اجتهاد النبىﷺ |أ.د علي جمعة
- •نقل الإمام البيهقي عن الإمام الشافعي أن ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم هو مما فهمه من القرآن.
- •قضية اجتهاد النبي أثارها العلماء بعد اطلاعهم على كلام أرسطو حول إمكانية العدول عن الطريق القطعي إلى الطريق الظني في تحصيل المعرفة.
- •الراجح عند الأولياء أن النبي ليس مجتهداً بل هو موحى إليه، والوحي يدله قطعاً على حكم الله.
- •اختلف العلماء في المسألة على تسعة أقوال، والراجح أنه صلى الله عليه وسلم مؤيد من الله وموفق.
- •النبي معصوم ظاهراً وباطناً من الكبائر والصغائر، خلافاً لبعض العلماء الذين جوزوا وقوع الأنبياء في الأخطاء.
- •ما يفهمه النبي من القرآن ليس اجتهاداً بالمعنى المتعارف عليه، بل هو بقطع من الوحي.
- •القرآن هو الوحي المتلو والسنة هي الوحي غير المتلو، ولذلك سمى الشافعي النبي صاحب الوحيين.
- •كل ما صدر عن النبي صلى الله عليه وسلم هو في حد العصمة وهو ترجمة واقعية لفهمه المعصوم للقرآن.
نقل الإمام البيهقي عن الشافعي أن السنة مفهومة من القرآن بالوحي
يقول [الشيخ] أنه نُقل عن الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه أن كلَّ ما ورد عن سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم فمما فهمه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من القرآن. هذا الكلام نقله بسنده الإمام البيهقي عن سيدنا الإمام الشافعي، وهو صحيح.
هل يتناقض كلام الشافعي مع القول بأن النبي ليس مجتهدًا وأصل المسألة
قال [السائل]: فهل هذا [القول المنقول عن الشافعي] يتناقض مع العلماء الذين قالوا أن النبي صلى الله عليه وسلم ليس مجتهدًا؟
قضية اجتهاد النبي صلى الله عليه وسلم قضية أنشأوها [بعض المتكلمين] عندما اطلعوا على كلام لأرسطو، وهو أن الإنسان إذا كان عنده طريق قطعي لتحصيل المعرفة وعنده أيضًا طريق ظني لتحصيل نفس المعرفة، فهل يجوز له أن يعدل عن الطريق القطعي إلى الطريق الظني؟
ولم يجدوا مثالًا لها فأثاروا قضية: هل النبي اجتهد أو لم يجتهد؟
الراجح أن النبي ليس مجتهدًا بل هو نبي موحى إليه معصوم
والراجح عند الأولياء أن النبي صلى الله عليه وسلم ليس مجتهدًا، بل هو نبي موحى إليه، وأن الوحي يدله قطعًا على حكم الله، فليس له أن يعدل عن هذا القطع إلى طريق يرتب فيه المقدمات حتى يصل إلى النتيجة.
ولذلك اختلف العلماء على تسعة أقوال في المسألة، والراجح عندنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس مجتهدًا، وإنما هو موفَّق ومؤيَّد من الله سبحانه وتعالى، وأن الله سبحانه وتعالى أوحى له:
﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْىٌ يُوحَىٰ * عَلَّمَهُ شَدِيدُ ٱلْقُوَىٰ﴾ [النجم: 4-5]
وأنه لا ينطق عن الهوى، وأنه صلى الله عليه وآله وسلم معصوم ظاهرًا وباطنًا، ومعصوم من الكبائر ومن الصغائر، وإن قُلتَ فهو معصوم ومحفوظ بإذن الله.
مذهب بعض العلماء في عصمة الأنبياء والرد عليه بقول النووي
وذهب بعض العلماء إلى أن الأنبياء يمكن أن يقعوا في الأخطاء وفي بعض الصغائر. قال الإمام النووي: والراجح بخلافه، والصحيح أنهم لا يقعون في مثل هذا، فهم معصومون ظاهرًا وباطنًا.
فالنبي صلى الله عليه وسلم وهو سيدهم معصوم ظاهرًا وباطنًا، وما ورد من النصوص بخلاف ذلك في ظاهره مؤوَّل. لكن النبي صلى الله عليه وسلم كل ما صدر عنه إنما يجوز تقليده، ولكن بالفهم الصحيح.
الجواب عن التعارض بين فهم النبي للقرآن وعدم كونه مجتهدًا
وعلى ذلك يأتي السؤال: فإذا كان الأمر كذلك، فهل يتعارض هذا [القول بأن السنة من فهم القرآن] مع ذلك [القول بأنه ليس مجتهدًا]؟
لا يتعارض؛ لأن ما يذهب إليه النبي صلى الله عليه وسلم من فهمه للقرآن إنما هو بقطع من الوحي. ولذلك فإن القرآن هو الوحي المتلو، والسنة هي الوحي غير المتلو، فهي وحي أيضًا.
وورد عن الإمام الشافعي أنه سمَّى النبي صلى الله عليه وسلم صاحب الوحيين؛ فوحي السنة شيء، ووحي القرآن شيء آخر.
لا اختلاف بين فهم النبي للقرآن وتسميته اجتهادًا لأنه وحي وتبليغ
وعلى ذلك فلا اختلاف بين أن يقول النبي صلى الله عليه وسلم قولًا من فهمه للقرآن وبين أن يُسمَّى هذا اجتهادًا؛ لأن ما فهمه من القرآن إنما كان على سبيل الوحي والقطع واللزوم والحفظ، وليس شأنه شأن المجتهد الذي يخطئ فيأخذ أجرًا ويصيب فيأخذ أجرين.
بل هو صلى الله عليه وسلم في مقام التبليغ عن ربه. ولذلك فلا يُسمَّى أبدًا ما قاله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اجتهادًا، إنما هو تبليغ:
﴿مَّا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلَّا ٱلْبَلَـٰغُ﴾ [المائدة: 99]
ولم يقل: ما على الرسول إلا بذل الوسع أو الاجتهاد أو المحاولة إلى آخره.
كل ما صدر عن النبي في حد العصمة والأسوة الحسنة وسنته ترجمة للقرآن
بل إن كل ما صدر عن النبي صلى الله عليه وسلم فهو في حد العصمة، وهو في حد الأسوة الحسنة:
﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُوا ٱللَّهَ وَٱلْيَوْمَ ٱلْـَٔاخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: 21]
وكل ما ورد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم من سنته الشريفة المنيفة إنما هو ترجمة واقعية لفهمه المعصوم المحفوظ الموحى إليه به من القرآن الكريم.
فإذا كان القرآن قد عُصم عن الزلل والخطأ والتحريف والتخريف ولم ينله شيء من هذا، فسنة النبي أيضًا حُفظت كذلك عن كل هذا. ولذلك فالحمد لله الذي جعلنا مسلمين:
﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُوا ٱللَّهَ وَٱلْيَوْمَ ٱلْـَٔاخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: 21]
﴿وَمَآ ءَاتَىٰكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَىٰكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُوا﴾ [الحشر: 7]
