أرفض الزواج وأمي تصر فهل هذا عقوق؟ | أ.د علي جمعة
- •الشريعة الإسلامية تعطي المرأة حرية الاختيار في قرار الزواج، فبعض النساء آثرن العلم على الزواج.
- •كريمة الدمشقية كانت شيخة الإسلام ولم تتزوج، بل تفرغت للعلم وصارت محطة مهمة في سند رواية صحيح البخاري.
- •من الرجال أيضاً الإمام النووي الذي فضل العلم على الزواج، وكان آية في التفرغ والتفاني العلمي.
- •كان النووي يقرأ اثني عشر درساً في اليوم، وبقي سنتين لا ينام على جنبه، مكتفياً بالنوم جالساً.
- •صنف النووي كتاب "تهذيب الأسماء واللغات" لضبط أسماء الرواة وألفاظ الحديث.
- •كان يصوم الدهر كله، ويفطر على قرص بسيط، ويزور والديه كل شهرين.
- •امتنع عن أكل الفاكهة في الشام لشكه أنها موقوفة، وآثر الورع في مطعمه.
- •توفي النووي في الخامسة والأربعين من عمره، وخلد ذكره بسبب إخلاصه وعلمه.
حكم رفض المرأة للزواج من أجل تحقيق آمالها وموقف الشريعة من ذلك
أنا بنت عندي ثلاثين سنة، ولا أريد أن أتزوج حتى أحقق آمالي، وأمي ترفض ذلك، فمن الذي على صواب أنا أم أمي؟
الشريعة لا تمنعك أصلًا أن لا تتزوجي، إن شاء الله إذا لم تتزوجي فأنت حرة، وهي [السائلة] ليس لديها رغبة في الزواج طبعًا. لكي تسكت [الأم] تسألها أمها: ماذا الآن أو الآن أو بعد ذلك؟
نماذج من العلماء الذين آثروا العلم على الزواج كالسيدة كريمة الدمشقية
وفيما يتعلق بتأثير العزوبة والعلم على الزواج، يعني أن هناك من كان عازبًا من العلماء من الرجال والنساء، وأثّر العلم على الزواج.
السيدة الفاضلة شيخة الإسلام كريمة الدمشقية، وعندما كنا نقرأ [صحيح] البخاري في الأزهر الشريف، كيف يتصل سندنا؟ يعني لكي نصل للبخاري يجب أن تظهر فيه كريمة الدمشقية، يجب كريمة الدمشقية. كريمة الدمشقية لم تتزوج، وماذا يعني [ذلك]؟ تفرغت للعلم.
حسنًا، لكن هناك غيرها من العالمات الفاضلات الفضليات تزوجن، لكن مثلًا يعني كريمة لم تتزوج.
الإمام النووي نموذج للعالم الذي آثر العلم على الزواج وصام الدهر كله
فعندنا أمثلة لهذا: الإمام النووي من الرجال لم يتزوج أبدًا، وآثر العلم على الزواج، ليس له حاجة في الزواج، وكان يصوم الدهر.
في الروضة يقول [الإمام النووي]: إن في صيام الدهر اثني عشر قولًا. لأجل إخواننا الذين هم الشافعية ليكون عندهم خبر؛ لأن هناك نهيًا عن صيام الدهر. قال: لا، هذا النهي فيه اثنا عشر قولًا للعلماء، اثنا عشر مذهبًا أو اثنا عشر حالة. فالإمام النووي كان يصوم الدهر أبدًا، كل يوم صائم.
اجتهاد الإمام النووي العجيب في طلب العلم وقراءة اثني عشر درساً يومياً
وكان الإمام النووي هذا أعجوبة زمانه، كان يقرأ اثني عشر علمًا في اليوم، اثني عشر درسًا يعني. وظل سنتين لا ينام على جنبه، ما هذا؟ سنتين لا ينام على جنبه، رضي الله تعالى عنه وأرضاه.
يذاكر، يضبط، ولم تكن هناك أية ثغرة كما نقول في لغتنا العامة تمر عليه.
كتاب تهذيب الأسماء واللغات للإمام النووي ودقته في ضبط الرواة والألفاظ
فذهب [الإمام النووي] وألَّف كتابًا ضبط فيه أسماء الرواة، وضبط فيه الكلام الوارد في الحديث، وضبط فيه أمورًا أخرى، وسماه تهذيب الأسماء واللغات، مجلدين كبيرين.
هكذا كان تهذيب الأسماء واللغات هذا في الماضي مجلدين، أما الآن عندما قاموا بطباعته أصبح أربعة [مجلدات]. هل أخذت انتباهك أنه عندما طبعوه بتنسيق وهكذا خرج في أربعة مجلدات، لكننا في أيامنا كان مجلدين.
تهذيب الأسماء واللغات هذا الشخص اسمه أُبَيّ أم اسمه أَبِي؟ سيضبطها لك ويخبرك عنها. هذه الكلمة خُلوف أم خَلوف؟ لا، خُلوف في فم الصائم أم خَلوف في فم الصائم؟ نعم، يذهب ليرتبها لك ويقول لك كل شيء وارد في الآية.
شريعتنا هكذا في القرآن، في السنة، في الفقه، وغير ذلك، يرتب لك الأمور. إنه رجل دقيق.
طريقة الإمام النووي في المذاكرة والنوم جالساً لمدة سنتين متواصلتين
مضى عليه [الإمام النووي] سنتان يا إخواننا، سنتان وهو عندما يأتي ليدرس، يدرس هكذا والكتاب أمامه، يجلس يبحث بحثًا دقيقًا.
ثم كيف ينام بعد ذلك؟ كيف ينام؟ هكذا هو ينام وهو جالس. ما هذا المجهود الفظيع! فالآخر [الإمام النووي] مات وهو في الخامسة والأربعين من عمره، خمسة وأربعين سنة.
خادم الإمام النووي علاء الدين العطار وصفه لصيام الإمام وطعامه البسيط
كان شخص يُدعى علاء الدين العطار يخدمه، خادم الإمام النووي. فذهب وألّف سيرة موجزة في ترجمة الإمام النووي فقال: كان يصوم الدهر كله.
حسنًا، فعلى ماذا يفطر إذن؟ على قرص إما سادة أو بعجوة، قرص كهذا تصنعه له أمه في قرية نوى.
أم سيدنا الإمام النووي سُمي النووي لأنه من قرية تبعد ستين كيلومترًا من دمشق اسمها نوى، فالنسبة إليها نووي. كان كل شهرين يذهب ليزور أباه وأمه، يقطع الستين كيلومترًا ويمكث عندهم يومين أو ثلاثة ويعود مرة أخرى ليبر الوالدين.
زهد الإمام النووي في الطعام وتنزهه عن فاكهة الشام لشبهة الوقف
ولكن يأخذ الحقيبة، ما هي هذه الحقيبة؟ إنها حقيبة صغيرة فيها رغيف، فيقوم يأكل من هذا الرغيف، نعم.
وبعد ذلك ماذا؟ وبقية الطعام؟ لا توجد بقية طعام، حياته تعتمد على هذا الرغيف.
لماذا؟ ألم يكن يعمل مدرسًا كبيرًا، أستاذًا كبيرًا في دار الحديث؟ يشتري له شيئًا من الفاكهة. قال: لا، لم يكن يأكل فاكهة أبدًا.
لماذا؟ أهي حرام؟ قال: لا، ليست حرامًا، إنما هو شك في أنها موقوفة [أي من أموال الأوقاف]، يعني فاكهة الشام موقوفة. فقال: أتنزه عنها أفضل، لم يأكلها. ما هذا!
سر خلود ذكر الإمام النووي إخلاصه لله وأبيات في مدح قرية نوى
هذا الرجل [الإمام النووي] عندما مات في القرن السابع الهجري، نحن نتحدث عنه الآن. لماذا؟ لأنه أخلص النية لله.
إن لله عبادًا فطناء، طلّقوا الدنيا وخافوا الفتن، نظروا فلما رأوها أنها لم تكن قبلَ لحيٍّ وطنًا، جعلوها لُجّةً واتخذوا صالح الأعمال فيها سُفُنًا.
هذا الكلام يورده الإمام النووي في [كتابه] رياض الصالحين في البداية.
وُجِدتِ خيرًا يا نوى، ووُقيتِ من ألم النوى، فلقد نشأ بكِ عالمٌ لله أخلصَ ما نوى، وعلى عُلاه وفضله فضلُ الحبوب على النوى.
إلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
