أؤمن بأن صحيح البخاري هو أصح الكتب بعد كتاب الله سبحانه وتعالى ولكن هل ذلك يعني أنه لايوجد أي خطأ؟ - فتاوي

أؤمن بأن صحيح البخاري هو أصح الكتب بعد كتاب الله سبحانه وتعالى ولكن هل ذلك يعني أنه لايوجد أي خطأ؟

13 دقيقة
  • صحيح البخاري ليس جهد شخص واحد بل أصبح كتاب أمة، حيث قام العلماء بتدقيق أحاديثه وتتبع أسانيده من شيوخ البخاري وشيوخ شيوخه.
  • قام العلماء بإنشاء "المستخرجات" للتحقق من صحة الأحاديث من طرق أخرى غير طريق البخاري، وهذا يؤكد دقة عمل البخاري.
  • انتقاد صحيح البخاري يجب أن يكون بالعلم لا بالثرثرة، فقد قام علماء كالإمام مسلم بدراسة أحاديثه، ووجدوا أن هناك حوالي 112 حديثاً من أصل ألفين وستمائة قد يكون فيها شيء.
  • ذكر المتحدث مثال لانتقاد الإمام الزهد لحديث "من عادى لي وليًا" بسبب خالد بن مخلد في سنده، لكن الحديث روي من طرق أخرى.
  • هناك فرق بين النص وتفسيره وتطبيقه، مثل حديث الذباب، فالشريعة تراعي الظروف المختلفة كحالات الاضطرار في المجاعات والحروب.
  • الإسلام دين واسع يتقبل الثقافات المختلفة عبر الأجيال ولا ينبغي التضييق على الناس.
محتويات الفيديو(15 أقسام)

سؤال حول وجود أخطاء في صحيح البخاري باعتباره كتاباً بشرياً

شخص يسأل ويقول: أؤمن أن صحيح البخاري هو أصح الكتب بعد كتاب الله سبحانه وتعالى، لكن هل ذلك يعني أنه لا يوجد أي خطأ في صحيح البخاري وهو كتاب وضعه بشر، ولا بد أن يكون فيه جانب من النقص وهكذا؟

قلنا شيئين: الشيء الأول أن العلماء تناولوا صحيح البخاري ودققوا فيه كلمة كلمة، فلم يعد جهد إنسان واحد، بل أصبح كتاب أمة. الناس الذين كانوا جالسين حول البخاري، كل واحد أخذه وضبطه جدًا، ثم بعد ذلك أخذوا يعملون على صحيح البخاري.

منهج العلماء في تتبع أسانيد صحيح البخاري والمستخرجات عليه

قال [العلماء]: والبخاري سمع هذه الأحاديث من أين؟ من واحد اثنين ثلاثة أربعة، الذين هم شيوخ البخاري، فذهبوا باحثين عن شيوخ البخاري ودوّنوهم في قائمة كهذه ورقة.

وقالوا: حسنًا، كل واحد من الموجودين هؤلاء الشيوخ، سمعها من مَن؟ سمعها من واحد أو اثنين أو ثلاثة أو أربعة من شيوخ الشيوخ، الذي هو جد البخاري في السند. يعني عندنا أبو البخاري هذا شيخه، وجد البخاري شيخ شيخه.

قال: حسنًا، ما رأيك في أننا نريد أن نبحث عن أحاديث البخاري من شيخ شيخه من غير شيخه، من طريق آخر؛ لئلا يكون البخاري قد أخطأ.

نتائج المستخرجات وتتبع الأسانيد أثبتت دقة صحيح البخاري

فذهبوا وأنشأوا ما يسمى بـالمستخرجات، يذهبون فيبحثون عن كلام الرجل شيخ الشيخ وهو الجد أين يوجد، فوجدوه - تخيلوا - أنهم وجدوا الكلام كما هو! هذه مسألة مبهرة.

قالوا: حسنًا، فلنختصر هكذا ونذهب لشيخ شيخ شيخ [البخاري]، هاه، أبو الجد، ففعلها هكذا فوجدوا الكلام سليمًا.

قالوا: حسنًا، تعال وجرّب على شيخ شيخ شيخ شيخه، ففعل، فوجدوا الكلام مضبوطًا.

الرد على من يطعن في صحيح البخاري بلا علم ولا دليل

بالله عليك، وأعطني عقلك أنت، وبعد ذلك جاء واحد الآن يمزح ويقول: البخاري به أخطاء! طيب، كيف أخطأ في ذلك إن شاء الله؟

هذا علم؛ إذا كان أخطأ فقل في ماذا أخطأ؟ لا مانع، فهم بشر وكل هؤلاء بشر، فلا مانع. قل لي ما هو خطؤه وكيف أخطأ حتى يصبح علمًا.

أما أنا فكيف أصدق أنه بعد كل هذه المجهودات، وبعد طباعة كل هذه الكتب، وبعد كل هؤلاء الناس التي عملت لها ملفات، وبعد التتبع العجيب الغريب الذي حدث، أنت هكذا وأنت جالس متكئًا على أريكتك تقول لي: إن صحيح البخاري أنا لا يعجبني، أليس هو بشر؟ يا للعجب! يا للعجب! يا للعجب!

الانتقاد العلمي لصحيح البخاري يكون بالعلم لا بالثرثرة

نعم، هو بشر ولم نقل إنه معصوم، وإنما تريد أن تنتقده فانتقده. فالسؤال هو: هل هناك أحد انتقده؟ نعم، ولكن بالعلم لا بالجعجعة.

وما هو العلم؟ العلم هو أن الإمام الدارقطني مسك بكتاب البخاري، وقد فحص الأحاديث حديثًا حديثًا. البخاري به كم حديث بالمكرر؟ سبعة آلاف ونصف، وبدون المكرر حوالي ألفين وستمائة حديث بالتقريب؛ لأنه كان يكرر الحديث الواحد عدة مرات. فبالتكرار بلغ سبعة آلاف وخمسمائة، ومن غير التكرار ألفين وأربعمائة وقليل زيادة.

نتيجة فحص الدارقطني لأحاديث البخاري ورد ابن حجر عليه

فتناولهم [الدارقطني] واحدًا واحدًا، وبعد البحث والتدقيق، وجد من الألفين وستمائة أو الألفين وأربعمائة، مائة واثني عشر حديثًا قال: هؤلاء القلب فيه منهم شيء، أي أنهم غير دقيقين تمامًا. وضع عليهم علامة استفهام.

فردّ الإمام ابن حجر قال له: حسنًا، تعال نتفاهم، ما الذي أزعجك؟ حديث رقم واحد فيه فلان، نعم به فلان، ولكن به علّان وترتان وسرسان رُوي عن صحابي. قال له: ورُوي عن عشرين صحابيًا غيره! أقصد أن هناك واحدًا ضعيفًا لا بأس عليه، فهو في الأصل رُوي عن غير الضعيف بالطريقة.

رد ابن حجر على الأحاديث المنتقدة في هدي الساري مقدمة فتح الباري

هكذا عَلِمَ مائة وعشرون حديثًا في [كتاب] هدي الساري في مقدمة فتح الباري شرح صحيح البخاري.

هي الحكاية ليست بالتمني، كن مثل العالم، مثلهم هكذا، وقل لي: أنا لا يعجبني هذا الحديث. ماذا [لا يعجبك]؟

موقف الإمام الذهبي من حديث من عادى لي ولياً وأدب العلماء في النقد

حديث «من عادى لي وليًا فقد آذنته بحرب»، فجاء الإمام الذهبي وقال: لولا حرمة الصحيح لقلت فيه شيئًا.

الإمام الذهبي، انظر كيف تأدّبه! فانظر إلى أهل العلم؛ لأنهم يعرفون المجهود بالتفصيل. فيقول ماذا: لولا حرمة الصحيح - يعني هذا الذي هو صحيح [البخاري] له مكانة وله حرمة - لقلت فيه شيئًا.

قلنا له: حسنًا يا سيدنا الإمام الذهبي، ما الذي أغضبك من حديث «من عادى لي وليًا فقد آذنته بالحرب»؟ قال لنا: إن في سنده خالد بن مخلد. ماذا [في] خالد بن مخلد؟ وخالد بن مخلد ليس بهذا القدر [من الضعف]. قال: نعم، خالد بن مخلد لا يعجبني.

الرد على انتقاد خالد بن مخلد بوجود طرق أخرى للحديث

قالوا له: حسنًا، إن هذا الحديث بالذات مرويًا عن غير خالد بن مخلد من عدة طرق، فيكون الأمر انتهى، ليس لك حجة.

ودعنا نترك خالد بن مخلد، لماذا؟ لأنه خالد أخذ خالد ودام في طرق ثانية لم يذكرها. قال: لغرض في عقل البخاري عميق جدًا، ما هو؟ إنه ينبّهنا أن خالد بن مخلد جيد. أنتم تظنون أنه سيء، فما رأيكم به الآن بعدما أصبح جيدًا؟ لأنني تتبعت روايته وتبيّن أنها جيدة.

فأريد أن أبعث برسالة أقول فيها: انتبه، خالد بن مخلد الذي يظنه الناس سيئًا، الناس يظنونه سيئًا، هو من الصالحين. من حقه أن يفعل هكذا أم لا؟ من حقه طبعًا، فهو يعلّمنا، جزاه الله خيرًا.

صحيح البخاري كتاب أمة وانتقاده يكون بالعلم لا بالثرثرة

إذن صحيح البخاري ليس كتابًا لفرد، بل هو كتاب أمة. خُدِمَ صحيح البخاري، إذا أردت أن تنتقد شيئًا فيه فعليك بالعلم وليس بالثرثرة، وليس بالثرثرة اسمها هكذا.

حتى أصدقك أو أناقشك، قل لي: السند فيه كذا، أو تقول لي أن المتن هذا لا يقنعني. لماذا؟ فتقل لي [السبب العلمي].

حديث الذباب والفرق بين النص وتفسيره وتطبيقه

نحن تعودنا نعرف هكذا، يعني إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه ولينزعه، هكذا فإن في أحد جناحيه داءً وفي الآخر دواءً. [يقول أحدهم:] أنا لا أحب هكذا، ذبابة وقعت في الملوخية، انتهى، أرمي الملوخية كلها!

فلترمها، لكنه [الحديث] يقول لك العكس، يقول لك: على فكرة يمكن ألا ترميها، وليس يقول لك: يجب ألا ترميها. لا، انظر الفرق بين النص وتفسير النص وتطبيق النص.

فائدة حديث الذباب لإخواننا في إفريقيا وقت المجاعات

وما فائدة ذلك؟ نعم، يفيد إخواننا في إفريقيا عندما حدثت المجاعة، ووضعوا قطعة ماعز لم يروا مثلها منذ سنتين في مرقة، والمرقة وقع بها ذبابة.

فالشرع يقول: إنها نجسة، ودعونا نتوقف عن أكل هذا اللحم لأنه نجس؟ قال: لا، وذهبنا لنذكر عليهم حديث الذباب.

الفرق بين الواجب والمباح في تطبيق حديث الذباب حسب الظروف

حسنًا، أنا في فندق من الدرجة السابعة الآن في باريس، وبعد ذلك جاءت ذبابة ووقعت في صحن الشوربة - السوب إنجليزي، هذه ليست فرنسية، لا مشكلة - وقعت في السوب أي الشوربة. وجدت كل الطاولة تغيرت بالشرب [أي بدّلوا الطبق]، ومن غير الشرب لا مانع، فلا مانع.

حسنًا، طبيعتكم هكذا، ثقافتكم هكذا، في هذا؛ لأن هذه نفصلها. يجب علينا أن نعرف أن هذا واجب وهذا مباح، ويجب أثناء التطبيق أن نعرف: هذا مباح، متاح أم غير متاح؟ هذه هي الحكاية.

سعة الشريعة الإسلامية وعدم جدوى العدوان على صحيح البخاري

فما فائدة هذا العدوان على البخاري؟ وقد أُتيحت لنا فرصة تجعل الإسلام واسعًا يتقبل كل الشعوب والثقافات عبر الأجيال. لماذا تضيّقون؟ إنه واسع.

أو هناك من قال لي: اشرب الشوربة التي فيها ذبابة ولا ترمِها؟ أنت حر، سلوكك هكذا، ثقافتك هكذا، أنت تعيش هكذا، أنت ليس لديك اضطرار لهذا.

حكم الشريعة في حالات الاضطرار والفرق بين النص وتفسيره وتطبيقه

لكن عندما تُحاصر المدن لمدة أربعة عشر شهرًا حتى يشربون من المجاري، وجاءت ذبابة وقعت وشخص سيسأل: إذا كان هذا نجسًا أم لا؟ فالشريعة ماذا تقول له؟ تقول له: لا تخف، ارمِ الذبابة واشرب.

الآن إذا كانت نفسك لم تعف عن الشرب من المجاري أو من التراب المبلل للحاجة وللظروف القاسية التي أوجدت الحروب فيها الناس، فما بالك وهذا في تطوير [للحكم]، له لا تخف، لن يحدث لك شيء.

وهكذا هناك فرق بين النص وبين تفسير النص وبين تطبيق النص، في مرة ثانية نعرف كيف نعمله.