نوعًا من أنواع الغضب.
إذن هناك شيء جامع بين هذا [التقلبات كلها] يشمل الحركة ويشمل الانتقال ويشمل الاضطراب. يمكن أن تكون هذه المعاني هي المعاني الجامعة لهذه الحروف.
فعندما يأتي ويقول: نار ذات رَهَج تعني ذات اضطراب؛ النار تذهب وتجيء هكذا فعلًا. النار خاصة عندما يكون في الهواء قوي نراها أنها تذهب وتأتي بهذا الشكل فيسميها الرَّهَج.
ارتباط الحروف في ذهن العربي بشبكة معانٍ ومثال الهجرة عند إبراهيم عليه السلام
وهو من داخله يسميها رَهَجًا مرتبطة في ذهنه في تكوين شبكة عقله بالهَرْج وبالجَهْر وبالهجرة وهكذا، مرتبطة بنفس الحروف في معاني كلمات أخرى لكنها من مجموعتها. وتمثل هذه المجموعة [معنى جامعًا مشتركًا].
إذ عندما كان العربي يسمع:
﴿إِنِّى مُهَاجِرٌ إِلَىٰ رَبِّىٓ إِنَّهُ هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾ [العنكبوت: 26]
يشعر بأن إبراهيم [عليه السلام] وهو يقول هذا كان متألمًا وكان مفارقًا للأوطان وكان بينه وبين قومه نزاع. كان يفهم على هذا المستوى.
أهمية معرفة خصائص اللغة في فهم القرآن والوقوف على المعاني العميقة
إذن فمعرفة خصائص اللغة تساعدنا في الفهم وفي الوقوف على المعاني التي قد لا تكون ظاهرة وقد تمر علينا مرور الكرام.
إبراهيم [عليه السلام] كان أمة، وإبراهيم كان حنيفًا، وإبراهيم هو أبو الأنبياء؛ كل هذا لأنه تألّم ولأنه صبر ولأنه فعل. أين صبر هذا وأين فعل؟ وهكذا القصة.
من غير عمق دلالات الألفاظ فيها تأخذ وضعًا آخر غير الذي تأخذه مع مراعاة هذا العمق. إذا رأينا هذا العمق شعرنا أكثر بالقرآن وشعرنا أكثر بقصصه وأحكامه وما فيه. والكلام يطول جدًّا في هذا المعنى.
خاصية الإطلاق في القرآن الكريم ومثال آية هل يستوي الذين يعلمون
أيضًا من خصائص اللغة التي نهتم بها، يقول ابن جني: انظر إلى قوله تعالى:
﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِى ٱلَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: 9]
لما قلّت القيود كثر الموجود [أي كثرت المعاني المحتملة]. "قل هل يستوي الذين يعلمون": ماذا يعلمون؟ الشريعة أم يعلمون الحق أم يعلمون في الكون أم يعلمون أي علم هو؟ سكت [النص القرآني] لم يقل أي علم هو؛ إذن فهو مطلق، كل العلوم تدخل في ذلك.
خاصية دلالة بدايات الكلمات على معانيها ومثال النون والفاء في النفاق
كذلك هناك خاصية أخرى في لغة العرب: أن كل ما بدايته نون وفاء معناه الخروج: نَفَرَ، نَفَعَ، نَفَسَ، نَفَقَ.
فلما كان يُسمّى واحد منافقًا معناه أنه خارج عن الجماعة؛ فكان يستشعر بالطرد، يستشعر بالوحدة، يستشعر بشيء رهيب.
خاصية عدم اجتماع بعض الحروف في الكلمات العربية الأصيلة وأهمية فهم خصائص اللغة
مثلًا يقولون إن كل كلمة في لغة العرب لا تجتمع فيها الجيم والصاد: جِصّ وصَولَجان وكذا إلى آخره ليست من لغة العرب [الأصيلة].
وهكذا خصائص كثيرة ينبغي علينا أن نلتفت إليها من أجل فهم الكتاب والسنة، ومن أجل أن نعيش في إعجازهما وفي أحكامهما، ومن أجل المعرفة الدقيقة لتطبيقها في حياتنا الدنيا.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
