أ.د/ علي جمعة : ماهي سمات المنهج الأزهري؟ ومتى نصف الطالب بأنه أزهري؟
- •الأزهري هو من يتصف بثلاث صفات: أشعري العقيدة في علم التوحيد الذي يعالج الألوهية والنبوات والسمعيات، مذهبي الفقه متبعاً لأحد المذاهب الأربعة المعتبرة، وصوفي التوجه والأخلاق.
- •الإمام الأشعري تميز بالجمع بين المعقول والمنقول، وعرض الإسلام عرضاً صحيحاً مناسباً لحيرة الناس، مما جعل جماهير الأمة من الأشاعرة.
- •غاية التصوف التخلية والتحلية؛ تخلية القلب من كل قبيح وتحليته بكل صحيح، ليحصل التجلي.
- •الأزهري يحمل العلم لوجه الله، ويتمثل برسول الله في سلوكه وأخلاقه.
- •في زمن الفتن، أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالتمسك بكتاب الله وسنته وأهل بيته.
- •الحركات المتطرفة قلبت هرم الدين وخالفت أمر النبي وشوهت صورة الإسلام.
- •الأزهري يسعى لأن يكون رحمة وهداية للناس على منهاج النبوة.
حقيقة المنهج الأزهري وأركانه الثلاثة في العقيدة والفقه والسلوك
ما حقيقة المنهج الأزهري، وما دور الجامع والجامعة؟ وكيف يوصف الطالب بالأزهري؟
يوصف الطالب بأنه أزهري ومنهج الأزهر على ثلاثة أنحاء:
- النحو الأول: أن يكون أشعري العقيدة.
- النحو الثاني: أن يكون مذهبيًا في تلقي علم الفقه وأصوله، إما أن يكون شافعيًا أو حنفيًا أو مالكيًا أو حنبليًا، من مذاهب أهل السنة المعتبرة المعتمدة التي وصلت إلينا بالأسانيد الصحيحة المتصلة إلى أربابها.
فإن مما مَنَّ الله به على هذه الأمة أن جعل هناك إسنادًا للقرآن الكريم، وإسنادًا للسنة النبوية المشرفة، وأيضًا جعل إسنادًا للكتب والدفاتر المروية عن أسيادنا العلماء عبر تاريخ الإسلام. والحمد لله الذي حفظ على هذه الأمة هذه الخصيصة.
النحو الثالث للمنهج الأزهري: التوجه إلى مرتبة الإحسان والتصوف
ثم [النحو الثالث] أن يكون متوجهًا إلى مرتبة الإحسان فيما سُمِّي بعد ذلك بالقيم والأخلاق والإحسان والتصوف.
فإن علم التوحيد هو الذي يعالج مباحث ثلاثة: الألوهية، والنبوات، والسمعيات.
ولقد دخل المسلمون أقطار الأرض، واطلعوا على مذاهب وأديان شتى، وأجابوا على كل الأسئلة التي تحيّر خاطر البشر في الشرق والغرب. وكان من أنظم هذه الردود والعروض التي عرضت دين الإسلام للعالمين هو مذهب إمام الأئمة وبدر التتمة [أبي الحسن] الأشعري.
سبب انتشار المذهب الأشعري وجمعه بين المعقول والمنقول
لأنه [الإمام الأشعري] جمع بين المعقول والمنقول، ولأنه تدبّر في أحوال العالمين واستحسن الكلام معهم بلغتهم وبما ينطقون. وأخذ كما تأخذ النحلة من الزهر رحيقه ثم تحوّله إلى عسل؛ فهكذا فعل فيما بين الشريعة وما بين مذاهب الأمم المختلفة في كافة أركان الأرض.
ولما تميّز بعمق فكره وبحسن عرضه اتبعه الناس، فنرى جماهير الأمة من الأشاعرة.
لماذا؟ لأنه جمع بين المعقول والمنقول، ولأنه عرض الإسلام عرضًا صحيحًا، ولأنه راعى ما كان عليه السلف من سكوت وعزوف عن مواطن الفلسفة والحكمة العالية، وما كان عليه أهل الأرض من حيرة في الدماغ؛ أجاب لهم من القرآن والسنة بما يناسب حيرتهم فأزالها، فانتشر الإسلام.
شروط الانتساب للأزهر: أشعري العقيدة مذهبي الفقه صوفي التوجه
وعلى ذلك حتى تكون أزهريًا لا بد أن تكون:
- أشعري العقيدة.
- مذهبي الفقه.
- صوفي التوجه والأخلاق.
وغاية التصوف التخلية والتحلية؛ تُخلّي قلبك من كل قبيح وتُحلّيه بكل صحيح. وهذا ما عبّر عنه الإمام حجة الإسلام الإمام أبو حامد الغزالي بقوله: المهلكات والمنجيات، التخلية والتحلية.
فإذا حصل التخلّي والتحلّي حصل التجلّي؛ فيتجلّى الله في قلبك عمّا تتخلّى عن كل قبيح نهى عنه سيدنا [رسول الله] صلى الله عليه وسلم، وبما تتحلّى بكل صحيح أمر به صلى الله عليه وسلم.
قال رسول الله ﷺ: «إن الله لا ينظر إلى أجسادكم ولا صوركم وإنما ينظر إلى قلوبكم»
طريق التصوف مقيد بالكتاب والسنة والذكر والفكر
وهذا الطريق [طريق التصوف] مقيّد بالكتاب والسنة كما قال سيد الطائفة الجنيد، وهو مقيّد بالفكر والذكر.
قال تعالى: ﴿ٱلَّذِينَ يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَـٰمًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِى خَلْقِ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَـٰذَا بَـٰطِلًا سُبْحَـٰنَكَ فَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ﴾ [آل عمران: 191]
القلوب الضارعة [هي المطلوبة]؛ لأن معرفة التوحيد وحده هي معرفة علمية، ومعرفة الفقه هي رسوم وشعائر نطبّقها، ولكن الأمر يتعلق بالقلب.
«ما سبقكم أبو بكر بصلاة ولا صيام، وإنما بشيء وقر في قلبه»
فلا بد من القلوب الضارعة.
الأصل في الصلاة الخشوع وربط الظاهر بالباطن في المنهج الأزهري
والأصل في الصلاة الخشوع، وليس هو أن تصلي فتضع يدك مكانها كما كان يفعل سيدنا [رسول الله ﷺ] وهو إنسان عين الحضرة القدسية، وهو الإمام الذي قال:
«صلّوا كما رأيتموني أصلّي»
ليس هذا وحده، وإنما هذا إناء نضع فيه الماء [أي أن الشكل الظاهر وعاء للمعنى الباطن]. ولذلك حتى تكون أزهريًا يجب أن تربط الخشوع بالصلاة.
قال تعالى: ﴿ٱلَّذِينَ هُمْ فِى صَلَاتِهِمْ خَـٰشِعُونَ﴾ [المؤمنون: 2]
إذن، فهذا هو الأزهري. وهكذا التقينا بمشايخنا فوجدناهم على هذه الهيئة: على عقيدة صحيحة، وعلى مذاهب رجيحة، وعلى سلوك وتضرّع لله رب العالمين.
كرامات العلماء الأزهريين وأعظم كرامة هي التوفيق والاستمرار على الذكر
كان كثير منهم [من مشايخ الأزهر] رضي الله تعالى عنهم يقرؤون العلم ويبيعون أنفسهم للعلم بالليل والنهار، في الحل والترحال. ومن تعلّقهم بالعلم كانت تظهر على أيديهم كرامات، كرامات الأولياء.
حتى قالوا: إن لكل عالم أزهري كرامة مدّخرة، ولا يموت أحدهم حتى يرى الكرامة ويراها تلاميذه.
ولكن أشدّ كرامة هي التوفيق، وأن تستمر بقلب ضارع لرب العالمين إلى أن تلقاه. أشدّ كرامة أن يظل لسانك رطبًا بذكر الله. فأشدّ كرامة لك أن تعيش متمثّلًا برسول الله صلى الله عليه وسلم.
مراتب الإيمان بالنبي من الإيمان العقلي إلى التمثل الكامل به
هناك من يؤمن برسول الله بعقله، وهناك من يؤمن به ويتبعه، ولكن هناك من يتعلّق به ويحبّه. وأعلى من كل هؤلاء من عاش متمثّلًا برسول الله صلى الله عليه وسلم.
رسول الله الذي يقول لك وهو يعلّم الأمة: أيكذب المؤمن؟ قال: لا. لا تكن كذّابًا مع ربك، مع نفسك، مع إخوانك؛ هكذا تعيش.
قال رسول الله ﷺ فيما أخرجه مسلم في مقدمة صحيحه: «كفى بالمرء كذبًا أن يحدّث بكل ما سمع»
وكان شعبة يقول: إن هذا الأمر دين، فانظروا ممن تأخذون دينكم.
التمثل بالنبي في الرحمة وحديث الأولية في رحمة الخلق
هكذا تعيش [متمثّلًا بـ] رسول الله صلى الله عليه وسلم [الذي] قال:
«إنما أنا رحمة مهداة»
قال ربنا في شأنه: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَـٰكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَـٰلَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107]
وهو ﷺ قال في حديث الأولية الذي يرويه الشيخ لتلامذته أول ما يلتقي بهم:
«الراحمون يرحمهم الرحمن تبارك وتعالى، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء»
لا تكذب على نفسك وعلى رسول الله وعلى ربك.
افتتاح القرآن بالرحمة دليل على أن الإسلام دين جمال ورحمة
ربنا في بداية القرآن أول ما نفتح وهو يرسل لنا هذه الرسالة الكريمة الشريفة المنيفة:
﴿بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: 1]
ولم يقل: بسم الله الرحمن المنتقم، أو بسم الله الرحمن العظيم. جمال وجلال أبدًا، جمال في جمال: الرحمن الرحيم.
ماذا نفعل ومن نصدّق؟ أنصدّق الكذّابين الذين أفسدوا في الأرض؟ أو نصدّق رب العالمين؟
حديث كثرة الهرج والكذب والقتل في آخر الزمان
على كل حال، سيأتي على الناس زمان القابض على دينه كالقابض على الجمر. وسيدنا [رسول الله ﷺ] أخبرنا فقال:
«ويكثر الهرج» — في حديث أبي موسى الأشعري — قالوا: وما الهرج يا رسول الله؟ قال: «كثرة الكذب والقتل»
يخرج [هذا القتل عن المعتاد]. قالوا: يا رسول الله، أكثر مما نقتل [من المشركين]؟ قال:
«ليس بذاك، أنتم تقتلون المشركين، حينئذٍ يقتل الرجل أخاه، ويقتل ابن عمه، ويقتل جاره»
قالوا: أومعهم عقولهم يا رسول الله؟ قال:
«يسلب الله عقول أهل هذا الزمان، يحسبون أنهم على شيء وليسوا على شيء»
حديث خطورة من آتاه الله القرآن فرمى الناس بالشرك
وقال [رسول الله ﷺ]:
«ما أخاف على أمتي رجلًا آتاه الله القرآن حتى إذا بدت عليه بهجته» — القرآن ينير الوجوه، أهل القرآن عندهم هكذا هيئة وُسِمَت بالطيب — «حتى إذا بدت عليه بهجته غيَّره وخرج على جاره بالسيف ورماه بالشرك»
قالوا: الرامي أحق بها [بتهمة الشرك] أم المرمي يا رسول الله؟ قال:
«بل الرامي»
وهذا ما رأيناه عبر العصور فتنًا في إثر فتن.
أحاديث النبي في التعامل مع الفتن والابتعاد عنها
حتى قال رسول الله ﷺ:
«القائم فيها خير من الماشي، والجالس فيها خير من القائم، إذا استشرفت لها استشرفت لك، وقع اللسان فيها كوقع السيف»
ورُبّ غائب عن الفتنة وهو فيها؛ لأنه يرضى بقلبه. ورُبّ قائم فيها وهو ليس منها؛ لأنه ينكر بقلبه.
قال ﷺ: «من رأى منكم منكرًا فليغيّره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وهذا أضعف الإيمان»
نحن في عصر فتن وتحقق أكثر علامات الساعة الصغرى والوسطى
نحن في عصر فتن ولسنا في عصر خير. وكل ما تنبّأ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من العلامات الصغرى حدث من أيام الصحابة، أو من العلامات الوسطى تمّت في القرن التاسع عشر الميلادي. من مائة سنة تمّت أكثر من سبعين علامة.
فنحن في زمن فتن، وفي زمن الفتن:
قال ﷺ: «لا يكون أحدكم إمّعة يقول: أنا مع الناس، إن أحسن الناس أحسنت، وإن أساؤوا أسأت. وطِّنوا أنفسكم على أنهم إن أحسنوا فأحسنوا، وإن أساؤوا فلا تظلموا»
وصية النبي بالتمسك بالمحجة البيضاء والكتاب والسنة وأهل البيت
في عصر الفتن، رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال:
«تركتكم على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك»
وقال:
«تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدًا: كتاب الله وعترة أهل بيتي»
وقال فيما أخرجه [الإمام] أحمد:
«كتاب الله وسنتي»
فصار قد ترك الكتاب فحفظ الله الكتاب، وترك أهل بيته الكرام فحفظ الله أهل بيت النبي بمعجزات ليست إلا بيد الله، وترك السنة فحفظ الله السنة.
التحذير ممن يشكك في القرآن أو السنة أو أهل بيت النبي
فكل من يشكّكك في القرآن أو في السنة أو في أهل بيت النبي فاعلم أنه هالك، وأنه يريد أن يدخل عليك مداخل أخرى.
مما تركه لنا النبي صلى الله عليه وسلم أن قال لنا حقيقة سرّ:
«لا حول ولا قوة إلا بالله، كنز من كنوز العرش»
وعندما ألّف ابن عطاء الله السكندري [كتاب] الحِكَم جعلها شرحًا لـ «لا حول ولا قوة إلا بالله»؛ كل الحِكَم معناها أنه لا حول ولا قوة إلا بالله.
التحذير من دعاوى القوة الذاتية ووصية النبي بلزوم خاصة النفس
والآن نسمع أناسًا يريدون أن يُفهمونا أن لنا حولًا وأن لنا قوة وأننا نستطيع ونستطيع! رسول الله لم يأمرنا بهذا.
رسول الله ﷺ قال:
«إذا رأيت هوًى متّبعًا وإعجاب كل ذي رأي برأيه وشحًّا مطاعًا ودنيا مؤثرة، فعليك بخاصة نفسك ودع عنك أمر العامة»
خاصة نفسك: تلامذتك وأحبابك. وفي رواية: «خويصة نفسك»، حتى ما عاد هناك تلامذة ولا أحباب.
﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّآ إِلَيْهِ رَٰجِعُونَ﴾ [البقرة: 156]
وصايا النبي في لزوم البيت والخليفة والإمام عند غياب الاستقرار
قال ﷺ:
«فكن حِلسًا من أحلاس بيتك»
قال:
«فإن كان في الأرض خليفة فالزم الخليفة ولو ضرب ظهرك وأخذ مالك»
«فإن لم يكن [خليفة] فالهرب الهرب»
قال:
«فإن لم يكن في الأرض إمام، فإن كان في الأرض إمام فالزم الإمام ولو ضرب ظهرك وأخذ مالك»
أُطيع من؟ العاقل خصيم نفسه. أنا سأطيع رسول الله. الناس أطاعوه معي، وإن لم يطيعوا فلا بأس إن شاء الله، ليس لي شأن [بهم]. سأطيع رسول الله.
اعتزال الفرق عند غياب الإمام والتمسك بالإيمان حتى الموت
فإن لم يكن في الأرض إمام، قال ﷺ:
«فاعتزل تلك الفرق كلها، ولو أن يأتيك الموت وأن تعضّ على جذع نخلة مؤمنًا بالله واليوم الآخر»
ما يعني الأمر [أن النبي ﷺ] تركنا فعلًا على المحجّة البيضاء. نحن الذين نُضِلّ أنفسنا بأشياء وأوهام ما أنزل الله بها من سلطان.
ما الذي حدث؟ وكيف أكون أزهريًا؟
مخالفة الجماعات لوصية النبي بإنشاء جماعات لإعادة الخلافة
الذي حدث أن رسول الله ﷺ قال:
«فإن لم يكن في الأرض خليفة... الهرب الهرب»
[لكنهم] أُنشئ الخليفة! كوَّن جماعة لإنشاء الخليفة، كوَّن جماعة لإرجاع الخلافة! والله أبدًا ما قال [ﷺ ذلك، بل قال]: الهرب الهرب.
فقامت جماعات قالت: لنا حول ولنا قوة! ورسول الله يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله. ونحن قادرون على إعادة الخلافة!
وجلسوا بالرغم أن الله يقول:
﴿يُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ يَشَاءُ وَيَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ يَشَاءُ
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [آل عمران: 26]
جلسوا وقالوا: سنعيد الملك لأنفسنا! فشلوا.
سقوط الخلافة العثمانية وتاريخ انتهائها رسميًا
منذ أكثر من ثمانين عامًا سقطت الخلافة في السادس من مارس عام ألف وتسعمائة وأربعة وعشرين. وكانت قد سقطت قبل ذلك في سنة ألف وتسعمائة واثنين وعشرين، إلا أن الإعلان الرسمي لسقوط الخلافة [كان كالتالي]:
في [سنة] اثنين وعشرين فصلوا الخلافة عن الحكم، وفي [سنة] أربعة وعشرين قالوا: لا شأن لنا بهذه الخلافة التي هي محض دين. واستقلّت تركيا بنفسها، وانتهت الخلافة لأول مرة في تاريخ المسلمين.
سؤال النبي عن حالنا الاستثنائية ووصيته بالهرب من الفتن
اذهب واسأل نبيّك: هل نحن في حالة استثنائية أم في حالة اعتيادية؟ فسيقول لك: إنك في حالة استثنائية؛ حيث أن هذا لم يحدث منذ قيام الرسالة إلى اليوم.
ماذا تأمرني يا رسول الله؟ الهرب! الهرب!
ما نعمل جماعة ونأمر بالمعروف وننهى عن المنكر؟ ويزيّنون لك الكلام ويضعونه بجوار بعضه! أنا ليس [لي] شأن لا بهم ولا بالواقع ولا بأحد في العالمين. أنا الذي لي تدخّل فيه: سيدنا صلى الله عليه وسلم. انظر ماذا يأمرك، وقل، وافعل.
نقد الجماعات المسلحة التي شوهت صورة الإسلام ثمانين سنة
إذا قال لك [أحدهم]: كوِّن جماعة وأحضر سلاحًا من أمريكا لكي تتلاعب بك وتقتل به المسلمين، لكي تشوّه صورة الإسلام في الأرض، وافعل واترك واعمل كذا... إلى آخر هذه الفتن والمحن والإحن التي عيّشونا فيها ثمانين سنة وهم يقولون هكذا!
والأزهر يقول له: اتّق الله.
قال تعالى: ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَيُشْهِدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا فِى قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ ٱلْخِصَامِ﴾ [البقرة: 204]
علامته:
﴿وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِى ٱلْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ ٱلْحَرْثَ وَٱلنَّسْلَ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلْفَسَادَ﴾ [البقرة: 205]
الحرث والنسل، الحرث والنسل: دمار، قتل، انتهاك للأعراض.
آيات التحذير من المفسدين والدعوة إلى الدخول في السلم كافة
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ ٱتَّقِ ٱللَّهَ أَخَذَتْهُ ٱلْعِزَّةُ بِٱلْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ ٱلْمِهَادُ﴾ [البقرة: 206]
﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشْرِى نَفْسَهُ ٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ رَءُوفٌ بِٱلْعِبَادِ﴾ [البقرة: 207]
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا ٱدْخُلُوا فِى ٱلسِّلْمِ كَآفَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَٰتِ ٱلشَّيْطَـٰنِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾ [البقرة: 208]
ما يميز الأزهري من دراسة العلوم الشرعية بآلاتها ومنهجها المتكامل
ما الذي حدث وما معنى أن أكون أزهريًا؟
درسنا اللغة، ودرسنا أصول الفقه، ودرسنا مواطن الاتفاق والاختلاف عند الأئمة الأعلام، ودرسنا القرآن الكريم مع تفسيره، والسنة النبوية المشرفة مع شرّاحها. وأخذنا ندرس تلك العلوم كلها حتى عرفنا الآلة التي بها التفسير.
هذا هو الفرق بين الأزهري والإخوة النابتة الذين قال فيهم رسول الله ﷺ:
«أحداث الأسنان، سفهاء الأحلام، يقولون من كلام خير البرية، لا يجاوز إيمانهم تراقيهم»
أحاديث النبي في وصف الخوارج وخطرهم على الأمة
الذين قال ﷺ:
«تحقرون صلاتكم إلى صلاتهم وصيامكم إلى صيامهم»
الذين قال فيهم:
«سيخرج من ضئضئ هذا قوم يحسنون القيل ويسيئون الفعل، لئن أدركتهم لأقتلنّهم قتل عاد»
ويقول في شأنهم:
«طوبى لمن قتلهم وقتلوه»
وكأنهم قتلة. تُركنا على المحجّة البيضاء ليلها كنهارها.
وهو ﷺ الذي قال:
«الخوارج كلاب أهل النار»
والخوارج يُسأل عنهم سيدنا علي [بن أبي طالب]: أكفّار هم؟ قال: إخوة لنا بَغَوا علينا.
طيب، كلاب أهل النار لماذا؟ لأنهم يصدّون عن سبيل الله بغير علم، لأنهم يقفون حجابًا بين الناس وبين ربهم. بربّكم، هذا هو الأزهري؟!
دور الأزهر التاريخي في نشر الإسلام بالحسنى في العالم
ذهب الأزهر إلى روسيا وأمريكا في أوائل القرن التاسع عشر، لم نسمع شيئًا إلا كل خير. عاشوا وبلّغوا وكانوا أسوة حسنة.
الأزهر هو الذي افتتح المركز الإسلامي في أمريكا، وهو الذي افتتح المركز الإسلامي في لندن، وهو الذي افتتح المركز الإسلامي في ليننجراد، وهو الذي [افتتح غيرها] وهكذا.
وعندما جاء هؤلاء الذين قلبوا هرم الدين — الهرم قمّته في الأعلى وقاعدته في أسفل — هكذا هم قلبوا: جعلوا القمة في الأسفل وجعلوا القاعدة في الأعلى. وإذا أتيتُ بهرم مبني وجعلتُه هكذا ينهدم.
انفجار البرجين وتداعياته على العالم الإسلامي بعد خمس وعشرين سنة
أمسكوا القضية من سنة خمسة وسبعين [1975م]، في ألفين وواحد [2001م] بعد خمسة وعشرين سنة فقط، وبعد مائة خمسة وسبعين سنة من الأزهر الذي أمسك شأن الشريعة في العالم ودعا بالتي هي أحسن وجادل بالتي هي أحسن.
خمسة وعشرين سنة وانفجر البرجان في نيويورك؛ حتى يُفتح علينا بلاء لا طاقة لنا به. وتأتي الجيوش لتحتل العراق وتحتل أفغانستان وتحتل، ونُضرب في كوسوفا وفي الشيشان وفي كشمير وفي كذا وفي فلسطين.
التحذير من مخططات تقسيم الدول العربية والإسلامية
ثم يأتي الدور بعد ذلك بعد عشر سنوات أو خمسة عشر سنة — وأنا تكلّمت عن هذا في منبر السلطان حسن — من أجل أن يقسّموا مصر وسوريا ولبنان والعراق والأردن والسعودية واليمن والسودان وليبيا والمغرب والجزائر.
نبّهت على هذا صوتًا وصورةً، مسجّل موجود، راجعوه.
﴿أَلَيْسَ مِنكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ﴾ [هود: 78]
وعندما استطاع جيش مصر أن يوقف الخطة: قنابل في كل مكان! من وراء هذا؟ من أراد بالإسلام خيرًا؟ لا والله. من وراء هذا من اتّبع سيدنا [رسول الله]؟ لا والله.
نكد معصية النبي وسواد قلوب من عصوا أبا القاسم
هذا من نكد معصية سيدنا صلى الله عليه وسلم. عصوه فالله سبحانه وتعالى لا يوفّقهم.
لماذا؟ لأن هؤلاء قلوبهم سوداء، لأن هؤلاء عصوا أبا القاسم [رسول الله ﷺ].
ما لنا ومال الحزبيات والسياسات والأفكار والأنهار وغير ذلك إلى آخره! ما لنا وما لهذا! نحن نتكلم عن اتّباع سيدنا [رسول الله ﷺ].
الدعوة إلى التمسك بالنبي والتمثل به فهو الباب الوحيد إلى الله
تمسّكوا به [برسول الله ﷺ] فإنه بابكم إلى الله وليس لكم باب سواه، صلى الله عليه وسلم. أحبّوه، عيشوه، الجئوا إليه، راجعوا في سنّته وسيرته، تمثّلوا به.
قال تعالى: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُوا ٱللَّهَ وَٱلْيَوْمَ ٱلْـَٔاخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: 21]
خلاصة صفات الأزهري: أشعري العقيدة مذهبي الفقه صوفي التوجه على منهاج النبوة
فهذا — والله أعلم — هو الإجابة على هذا السؤال: من الأزهري؟
الأزهري أشعري العقيدة، مذهبي الفقه، صوفي التوجه. يريد أن يكون على ما كان عليه حال النبي صلى الله عليه وسلم، على منهاج النبوة.
يحمل هذا العلم لا يريد منكم جزاءً ولا شكورًا، يحمله لوجه الله بالذكر وبالفكر وبحبّ سيدنا صلى الله عليه وسلم. يحمله ويبلّغه لمن خلفه، يحمله حبًّا في سيدنا ومن قبله ومن بعده، في رب العالمين.
يحمله وقلبه ينفطر على الناس كلهم. هو يريد أن يكون هداية للناس، رحمة للناس، وألّا يكون بهذه الغباوة والقسوة وتشويه الصورة والجهل. كل هذا هو الأزهري.
