أ.د علي جمعة يجيب | ما حكم زيارة قبور الأولياء والصالحين؟ - فتاوي

أ.د علي جمعة يجيب | ما حكم زيارة قبور الأولياء والصالحين؟

9 دقائق
  • زيارة قبور الصالحين من الأمور المباحة بل المندوبة، وخلاف أهل السنة مع الوهابية والسلفية في تحريمهم لها.
  • كان السلف الصالح يزورون قبر النبي صلى الله عليه وسلم دون إفراط، وقد قال الإمام مالك للسائل عن استقبال القبر: "هو قبلتك وقبلة آبائك".
  • لم يعبد أهل السنة القبور أو يشركوا بها، وإنما يزورونها امتثالاً لقول النبي: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها".
  • هناك فرق بين الحكم الفقهي والحال القلبي، فزيارة الأضرحة المتكررة سببها الحب وليس الوجوب.
  • الحب للنبي والصالحين مطلوب في الدين، كما في الاحتفال بالمولد النبوي، فهو غير واجب لكنه مستحب.
  • الشريعة هي المقياس الضابط بين العقل والحب، ولا ينبغي الغلو لا إفراطاً ولا تفريطاً.
  • السلف كانوا مدركين للفرق بين الواجب والمباح والمندوب، وعرفوا كيف يوازنون بين الحب والعقل.
محتويات الفيديو(13 أقسام)

حكم زيارة أضرحة الصالحين بين الإباحة والندب وخلاف الوهابية

يسأل [السائل] عن هل عندما يكون بجوار ضريح أحد الصالحين يزوره في كل مرة وكل يوم صباحًا ومساءً وما إلى ذلك؟

السلف الصالح لم يكن يفعل هذا [بهذه الكيفية]. زيارة قبور الصالحين من الأمور المباحة التي تصل إلى المندوب. خلافنا مع الوهابية والنابتة والسلفية هو أنهم يحرّمون هذا [أي زيارة القبور والأضرحة].

قصة زيارة القبر النبوي وموقف علي زين العابدين والحسن المثنى

وعندما دخل أحدهم إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم، فذهب إليه وسلّم عليه، ثم جاء إلى علي زين العابدين ابن الإمام الحسين، فقال له: أين كنت؟ قال: كنت أزور سيد الخلق. قال [علي زين العابدين]: زيارتك له كسلام الأندلسي، يعني الذي في آخر الدنيا.

الأندلس كانت لم تُفتح بعد، أي شخص في بلاد الغرب البعيدة سلّم عليه، فسلامه عليه صلى الله عليه وآله وسلم كما لو جئته هكذا [إلى قبره الشريف]. كان السلف والحسن المثنى له نفس الكلام، من أهل البيت الكرام.

انكشاف قدم عمر بن الخطاب في القبر النبوي زمن عمر بن عبد العزيز

وظلّ القبر النبوي على حاله إلى وقت عمر بن عبد العزيز. فلما جاء عمر، انكشفت قدم [من القبر]، ففزع أهل المدينة أن تكون قدم النبي صلى الله عليه وسلم، حتى أُخبروا أنها قدم عمر [بن الخطاب رضي الله عنه].

جزء من القدم ظهر من الأرض، فسُتِرت وبُنِي عليها. هذا الكلام في ولاية عمر بن عبد العزيز قبل أن يتولى الخلافة، حيث كان واليًا للمدينة، حتى قال له الصحابي الذي كان موجودًا: هذه قدم جدك عمر؛ لأن عمر بن عبد العزيز جدّه لأمه عمر بن الخطاب.

انهدام الحائط بجوار القبر النبوي وتكليف حزام بتنظيفه

قال [الراوي]: فلما انهدم الحائط، كانت بجوار القبر فخّارة كُسرت من انهدام الحائط، أي كان القبر وكان بجانبه قطعة فخار وما شابه ذلك.

وقال [عمر بن عبد العزيز]: يا علي، يا علي زين العابدين، قم فنظّف القبر الشريف، أي نظّفه من التراب. وحتى هذا الوقت، منذ مائة سنة، كان هذا هو الحال الموجود في المسجد النبوي الشريف.

[قال:] قم فقم عند القبر الشريف، فنظر إليه الحسن المثنى ابن الحسن وقال: قم يا حسن حسنًا، وأنت يا علي ما زلت ستقوم هكذا، والحسن سيقوم. قال: فأعطاها لرجل واحد اسمه حزام، قال: قم عند القبر الشريف.

اهتمام المسلمين بالأضرحة ردًا على بدع الخوارج واستدلالهم بحديث زيارة القبور

فلما ظهرت البدع وظهر الخوارج، اهتمّ المسلمون بالأضرحة والقبور بحجة أنهم يتمتعون بالمباح، بل هو مندوب؛ لأن النبي [صلى الله عليه وسلم] قال:

قال رسول الله ﷺ: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور، ألا فزوروها»

وهذا يبيّن أن أهل السنة لا يعبدون القبور ولا يشركون بالقبر، وهم يعرفون هذه الحقائق أنها مسائل فقهية تنتقل من المباح والمندوب إلى شدة الندب وهكذا.

الفرق بين الحكم الفقهي لزيارة القبور وبين الحال القلبي والحب

ولذلك كان السلف الأول يعاملون هذه القضايا هكذا؛ فغير مفروض عليك أن تذهب كل يوم أو كل صلاة أو كل كذا. وهذا بخلاف الحب؛ فقد أصبح المحبّ لا يرى قبر سيدنا الحسين إلا عندما ينجذب إليه.

حسنًا، ماذا أفعل له؟ يأتي إليّ في كل مرة وكل يوم وكل شيء وهو يحب الله. هل أنت منتبه؟ نعم، هناك فرق بين الحكم الفقهي وبين الحال القلبي.

حال قلبهم هكذا، كل من كان بجوار الإمام الشافعي يحبّه، حبّه يغطي المنطقة كلها.

حب أهل البيت وانجذاب القلوب إلى أضرحة السيدة فاطمة النبوية

كل من كان بجوار السيدة فاطمة في الضريح الأحمر، فاطمة النبوية بنت سيدنا الحسين، يحبّها، أم اليتامى، أم المساكين، يحبّها فينجذب إليها، يذهب ليسلّم عليها وما إلى ذلك.

وإذا دخلت ضريحها ومسجدها وجدت عليه جلالًا حتى الآن، وهو عليه جلالًا. إنما هذا واجب؟ لا، ليس واجبًا، وإنما هو الحب.

أمُرُّ على الديار ديار ليلى، أقبّل هذا الجدار وذاك الجدار، وما حبّ الديار شغفن قلبي، ولكن حبّ من سكن الديار. ماذا سنفعل إذن في القلوب؟ القلوب هكذا، لم تُحرَم الناس بعد من الحب.

انتشار الكراهية وقسوة القلوب مقابل الاحتفال بالمولد النبوي الشريف

وعندما تنتشر الكراهية، وعندما تقسو القلوب، وعندما تُبيح رفع السلاح على الناس المسلمين وغير المسلمين، وطريق الدماء، هذا هو الذي نحن في ذلك الوقت نقول لهم [أي للمتشددين].

مثل المولد النبوي الشريف: شخص لم يحتفل بالمولد النبوي، حسنًا، لا يحدث شيء، لم يأثم. لكن من الحب احتفل! يا سلام!

تخفيف العذاب عن أبي لهب لفرحه بمولد النبي ومشروعية الاحتفال

إذا كان أبو لهب خُفّف عنه العذاب في النار لحبّه للنبي [صلى الله عليه وسلم]، كان أبو لهب يحب النبي وأعتق ثويبة كما ورد في صحيح البخاري، فخفّف الله عنه العذاب كل يوم اثنين.

أفلا ترغب أن المؤمن عندما يحب النبي ويحتفل به ويحتفي به، يكون ذلك مطلوبًا في الدين؟ بل هو مطلوب، لكنه ليس واجبًا وتخييرًا. الأحكام [ليست كلها] بدعة.

فتوى الإمام مالك في استقبال القبر النبوي عند الدعاء

فالقضية هنا أننا دائمًا يجب أن نفهم أن الشريعة هي المقياس، وأن السلف الصالح ما كانوا على هذه الهيئة لا إفراطًا ولا تفريطًا.

وكان عندما سُئل الإمام مالك بعد ذلك، فها نحن نتحدث الآن في أواخر القرن الأول مع عمر بن عبد العزيز، ومالك [توفي سنة] مائة وأربعة وسبعين. فلما سُئل: أنستقبل في الدعاء القبلة أم نستقبل قبر النبي؟ قال: هو قبلتك وقبلة آبائك عليه الصلاة والسلام.

فعندما يأتي أحدهم ويقول لي: لا، هذا بدعة، أعطِ له ظهرك واسأل الله، [أقول له:] أنت لست سلفيًا بهذا، بل أنت هكذا لست سلفيًا، أنت هكذا تالف والله.

فهم السلف الصحيح للفرق بين الواجب والمباح والمندوب في تعظيم النبي

السلف كانوا فاهمين وسائرين بشكل صحيح وجيد، ومدركين الفرق بين الواجب والمباح والمندوب، وما يصحّ وما لا يصحّ، وما هو كذا.

هؤلاء الناس لو أنهم تركوا أنفسهم للمبالغة في تعظيم رسول الله [صلى الله عليه وسلم] لما استطاعوا أن يعيشوا بعده. ولذلك كانوا يقولون عندما واريناه التراب: أنكرنا قلوبنا، نحن الذين كنا [معه]، كيف إذن؟ قبلناها كيف؟

موقف عمر بن الخطاب وأبي بكر عند وفاة النبي والفجوة بين الحب والعقل

ولكن العقل يتحيّر، فعندما مات الرسول [صلى الله عليه وسلم]، قال [عمر بن الخطاب]: من قال أن محمدًا مات لأقطعنّه بالسيف! هذا سيدنا عمر.

فخرج أبو بكر [رضي الله عنه] ولم يسأل، بل نبّه إلى قوله تعالى:

﴿أَفَإِين مَّاتَ أَوْ قُتِلَ ٱنقَلَبْتُمْ عَلَىٰٓ أَعْقَـٰبِكُمْ﴾ [آل عمران: 144]

قال عمر: فكأنني ما سمعتها إلا اليوم، وخرّ مغشيًا عليه من شدة الصدمة. إنها الفجوة التي بين الحب وبين العقل، فهناك فجوة بين الحب والعقل تضبطها الشريعة.

ضبط الشريعة للفجوة بين الحب والعقل والتحذير من الغلو والتفريط

هذا ما نقوله، ولكن أكثر الناس لا يعلمون. وترى غلوًّا إلى أقصى ما يكون جهة اليمين أو جهة اليسار، والأمر ليس كذلك. والله أعلم بما هنالك.