إثبات الصفات بين الأشاعرة وغيرهم | أ.د علي جمعة
- •يوضح النص قضية فهم صفات الله تعالى، خاصة ما يتعلق بإثبات اليد لله كما ورد في القرآن.
- •الإمام أبو الحسن الأشعري يثبت ما أثبته القرآن من صفات الله مثل اليد، لكن مع تفسير يليق بجلال الله.
- •يجب التمييز بين ثلاثة أمور: النص القرآني، وتفسيره، وتطبيقه، فالنص يقول "بل يداه مبسوطتان" لكن التفسير يبين معنى اليد بما يليق بالله.
- •استنكر النص تشبيه صفات الله بصفات البشر، ونقل عن الإمام مالك تحذيره الشديد من التشبيه والتجسيم.
- •معاني الألفاظ مثل "في" و"استوى" تُفهم بما يناسب تنزيه الله عن المكان والزمان، فالفوقية فوقية مكانة لا مكان.
- •القرآن يُقرأ متكاملاً وليس بالانتقاء، ومن أخذ آيات وترك أخرى ضل.
- •ينبغي الرجوع لأهل العلم المتخصصين كالإمام النووي وابن حجر والغزالي، عملاً بقوله تعالى: "فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون".
سؤال من جزائري حول إثبات صفة اليد لله في كتاب الإبانة
يقول [السائل]: وُلدت وترعرعت - أي كبرت - في الجزائر، نتبع مذهب الإمام مالك رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وعقيدة الإمام الأشعري. تناقشت مع بعض الأصدقاء الذين يثبتون صفة اليد لله، وعندما رجعت إلى كتاب الإبانة عن أصول الديانة صُدمت؛ لأن الإمام أبا الحسن [الأشعري] يثبت هذه الصفة.
أرجو التوضيح من فضيلتكم.
الإمام أبو الحسن الأشعري يتبع القرآن في إثبات الصفات
الإمام أبو الحسن [الأشعري] ليس له علاقة بهذه المسألة [كما يتصورها السائل]، الإمام أبو الحسن يتبع القرآن ويثبت ما أثبته القرآن. والله تعالى يقول:
﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: 64]
﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَىَّ﴾ [ص: 75]
خلاص، الله سبحانه وتعالى أثبت لنفسه يدًا. ماذا نسمي هذا؟ هذا هو النص، النص هكذا: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾، ولكن هناك تفسير للنص.
التفريق بين النص وتفسير النص وتطبيق النص في الصفات الإلهية
عندنا ثلاث أمور ذكرناها:
- النص
- تفسير النص
- تطبيق النص
النص يقول:
﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِىٓ﴾ [طه: 39]
nسب [الله] العين لنفسه سبحانه وتعالى.
﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: 64]
لكن الإمام أبو الحسن [الأشعري] يقول إن الله سبحانه وتعالى له يد. لكن هذا ما قاله، فأين التفسير إذن؟ ماذا يعني أن له يدًا؟ هل يعني يدًا مثل يدك هذه التي لك؟ أنت هذه ليست يدًا تليق بجلاله سبحانه وتعالى، أو لها معنى يليق بجلاله مثل القوة أو مثل الخالقية؛ فإنه خالق وقوي.
معنى اليد في اللغة العربية بين النعمة والقوة وتنزيه الله
وتقول: له عليَّ يد، له عليَّ يد، يعني يده عليك هكذا؟ لا، له عليها يد يعني له عليها نعمة، وهو المنعم سبحانه وتعالى.
ما تفسير الكلام؟ نعم، هذا ما نقلنا إلى الملف الثاني. إنما ذلك المشبِّه المجسِّم الجاهل بن الجاهل الذي لا يعرف عربية ولا يعرف فرقًا بين النصوص والتفسير، يقول: لا، أنا فاهم في عقلي أنه يد، ويصنع لك يده هكذا.
موقف الإمام مالك الصارم من المشبهة والمجسمة في صفات الله
قال الإمام مالك: فإن فعل [أي شبّه الله بخلقه] قُطعت يده. نقول له: حسنًا، تعال، ها أنا أقطع لك يدك، لكن يد الله ليست هكذا سبحانه وتعالى.
وأشار أحدهم أمام الإمام مالك أيضًا، قال أن السماوات والأرض بين إصبعين من أصابع الرحمن، وحرّك يده هكذا. قال [الإمام مالك]: مُشبِّه، أرى أن تُقطع أصابعه. يعني طبعًا هو لن يقطع شيئًا، لا، إنه جاهل، وإنما هذا مثل ماذا؟ يعني يحذرنا تحذيرًا شديدًا من هذا الجهل المنتشر. هذا سَفَهٌ من أنواع السَّفَه.
أبو الحسن الأشعري فسّر اليد بالقوة في كتبه الأخرى
فالذي قاله أبو الحسن [الأشعري] في الإبانة يقول أن الله سبحانه وتعالى نثبت له يدًا. لماذا؟ لأنها القوة. في كتاب آخر قال إنها القوة وانتهى الأمر.
فالنص شيء والتفسير شيء آخر.
تفسير قوله تعالى أأمنتم من في السماء والرد على من يفهمها بالظرفية
﴿ءَأَمِنتُم مَّن فِى ٱلسَّمَآءِ﴾ [الملك: 16]
الذي في السماء هو مَن؟ الذي في السماء هو الله. فجاء ولد لا يعرف العربية، فقال: هل الله داخل السماء هكذا، كما نحن في المسجد؟ فقال له: لا. فقال له: هل ستنكر القرآن؟ ﴿أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ﴾ ها هو!
فقال له: نعم، ولكن كلمة (في) هنا يا جاهل ليس معناها الظرفية، بل معناها الفوقية. فقال له: جميل، فوق السماء هكذا؟ يعني جالس هكذا فوق السماء؟ قال له: ما هو يا جاهل، ربنا منزّه عن المكان وعن الزمان، فالفوقية فوقية مكانة لا مكان.
وأنت لست منتبهًا، إنهم يجلسون ليزعجوننا، فهو سلسال من القرف.
الرد على من يدّعي الدفاع عن الصفات وهو جاهل بأصول العلم
حسنًا، إذا كنت أنت الماحي في جميع النواحي، فما شأنك بهذا الأمر؟ قال: لا، ما أنا أدافع الآن عن الصفات حتى لا نكون معطلين.
لست جاهلًا فحسب، بل أنت جاهل بعمق، أنت جاهل من الدرجة الأولى. لكن القرآن هو الذي قال، وليس أبو الحسن ولا شيء آخر. سيدنا أبو الحسن الأشعري ليس هو الذي قال:
﴿ءَأَمِنتُم مَّن فِى ٱلسَّمَآءِ﴾ [الملك: 16]
هذا رب العالمين [هو الذي قال ذلك].
معنى الاستواء على العرش بين الاستيلاء والغلبة عند العلماء
﴿ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱسْتَوَىٰ﴾ [طه: 5]
فكيف استوى؟ فقال: استوى يعني استولى. لقد استوى بِشرٌ على العراق من غير سيف أو دم مُهراق، يبقى الاستواء يحدث بالاستيلاء بلا غلبة.
طيب، ابن الأعرابي يقول أنه الاستيلاء بغلبة. فهل الله غلب الخلق؟ إذن غلب مَن وهو القاهر فوق عباده؟
﴿ٱئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ﴾ [فصلت: 11]
والله يخيّرهم في أمر مستحيل: ائتيا طوعًا أو كرهًا، يعني إن لم تكونوا راغبين فستأتون حتمًا. يخاطب الله مَن؟ السماوات والأرض، فقالت السماوات والأرض: أتينا طائعين.
الاستواء على العرش سواء بغلبة أو بغيرها والعرش خاضع لله تعالى
لا، دعنا من هذا الحديث، فنحن نعلم أن:
﴿ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱسْتَوَىٰ﴾ [طه: 5]
أي استولى بغلبة أو بغير غلبة، احسبها أنت كما تشاء. أكنتَ حاضرًا عندما استوى الرحمن على العرش لترى أبغلبة أم بغير غلبة؟ إنها مسألة مغيظة!
ماذا سيحدث لو كان بغلبة؟ وماذا سيحدث لو كان بغير غلبة؟ إن العرش مثل السماوات والأرض، خضع لله وهو أكبر مخلوق في الأرض، أو ربما العرش أدرك أن الله أعلم، ربما لا نعرف.
لكن احتمال يعقل أنه إما أتى ساجدًا راكعًا - أتينا طائعين - وإما أتى وهو يتبختر قليلًا هكذا ويرى نفسه سيقهر، وهو القاهر فوق عباده. أليس العرش هذا من عباده؟ من عباده.
﴿وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَـٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: 44]
خطورة التشبيه والتجسيم وتصوير الله جالسًا على كرسي بصفات بشرية
حسنًا، ولماذا قال دعوهم يقولون هكذا؟ تجعلها أن الله تعالى جالس فوق على كرسي كبير هكذا، وله يمين، وكلتا يديه اثنتان هكذا، له يمين، وله عين واحدة. قال تعالى:
﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ﴾ [الشورى: 11]
نعم، ماذا نفعل إذن؟ من أين أتى الأطفال [أي الجهلة] بهذا الكلام؟ أتوا به من قوله تعالى:
﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ ٱلْكِتَـٰبِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ [البقرة: 85]
جهلوا أن القرآن كالجملة الواحدة. هذه هي الحكاية: القرآن يُقرأ متكاملًا هكذا، وليس أن تأخذ جزءًا منه وتتجاوز الباقي.
وجوب قراءة القرآن متكاملًا وعدم اقتطاع النصوص من سياقها
﴿فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ﴾ [الماعون: 4]
لا، أكمل.
﴿لَا تَقْرَبُوا ٱلصَّلَوٰةَ﴾ [النساء: 43]
لا، أكمل. لا بد أن تكمل.
﴿وَقَـٰتِلُوا﴾ [البقرة: 190]
لا تتوقف، أكمل:
﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [البقرة: 190]
لا تتوقف، أكمل. ولكن هناك شيء يسمى منهج الانتقاء: خذ ما على رأسك [أي ما يوافق هواك].
خطورة منهج الانتقاء وضرورة الرجوع إلى أهل العلم المعتبرين
ولذلك تجد الفرقة والتي تعارضها، كلاهما يستدل بالقرآن، حتى حيّروا - يا عيني - الجماعة المثقفين. يقولون: نحن لا نفهم، لم نعد نفهم. حسنًا، هل فهمتم شيئًا من قبل لكي تفهموا هذا؟ ياه! كل شيء مختلط ببعضه.
دعوا الخبز لخبازيه، الذين جلسوا ورسموا المنهج. واعرفوا مَنْ خبراؤه هؤلاء: الإمام النووي، وابن حجر العسقلاني، وابن فورك، والغزالي. لقد عكفوا عليها حتى اتضحت الصورة لهم.
فلماذا هكذا؟ لأن الله تعالى رتبها وقال:
﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [النحل: 43]
أي لا تهرِف بما لا تعرف، فالله قد أمرك وأنت الذي عصيت.
النهي عن التصدر بغير علم والتكلم في الدين بلا تأهل
﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ ٱلسَّمْعَ وَٱلْبَصَرَ وَٱلْفُؤَادَ كُلُّ أُولَـٰٓئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْـُٔولًا﴾ [الإسراء: 36]
إن هذا الأمر [أي العلم الشرعي] لا نوليه من طلبه [بغير أهلية]، وقد تصدّروا قبل أن يتعلموا، وتكلموا قبل أن يتفهموا.
شهوة التصدر، شهوة التصدر هي التي جعلت هذا الصنف من الناس [يتكلمون في الدين بغير علم].
