اسمع اتباع بعض الطرق الصوفية قولهم مدد يا رسول الله أو مدد يا سيدنا الحسين ونحو ذلك أو يقولون اغثنا - فتاوي

اسمع اتباع بعض الطرق الصوفية قولهم مدد يا رسول الله أو مدد يا سيدنا الحسين ونحو ذلك أو يقولون اغثنا

17 دقيقة
  • قول "مدد يا رسول الله" أو "أغثني يا رسول الله" عند أتباع الطرق الصوفية مقصود به طلب الدعاء من النبي صلى الله عليه وسلم لقربه من الله تعالى، وليس دعاء النبي ذاته.
  • العرب قديماً كانوا يبدأون قصائد المديح بالتشبيب والغزل، كما فعل البصيري في بردته وأحمد شوقي في نهجه.
  • النبي صلى الله عليه وسلم علّمنا الاستغاثة بغير المرئيين كقوله: "إذا ضل بعيرك في الفلاة فقل: يا عباد الله احبسوا".
  • يعرض رسول الله أعمال أمته ويستغفر لهم كما في قوله تعالى: "ولو أنهم ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول".
  • ابن تيمية أنكر الاستغاثة بالنبي ظناً منه أنها دعاء للنبي، ثم وضح أنه لا ينكر طلب الدعاء.
  • القرار الأخير بيد الله، فهو القاهر فوق عباده، فعال لما يريد، لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون.
محتويات الفيديو(17 أقسام)

سؤال عن حكم قول مدد يا رسول الله عند أتباع الطرق الصوفية

يسأل سائل يقول:

أسمع من بعض أتباع الطرق الصوفية قولهم: "مدد يا رسول الله" أو "مدد يا سيدنا الحسين" ونحو ذلك، أو يقولون: "أغثنا يا رسول الله"، فهل هذا جائز شرعًا؟

اللغة العربية لغة واسعة؛ فيها الحقيقة وفيها المجاز، وفيها الإثبات وفيها الحذف، وفيها الكناية، ولها فنون تكلم بها العرب. والنبي صلى الله عليه وسلم أفصح العرب، وعلّمنا هذا المنهج أن نتكلم باللغة العربية على مقتضى أهلها.

عادة العرب في التشبيب قبل قصائد المديح وعلاقة الحب ببناء الأسرة

وكان العرب قديمًا إذا أرادوا أن يقدموا قصيدة مديح بدأوها بالتشبيب، والتشبيب معناه أن يذكر شيئًا من الحب العاطفي. والحب أمثلُه ما يكون بين الرجل والمرأة لبناء الأسرة ولعمارة الدنيا.

والله سبحانه وتعالى أمر بهذه الأسرة، ووضّح لنا في قصة الخلق أنه خلق آدم ولم يكتفِ بذلك، بل خلق منه حواء. قال تعالى:

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً وَٱتَّقُوا ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِ وَٱلْأَرْحَامَ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: 1]

فدلّ ذلك على عِظَم شأن الأسرة عنده، وأنه خلق هذا الخلق من أجل عمارة الدنيا عن طريق الاجتماع البشري.

المحبة بين الزوجين في القرآن وتشبيب كعب بن زهير في مدح النبي

ومن هنا جاءت المحبة؛ فهو الذي خلق سبحانه وتعالى لنا من أنفسنا أزواجًا لنسكن إليها وجعل بيننا مودة ورحمة، فأشار أيضًا إلى هذا الحب الذي هو بين الرجل والمرأة.

لمّا عرف العربي بفطرته هذا [أسلوب التشبيب]، وأراد أحدهم [كعب بن زهير] أن يقدم قصيدة اعتذار لرسول الله وفيها المديح، قال: "بانت سعاد فقلبي اليوم متبول"، يعني سعاد بعدت عني فأنا متضايق اليوم؛ حتى يرقّ قلب رسول الله [صلى الله عليه وسلم].

قصة بريرة ومغيث وشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم بين المحبين

وكانت تخدم رسول الله صلى الله عليه وسلم جارية اسمها بريرة، متزوجة لرجل لا تحبه وهو يحبها اسمه مغيث. فأعتقت عائشة [رضي الله عنها] بريرة جزاءً لخدمتها وإخلاصها في تلك الخدمة.

والأمة إذا ما تحررت فلها الخيار أن تستمر مع زوجها وهو عبد أو ألّا تستمر، فاختارت بريرة الانفصال.

وكان عمر بن الخطاب [رضي الله عنه] يقول لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أتنظر حال مغيث يا رسول الله؟ فإنه يسير في المدينة يبكي، حتى نردّه إلى بريرة، هلّا كلّمتها؟

حوار النبي مع بريرة بين الأمر والشفاعة في شأن مغيث

هو [النبي صلى الله عليه وسلم] سيدها ونبيها ومعتقها، وفضله عليها غير منكور. قال لها: يا بريرة، وصل الحب بالمغيث إلى أنه يبكيكِ. قالت: أتأمرني أم تتشفع يا رسول الله؟ قال: لا آمرك بل أتشفع. قالت: إذن فلا.

يبدو أن مغيثًا كان محزنها كثيرًا. فمغيث يطوف بالمدينة باكيًا من حبه لبريرة، والنبي [صلى الله عليه وسلم] يتوسط في هذا الشأن، وعمر [رضي الله عنه] يطلب من سيدنا صلى الله عليه وسلم أن يصلح بين المحبين.

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

«المتحابون على منابر من نور يوم القيامة»

التشبيب في قصيدتي البردة للبوصيري ونهج البردة لأحمد شوقي

فلما كان الأمر كذلك [أن الحب والتشبيب من أساليب العرب في المديح]، رأينا البوصيري وهو في بردته عندما مدح رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "أمِن تذكّر جيران بذي سلمٍ، مزجت دمعًا جرى من مقلةٍ بدم"، يتشبب في حبيبته ويقصد بذلك طيبة الطيبة [المدينة المنورة]، لكن الصياغة تدل على كأنه يحب امرأة.

ويقول شوقي وهو في نهج بردته: "ريمٌ على القاع بين البان والعَلَمِ، أحلّ سفك دَمي في الأشهر الحُرُم، رمى القضاء بعينَي جؤذرٍ أسدًا، يا ساكن القاع أدرك ساكن الأَجَمِ".

فهذه الأُسُر [الأساليب] وهذا الحب من كلام العرب، وعليه نفهم كلام أولئك العرب.

انحراف من حصروا فهم الدين في ظاهر اللفظ وأفسدوا الدين والدنيا

بعد ما تدخلت الأهواء وحصروا الأمر في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، فخالفوا سنته وكرّوا على الديانة كلها بالبطلان، فأفسدوا الدين والدنيا معًا.

من هذه المجازات [المشروعة] أن تطلب الدعاء من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهذا هو المدد الذي يليق به: امددنا بشيء من عندك يا رسول الله. هم يريدون أن رسول الله يأمرك بهذا على عينه هكذا.

الأدلة من الحديث والقرآن على مشروعية طلب الدعاء من النبي صلى الله عليه وسلم

ورسول الله [صلى الله عليه وسلم] يقول:

«تُعرض عليّ أعمالكم، فإن وجدت خيرًا حمدت الله، وإن وجدت غير ذلك استغفرت لكم»

والله [عز وجل] يقول:

﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوٓا أَنفُسَهُمْ جَآءُوكَ فَٱسْتَغْفَرُوا ٱللَّهَ وَٱسْتَغْفَرَ لَهُمُ ٱلرَّسُولُ لَوَجَدُوا ٱللَّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا﴾ [النساء: 64]

هذا هو المدد بنص القرآن. ولذلك أظهر الله قبره [الشريف] وأعلى شأنه، واتفق عليه الجن والإنس والكافر والمؤمن؛ حتى تبقى هذه الآية إلى يوم الدين.

معنى المدد والاستغاثة بالنبي هو طلب الدعاء من روحه الشريفة

يلجأ إليه [صلى الله عليه وسلم] المسلمون عندما تضيق بهم الأرض بما رحبت، ويذهبون إلى قبره الشريف يلتمسون منه الدعاء: مدد يا رسول الله، ادعُ لنا يا رسول الله، أغثنا يا رسول الله بالدعاء.

دعاءٌ لمن؟ لله رب العالمين، الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد.

والدعاء هذا الذي يفعله رسول الله مع علوّ مقامه ومكانه ومكانته عند الله أقرب وأرجى للاستجابة.

الله هو القاهر فوق عباده وتفرده سبحانه بالقبول والرد

ولكن هو [الله سبحانه] القاهر فوق عباده؛ فالله قاهر، فعّال لما يريد، لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون. فالله متفرد بالجلال والجمال والكمال.

﴿ٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: 80]

والرؤوف الرحيم صلى الله عليه وسلم يقول:

«والله لو علمت أنني لو استغفرت فوق السبعين لاستغفرت لهم»

فرسول الله يستغفر والله لا يستجيب [في حق المنافقين]، لكن هذا في الأقل عندما يخفى على رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يعلمه الله، وهو [سبحانه] يعلم السر وأخفى من السر.

مشهد الحوض يوم القيامة ودلالته على أن الله هو القاهر فوق عباده

ولذلك يأتي في مشاهد يوم القيامة أن رسول الله [صلى الله عليه وسلم] يأتيه قوم على الحوض فيناولهم كأسًا حتى يشربوا من يده الشريفة، فيُحال بينهم وبينه. فيقول: يا رب، أصحابي أصحابي! فيقول [الله عز وجل]: صَهْ يا محمد، اسكت فإنك لا تدري ما أحدثوا بعدك.

وهذا يدل على أن الله هو القاهر فوق عباده، وأن الله فعّال لما يريد.

وجوب اللجوء إلى الله وطلب الدعاء من الصالحين أحياءً وأمواتًا

ولكن علينا أن نلجأ إليه [سبحانه وتعالى]، وأن نلتمس إليه الدعاء، وأن نطلب من الصالحين أحياءً وأمواتًا الدعاء، والله فعّال لما يريد.

فـ "مدد يا رسول الله" إنما هي نوع من أنواع طلب الدعاء من روحه الشريفة في مكانه المنيف؛ لقربه من الله سبحانه وتعالى.

حديث النبي في طلب المدد من عباد الله غير المرئيين كالملائكة

"أغثنا يا رسول الله"، النبي صلى الله عليه وسلم علّمنا فيما علّمنا أن نطلب من عباد الله حتى غير المرئيين منهم المدد، فقال:

«إذا ضلّ بعيرك في الفلاة فقل: يا عباد الله احبسوا، يا عباد الله احبسوا»

أنت وحدك في الصحراء والبعير هرب منك هكذا، فعباد الله من هم؟ نعم، إنهم الملائكة؛ فإن لله ملائكة يحبسونها عليك.

الإيمان بالغيب وإنكار النابتة لما أقره العلماء وأهل الله

﴿ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَمِمَّا رَزَقْنَـٰهُمْ يُنفِقُونَ﴾ [البقرة: 3]

فهذه البلية التي عليها النابتة [المتشددون]؛ حيث ينكرون ما أقرّه العلماء وما أقرّه أهل الله وما وافق اللغة، قادحين في ذلك في عقيدة من فعل [الاستغاثة]، جهلًا منهم وطغيانًا وغباوة وعماءً.

إنما هو تغيير لملامح الدين الذي نُقِل كابرًا عن كابر، وطبقة بعد طبقة، حتى وصلنا غضًّا طريًّا لا يعكّر صفوه شيء من هذه الترهات.

محاكمة ابن تيمية بسبب إنكاره الاستغاثة بالنبي وموقف العلماء منه

ظنّ ابن تيمية أن كلمة "أغثنا يا رسول الله" هي دعاء له [أي عبادة للنبي] وليست طلبًا نطلب منه الدعاء، فأنكرها. فجعلوا له مجلسًا يُحاكم فيه من أكابر العلماء.

فقال [ابن تيمية]: أنا أقصد أن ندعو النبي في ذاته. قالوا له: وهل يرد في ذهن مسلم أن يدعو النبي في ذاته؟ لم أرَ مسلمًا يعبد النبي، فهذا لم يحدث. قال: هذا هو المعنى الذي نفيته.

طيب، وطلب الدعاء؟ قال: لا، هذا لم ننفِه.

حكم العلماء على ابن تيمية وموقف العز بن جماعة من تراجعه

فالعلماء عملوا محضرًا وقالوا: على كل حال، إذا كان [ابن تيمية] قد تبرأ من المعنى القبيح وأقرّ بالمعنى الصحيح، فنعفو عنه.

إلا العز بن جماعة قال: أراه يتلاعب بكم ولا نعفو عنه. فصدر الحكم بالأغلبية أن أغلب العلماء اكتفوا منه بهذا التصريح.

والعز قال: أبدًا، من اتّهم أن الاستغاثة برسول الله إنما هي نوع من الشرك لا يُسامَح. من أين أتيت بهذا الكلام؟

خلاصة معنى المدد وأن الأمر كله بيد الله سبحانه وتعالى

ابن كثير في [كتابه] البداية والنهاية، وهو ممن كان ينبهر بابن تيمية وعلمه وفضله، ولكن لكل جواد كبوة ولكل حصان هفوة. من ذا الذي ما ساء قط، ومن له الحسنى فقط؟ محمد الهادي الذي عليه جبريل هبط.

فكلمة "مدد يا رسول الله" تعني أننا نطلب من روحه الشريفة الدعاء؛ فإذا استجاب ودعا فإن الأمر تحوّل إلى حضرة الرب سبحانه وتعالى، فإن أراد أن يستجيب بعلمه وحكمته فعل، وإن أراد ألّا يفعل فهو فعّال لما يريد، لا يتألّى عليه أحد.

فهو سبحانه وتعالى يغفر لمن يشاء، ويهدي من يشاء، ويضل من يشاء، ويمكّن من يشاء، ويسلب من يشاء، ويعطي من يشاء، ويحيي من يشاء، ويميت من يشاء، بيده الملك وبيده الخير وهو على كل شيء قدير.

هذا، والله تعالى أعلى وأعلم.