وقال الإمام | أ.د علي جمعة | الحلقة 26 | الأحكام الرموز
- •من مبادئنا التفريق بين الأحكام الشرعية باختلاف الزمان والمكان والأشخاص والأحوال مراعاةً للمقاصد الشرعية والمآلات.
- •ظهرت الأحكام الرمزية التي تمثل شعارات للأمة أو عناوين للعصر وتتعلق بمصيرها، وتحتاج فهماً خاصاً يتجاوز المنقول في الكتب.
- •حذر الإمام القرافي من خطورة إصدار الفتاوى دون مراعاة الأعراف والعوائد واختلاف الأحوال.
- •من أمثلة الأحكام الرمزية: اعتبار الإمام السرهندي أكل لحم البقر من أكبر شعائر الإسلام في الهند لمواجهة مخطط جلال أكبر لتذويب المسلمين في الهندوسية.
- •مثال آخر: تحريم لبس القبعة في جنوب أفريقيا باعتبارها رمزاً للمستعمر وتكريساً لثقافته.
- •كذلك تحريم بيع الأراضي لليهود في القدس حفاظاً على المسجد الأقصى.
- •تتطلب الأحكام الرمزية إدراكاً للواقع والمقاصد والمآلات، وشفافية صدر الفقيه، ومحافظة على المصالح الآنية والمستقبلية، وحفاظاً على هوية الأمة وعدم ذوبانها.
مبدأ التفريق بين الأحكام الشرعية باختلاف الزمان والمكان والأحوال
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
من مبادئنا التي نسير عليها التفريق بين الأحكام الشرعية باختلاف الزمان والمكان والأشخاص والأحوال، باعتبار المقاصد الشرعية وما تؤول إليه. وهذه القاعدة ولدت حالة أسميها بـالأحكام الرموز.
ففي بعض الأحيان يصل الأمر إلى الحكم الذي يكون شعارًا للأمة، أو الذي يكون عالي القدر ويكون عنوانًا للعصر، أو يكون فيه ما فيه من ضياع الأمة إذا لم يُراعَ.
خطورة نقل الأحكام من الكتب دون مراعاة الواقع والمقاصد الشرعية
كثير من الناس، ولأن اللفظ جديد — الأحكام الرموز — تُنكر ذلك وتقول إن الأحكام هي الأحكام وأنها ثابتة. ولذلك يَنظر [أحدهم] في الكتاب، وغاية المراد من رب العباد عنده أن ينقل ما في الكتاب إلى الناس دون مراعاة لأي شيء حوله ولا لأي شيء آخر.
الإمام القرافي في كتابه العظيم «الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام» ينبه — أظنه في القاعدة السادسة والثلاثين — على خطورة هذا الوضع، ويقول إن بعضهم من جهالته لا يراعي الأعراف ولا العوائد ولا اختلاف الأحوال.
ولذلك فإنه يفتي بما هو مسطور في الكتب دون وعي للربط الواجب على الفقيه أن يفعله بين ما هو مسطور في الكتب وبين ما هو محقق للمآلات ومحقق للمقاصد ومحقق للمصالح. ومن هنا ضاع كثير جدًّا من الخير على المسلمين بجهالة بعضهم أو بتعنتهم.
قصة صاحب الشجة ودعاء النبي على من أفتاه بغير علم
يذكرني ذلك بـصاحب الشجة الذي أفتوه بأن لا بد عليه أن يستحم [يغتسل]، بالرغم من وجود شجة في رأسه [جرح بالغ]، باعتبار أن الاستحمام [الغسل] هو الذي أمرتنا به الشريعة عند وجود الجنابة، فمات الرجل.
قال رسول الله ﷺ: «قتلوه، قاتلهم الله»
انظروا إلى رسول الله الرحيم ﷺ عندما يدعو على أولئك الذين أفتوه بدون علم؛ أنهم قتلوه وكانوا سببًا في قتله.
كثير من الفتاوى تؤدي إلى خراب البيوت وإلى زهوق الأنفس، بل وإلى الضياع في الحياة الدنيا. وكل ذلك من عدم فهم هذه الكلمة التي هي من مبادئنا وأتينا بها: الأحكام الرموز.
قصة جلال أكبر ومحاولته توحيد المسلمين والهندوس في الهند
نضرب أمثلة للأحكام الرموز: حدث في الهند أن سلطانًا من السلاطين كان اسمه جلال أكبر أراد أن يوحد بين المسلمين وبين الهندوس وأن يجعل الدين بينهما واحدًا، وأراد أن:
﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم: 9]
فأراد أن يُدهن حتى يُدهنوا. وكان جلال أكبر هذا أصلًا من المسلمين، لكنه أراد أن يجمع الاثنين تحت مظلة واحدة وتحت عنوان واحد.
قال للمسلمين: يمكن أن تفعلوا شيئًا بسيطًا وهو أن تقدسوا البقر أو أن تمتنعوا عن أكل لحم البقر، لا نريد منكم إلا هذا. في الهندوسية يمكن قبولك بكل عباداتك وكل عقائدك إذا سميت نفسك هندوسيًّا فقط لا غير؛ فهم ينزلون الاختلاف في العقائد كما ننزل نحن الاختلاف بين الشافعية والمالكية، وكل من المسلمين لا يضر، فكذلك عندهم هذا لا يضر.
عرض جلال أكبر على المسلمين ترك لحم البقر والتسمي بالهندوس
فجاء جلال أكبر وقال: هذه بسيطة؛ أنتم أيها الهندوس تعظمون النبي وتصلون عليه، وأنتم أيها المسلمون لا تأكلوا لحم البقر، وعليكم بشيء بسيط وهو ولو سميتم أنفسكم هنودًا أو هندوسًا لا يكون هناك أي ضرر.
وابقوا كما أنتم: صلوا وصوموا وحجوا وعظموا النبي ﷺ واحفظوا القرآن وامشوا على الفقه كما أنتم، ولكن فقط المطلوب منكم أن تمتنعوا عن لحم البقر.
موقف الإمام السرهندي وجعل أكل البقر من أكبر شعائر الإسلام
قام الإمام السرهندي رحمه الله تعالى — المجدد الثاني — وجعل هناك حكمًا من أحكام الرموز، وقال إن أكل البقر أكبر شعائر الإسلام.
أكل البقر ليس أكبر شعائر الإسلام؛ أكل البقر في الحقيقة مباح، بل إن هناك حديثًا وهو حديث صحيح أيضًا يُذكر فيه:
قال رسول الله ﷺ: «إن لحمها لداء وإن ألبانها لدواء»
يتحدث عن البقر، أي أن هناك حديثًا كأنه يرشد إلى عدم أكل البقر.
وهناك من ينكر هذا الحديث باعتباره مخالفًا للقرآن الكريم الذي جعل الأنعام مما أنعم الله به علينا، ولا يمكن أن يمنّ الله سبحانه وتعالى علينا بما هو مكروه. ويتحدث بعضهم ويدافع عن الحديث ويقول لأن فيها الدودة الشريطية وغير ذلك، وكلام كثير بين الناس في هذا الموضوع.
خطورة تسمية المسلمين أنفسهم هندوسًا وذوبان الأجيال القادمة
لكن على كل حال، هذا الوضع: ما الذي يترتب على أن يسمي [المسلم] نفسه بأنه هندوسي؟ هو جيل واحد فقط ثم يحدث الاضطراب. هذا الجيل هو الجيل الذي عاش وفهم هذا الاسم [أنه مجرد تسمية شكلية].
لكنه لو سمى نفسه بهذا فإن الجيل الآخر سوف يذهب ويدخل في هذه العقائد الغريبة التي لا يعرفها، وينتهي ويذوب. فهو جيل واحد فقط هو الذي سوف يتمسك إن تمسك.
ولذلك كان هذا المدخل الذي عرضه جلال أكبر هو مدخل يجب أن يُقف ضده على هذا المستوى — مستوى إرادة ضياع الأمة.
حكمة السرهندي في رفع أكل البقر إلى مرتبة الشعائر حفاظًا على الأمة
مما يجعله [الإمام السرهندي] لا يتحرج — وهو العالم الفقيه التقي النقي الذي له المكتوبات الربانية — لا يتحرج في أن يقول إن أكل البقر من أكبر شعائر الإسلام.
أي أنه لم يدخل في أنه مباح، ولم يدخل أنه نعمة عارضة، ولم يُظهر الحديث الذي يجعل من لحم البقر داءً وفي ألبانها دواءً. كل هذا سكت عنه وتجاوزه، وجعل أكل لحم البقر أكبر شعائر الإسلام للحفاظ على الأمة.
كثير من الناس لا يدرك هذه الحقيقة. هذا الواجب — القيام بواجب الوقت — الأحكام الرموز لا يدركونها.
سؤال حكم لبس القبعة في جنوب أفريقيا وعلاقته بثقافة المستعمر
جاء مثال آخر: سؤال في أوائل القرن العشرين من الترانسفال التي هي جنوب أفريقيا الآن.
سأل المسلمون هناك: ما حكم لبس القبعة؟
والقبعة هذه لها قصة، وهي أنها:
- أولًا: من زي غير المسلمين الذين احتلوا البلاد.
- ثانيًا: مع أنها زي يختص بغير المسلمين إلا أنها أيضًا لا تتناسب مع عبادات المسلمين؛ حيث إن لها حافة تمنعهم من السجود.
فجمعت بين أمرين: الأمر الأول هو التشبه، والأمر الثاني هو عدم القدرة أو عدم الملاءمة للسجود. والأمر الثالث وهو الأهم: تكريس ثقافة المحتل.
قوة الأمة الإسلامية في إذابة الحضارات الوافدة دون أن تذوب فيها
الأمة الإسلامية أذابت من جاءها: جاءها التتار والمغول فأسلموا، وجاءها الصليبيون فرجعوا مسلمين كما حدث في فرسان المعبد في قصة طويلة. ذابت الأمم فيها وهم لم يذوبوا في أحد.
فقضية الذوبان هذه مراعاة في حينها حينئذ، فيخرج الحكم بعد اختلافات بين الفقهاء: الذين يريدون ألا ينظروا إلى ما حول القضية فيحرمون للمشابهة — لمطلق المشابهة — أو يجيزون لأنه الأصل في الملابس الإباحة، وماذا نفعل في الغربي إذا دخل الإسلام وهو يرتدي القبعة هذه؟ فهي ليست حرامًا.
لبس القبعة رمز للمستعمر يجعلها من أكبر الكبائر في سياقها المحدد
ولكن كونها رمزًا للمستعمر هذا هو المعنى الذي ينبغي أن يُعلل به الحكم الرمز. فنقول إن لبس هذه القبعة في هذا الجو — حيث إنها رمز للمستعمر — يصبح من أكبر الكبائر. هي في ذاتها مباحة، ولكن عند الصلاة نقول يخلعها وقت الصلاة.
يقول [قائل]: التشبه. الحقيقة أن التشبه نسبي؛ لأنه لو شاع فيهم لما كان تشبهًا — أفترض أو أسلم القول — لما كان تشبهًا.
لكن الخفي في المسألة الذي أدركه بعض الناس بنور بصيرتهم هو أنه من الأحكام الرموز: أن هذه [القبعة] في هذه الأوقات في هذه البلاد بالذات إنما هي شعار للمستعمر. ولذلك فإن ارتداءها يكون أسوأ الذنوب وأعظمها.
حكم القبعة حكم رمزي مخصوص بزمانه ومكانه وليس حكمًا عامًّا
ونقول إن ارتداء القبعة من أكبر الكبائر. ارتداء القبعة من أكبر الكبائر — هذا ليس حكمًا عامًّا، هذا حكم من أحكام الرموز وليس في كل مكان وفي كل زمان ولكل أحد أبدًا؛ هذا مختص بهذا [السياق المحدد في جنوب أفريقيا].
مثل قول السرهندي — المجدد الثاني الرباني — عندما يقول إن أكل لحم البقر من أكبر شعائر الإسلام، وهو ليس كذلك [في الأصل]، وإنما هذا من الأحكام الرموز.
حرمة بيع الأراضي حول المسجد الأقصى لليهود من الأحكام الرموز
نواجه هذا أيضًا عندما يأتي [سائل] فيقول إن الإسرائيليين يريدون شراء ما حول الحرم القدسي الشريف. والبيع والشراء مع اليهود ليس فيه شيء وهو مباح؛ نفعله معهم طوال السنين وفي كل القرون وفي كل مكان.
اليهود فروا من الأندلس وألقوا بأنفسهم في أحضان الدولة العثمانية لحماية المسلمين لهم. ليس لدينا أي مانع من أن يكون وزير السياحة المغربي من اليهود، ليس لدينا أي مانع من أن يتولى اليهود بعض الحسابات للخلفاء عبر التاريخ لإتقانهم ذلك، ولا أن يعملوا بصناعة الذهب عبر التاريخ لتخصصهم في هذا.
ولكن يُمنع أن تُباع الأراضي حول الحرم القدسي حتى لا يؤدي ذلك إلى ملكية تحيط به من كل جانب وتسعى لهدمه.
بيع الأرض في القدس لغير المسلمين من أكبر الكبائر لخطورة الظرف المحيط
بيع الأرض لغير المسلمين في القدس الآن من أكبر الكبائر، لكن الرجل محتاج والبيع مستوفٍ لأركانه، ولكن الظرف الخارجي والبيئة الخارجية لهذا البيع ليست بريئة وليست سليمة.
إن الإعلان والأنفاق لهدم التل والجبل الذي عليه المسجد الحرام [الأقصى] والمسجد المقدس الأقصى وكل هذا أمام العالم. جميع قرارات الأمم المتحدة تصف إسرائيل بأنها محتلة للقدس، من النزاعات الأساسية لأن القدس هذه رمز كبير، وهي أن القدس الشرقية هي عاصمة الدولة الفلسطينية ولا يمكن أن نتنازل عن هذا.
كل ذلك يؤدي بالفقيه إلى أن يكون واعيًا. وعندما يُسأل: هل يجوز لليهودي أن يشتري من المسلم [أرضًا في القدس]؟ هذا ليس بريئًا هذا السؤال. نعم يجوز في مصر، في المغرب، في إنجلترا، في أي مكان، وليس في مكان المسجد الأقصى وليس بغرض التوسل إلى هدمه كما هو حاصل الآن. فهذا من الأحكام الرموز.
قصة ملك روسيا الذي أراد الإسلام لكنه توقف عند تحريم الخمر
هناك بعض الأحكام هي ليست تُسمى بمفهومنا هذا الأحكام الرموز، ولكن في الوقت نفسه لها تأثير عظيم أو حدث فيها تأثير عظيم جدًّا عبر التاريخ.
منها ما يرويه المقريزي في الخطط: يروي أن ملكًا من ملوك روسيا أرسل في الأرض ليبحثوا له عن دين. فجاء من يصف له البوذية والهندوسية، وجاء من يصف له المسيحية واليهودية، وجاء من يصف له الإسلام بعد أن أرسل بعثات في الأرض.
وهذا الملك — كما يروي المقريزي في خططه — استحسن الإسلام ورأى فيه من مكارم الأخلاق، ومن أنه دين قد جمع بين الروح والجسد وراعى المصالح، وأنه دين خاتم، وأنه دين يعترف بجميع الأديان ويرى أن الأنبياء أولاد علات — من أب واحد وأمهات مختلفة — وقد استحسن هذا الدين أن يدخل هو وقومه فيه.
عائق تحريم الخمر وفتوى المفتي الخاطئة التي حرمت روسيا من الإسلام
ولكن هناك عائق عاقه عن هذا الدخول، وهو تحريم الإسلام للخمر. فالخمر تمكنت منهم؛ يشربونها من أجل طلب الدفء، والفودكا هذه تُعد من أشد أنواع الخمور، لكنهم يشربونها لشدة البرودة جدًّا، وبدونها يعتقدون — خاصة حينئذ — أنهم يرون الموت.
فأراد أن يتأكد من هذه المعلومة أو من مدى هذه الحرمة، أو يرى ما مكانة الخمر في الشريعة، أو هل يمكن أن نسلم وفي الوقت نفسه نشرب الخمر؟
فأتى بأحد المفتين المسلمين واستدعاه وعرض عليه الأمر وقال له: إننا نريد أن نسلم وكل روسيا تسلم، ولكن بشرط أن نشرب الخمر. للأسف هذا الرجل [المفتي] لم يعرف قضية البيئة [مراعاة الظروف المحيطة]، فقال له: أبدًا، إما أن تترك الخمر وإما أن تبقى على ما أنت عليه؛ الإسلام لا يتوافق مع شرب الخمر.
باب الإسلام مع الشرط الفاسد وجواز قبول المسلم الجديد بشروط معينة
هذا الكلام كلام فاسد وكلام خاطئ. وهناك في الفقه — لو كان هذا الرجل يطالع ويقرأ عفا الله عنه — باب اسمه «الإسلام مع الشرط الفاسد».
وهناك من أتى إلى النبي ﷺ وأراد الإسلام مع شرط أن يترك له الزنا. الزنا حرام، لكنّا ندعوه إلى الإسلام ويدخل في الإسلام، وقضية الزنا هذه سوف ينتهي عنها. وإذا لم ينتهِ عنها فإن أبناءه سيصبحون من المسلمين وينتهون عنها.
ولذلك يجوز الإسلام مع الشرط الفاسد، والشروط الفاسدة كثيرة، ومن بينها قضية الخمر، ومن بينها قضية المعصية والزنا وما إلى ذلك، ومن بينها أيضًا ترك الصلاة وعدم إقامتها، ومن بينها استحلال الظلم.
رفض النبي لشرط ترك الصلاة لوفد ثقيف لأنها عماد الدين
وهناك بعض الشروط التي لا يجوز أن نتخلى عنها، حيث:
قال النبي ﷺ: «ولا خير في دين ليس فيه ركوع»
وذلك لوفد ثقيف، ورفض أن يسلموا مع شرط ترك الصلاة؛ لأن الصلاة هي عماد الدين، والصلاة هي التي تنشئ الإنسان وتنقله من الجاهلية إلى الإسلام، والصلاة هي العهد الذي بيننا وبينهم فمن تركها فقد كفر، والصلاة هي ذروة سنام هذا الإسلام وهي ركن من أركانه فلا يتم الإسلام إلا بها.
ولذلك رفض رسول الله ﷺ هذا الشرط واعتبره في غاية الفساد وأنه يقضي على الإسلام بالبطلان.
أسلوب النبي في معالجة شرط الزنا بالحكمة والتدرج
أما الزنا فقال [النبي ﷺ] للرجل [الذي اشترط إباحة الزنا له]: إذن لا تكذب عليّ. فكان كلما أراد أن يزني تذكر: إذا سألني رسول الله ﷺ فماذا أفعل؟ فيمتنع عن الزنا خشية سؤال رسول الله ﷺ، حتى منّ الله عليه وجعله يترك هذا الفعل الخبيث شيئًا فشيئًا.
وقال النبي ﷺ: «أترضاه لأمك؟ أترضاه لأختك؟»
قال: لا يا رسول الله. قال: إذن لا ترضاه لبنات الناس.
فهذا الأسلوب الذي مارسه رسول الله ﷺ بعد قبوله التوبة هو الطريق الصحيح في هذا.
منهج التدرج في قبول الإسلام وضياع فرصة إسلام روسيا بسبب الجهل
كان [ينبغي أن] يقول له [المفتي لملك روسيا]: إن الخمر حرام، ولكن يجوز لك أن تدخل الإسلام، ثم بعد ذلك وبالتدريج — ولعله في الجيل الذي يأتي بعدك أو الذي يأتي بعده — تنتهي هذه الأمور ويخرج الناس من شرب الخمر والمسكرات وذهاب العقل إلى صحيح الإسلام.
نعى كثير من الناس على هذا الفقيه الذي ضيّع دخول روسيا بملوكها وشعوبها الإسلام. وتخيل لو أن هذه المنطقة كلها أصبحت من المسلمين؛ إذن لتغير وجه التاريخ وأحداث التاريخ، ولكن الله غالب على أمره.
تصور لو أسلمت روسيا وأثر ذلك على موازين القوى في العالم
تخيل أن تركيا المسلمة وروسيا المسلمة — بدلًا من النزاع الطويل الذي أضعف وأوهن عضد الأتراك، بدلًا من النزاع الطويل الذي أهدر ثروات كلا الطرفين — كان سيكون في منطقة قوية كانت ستسيطر على العالم أو تكاد.
والسيطرة ليس غرضها الاستعمار، وإنما غرضها إعلاء كلمة الله وإرشاد الإنسان إلى دين الحق، ثم بعد ذلك فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر.
﴿لَآ إِكْرَاهَ فِى ٱلدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشْدُ مِنَ ٱلْغَىِّ﴾ [البقرة: 256]
الأحكام الرموز تتطلب إدراك الواقع والمقاصد وشفافية الفقيه
الأحكام الرموز فيها جزء كبير من إدراك الواقع، فيها جزء كبير من إدراك المقاصد الشرعية، وفيها جزء كبير من شفافية صدر الفقيه وهو ينظر إلى المآلات وإلى ما تتداعى إليها الأمور في المستقبل.
الأحكام الشرعية فيها مراعاة للبيئة المحيطة، وفيها محافظة على المصالح الآنية والمستقبلية.
الأحكام الرموز فيها وعي للفقيه، وفيها توكل صادق على الله، وفيها معرفة لخصائص الدعوة الإسلامية وعالميتها، وفيها حفاظ على هوية الأمة وعدم ذوبانها، بل إنها تكون بوتقة تذوب فيها الحضارات والأمم ولا تذوب هي في ذاتها.
الأحكام الرموز من المبادئ التي تحتاج إلى دراسة وتطوير فقهي
الأحكام الرموز من مبادئنا التي تحتاج إلى دراسة وتجميع ووعي وإرشاد، وأن تكون جزءًا من الاختيار الفقهي حتى نطور من فقهنا ومن تطبيق أحكام ربنا سبحانه وتعالى على الواقع المعيشي.
إلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
